Ибн Атыйя · Тафсир · на арабском
الصافات
Ас-Саффат
Выстроившиеся в ряды · Мекканская · 182 аята
37:1–7Страница 446
وَٱلصَّٰٓفَّٰتِ صَفّٗا ١
Клянусь выстроившимися в ряды,
فَٱلزَّٰجِرَٰتِ زَجۡرٗا ٢
гонящими упорно,
فَٱلتَّٰلِيَٰتِ ذِكۡرًا ٣
читающими напоминание!
إِنَّ إِلَٰهَكُمۡ لَوَٰحِدٞ ٤
Воистину, ваш Бог - Единственный.
رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَا وَرَبُّ ٱلۡمَشَٰرِقِ ٥
Он - Господь небес, земли и того, что между ними, Господь восходов.
إِنَّا زَيَّنَّا ٱلسَّمَآءَ ٱلدُّنۡيَا بِزِينَةٍ ٱلۡكَوَاكِبِ ٦
Мы украсили ближайшее небо красотой звезд (или звездами)
وَحِفۡظٗا مِّن كُلِّ شَيۡطَٰنٖ مَّارِدٖ ٧
и оберегаем его от всякого мятежного дьявола.
(p-٢٧٠)بِسْمِ اللهِ الرَحْمَنِ الرَحِيمِ
تَفْسِيرُ سُورَةِ الصافّاتِ
هِيَ مَكِّيَّةٌ، وعَدُّها في المَدَنِيِّ والشامِيِّ والكُوفِيِّ مِائَةُ آيَةٍ وآيَتانِ وثَمانُونَ آيَةً.
قوله عزّ وجلّ:
﴿والصافّاتِ صَفًّا﴾ ﴿فالزاجِراتِ زَجْرًا﴾ ﴿فالتالِياتِ ذِكْرًا﴾ ﴿إنَّ إلَهَكم لَواحِدٌ﴾ ﴿رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ وما بَيْنَهُما ورَبُّ المَشارِقِ﴾ ﴿إنّا زَيَّنّا السَماءَ الدُنْيا بِزِينَةٍ الكَواكِبِ﴾ ﴿وَحِفْظًا مِن كُلِّ شَيْطانٍ مارِدٍ﴾
أقْسَمَ اللهُ تَعالى في هَذِهِ الآياتِ بِأشْياءَ مِن مَخْلُوقاتِهِ، واخْتَلَفَ الناسُ في مَعْناها، فَقالَ ابْنُ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقُ، وقَتادَةُ: هي المَلائِكَةُ الَّتِي تُصَفُّ في السَماءِ في عِبادَةِ اللهِ تَعالى وذِكْرِهِ صُفُوفًا، وقالَتْ فِرْقَةٌ: أرادَ كُلَّ مَن يُصَفُّ مِن بَنِيآدَمَ في قِتالٍ في سَبِيلِ اللهِ، أو في صَلاةِ وطاعَةِ، والتَقْدِيرُ: والجَماعاتِ الصافّاتِ، واللَفْظُ يَحْتَمِلُ أنْ يَعُمَّ هَذِهِ المَذْكُوراتِ.
"الزاجِراتُ زَجْرًا"، قالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: المَلائِكَةُ الَّتِي تَزْجُرُ السَحابَ وغَيْرَهُ مِن مَخْلُوقاتِ اللهِ، وقالَ قَتادَةُ: هي آياتُ القُرْآنِ المُتَضَمِّنَةُ النَواهِيَ الشَرْعِيَّةَ.
وقَوْلُهُ: ﴿فالتالِياتِ ذِكْرًا﴾ مَعْناهُ: القارِئاتُ، وقالَ مُجاهِدٌ، والسُدِّيُّ: أرادَ المَلائِكَةَ الَّتِي تَتْلُو ذِكْرَهُ، وقالَ قَتادَةُ: أرادَ بَنِي آدَمَ الَّذِينَ يَتْلُونَ كُتُبَهُ المُنَزَّلَةَ، وتَسْبِيحَهُ وتَكْبِيرَهُ، ونَحْوَ ذَلِكَ.
وقَرَأ أبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ: [والصافّاتِ صَفًّا] بِالإدْغامِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، (p-٢٧١)وَمَسْرُوقٍ، والأعْمَشِ. وقَرَأ الباقُونَ وجُمْهُورُ الناسِ بِالإظْهارِ، وكَذَلِكَ في كُلِّها، قالَ أبُو حاتِمٍ: "والإظْهارُ اخْتِيارُنا"، وأمّا "الحامِلاتِ وِقْرًا" و"الجارِياتِ يُسْرًا" فَلا يَجُوزُ فِيهِما الإدْغامُ لِبُعْدِ التاءِ مِنَ الحَرْفَيْنِ.
ثُمَّ بَيَّنَ تَعالى المُقْسَمَ عَلَيْهِ أنَّهُ تَوْحِيدُهُ، وأنَّهُ واحِدٌ، أيْ: مُتَّحِدٌ في جَمِيعِ الجِهاتِ الَّتِي يَنْظُرُ فِيها المُفَكِّرُ. ثُمَّ وصَفَ تَعالى نَفْسَهُ بِرُبُوبِيَّتِهِ جَمِيعَ المَخْلُوقاتِ، وذَكَرَ ﴿ "المَشارِقِ"﴾ لِأنَّها مَطالِعُ الأنْوارِ، والعُيُونِ بِها أكْلَفُ، وفي ذِكْرِها غُنْيَةٌ عن ذِكْرِ المَغارِبِ؛ إذْ مُعادَلَتُها لَها مَفْهُومَةٌ عِنْدَ كُلِّ ذِي لُبٍّ، وأرادَ تَبارَكَ وتَعالى مَشارِقَ الشَمْسِ وهي مِائَةٌ وثَمانُونَ في السَنَةِ فِيما يَزْعُمُونَ، مِن أطْوَلِ أيّامِ السَنَةِ إلى أقْصَرِها، ثُمَّ أخْبَرَ عن قُدْرَتِهِ بِتَزْيِينِ السَماءِ بِالكَواكِبِ، وانْتَظَمَ في ذَلِكَ التَزْيِينِ أنْ جَعَلَها حِفْظًا وحِرْزًا مِنَ الشَياطِينِ المَرَدَةِ، وهم مُسْتَرَقُو السَمْعِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ بِإضافَةِ "الزِينَةِ" إلى "الكَواكِبِ"، وقَرَأ حَمْزَةُ، وحَفَصٌ عن عاصِمٍ بِتَنْوِينِ (زِينَةٍ) وخَفْضِ (الكَواكِبِ) عَلى البَدَلِ مِنها، وهي قِراءَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ، ومَسْرُوقٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وأبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ جَرِيرٍ، وابْنِ وثّابٍ، وطَلْحَةَ. وقَرَأ أبُو بَكْرٍ عن عاصِمٍ: "بِزِينَةٍ" بِالتَنْوِينِ [الكَواكِبَ] بِالنَصْبِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، وأبِي عَمْرٍو، والأعْمَشِ، ومَسْرُوقٍ، وهَذا في الإعْرابِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أو إطْعامٌ في يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ﴾ [البلد: ١٤] ﴿يَتِيمًا ذا﴾ [البلد: ١٥] وحَكى الزَهْراوِيُّ قِراءَةً بِتَنْوِينِ: "زِينَةٍ" ورَفْعِ "الكَواكِبُ".
و"المارِدُ": المُتَجَرِّدُ لِلشَّرِّ، ومِنهُ: شَجَرَةٌ مَرْداءُ، أيْ: لا ورَقَ عَلَيْها، ومِنهُ: الأمْرَدُ. وخَصَّ تَعالى السَماءَ الدُنْيا بِالذِكْرِ لِأنَّها الَّتِي تُباشَرُ بِأبْصارِنا، وأيْضًا فالحِفْظُ (p-٢٧٢)مِنَ الشَيْطانِ إنَّما هو فِيها وحْدَها. و"حِفْظًا" نَصْبٌ عَلى المَصْدَرِ، وقِيلَ: مَفْعُولٌ مِن أجْلِهِ، والواوُ زائِدَةٌ.
37:8–10Страница 446
لَّا يَسَّمَّعُونَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ ٱلۡأَعۡلَىٰ وَيُقۡذَفُونَ مِن كُلِّ جَانِبٖ ٨
Они не могут прислушаться к высшему сонму, и их забрасывают со всех сторон,
دُحُورٗاۖ وَلَهُمۡ عَذَابٞ وَاصِبٌ ٩
чтобы изгнать оттуда. Им уготованы вечные мучения.
إِلَّا مَنۡ خَطِفَ ٱلۡخَطۡفَةَ فَأَتۡبَعَهُۥ شِهَابٞ ثَاقِبٞ ١٠
Но если кто из дьяволов выхватит слово, то за ним последует яркий пылающий огонь.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿لا يَسَّمَّعُونَ إلى المَلإ الأعْلى ويُقْذَفُونَ مِن كُلِّ جانِبٍ﴾ ﴿دُحُورًا ولَهم عَذابٌ واصِبٌ﴾ ﴿إلا مَن خَطِفَ الخَطْفَةَ فَأتْبَعَهُ شِهابٌ ثاقِبٌ﴾
"المَلَأُ الأعْلى": أهْلُ السَماءِ الدُنْيا فَما فَوْقَها، ويُسَمّى الكُلُّ مِنهم "أعْلى" بِالإضافَةِ إلى مَلَإ الأرْضِ الَّذِي هو أسْفَلَ، والضَمِيرُ في ﴿ "يَسَّمَّعُونَ"﴾ لِلشَّياطِينِ. وقَرَأ جُمْهُورُ القُرّاءِ والناسُ: [يَسْمَعُونَ] بِسُكُونِ السِينِ وتَخْفِيفِ المِيمِ، وقَرَأ حَمْزَةُ، وعاصِمٌ - في رِوايَةِ حَفْصٍ - وابْنُ عَبّاسٍ - بِخِلافٍ عنهُ - وابْنُ وثّابٍ، وعَبْدُ اللهِ بْنُ مُسْلِمٍ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ: "لا يَسَّمَّعُونَ" بِشَدِّ السِينِ والمِيمِ، بِمَعْنى: لا يَتَسَمَّعُونَ، فَيَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأُولى سَماعُهم وإنْ كانُوا يَسْتَمِعُونَ، وهو المَعْنى الصَحِيحُ، ويُعَضِّدُهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهم عَنِ السَمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٢]، ويَنْتَفِي عَلى القِراءَةِ الأخِيرَةِ أنْ يَقَعَ مِنهُمُ اسْتِماعٌ أو سَماعٌ، وظاهِرُ الأحادِيثِ أنَّهم يَسْتَمِعُونَ حَتّى الآنَ لَكِنَّهم لا يَسْمَعُونَ، وإنْ سَمِعَ أحَدٌ مِنهم شَيْئًا لَمْ يُفْلِتْ قَبْلَ أنْ يُلْقِيَ ذَلِكَ السَمْعَ إلى الَّذِي يَجِيؤُهُ؛ لِأنَّ مِن وقْتِ مُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مُلِئَتِ السَماءُ حَرَسًا شَدِيدًا وشُهُبًا، وكانَ الرَجْمُ في الجاهِلِيَّةِ أخَفَّ، ورُوِيَ في هَذا المَعْنى أحادِيثُ صِحاحٌ مُضَمَّنُها «أنَّ الشَياطِينَ كانَتْ تَصْعَدُ إلى السَماءِ فَتَقْعُدُ لِلسَّمْعِ واحِدًا فَوْقَ آخَرَ، يَتَقَدَّمُ الأجْسَرُ نَحْوَ السَماءِ، ثُمَّ الَّذِي يَلِيهِ، فَيَقْضِي اللهُ تَعالى الأمْرَ في الأُمُورِ في الأرْضِ فَيَتَحَدَّثُ بِهِ أهْلُ السَماءِ، فَيَسْمَعُهُ مِنهم ذَلِكَ الشَيْطانُ الأدْنى، فَيُلْقِيهِ إلى الَّذِي تَحْتَهُ، فَرُبَّما أحْرَقَهُ شِهابٌ وقَدْ ألْقى الكَلامَ، ورُبَّما لَمْ تَحْرِقْهُ جُمْلَةٌ، فَيُنْزِلُ تِلْكَ الكَلِمَةَ إلى الكُهّانِ فَيَكْذِبُونَ مَعَها مِائَةَ كِذْبَةٍ، فَتَصْدُقُ تِلْكَ الكَلِمَةُ، فَيُصَدِّقُ الجاهِلُونَ الجَمِيعَ،» فَلَمّا جاءَ اللهُ تَعالى بِالإسْلامِ حُرِسَتِ السَماءَ بِشِدَّةٍ فَلَمْ يُفْلِتْ شَيْطانٌ سَمِعَ بَتَّةً، ويُرْوى أنَّها لا تَسْمَعُ الآنَ شَيْئًا. (p-٢٧٣)والكَواكِبُ الراجِمَةُ هي الَّتِي يَراها الناسُ تَنْقَضُّ، قالَ النَقّاشُ، ومَكِّيٌّ: ولَيْسَتْ بِالكَواكِبِ الجارِيَةِ في السَماءِ، لِأنَّ تِلْكَ لا تُرى حَرَكَتُها، وهَذِهِ الراجِمَةُ تُرى حَرَكَتُها لِأنَّها قَرِيبَةٌ مِنّا، وفي هَذا نَظَرٌ. و"يُقْذَفُونَ" مَعْناهُ: ويُرْجَمُونَ.
و"الدُحُورُ": الإصْغارُ والإهانَةُ؛ لِأنَّ الزَجْرَ الدَفْعُ بِعُنْفٍ، وقالَ مُجاهِدٌ: مَطْرُودِينَ. وقَرَأ الجُمْهُورُ بِضَمِّ الدالِ، وقَرَأ أبُو عَبْدِ الرَحْمَنِ السُلَمِيُّ: [دَحُورًا] بِفَتْحِ الدالِ، و"الواصِبُ": الدائِمُ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، وعِكْرِمَةُ. وقالَ السُدِّيُّ، وأبُو صالِحٍ: الواصِبُ: المُوجِعُ، ومِنهُ: الوَصْبُ، والمَعْنى: هَذِهِ الحالُ الغالِبَةُ عَلى جَمِيعِ الشَياطِينِ، إلّا مَن شَذَّ فَخَطَفَ خَبَرًا أو نَبَأً فَأتْبَعَهُ شِهابٌ فَأحْرَقَهُ.
وقَرَأ جُمْهُورُ الناسِ: ﴿ "خَطِفَ"﴾ بِفَتْحِ الخاءِ وكَسْرِ الطاءِ خَفِيفَةً، وقَرَأ الحَسَنُ، وقَتادَةُ: [خِطِّفَ] بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ وتَشْدِيدِ الطاءِ، قالَ أبُو حاتِمٍ: يُقالُ: هي لُغَةُ بَكْرِ بْنِ وائِلٍ، وتَمِيمِ بْنِ مُرَّةٍ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما بِكَسْرِ الخاءِ والطاءِ مُخَفَّفَةً. و"الثاقِبُ": النافِذُ بِضَوْئِهِ وشُعاعِهِ المُنِيرِ، قالَهُ قَتادَةُ، والسُدِّيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، و"حَسَبٌ ثاقِبٌ" إذا كانَ سَنِيًّا مُنِيرًا.
37:11–18Страница 446
فَٱسۡتَفۡتِهِمۡ أَهُمۡ أَشَدُّ خَلۡقًا أَم مَّنۡ خَلَقۡنَآۚ إِنَّا خَلَقۡنَٰهُم مِّن طِينٖ لَّازِبِۭ ١١
Спроси их (людей), они созданы прочнее или то, что Мы сотворили? Воистину, Мы сотворили их из липкой глины.
بَلۡ عَجِبۡتَ وَيَسۡخَرُونَ ١٢
Но ты удивлен, а они глумятся.
وَإِذَا ذُكِّرُواْ لَا يَذۡكُرُونَ ١٣
Когда же им напоминают, они отказываются помнить.
وَإِذَا رَأَوۡاْ ءَايَةٗ يَسۡتَسۡخِرُونَ ١٤
Когда же они видят знамение, то высмеивают его.
وَقَالُوٓاْ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا سِحۡرٞ مُّبِينٌ ١٥
Они говорят: «Это - всего лишь очевидное колдовство.
أَءِذَا مِتۡنَا وَكُنَّا تُرَابٗا وَعِظَٰمًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ ١٦
Неужели мы будем воскрешены после того, как умрем и станем прахом и костями?
أَوَءَابَآؤُنَا ٱلۡأَوَّلُونَ ١٧
Или же наши праотцы?».
قُلۡ نَعَمۡ وَأَنتُمۡ دَٰخِرُونَ ١٨
Скажи: «Да, и вы будете унижены!».
(p-٢٧٤)قوله عزّ وجلّ:
﴿فاسْتَفْتِهِمْ أهم أشَدُّ خَلْقًا أمْ مَن خَلَقْنا إنّا خَلَقْناهم مَن طِينٍ لازِبٍ﴾ ﴿بَلْ عَجِبْتَ ويَسْخَرُونَ﴾ ﴿وَإذا ذُكِّرُوا لا يَذْكُرُونَ﴾ ﴿وَإذا رَأوا آيَةً يَسْتَسْخِرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا إنْ هَذا إلا سِحْرٌ مُبِينٌ﴾ ﴿أإذا مِتْنا وكُنّا تُرابًا وعِظامًا أإنّا لَمَبْعُوثُونَ﴾ ﴿أوَآباؤُنا الأوَّلُونَ﴾ ﴿قُلْ نَعَمْ وأنْتُمْ داخِرُونَ﴾
الِاسْتِفْتاءُ نَوْعٌ مِن أنْواعِ السُؤالِ، وكَأنَّهُ سُؤالُ مَن يُهْتَبَلُ بِقَوْلِهِ ويَجْعَلُ حُجَّةً، وكَذَلِكَ هي أقْوالُهم في هَذا الفاصِلِ، لا يُمْكِنُهم أنْ يَقُولُوا إلّا أنَّ خَلْقَ مَن سِواهم مِنَ الأُمَمِ والمَلائِكَةِ والإنْسِ والجِنِّ والسَمَواتِ والأرْضِ والمَشارِقِ وغَيْرِ ذَلِكَ، هو أشَدُّ مِن هَؤُلاءِ المُخاطَبِينَ، وبِأنَّ الضَمِيرَ في "[خَلَقْنا]" يُرادُ بِهِ ما تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ، قالَ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ وغَيْرُهُما: وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: [أمْ مِن عَدَدْنا] يُرِيدُ مِنَ الصافّاتِ وغَيْرِها، والسَماواتِ والأرْضَ وما بَيْنَهُما، وكَذَلِكَ قَرَأ الأعْمَشُ، "أمَن" مُخَفَّفَةَ المِيمِ دُونَ "أمْ".
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى إخْبارًا جَزْمًا عن خَلْقِهِ لِآدَمَ الَّذِي هو أبُو البَشَرِ، وأضافَ الخَلْقَ مِنَ الطِينِ إلى جَمِيعِ الناسِ مِن حَيْثُ الأبُ مَخْلُوقٌ مِنهُ، وقالَ الطَبَرِيُّ: خَلَقَ آدَمَ مِن تُرابٍ وماءٍ ونارٍ وهَواءٍ، وهَذا كُلُّهُ إذا خُلِطَ صارَ طِينًا لازِبًا، وهو اللازِمُ، أيْ: يُلازِمُ ما جاوَرَهُ ويَلْصِقُ بِهِ، وهو الصَلْصالُ كالفَخّارِ، وعَبَّرَ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ عَنِ اللازِبِ بِالحُرِّ، أيِ الكَرِيمِ الجَيِّدِ، وحَقِيقَةُ المَعْنى ما ذَكَرْناهُ، يُقالُ: ضَرْبَةَ لازِبٍ ولازِمِ" بِمَعْنًى واحِدٍ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: ﴿ "عَجِبْتَ"﴾ بِفَتْحِ التاءِ، أيْ يا مُحَمَّدُ مِن إعْراضِهِمْ عَنِ الحَقِّ وعَماهم عَنِ الهُدى، وأنْ يَكُونُوا كافِرِينَ مَعَ ما جِئْتَهم بِهِ مِن عِنْدِ اللهِ. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِضَمِّ التاءِ، ورُوِيَتْ عن عَلَيٍّ، وابْنِ مَسْعُودٍ، وابْنِ عَبّاسٍ، وابْنِ وثّابٍ، والنَخَعِيِّ، وطَلْحَةَ، وسُفْيانَ، والأعْمَشِ، وذَلِكَ عَلى أنْ يَكُونَ تَعالى هو المُتَعَجِّبُ، ومَعْنى ذَلِكَ مِنَ اللهِ سُبْحانَهُ أنَّهُ صِفَةُ فِعْلٍ، كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ: « "تَعَجَّبَ اللهُ تَعالى إلى قَوْمٍ يُساقُونَ إلى الجَنَّةِ في السَلاسِلِ"،» (p-٢٧٥)وَقَوْلُهُ: « " تَعَجَّبَ اللهُ مِنَ الشابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ"،» فَإنَّما هي عِبارَةٌ عَمّا يُظْهِرُهُ في جانِبٍ مِنهُ، فَمَعْنى هَذِهِ الآيَةِ: بَلْ عَجِبَتُ مِن ضَلالِهِمْ وسُوءِ نِحْلَتِهِمْ، وجَعَلْتُها لِلنّاظِرِينَ فِيها وفِيما اقْتَرَنَ مَعَها مِن شَرْعِي وهُدايَ مُتَعَجِّبًا، ورُوِيَ عن شُرَيْحٍ إنْكارَ هَذِهِ القِراءَةِ، وقالَ: إنَّ اللهَ تَعالى لا يَعْجَبُ، وقالَ الأعْمَشُ: فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِإبْراهِيمَ فَقالَ: إنَّ شُرَيْحًا كانَ مُعْجَبًا بِعِلْمِهِ، وإنَّ عَبْدَ اللهِ أعْلَمُ مِنهُ. وقالَ مَكِّيُّ، وعَلِيُّ بْنُ سُلَيْمانَ في كِتابِ الزَهْراوِيِّ: هو إخْبارٌ عَنِ النَبِيِّ ﷺ عن نَفْسِهِ، كَأنَّهُ قالَ: "قُلْ لَهُمْ: عَجِبْتُ"، وقَوْلُهُ: ﴿ "وَيَسْخَرُونَ"﴾ أيْ: وهم يَسْخَرُونَ مِن نُبُوَّتِكَ والحَقِّ الَّذِي عِنْدَكَ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "يَسْتَسْخِرُونَ"﴾ يُرِيدُ: بِالآيَةِ، وهي العَلامَةُ والدَلالَةُ، ورُوِيَ أنَّها نَزَلَتْ في رُكانَةَ، وهو رَجُلٌ مَكِّيٌّ مُشْرِكٌ، لَقِيَ النَبِيَّ ﷺ في جَبَلٍ خالٍ وهو يَرْعى غَنَمًا لَهُ، وهو أقْوى أهْلِ زَمانِهِ، فَقالَ لَهُ: يا رُكانَةُ، إنْ أنا صَرَعْتُكَ أتُؤْمِنُ بِي؟ قالَ: نَعِمَ، فَصَرَعَهُ ثَلاثًا، ثُمَّ عَرَضَ عَلَيْهِ آياتٍ مِن دُعاءِ شَجَرَةٍ وإقْبالِها، ونَحْوِ ذَلِكَ مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ ألْفاظُ الحَدِيثِ، فَلَمّا فَرَغَ مِن ذَلِكَ كُلِّهِ لَمْ يُؤْمِن، وجاءَ إلى مَكَّةَ فَقالَ: يا بَنِي هاشِمٍ، ساحِرُوا بِصاحِبِكم هَذا أهْلَ الأرْضِ، فَنَزَلَتِ الآيَةُ فِيهِ وفي نُظَرائِهِ. و"يَسْتَسْخِرُونَ" مَعْناهُ: يَطْلُبُونَ أنْ يَكُونُوا مِمَّنْ يَسْخَرُ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَسْخَرُ، كَقَوْلِهِ: ﴿ "واسْتَغْنى اللهُ"،﴾ [التغابن: ٦] فَيَكُونُ فَعِلَ واسْتَفْعَلَ بِمَعْنى، وبِهَذا فَسَّرَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ، وفي بَعْضِ (p-٢٧٦)القِراءاتِ القَدِيمَةِ: "يَسْتَسْحِرُونَ" بِالحاءِ غَيْرِ مَنقُوطَةٍ، وهَذِهِ عِبارَةٌ عَمّا قالَ رُكانَةُ؛ لِأنَّهُ اسْتَسْحَرَ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أإذا مِتْنا﴾. وقَرَأ بِضَمِّ المِيمِ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ أبِي إسْحَقَ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، والعامَّةُ، وكَسَرَها الحَسَنُ، والأعْرَجُ، وشَيْبَةُ، ونافِعٌ. وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ ونافِعٌ: "أو آباؤُنا" بِسُكُونِ الواوِ، وهي الَّتِي لِلْقِسْمَةِ أوِ التَخْيِيرِ، وقَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِها، وهي واوُ العَطْفِ دَخَلَتْ عَلَيْها ألْفُ الِاسْتِفْهامِ.
ثُمَّ أمَرَهُ تَعالى أنْ يُجِيبَ تَقْرِيرَهم بِـ"نَعَمْ" ويَزِيدَهم في الجَوابِ أنَّهم في البَعْثِ - في صَغارٍ وذِلَّةٍ، و"الداخِرُ": الصاغِرُ الذَلِيلُ، وقَدْ تَقَدَّمَ غَيْرَ مَرَّةٍ ذِكْرُ القِراءاتِ في الِاسْتِفْهامَيْنِ.
37:19–26Страница 446
فَإِنَّمَا هِيَ زَجۡرَةٞ وَٰحِدَةٞ فَإِذَا هُمۡ يَنظُرُونَ ١٩
Раздастся один только глас, и все они будут смотреть.
وَقَالُواْ يَٰوَيۡلَنَا هَٰذَا يَوۡمُ ٱلدِّينِ ٢٠
Они скажут: «Горе нам! Это - День воздаяния!».
هَٰذَا يَوۡمُ ٱلۡفَصۡلِ ٱلَّذِي كُنتُم بِهِۦ تُكَذِّبُونَ ٢١
Это - День различения, который вы считали ложью.
۞ ٱحۡشُرُواْ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ وَأَزۡوَٰجَهُمۡ وَمَا كَانُواْ يَعۡبُدُونَ ٢٢
Соберите беззаконников и им подобных и тех, кому они поклонялись
مِن دُونِ ٱللَّهِ فَٱهۡدُوهُمۡ إِلَىٰ صِرَٰطِ ٱلۡجَحِيمِ ٢٣
вместо Аллаха, и укажите им на путь в Ад.
وَقِفُوهُمۡۖ إِنَّهُم مَّسۡـُٔولُونَ ٢٤
Остановите их, и они будут спрошены:
مَا لَكُمۡ لَا تَنَاصَرُونَ ٢٥
«Что с вами? Почему вы не помогаете друг другу?».
بَلۡ هُمُ ٱلۡيَوۡمَ مُسۡتَسۡلِمُونَ ٢٦
О нет! Сегодня они будут покорны.
قوله عزّ وجلّ:
﴿فَإنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ فَإذا هم يَنْظُرُونَ﴾ ﴿وَقالُوا يا ويْلَنا هَذا يَوْمُ الدِينِ﴾ ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهم وما كانُوا يَعْبُدُونَ﴾ ﴿مِن دُونِ اللهِ فاهْدُوهم إلى صِراطِ الجَحِيمِ﴾ ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾ ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾ ﴿بَلْ هُمُ اليَوْمَ مُسْتَسْلِمُونَ﴾
هَذا اسْتِئْنافُ إخْبارٍ جَرَّهُ ما قَبْلَهُ، فَأخْبَرَ تَعالى أنْ بَعَثَهم مِن قُبُورِهِمْ إنَّما هي زَجْرَةٌ واحِدَةٌ، وهي نَفْخَةُ البَعْثِ في الصُورِ، وقَوْلُهُ: ﴿ "يَنْظُرُونَ"﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: بِالأبْصارِ، أيْ: يَنْظُرُونَ ما هم فِيهِ، وصَدْقَ ما كانُوا يُكَذِّبُونَ بِهِ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ ما يُفْعَلُ بِهِمْ ويُؤْمَرُونَ بِهِ.
ثُمَّ أخْبَرَ عنهم أنَّهم في تِلْكَ الحالِ يَقُولُونَ: ﴿ "يا ويْلَنا"،﴾ يُنادُونَ الوَيْلَ، بِمَعْنى: هَذا وقْتُ حُضُورِكَ وأوانُ حُلُولِكَ. ورَوى أبُو حاتِمٍ الوَقْفَ هاهُنا، وجَعِلَ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الدِينِ﴾ مِن قَوْلِ اللهِ أوِ المَلائِكَةِ لَهُمْ، ورَأى غَيْرُهُ أنَّ باقِيَ الآيَةِ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ. و"الدِينُ" الجَزاءُ والمُقارَضَةُ، كَقَوْلِهِمْ: "كَما تَدِينُ تُدانُ"، وأجْمَعُوا أنَّ قَوْلَهُ: ﴿هَذا يَوْمُ الفَصْلِ﴾ لَيْسَ مِن قَوْلِ الكَفَرَةِ، وإنَّما المَعْنى: يُقالُ لَهُمْ: هَذا يَوْمُ الفَصْلِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "وَأزْواجَهُمْ"﴾ يَعْنِي: وأنْواعَهم وضُرَباءَهُمْ، قالَهُ عُمَرُ بْنُ الخَطّابِ (p-٢٧٧)رَضِيَ اللهُ عنهُ، وابْنُ عَبّاسٍ، وقَتادَةُ ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿وَكُنْتُمْ أزْواجًا ثَلاثَةً﴾ [الواقعة: ٧]، وقَوْلُهُ: ﴿وَإذا النُفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ [التكوير: ٧] أيْ: نُوِّعَتْ، ورُوِيَ أنَّهُ يُضَمُّ عِنْدَ هَذا الأمْرِ كُلُّ شَكْلٍ إلى شَكْلِهِ، وكُلُّ صاحِبٍ مِنَ الكَفَرَةِ إلى صاحِبِهِ، ومَعَهم ما كانُوا يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ، مِن آدَمِيٍّ رَضِيَ بِذَلِكَ ومِن صَنَمٍ أو وثَنٍ تَوْبِيخًا لَهم وإظْهارًا لِسُوءِ حالِهِمْ. وقالَ الحَسَنُ: المَعْنى: وأزْواجَهُمُ المُشْرِكاتِ مِنَ النِساءِ، ورُوِيَ ذَلِكَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما، ورَجَّحَهُ الرُمّانِيُّ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ "فاهْدُوهُمْ"﴾ مَعْناهُ: قَوِّمُوهم واحْمِلُوهم عَلى طَرِيقِ الجَحِيمِ، و"الجَحِيمُ" طَبَقَةٌ مِن طَبَقاتِ جَهَنَّمَ يُقالُ إنَّها الرابِعَةُ، ثُمَّ يَأْمُرُ تَعالى بِوَقْفِهِمْ، ووَقَفَ يَتَعَدّى بِنَفْسِهِ، تَقُولُ: "وَقَفْتُ زَيْدًا"، وأمْرُهُ بِذَلِكَ عَلى جِهَةِ التَوْبِيخِ لَهم والسُؤالِ، واخْتَلَفَ الناسُ في الشَيْءِ الَّذِي يُسْألُونَ عنهُ، فَرُوِيَ عن عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: يُسْألُونَ: هَلْ يُحِبُّونَ شُرْبَ الماءِ البارِدِ؟ وهَذا عَلى طَرِيقِ الهَزْءِ بِهِمْ، وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: يَسْألُونَ عن لا إلَهَ إلّا اللهُ، وقالَ الجُمْهُورُ مِنَ المُفَسِّرِينَ: عن أعْمالِهِمْ، ويُوقَفُونَ عَلى قُبْحِها، وهَذا قَوْلٌ مُتَّجَهٌ عامٌّ في الهَزْءِ وغَيْرِهِ، ورَوى أنَسُ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "أيُّما رَجُلٍ دَعا رَجُلًا إلى شَيْءٍ كانَ لازِمًا لَهُ"، وقَرَأ: ﴿وَقِفُوهم إنَّهم مَسْؤُولُونَ﴾»، ورَوى ابْنُ مَسْعُودٍ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "لا تَزُولُ قَدَما عَبْدٍ مِن بَيْنِ يَدَيِ اللهِ تَعالى حَتّى يَسْألَهُ عن خَمْسٍ: عن شَبابِهِ فِيما أبْلاهُ، وعن عُمْرِهِ فِيما أفْناهُ، وعن مالِهِ كَيْفَ اكْتَسَبَهُ وفِيمَ أنْفَقَهُ، وعَمّا عَمِلَ فِيما عَلِمَ"،» ويُحْتَمَلُ عِنْدِي أنْ يَكُونَ المَعْنى عَلى ما فَسَّرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿ما لَكم لا تَناصَرُونَ﴾، أيْ: تُسْألُونَ عَنِ امْتِناعِ التَناصُرِ. وقَرَأ بِتاءٍ واحِدَةٍ شَيْبَةُ، ونافِعٌ، وقَرَأ خالِدٌ بِتاءَيْنِ، وكَذَلِكَ في حَرْفِ عَبْدِ اللهِ، وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ بْنُ القَعْقاعِ بِإدْغامِ التاءِ في التاءِ مِن قِراءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وقالَ الثَعْلَبِيُّ: هَذا جَوابُ (p-٢٧٨)أبِي جَهْلٍ حِينَ قالَ في بَدْرٍ: ﴿نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ﴾ [القمر: ٤٤].
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى بِجَوابِهِمْ في ذَلِكَ اليَوْمِ في حالَةِ الِاسْتِسْلامِ والإلْقاءِ بِاليَدِ.
37:27–34Страница 447
وَأَقۡبَلَ بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖ يَتَسَآءَلُونَ ٢٧
Они будут обращаться друг к другу с вопросами.
قَالُوٓاْ إِنَّكُمۡ كُنتُمۡ تَأۡتُونَنَا عَنِ ٱلۡيَمِينِ ٢٨
Они скажут: «Вы приходили к нам справа».
قَالُواْ بَل لَّمۡ تَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٢٩
Они ответят: «О нет! Вы сами не были верующими.
وَمَا كَانَ لَنَا عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭۖ بَلۡ كُنتُمۡ قَوۡمٗا طَٰغِينَ ٣٠
Мы не обладали властью над вами. Вы сами были людьми, преступавшими границы дозволенного.
فَحَقَّ عَلَيۡنَا قَوۡلُ رَبِّنَآۖ إِنَّا لَذَآئِقُونَ ٣١
Относительно нас сбылось Слово нашего Господа. Воистину, мы будем вкушать наказание.
فَأَغۡوَيۡنَٰكُمۡ إِنَّا كُنَّا غَٰوِينَ ٣٢
Мы ввели вас в заблуждение, и мы сами были заблудшими».
فَإِنَّهُمۡ يَوۡمَئِذٖ فِي ٱلۡعَذَابِ مُشۡتَرِكُونَ ٣٣
Воистину, в тот день они разделят наказание.
إِنَّا كَذَٰلِكَ نَفۡعَلُ بِٱلۡمُجۡرِمِينَ ٣٤
Воистину, так Мы поступаем с грешниками.
قَوْلُهُ تَعالى:
﴿وَأقْبَلَ بَعْضُهم عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ﴾ ﴿قالُوا إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا عَنِ اليَمِينِ﴾ ﴿قالُوا بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ ﴿وَما كانَ لَنا عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ بَلْ كُنْتُمْ قَوْمًا طاغِينَ﴾ ﴿فَحَقَّ عَلَيْنا قَوْلُ رَبِّنا إنّا لَذائِقُونَ﴾ ﴿فَأغْوَيْناكم إنّا كُنّا غاوِينَ﴾ ﴿فَإنَّهم يَوْمَئِذٍ في العَذابِ مُشْتَرِكُونَ﴾ ﴿إنّا كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالمُجْرِمِينَ﴾
هَذِهِ الجَماعَةُ الَّتِي يُقْبِلُ بَعْضُها عَلى بَعْضٍ هي جِنٌّ وإنْسٌ، قالَهُ قَتادَةُ: وتَساؤُلُهم هو عَلى مَعْنى التَقْرِيعِ واللَوْمِ والسُخْطِ، والقائِلُونَ: ﴿إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا﴾ إمّا أنْ يَكُونَ الإنْسُ لِلشَّياطِينِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ، وابْنُ زَيْدٍ، أو ضَعَفَةُ الإنْسِ لِلْكُبَراءِ والقادَةِ. واضْطَرَبَ المُتَأوِّلُونَ في مَعْنى قَوْلِهِمْ: ﴿ "عَنِ اليَمِينِ"،﴾ وعَبَّرَ ابْنُ زَيْدٍ عنهُ بِطَرِيقِ الجَنَّةِ والخَيْرِ، ونَحْوِ هَذا مِنَ العِباراتِ الَّتِي تُفَسَّرُ بِالمَعْنى لا تُخْتَصُّ بِنَفْسِ اللَفْظَةِ، وبَعْضُهم نَحا في تَفْسِيرِ الآيَةِ إلى ما يَخْتَصُّها، والَّذِي يَتَحَصَّلُ مِن ذَلِكَ مَعانٍ: مِنها أنْ يُرِيدَ بِاليَمِينِ: القُوَّةَ والشِدَّةَ، فَكَأنَّهم قالُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تُغْوُونَنا بِقُوَّةٍ مِنكُمْ، وتَحْمِلُونَنا عَلى طَرِيقِ الضَلالَةِ بِمُتابَعَةٍ مِنكم في شِدَّةٍ، فَعَبَّرَ عن هَذَهِ المَعانِي بِاليَمِينِ، كَقَوْلِ العَرَبِ: "بِيَدَيْنِ ما أورَدَ"، وكَما قالُوا: "اليَدُ" - في غَيْرِ مَوْضِعٍ - عَنِ القُوَّةِ، وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ بِبَيْتِ الشَمّاخِ هَذا المَذْهَبَ، وهو قَوْلُهُ:
؎ إذا ما رايَةٌ رُفِعَتْ لِمَجْدٍ ∗∗∗ تَلَقّاها عُرابَةُ بِاليَمِينِ
(p-٢٧٩)فَقالُوا: مَعْناهُ: بِقُوَّةٍ وعَزِيمَةٍ، وإلّا فَكَلُّ أحَدٍ كانَ يَتَلَقّاها بِيَمِينِهِ لَوْ كانَتِ الجارِحَةَ، وأيْضًا فَإنَّما اسْتَعارَ الرايَةَ لِلْمَجْدِ فَكَذَلِكَ لَمْ يُرِدْ بِاليَمِينِ الجارِحَةَ.
ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا مِنَ الجِهَةِ الَّتِي يُحْسِنُها تَمْوِيهُكم وإغْواؤُكُمْ، ويَظْهَرُ فِيها أنَّها جِهَةُ الرُشْدِ والصَوابِ، فَتَصِيرُ عِنْدَنا كاليَمِينِ الَّتِي نَتَيَمَّنُ بِالسانِحِ الَّذِي يَجِيؤُنا مِن قِبَلِها، فَكَأنَّهم شَبَّهُوا أقْوالَ هَؤُلاءِ المُغْوِينَ بِالسَوانِحِ الَّتِي هي عِنْدَهم مَحْمُودَةٌ، كَأنَّ التَمْوِيهَ في هَذِهِ الغِواياتِ قَدْ أظْهَرَ فِيها ما يُوشِكُ أنْ يُحْمَدَ بِهِ.
ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَأْتُونَنا، أيْ: تَقْطَعُونَ بِنا عن أخْبارِ الخَيْرِ واليَمِينِ، فَعَبَّرَ عنها بِاليَمِينِ؛ إذِ اليَمِينُ هي الجِهَةُ الَّتِي يُتَيَمَّنُ بِها وبِكُلِّ ما فِيها ومِنها.
ومِنَ المَعانِي الَّتِي تَحْتَمِلُها الآيَةُ أنْ يُرِيدُوا: إنَّكم كُنْتُمْ تَجِيئُونَنا مِن جِهَةِ الشَهَواتِ وعَدَمِ النَظَرِ؛ والجِهَةُ الثَقِيلَةُ مِنَ الإنْسانِ هي اليُمْنى مِنهُ لِأنَّ كَبِدَهُ فِيها، وجِهَةُ شِمالِهِ فِيها قَلْبُهُ، وهي أخَفُّ، وهَذا مَعْنى قَوْلِ الشاعِرِ:
؎ تَرَكْنا لَهم شِقَّ الشِمالِ
أيْ: نَزَلْنا لَهم عن طَرِيقِ الهُرُوبِ؛ لِأنَّ المُنْهَزِمَ إنَّما يَرْجِعُ عَلى شِقِّهِ الأيْسَرِ، إذْ هو أخَفُّ شِقَّيْهِ، وإذْ قَلْبُ الإنْسانِ في شِمالِهِ وثَمَّ نَظَرُهُ، فَكَأنَّ هَؤُلاءِ كانُوا يَأْتُونَ مِن جِهَةِ الشَهَواتِ والثِقَلِ، وأكْثَرُ ما يَتَمَكَّنُ هَذا التَأْوِيلِ مَعَ إغْواءِ الشَياطِينِ، وهو قَلِقٌ مَعَ إغْواءِ بَنِي آدَمَ.
(p-٢٨٠)وَقِيلَ: المَعْنى: يَحْلِفُونَ لَنا ويَأْتُونَنا إتْيانَ مَن إذا حَلَفَ لَنا صَدَّقْناهُ، فاليَمِينُ - عَلى هَذا -: القَسَمُ.
وقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الناسِ في ذِكْرِ إبْلِيسَ جِهاتِ بَنِي آدَمَ في قَوْلِهِ: ﴿مِن بَيْنِ أيْدِيهِمْ ومِن خَلْفِهِمْ وعن أيْمانِهِمْ وعن شَمائِلِهِمْ﴾ [الأعراف: ١٧] إلى ما ذَكَرْناهُ مِن جِهَةِ الشَهَواتِ، فَقالَ: ما بَيْنَ يَدَيْهِ هي مُغالَطَتُهُ فِيما يَراهُ، وما خَلْفَهُ هي مُسارَقَتُهُ في الخَفاءِ، وعن يَمِينِهِ هو جانِبُ شَهَواتِهِ، وعن شِمالِهِ هو نَظَرُهُ بِقَلْبِهِ وتَحْذِيرُهُ فَقَدْ يَغْلِبُهُ الشَيْطانُ فِيهِ، وهَذا فِيمَن جَعَلَهُ في جِهاتِ ابْنِ آدَمَ الخاصَّةِ لَدَيْهِ، ومِنهم مَن جَعَلَها في جِهاتِ أُمُورِهِ وشُؤُونِهِ فَيَتَّسِعُ التَأْوِيلُ عَلى هَذا.
ثُمَّ أخْبَرَ تَعالى عن قَوْلِ الجِنِّ المُجِيبِينَ لِهَؤُلاءِ: ﴿بَلْ لَمْ تَكُونُوا مُؤْمِنِينَ﴾ كَما ذَكَرْتُمْ، بَلْ كانَ لَكُمُ اكْتِسابُ الكُفْرِ والبَصِيرَةُ فِيهِ، وإنَّما حَمَلْناكم عَلى ما حَمَلْنا عَلَيْهِ أنْفُسَنا، وما كانَ لَنا عَلَيْكم حُجَّةً ولا قُوَّةً إلّا طُغْيانُكم وإرادَتُكُمُ الكُفْرَ، فَقَدْ حَقَّ القَوْلُ عَلى جَمِيعِنا، وتَعَيَّنَ العَذابُ لَنا، وإنّا جَمِيعًا لَذائِقُونَ. والذَوْقُ هُنا مُسْتَعارٌ، وبِنَحْوِ هَذا فَسَّرَ قَتادَةُ وغَيْرُهُ أنَّهُ قَوْلُ الجِنِّ إلى ﴿ "غاوِينَ".﴾
ثُمَّ أخْبَرَ اللهُ تَعالى أنَّهُمُ اشْتَرَكُوا جَمِيعًا في العَذابِ وحُصِّلُوا فِيهِ، وأنَّ هَذا فِعْلُهُ بِأهْلِ الجُرْمِ واحْتِقابِ الإثْمِ والكُفْرِ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии