Ибн аль-ДжаузиАль‑Исра · 17:55–70

Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:55–70

17:55Страница 287

وَرَبُّكَ أَعۡلَمُ بِمَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۗ وَلَقَدۡ فَضَّلۡنَا بَعۡضَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ عَلَىٰ بَعۡضٖۖ وَءَاتَيۡنَا دَاوُۥدَ زَبُورٗا ٥٥

Твоему Господу лучше знать тех, кто на небесах и на земле. Одним пророкам Мы отдали предпочтение над другими. А Давуду (Давиду) Мы даровали Забур (Псалтирь).

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبُّكَ أعْلَمُ بِمَن في السَّماواتِ والأرْضِ﴾؛ لِأنَّهُ خالِقُهُمْ، فَهَدى مَن شاءَ وأضَلَّ مَن شاءَ، وكَذَلِكَ فَضَّلَ بَعْضُ النَّبِيِّينَ عَلى بَعْضٍ، وذَلِكَ عَنْ حِكْمَةٍ مِنهُ وعِلْمٍ، فَخَلَقَ آَدَمَ بِيَدِهِ، ورَفَعَ إدْرِيسَ، وجَعَلَ الذُّرِّيَّةَ لِنُوحٍ، واتَّخَذَ إبْراهِيمَ خَلِيلًا، ومُوسى كَلِيمًا، وجَعَلَ عِيسى رُوحًا، وأعْطى سُلَيْمانَ مُلْكًا جَسِيمًا، ورَفَعَ مُحَمَّدًا ﷺ فَوْقَ السَّماواتِ، وغَفَرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُفَضَّلُونَ أصْحابَ الكُتُبِ؛ لِأنَّهُ خَتَمَ الكَلامَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَآتَيْنا داوُدَ زَبُورًا﴾ . وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " الزَّبُورِ " في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١٦٣ ) .(p-٤٩)

17:56–57Страница 287

قُلِ ٱدۡعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمۡتُم مِّن دُونِهِۦ فَلَا يَمۡلِكُونَ كَشۡفَ ٱلضُّرِّ عَنكُمۡ وَلَا تَحۡوِيلًا ٥٦

Скажи: «Взывайте к тем, кого вы считаете богами наряду с Ним. Они не властны отвратить от вас беду или перенести ее на другого».

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ يَبۡتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلۡوَسِيلَةَ أَيُّهُمۡ أَقۡرَبُ وَيَرۡجُونَ رَحۡمَتَهُۥ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُۥٓۚ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحۡذُورٗا ٥٧

Те, к кому они взывают с мольбой, сами ищут близости к своему Господу, пытаясь опередить других. Они надеются на Его милость и страшатся мучений от Него. Воистину, мучений от твоего Господа надлежит остерегаться.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِن دُونِهِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّ نَفَرًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَ نَفَرًا مِنَ الجِنِّ، فَأسْلَمَ الجِنُّ والنَّفَرُ مِنَ العَرَبِ لا يَشْعُرُونَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ والَّتِي بَعْدَها، رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: أنَّ المُشْرِكِينَ كانُوا يَعْبُدُونَ المَلائِكَةَ، ويَقُولُونَ: هي تَشْفَعُ لَنا عِنْدَ اللَّهِ، فَلَمّا ابْتُلُوا بِالقَحْطِ سَبْعَ سِنِينَ، قِيلَ لَهُمْ: ﴿ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾، قالَهُ مُقاتِلٌ، والمَعْنى: قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أنَّهم آَلِهَةٌ، ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكم ولا تَحْوِيلا﴾ لَهُ إلى غَيْرِكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ﴾ في المُشارِ إلَيْهِمْ بـِ " أُولَئِكَ " ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُمُ الجِنُّ الَّذِينَ أسْلَمُوا. والثّانِي: المَلائِكَةُ، وقَدْ سَبَقَ بَيانُ (p-٥٠)القَوْلَيْنِ. والثّالِثُ: أنَّهُمُ المَسِيحُ، وعُزَيْرٌ، والمَلائِكَةُ، والشَّمْسُ، والقَمَرُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وفي مَعْنى " يَدْعُونَ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَعْبُدُونَ؛ أيْ: يَدْعُونَهم آَلِهَةً، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى يَتَضَرَّعُونَ إلى اللَّهِ في طَلَبِ الوَسِيلَةِ، وعَلى هَذا يَكُونُ قَوْلُهُ: " يَدْعُونَ " راجِعًا إلى " أُولَئِكَ "، ويَكُونُ قَوْلُهُ: يَبْتَغُونَ تَمامًا لِلْكَلامِ. وعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يَكُونُ " يَدْعُونَ " راجِعًا إلى المُشْرِكِينَ، ويَكُونُ قَوْلُهُ: " يَبْتَغُونَ " وصْفًا لـِ " أُولَئِكَ " مُسْتَأْنَفًا. وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، وابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ: ( تَدْعُونَ ) بِالتّاءِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَعَلى هَذا الفِعْلِ مَرْدُودٌ إلى قَوْلِهِ: ﴿فَلا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ﴾ . ومَن قَرَأ: ( يَدْعُونَ ) بِالياءِ، قالَ: العَرَبُ تَنْصَرِفُ مِنَ الخِطابِ إلى الغَيْبَةِ إذا أمِنَ اللَّبْسَ. ومَعْنى " يَدْعُونَ ": يَدْعُونَهم آَلِهَةً. وقَدْ فَسَّرْنا مَعْنى ﴿الوَسِيلَةَ﴾ في ( المائِدَةِ: ٣٥ ) .

وَفِي قَوْلِهِ: ﴿أيُّهم أقْرَبُ﴾ قَوْلانِ، ذَكَرَهُما الزَّجّاجُ:

أحَدُهُما: أنْ يَكُونَ " أيُّهم " مَرْفُوعًا بِالِابْتِداءِ، وخَبَرُهُ " أقْرَبُ "، ويَكُونُ المَعْنى: يَطْلُبُونَ الوَسِيلَةَ إلى رَبِّهِمْ، يَنْظُرُونَ أيُّهم أقْرَبُ إلَيْهِ، فَيَتَوَسَّلُونَ إلى اللَّهِ بِهِ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ " أيُّهم أقْرَبُ " بَدَلًا مِنَ الواوِ في " يَبْتَغُونَ "، فَيَكُونُ المَعْنى: يَبْتَغِي أيُّهم هو أقْرَبُ الوَسِيلَةِ إلى اللَّهِ؛ أيْ: يَتَقَرَّبُ إلَيْهِ بِالعَمَلِ الصّالِحِ.

17:58Страница 287

وَإِن مِّن قَرۡيَةٍ إِلَّا نَحۡنُ مُهۡلِكُوهَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ أَوۡ مُعَذِّبُوهَا عَذَابٗا شَدِيدٗاۚ كَانَ ذَٰلِكَ فِي ٱلۡكِتَٰبِ مَسۡطُورٗا ٥٨

Нет такого поселения, которое Мы не разрушим перед наступлением Дня воскресения или не подвергнем тяжким мучениям. Так было предначертано в Писании.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ مِن قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوها﴾ ( إنْ ) بِمَعْنى ( ما )، والقَرْيَةُ الصّالِحَةُ هَلاكُها بِالمَوْتِ، والعاصِيَةُ بِالعَذابِ، والكِتابُ: اللَّوْحُ المَحْفُوظُ، والمَسْطُورُ: المَكْتُوبُ.(p-٥١)

17:59Страница 288

وَمَا مَنَعَنَآ أَن نُّرۡسِلَ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّآ أَن كَذَّبَ بِهَا ٱلۡأَوَّلُونَۚ وَءَاتَيۡنَا ثَمُودَ ٱلنَّاقَةَ مُبۡصِرَةٗ فَظَلَمُواْ بِهَاۚ وَمَا نُرۡسِلُ بِٱلۡأٓيَٰتِ إِلَّا تَخۡوِيفٗا ٥٩

Мы не отправили знамения только потому, что прежние поколения не уверовали в них. Мы даровали самудянам верблюдицу как наглядное знамение, но они поступили с ней несправедливо. Мы ниспосылаем Наши знамения только для устрашения.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَنا أنْ نُرْسِلَ بِالآياتِ﴾ سَبَبُ نُزُولِها فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: «أنَّ أهْلَ مَكَّةَ سَألُوا رَسُولَ اللهِ ﷺ أنْ يَجْعَلَ لَهم الصَّفا ذَهَبًا، وأنْ يُنَحِّيَ عَنْهُمُ الجِبالَ فَيَزْرَعُوا، فَقِيلَ لَهُ: إنْ شِئْتَ أنْ تَسْتَأْنِيَ بِهِمْ لَعَلَّنا نَجْتَبِي مِنهُمْ، وإنْ شِئْتَ نُؤْتِيهِمُ الَّذِي سَألُوا، فَإنْ كَفَرُوا أُهْلِكُوا كَما أُهْلِكَ مَن كانَ قَبْلَهُمْ، قالَ: " لا، بَلْ أسَتَأْنِي بِهِمْ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: قَدْ ذَكَرْناهُ عَنِ الزُّبَيْرِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أنَّ قُرْآنًا سُيِّرَتْ بِهِ الجِبالُ﴾ [ الرَّعْدِ: ٣١ ]، ومَعْنى الآَيَةِ: وما مَنَعَنا إرْسالَ الآَياتِ الَّتِي سَألُوها إلّا تَكْذِيبُ الأوَّلِينَ، يَعْنِي: أنَّ هَؤُلاءِ سَألُوا الآَياتِ الَّتِي اسْتَوْجَبَ بِتَكْذِيبِها الأوَّلُونَ العَذابَ، فَلَمْ يُرْسِلْها لِئَلّا يُكَذِّبَ بِها هَؤُلاءِ، فَيُهْلَكُوا كَما هَلَكَ أُولَئِكَ، وسُنَّةُ اللَّهِ في الأُمَمِ أنَّهم إذا سَألُوا الآَياتِ ثُمَّ كَذَّبُوا بِها عَذَّبَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَآتَيْنا ثَمُودَ النّاقَةَ مُبْصِرَةً﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: بَيِّنَةً، يُرِيدُ: مُبْصَرًا بِها. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ مُبَصِّرَةً، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: مُبْصِرٌ مُشاهِدُوها، فَنُسِبَ إلَيْها فِعْلُ غَيْرِها تَجُوُّزًا، كَما يُقالُ: لا أُرِينَّكَ هاهُنا، فَأُدْخِلَ حَرْفُ النَّهْيِ عَلى غَيْرِ المَنهِيِّ عَنْهُ؛ إذِ المَعْنى: لا تَحْضُرُ هاهُنا حَتّى (p-٥٢)إذا جِئْتَ لَمْ أرَكَ فِيهِ. ومَن قَرَأ ( مَبْصَرَةً ) بِفَتْحِ المِيمِ والصّادِ، فَمَعْناهُ: المُبالَغَةُ في وصْفِ النّاقَةِ بِالتِّبْيانِ، كَقَوْلِهِمْ: الوَلَدُ مَجْبَنَةٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَظَلَمُوا بِها﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَجَحَدُوا بِها. وقالَ الأخْفَشُ: بِها كانَ ظُلْمُهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما نُرْسِلُ بِالآياتِ إلا تَخْوِيفًا﴾؛ أيْ: نُخَوِّفُ العِبادَ لِيَتَّعِظُوا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذِهِ الآَياتِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها المَوْتُ الذَّرِيعُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: مُعْجِزاتُ الرُّسُلِ جَعَلَها اللَّهُ تَعالى تَخْوِيفًا لِلْمُكَذِّبِينَ. والثّالِثُ: آَياتُ الِانْتِقامِ تَخْوِيفًا مِنَ المَعاصِي. والرّابِعُ: تَقْلِبُ أحْوالَ الإنْسانِ مِن صِغَرٍ إلى شَبابٍ، ثُمَّ إلى كُهُولَةٍ، ثُمَّ إلى مَشِيبٍ؛ لِيَعْتَبِرَ بِتَقَلُّبِ أحْوالِهِ فَيَخافُ عاقِبَةَ أمْرِهِ، ذَكَرَ هَذِهِ الأقْوالَ الثَّلاثَةُ الماوَرْدِيُّ، ونَسَبَ القَوْلَ الأخِيرَ مِنها إلى إمامِنا أحْمَدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ.

17:60Страница 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِٱلنَّاسِۚ وَمَا جَعَلۡنَا ٱلرُّءۡيَا ٱلَّتِيٓ أَرَيۡنَٰكَ إِلَّا فِتۡنَةٗ لِّلنَّاسِ وَٱلشَّجَرَةَ ٱلۡمَلۡعُونَةَ فِي ٱلۡقُرۡءَانِۚ وَنُخَوِّفُهُمۡ فَمَا يَزِيدُهُمۡ إِلَّا طُغۡيَٰنٗا كَبِيرٗا ٦٠

Вот Мы сказали тебе: «Воистину, твой Господь объемлет людей». Мы сделали показанное тебе видение и дерево, проклятое в Коране, искушением для людей. Мы устрашаем их, но это лишь увеличивает их великую непокорность.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذْ قُلْنا لَكَ إنَّ رَبَّكَ أحاطَ بِالنّاسِ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أحاطَ عِلْمُهُ بِالنّاسِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ. وقالَ مُقاتِلٌ: أحاطَ عِلْمُهُ بِالنّاسِ، يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ، أنْ يَفْتَحَها لِرَسُولِهِ ﷺ . (p-٥٣)

والثّانِي: أحاطَتْ قُدْرَتُهُ بِالنّاسِ فَهم في قَبْضَتِهِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: حالَ بَيْنَكَ وبَيْنَ النّاسِ أنْ يَقْتُلُوكَ لِتُبَلِّغَ رِسالَتَهُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما جَعَلْنا الرُّؤْيا الَّتِي أرَيْناكَ إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾ في هَذِهِ الرُّؤْيا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها رُؤْيا عَيْنٍ، وهي ما رَأى لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ مِنَ العَجائِبِ والآَياتِ. رَوى عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هي رُؤْيا عَيْنٍ رَآَها لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ، وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، وأبُو مالِكٍ، وأبُو صالِحٍ، وابْنُ جُرَيْجٍ، وابْنُ زَيْدٍ في آَخَرِينَ. فَعَلى هَذا يَكُونُ مَعْنى الفِتْنَةِ: الِاخْتِبارُ، فَإنَّ قَوْمًا آَمَنُوا بِما قالَ وقَوْمًا كَفَرُوا. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المُخْتارُ في هَذِهِ الرُّؤْيَةِ أنْ تَكُونَ يَقَظَةً، ولا فَرْقَ بَيْنَ أنْ يَقُولَ القائِلُ: رَأيْتُ فَلانًا رُؤْيَةً، ورَأيْتُهُ رُؤْيا، إلّا أنَّ الرُّؤْيَةَ يَقِلُّ اسْتِعْمالُها في المَنامِ، والرُّؤْيا يَكْثُرُ اسْتِعْمالُها في المَنامِ، ويَجُوزُ كُلٌّ واحِدٍ مِنهُما في المَعْنَيَيْنِ.

والثّانِي: أنَّها رُؤْيا مَنامٍ. ثُمَّ فِيها قَوْلانِ: أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ (p-٥٤)كانَ قَدْ أُرِيَ أنَّهُ يَدْخُلُ مَكَّةَ هو وأصْحابُهُ، وهو يَوْمئِذٍ بِالمَدِينَةِ، فَعَجَّلَ قَبْلَ الأجَلِ، فَرَدَّهُ المُشْرِكُونَ، فَقالَ أُناسٌ: قَدْ رُدَّ، وكانَ حَدَّثَنا أنَّهُ سَيَدْخُلُها، فَكانَ رُجُوعُهم فِتْنَتَهُمْ،» رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وهَذا لا يُنافِي حَدِيثَ المِعْراجِ؛ لِأنَّ هَذا كانَ بِالمَدِينَةِ، والمِعْراجُ كانَ بِمَكَّةَ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: وإنَّما ذَكَرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ عَلى وجْهِ الزِّيادَةِ في الإخْبارِ لَنا أنَّ المُشْرِكِينَ بِمَكَّةَ افْتُتِنُوا بِرُؤْيا عَيْنِهِ، والمُنافِقِينَ بِالمَدِينَةِ افْتُتِنُوا بِرُؤْيا نَوْمِهِ. والثّانِي: أنَّهُ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلى المَنابِرِ فَساءَهُ ذَلِكَ، فَقِيلَ لَهُ: إنَّها الدُّنْيا يُعْطُونَها، فَسُرِّيَ عَنْهُ. فالفِتْنَةُ هاهُنا: البَلاءُ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ بْنِ جُدْعانَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ، وإنْ كانَ مِثْلَ هَذا لا يَصِحُّ، ولَكِنْ قَدْ ذَكَرَهُ عامَّةُ المُفَسِّرِينَ.

وَرَوى ابْنُ الأنْبارِيِّ أنَّ سَعِيدَ بْنَ المُسَيِّبِ قالَ: «رَأى رَسُولُ اللهِ ﷺ قَوْمًا عَلى مَنابِرَ، فَشُقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ، وفِيهِ نَزَلَ: ﴿والشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ في القُرْآنِ﴾»، قالَ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿إلا فِتْنَةً لِلنّاسِ﴾: إلّا بَلاءً لِلنّاسِ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: فَمَن ذَهَبَ إلى أنَّ الشَّجَرَةَ رِجالٌ رَآَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ في مَنامِهِ يَصْعَدُونَ عَلى المَنابِرِ، احْتَجَّ بِأنَّ الشَّجَرَةَ يُكَنّى بِها عَنِ المَرْأةِ لِتَأْنِيثِها، وعَنَ الجَماعَةِ لِاجْتِماعِ أغْصانِها. قالُوا ووَقَعَتِ اللَّعْنَةُ بِهَؤُلاءِ الَّذِينَ كُنِّيَ عَنْهم بِالشَّجَرَةِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وفي الآَيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، تَقْدِيرُهُ: وما جَعَلْنا الرُّؤْيا والشَّجَرَةَ إلّا فِتْنَةً لِلنّاسِ.

وَفِي هَذِهِ الشَّجَرَةِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها شَجَرَةُ الزَّقُّومِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ (p-٥٥)مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعِكْرِمَةُ، ومَسْرُوقٌ، والنَّخَعِيُّ، والجُمْهُورُ. وقالَ مُقاتِلٌ: «لَمّا ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى شَجَرَةَ الزَّقُّومِ، قالَ أبُو جَهْلٍ: يا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنَّ مُحَمَّدًا يُخَوِّفُكم بِشَجَرَةِ الزَّقُّومِ، ألَسْتُمْ تَعْلَمُونَ أنَّ النّارَ تُحْرِقُ الشَّجَرَ ؟ ومُحَمَّدٌ يَزْعُمُ أنَّ النّارَ تُنْبِتُ الشَّجَرَ، فَهَلْ تَدْرُونَ ما الزَّقُّومُ ؟ فَقالَ عَبْدُ الله بْنُ الزَّبَعْرى: إنَّ الزَّقُّومَ بِلِسانِ بَرْبَرٍ: التَّمْرُ والزُّبْدُ، فَقالَ أبُو جَهْلٍ: يا جارِيَةُ ابِغِينا تَمْرًا وزُبْدًا، فَجاءَتْهُ بِهِ، فَقالَ لِمَن حَوْلَهُ: تَزَقَّمُوا مِن هَذا الَّذِي يُخَوِّفُكم بِهِ مُحَمَّدٌ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهم فَما يَزِيدُهم إلا طُغْيانًا كَبِيرًا﴾» . قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: كانَتْ فِتْنَتُهم بِالرُّؤْيا قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَذْهَبُ إلى بَيْتِ المَقْدِسِ ويَرْجِعُ في لَيْلَةٍ ؟ وبِالشَّجَرَةِ قَوْلُهُمْ: كَيْفَ يَكُونُ في النّارِ شَجَرَةٌ ؟

وَلِلْعُلَماءِ في مَعْنى ﴿المَلْعُونَةَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: المَذْمُومَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: المَلْعُونُ آَكِلُها، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ، وقالَ: إنْ لَمْ يَكُنْ في القُرْآَنِ ذِكْرُ لَعْنِها، فَفِيهِ لَعْنُ آَكِلِيها، قالَ: والعَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ طَعامٍ مَكْرُوهٍ وضارٍّ: مَلْعُونٌ؛ فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿فِي القُرْآنِ﴾ فالمَعْنى: الَّتِي ذُكِرَتْ في القُرْآَنِ، وهي مَذْكُورَةٌ في قَوْلِهِ: ﴿إنَّ شَجَرَتَ الزَّقُّومِ﴾ ﴿طَعامُ الأثِيمِ﴾ [ الدُّخانِ: ٤٣، ٤٤ ] . والثّالِثُ: أنَّ مَعْنى " المَلْعُونَةِ ": المَبْعَدَةُ عَنْ مَنازِلِ أهْلِ الفَضْلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-٥٦)

والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ الشَّجَرَةَ المَلْعُونَةَ هي الَّتِي تَلْتَوِي عَلى الشَّجَرِ، يَعْنِي: الكَشُوثى، وهَذا مَرْوِيٌّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا.

والثّالِثُ: أنَّ الشَّجَرَةَ كِنايَةٌ عَنِ الرِّجالِ عَلى ما ذَكَرْنا عَنْ سَعِيدِ بْنِ المُسَيِّبِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنُخَوِّفُهُمْ﴾ قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَفْعُولُ " نُخَوِّفُهم " مَحْذُوفٌ، تَقْدِيرُهُ: ونُخَوِّفُهُمُ العَذابَ، ﴿فَما يَزِيدُهُمْ﴾؛ أيْ: فَما يَزِيدُهُمُ التَّخْوِيفُ ﴿إلا طُغْيانًا﴾، وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى الطُّغْيانِ في ( البَقَرَةِ: ١٥ )، وذَكَرْنا هُناكَ تَفْسِيرَ قَوْلِهِ: ﴿وَإذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لآدَمَ فَسَجَدُوا إلا إبْلِيسَ﴾ [ البَقَرَةِ: ٣٤ ] .

17:61–65Страница 288

وَإِذۡ قُلۡنَا لِلۡمَلَٰٓئِكَةِ ٱسۡجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْ إِلَّآ إِبۡلِيسَ قَالَ ءَأَسۡجُدُ لِمَنۡ خَلَقۡتَ طِينٗا ٦١

Вот Мы сказали ангелам: «Падите ниц перед Адамом!». Они пали ниц, и только Иблис сказал: «Неужели я паду ниц перед тем, кого Ты создал из глины?».

قَالَ أَرَءَيۡتَكَ هَٰذَا ٱلَّذِي كَرَّمۡتَ عَلَيَّ لَئِنۡ أَخَّرۡتَنِ إِلَىٰ يَوۡمِ ٱلۡقِيَٰمَةِ لَأَحۡتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلٗا ٦٢

Иблис сказал: «Посмотри на того, кому Ты отдал предпочтение предо мною. Если ты дашь мне отсрочку до Последнего дня, то я покорю его потомство, за исключением немногих».

قَالَ ٱذۡهَبۡ فَمَن تَبِعَكَ مِنۡهُمۡ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمۡ جَزَآءٗ مَّوۡفُورٗا ٦٣

Аллах сказал: «Ступай! И если кто последует за тобой, то Геенна будет для вас воздаянием, полным воздаянием.

وَٱسۡتَفۡزِزۡ مَنِ ٱسۡتَطَعۡتَ مِنۡهُم بِصَوۡتِكَ وَأَجۡلِبۡ عَلَيۡهِم بِخَيۡلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡوَٰلِ وَٱلۡأَوۡلَٰدِ وَعِدۡهُمۡۚ وَمَا يَعِدُهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ إِلَّا غُرُورًا ٦٤

Возбуждай своим голосом, кого сможешь, пускай в ход против них свою конницу и пехоту, дели с ними их богатства и детей и давай им обещания. Воистину, обещания дьявола - всего лишь обольщение.

إِنَّ عِبَادِي لَيۡسَ لَكَ عَلَيۡهِمۡ سُلۡطَٰنٞۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلٗا ٦٥

Воистину, ты не властен над Моими рабами. Довольно того, что твой Господь является их Попечителем и Хранителем».

قَوْلُهُ تَعالى: ( آَسْجُدُ ) قَرَأهُ الكُوفِيُّونَ بِهَمْزَتَيْنِ، وقَرَأهُ الباقُونَ بِهَمْزَةٍ مُطَوَّلَةٍ، وهَذا اسْتِفْهامُ إنْكارٍ يَعْنِي بِهِ: لَمْ أكُنْ لِأفْعَلَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِمَن خَلَقْتَ طِينًا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: " طِينًا " مَنصُوبٌ عَلى وجْهَيْنِ:

(p-٥٧)أحَدُهُما: التَّمْيِيزُ، المَعْنى: لِمَن خَلَقْتَهُ مِن طِينٍ. والثّانِي: عَلى الحالِ، المَعْنى: أنْشَأْتَهُ في حالِ كَوْنِهِ مِن طِينٍ. ولَفْظُ ﴿قالَ أرَأيْتَكَ﴾ جاءَ هاهُنا بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ؛ لِأنَّ المَعْنى: قالَ: آَسْجُدُ لِمَن خَلَقْتَ طِينًا وأرَأيْتُكَ ؟ وهي في مَعْنى: أخْبَرَنِي، والكافُ ذُكِرَتْ في المُخاطَبَةِ تَوْكِيدًا، والجَوابُ مَحْذُوفٌ، والمَعْنى: أخْبِرْنِي عَنْ هَذا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ، لِمَ كَرَّمْتَهُ عَلَيَّ وقَدْ خَلَقْتَنِي مِن نارٍ وخَلَقْتَهُ مِن طِينٍ ؟ فَحَذَفَ هَذا؛ لِأنَّ في الكَلامِ دَلِيلًا عَلَيْهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لَئِنْ أخَّرْتَنِ إلى يَوْمِ القِيامَةِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عُمَرَ: ( أخَّرْتَنِي ) بِياءٍ في الوَصْلِ. ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ بِالياءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِغَيْرِ ياءٍ في وصْلٍ ولا في وقْفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لأحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: لَأسْتَوْلِيَنَّ عَلَيْهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ والفَرّاءُ. والثّانِي: لِأُضِلَّنَّهُمْ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. والثّالِثُ: لَأسْتَأْصِلَنَّهُمْ، يُقالُ: احْتَنَكَ الجَرادُ ما عَلى الأرْضِ: إذا أكَلَهُ، واحْتَنَكَ فَلانٌ ما عِنْدَ فُلانٍ مِنَ العِلْمِ: إذا اسْتَقْصاهُ، فالمَعْنى: لَأقُودَنَّهم كَيْفَ شِئْتَ، هَذا قَوْلُ ابْنِ قُتَيْبَةَ.

فَإنْ قِيلَ: مِن أيْنَ عِلْمُ الغَيْبِ ؟ فَقَدْ أجَبْنا عَنْهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ١١٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا قَلِيلا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: هم أوْلِياءُ اللَّهِ الَّذِينَ عَصَمَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قالَ اذْهَبْ﴾ هَذا اللَّفْظُ يَتَضَمَّنُ إنْظارَهُ، ﴿فَمَن تَبِعَكَ﴾؛ أيْ: تَبِعَ أمْرَكَ مِنهُمْ، يَعْنِي: ذُرِّيَّةَ آَدَمَ. والمَوْفُورُ: المُوَفِّرُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: وفَّرْتُ مالَهُ عَلَيْهِ، ووَفَرْتُهُ، بِالتَّخْفِيفِ والتَّشْدِيدِ. (p-٥٨)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنهُمْ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: اسْتَخِفَّ، ومِنهُ تَقُولُ: اسْتَفَزَّنِي فُلانٌ.

وَفِي المُرادِ بِصَوْتِهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كُلُّ داعٍ دَعا إلى مَعْصِيَةِ اللَّهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ الغِناءُ والمَزامِيرُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: صِحْ ﴿بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ﴾ واحْثُثْهُمُ عَلَيْهِمْ بِالإغْراءِ، يُقالُ: أجْلَبَ القَوْمُ وجَلَّبُوا: إذا صاحُوا. وقالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: اجْمَعْ عَلَيْهِمْ كُلَّ ما تَقْدِرُ عَلَيْهِ مِن مَكايِدِكَ؛ فَعَلى هَذا تَكُونُ الباءُ زائِدَةً. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والرَّجُلُ: الرَّجّالَةُ، يُقالُ: راجِلٌ ورَجْلٌ، مِثْلَ: تاجِرٌ وتَجْرٌ، وصاحِبٌ وصَحْبٌ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كُلُّ خَيْلٍ تَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ، وكُلُّ رَجُلٍ يَسِيرُ في مَعْصِيَةِ اللَّهِ. وقالَ قَتادَةُ: إنَّ لَهُ خَيْلًا ورَجْلًا مِنَ الجِنِّ والإنْسِ. ورَوى حَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ: ( بِخَيْلِكَ ورَجِلِكَ ) بِكَسْرِ الجِيمِ، وهي قِراءَةُ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وأبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ. قالَ أبُو زَيْدٍ: يُقالُ: رَجُلٌ رَجِلٌ لِلرّاجِلِ، ويُقالُ: جاءَنا حافِيًا رَجُلًا. وقَرَأ ابْنُ السَّمَيْفَعِ والجَحْدَرِيُّ: ( بِخَيْلِكَ ورُجّالِكَ ) بِرَفْعِ الرّاءِ وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَفْتُوحَةً وبِألِفٍ بَعْدَها. وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وعِكْرِمَةُ: ( ورِجالكَ ) بِكَسْرِ الرّاءِ وتَخْفِيفِ الجِيمِ مَعَ ألِفٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَشارِكْهم في الأمْوالِ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها ما كانُوا يُحَرِّمُونَهُ مِن أنْعامِهِمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٥٩)

والثّانِي: الأمْوالُ الَّتِي أُصِيبَتْ مِن حَرامٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: الَّتِي أنْفَقُوها في مَعاصِي اللَّهِ، قالَهُ الحَسَنُ. والرّابِعُ: ما كانُوا يَذْبَحُونَ لِآَلِهَتِهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ.

فَأمّا مُشارَكَتُهُ إيّاهم في الأوْلادِ، فَفِيها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهم أوْلادُ الزِّنا، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ.

والثّانِي: المَوْؤُودَةُ مِن أوْلادِهِمْ، رَواهُ عَلِيُّ بْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أنَّهُ تَسْمِيَةُ أوْلادِهِمْ عَبِيدًا لِأوْثانِهِمْ، كَعَبْدِ شَمْسٍ، وعَبْدِ العُزّى، وعَبْدِ مَنافٍ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: ما مَجَّسُوا وهَوَّدُوا ونَصَّرُوا، وصَبَغُوا مِن أوْلادِهِمْ غَيْرَ صِبْغَةِ الإسْلامِ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعِدْهُمْ﴾ قَدْ ذَكَرْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿يَعِدُهم ويُمَنِّيهِمْ. . .﴾ إلى آَخَرِ الآَيَةِ [ النِّساءِ: ١٢٠ ] . وهَذِهِ الآَيَةُ لَفْظُها لَفْظُ الأمْرِ، ومَعْناها التَّهْدِيدُ، ومَثَلُها في الكَلامِ أنْ تَقُولَ لِلْإنْسانِ: اجْهَدْ جُهْدكَ فَسَتَرى ما يَنْزِلُ بِكَ. قالَ الزَّجّاجُ: إذا تَقَدَّمَ الأمْرَ نَهْيٌ عَمّا يُؤْمَرُ بِهِ، فَمَعْناهُ التَّهْدِيدً والوَعِيدً، تَقُولُ لِلرَّجُلِ: لا تَدْخُلْنَ هَذِهِ الدّارَ، فَإذا حاوَلَ أنْ يَدْخُلَها قُلْتَ: ادْخُلْها وأنْتَ رَجِلٌ، فَلَسْتَ تَأْمُرُهُ بِدُخُولِها، ولَكِنَّكَ تُوعِدُهُ وتُهَدِّدُهُ، ومِثْلُهُ: ﴿اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ﴾ [ فُصِّلَتْ: ٤٠ ]، وقَدْ نُهُوْا أنْ يَعْمَلُوا بِالمَعاصِي. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: هَذا أمْرٌ مَعْناهُ التَّهْدِيدُ، تَقْدِيرُهُ: إنْ فَعَلْتَ هَذا عاقَبْناكَ وعَذَّبْناكَ، فَنُقِلَ إلى لَفْظِ الأمْرِ عَنِ الشَّرْطِ، كَقَوْلِهِ: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [ الكَهْفِ: ٢٩ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ عِبادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطانٌ﴾ قَدْ شَرَحْناهُ في ( الحِجْرِ: ٤٢ ) . (p-٦٠)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكَفى بِرَبِّكَ وكِيلا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: كَفى بِهِ وكِيلًا لِأوْلِيائِهِ يَعْصِمُهم مِنَ القَبُولِ مِن إبْلِيسَ.

17:66–70Страница 288

رَّبُّكُمُ ٱلَّذِي يُزۡجِي لَكُمُ ٱلۡفُلۡكَ فِي ٱلۡبَحۡرِ لِتَبۡتَغُواْ مِن فَضۡلِهِۦٓۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِكُمۡ رَحِيمٗا ٦٦

Ваш Господь ведет для вас по морю корабли, дабы вы могли снискать Его милость. Воистину, Он милосерден к вам.

وَإِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فِي ٱلۡبَحۡرِ ضَلَّ مَن تَدۡعُونَ إِلَّآ إِيَّاهُۖ فَلَمَّا نَجَّىٰكُمۡ إِلَى ٱلۡبَرِّ أَعۡرَضۡتُمۡۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ كَفُورًا ٦٧

Когда беда постигает вас в море, вас покидают все, к кому вы взывали, кроме Него. Когда же Он спасает вас и выводит на сушу, вы отворачиваетесь. Воистину, человек неблагодарен.

أَفَأَمِنتُمۡ أَن يَخۡسِفَ بِكُمۡ جَانِبَ ٱلۡبَرِّ أَوۡ يُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ حَاصِبٗا ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ وَكِيلًا ٦٨

Неужели вы не опасаетесь того, что Он может заставить часть суши поглотить вас или низринуть на вас ураган с камнями? Ведь тогда вы не найдете себе попечителя и хранителя!

أَمۡ أَمِنتُمۡ أَن يُعِيدَكُمۡ فِيهِ تَارَةً أُخۡرَىٰ فَيُرۡسِلَ عَلَيۡكُمۡ قَاصِفٗا مِّنَ ٱلرِّيحِ فَيُغۡرِقَكُم بِمَا كَفَرۡتُمۡ ثُمَّ لَا تَجِدُواْ لَكُمۡ عَلَيۡنَا بِهِۦ تَبِيعٗا ٦٩

Или же вы уверены в том, что Он не вернет вас в море еще раз, чтобы наслать на вас ураганный ветер и потопить вас за неверие? Ведь тогда никто не станет мстить Нам за вас!

۞ وَلَقَدۡ كَرَّمۡنَا بَنِيٓ ءَادَمَ وَحَمَلۡنَٰهُمۡ فِي ٱلۡبَرِّ وَٱلۡبَحۡرِ وَرَزَقۡنَٰهُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ وَفَضَّلۡنَٰهُمۡ عَلَىٰ كَثِيرٖ مِّمَّنۡ خَلَقۡنَا تَفۡضِيلٗا ٧٠

Мы почтили сынов Адама и позволяем им передвигаться по суше и морю. Мы наделили их благами и даровали им явное превосходство над многими другими тварями.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ﴾؛ أيْ: يُسَيِّرُها. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: زَجَيْتُ الشَّيْءَ؛ أيْ: قَدَّمْتُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ﴾؛ أيْ: في طَلَبِ التِّجارَةِ.

وَفِي " مِن " ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّها زائِدَةٌ. والثّانِي: أنَّها لِلتَّبْعِيضِ. والثّالِثُ: أنَّ المَفْعُولَ مَحْذُوفٌ، والتَّقْدِيرُ: لِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ الرِّزْقَ والخَيْرَ، ذَكَرَهُنَّ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّهُ كانَ بِكم رَحِيمًا﴾ هَذا الخِطابُ خاصٌّ لِلْمُؤْمِنِينَ، ثُمَّ خاطَبَ المُشْرِكِينَ فَقالَ: ﴿وَإذا مَسَّكُمُ الضُّرُّ في البَحْرِ﴾ يَعْنِي: خَوْفَ الغَرَقِ، ﴿ضَلَّ (p-٦١)مَن تَدْعُونَ﴾؛ أيْ: يَضِلُّ مَن يَدْعُونَ مِنَ الآَلِهَةِ، إلّا اللَّهَ تَعالى. ويُقالُ: ضَلَّ بِمَعْنى غابَ، يُقالُ: ضَلَّ الماءُ في اللَّبَنِ: إذا غابَ، والمَعْنى: أنَّكم أخْلَصْتُمُ الدُّعاءَ [ لِلَّهِ ]، ونَسِيتُمُ الأنْدادَ. وقَرَأ مُجاهِدٌ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( ضَلَّ مَن يَدْعُونَ ) بِالياءِ. ﴿فَلَمّا نَجّاكم إلى البَرِّ أعْرَضْتُمْ﴾ عَنِ الإيمانِ والإخْلاصِ، ﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ ﴿كَفُورًا﴾ بِنِعْمَةِ رَبِّهِ. ﴿أفَأمِنتُمْ﴾ إذا خَرَجْتُمْ مِنَ البَحْرِ ﴿أنْ يَخْسِفَ بِكُمْ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وأبُو عَمْرٍو: ( نَخْسِفُ بِكُمْ، أوْ نُرْسِلُ، أنْ نُعِيدَكُمْ، فَنُرْسِلُ، فَنُغْرِقُكم ) بِالنُّونِ في الكُلِّ. وقَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِالياءِ في الكُلِّ. ومَعْنى " نَخْسِفُ بِكم جانِبَ البَرِّ "؛ أيْ: نُغَيِّبُكم ونُذْهِبُكم في ناحِيَةِ البَرِّ، والمَعْنى: إنَّ حُكْمِيَ نافِذٌ في البَرِّ نُفُوذُهُ في البَحْرِ. " أوْ نُرْسِلَ عَلَيْكم حاصِبًا " فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ الحاصِبَ: حِجارَةٌ مِن السَّماءِ، قالَهُ قَتادَةُ.

والثّانِي: أنَّهُ الرِّيحُ العاصِفُ تَحْصِبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِلْفَرَزْدَقِ:

؎ مُسْتَقْبِلِينَ شَمالَ الرِّيحِ تَضْرِبُهم بِحاصِبٍ كَنَدِيفِ القُطْنِ مَنثُورِ

وَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأنَّها تَحْصِبُ؛ أيْ: تَرْمِي بِالحَصْباءِ، وهي الحَصى الصِّغارُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: قالَ اللُّغَوِيُّونَ: الحاصِبُ: الرِّيحُ الَّتِي فِيها الحَصى. وإنَّما قالَ في الرِّيحِ: " حاصِبًا "، ولَمْ يَقُلْ: ( حاصِبَةً )؛ لِأنَّهُ وصْفٌ لَزِمَ الرِّيحَ، ولَمْ يَكُنْ لَها مُذَكَّرٌ تَنْتَقِلُ إلَيْهِ في حالٍ، فَكانَ بِمَنزِلَةِ قَوْلِهِمْ: ( حائِضٌ ) لِلْمَرْأةِ، حِينَ لَمْ يَقُلْ: رَجُلٌ حائِضٌ. قالَ: وفِيهِ جَوابٌ آَخَرُ: (p-٦٢)وَهُوَ أنَّ نَعْتَ الرِّيحِ عُرِّيَ مِن عَلامَةِ التَّأْنِيثِ، فَأشْبَهَتْ بِذَلِكَ أسْماءَ المُذَكَّرِ، كَما قالُوا: السَّماءُ أمْطَرَ، والأرْضُ أنْبَتَ.

والثّالِثُ: أنَّ الحاصِبَ: التُّرابُ الَّذِي فِيهِ حَصْباءُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُوا لَكم وكِيلا﴾؛ أيْ: مانِعًا وناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ أمِنتُمْ أنْ يُعِيدَكم فِيهِ﴾؛ أيْ: في البَحْرِ ﴿تارَةً أُخْرى﴾؛ أيْ: مَرَّةً أُخْرى، والجُمَعُ: تارّاتٍ. ﴿فَيُرْسِلَ عَلَيْكم قاصِفًا مِنَ الرِّيحِ﴾ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هي الَّتِي تَقْصِفُ كُلَّ شَيْءٍ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: القاصِفُ: [ الرِّيحُ الَّتِي ] تَقْصِفُ الشَّجَرَ؛ أيْ: تَكْسِرُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَيُغْرِقَكُمْ﴾ وقَرَأ أبُو المُتَوَكِّلِ و[ أبُو ] جَعْفَرٍ، وشَيْبَةُ، ورُوَيْسٌ: ( فَتُغْرِقُكم ) بِالتّاءِ، وسُكُونِ الغَيْنِ، وتَخْفِيفِ الرّاءِ. وقَرَأ أبُو الجَوْزاءِ وأيُّوبُ: ( فَيُغَرِّقُكم ) بِالياءِ،وَفَتْحِ الغَيْنِ، وتَشْدِيدِها. وقَرَأ أبُو رَجاءٍ مِثْلَهُ، إلّا أنَّهُ بِالتّاءِ. ﴿بِما كَفَرْتُمْ﴾؛ أيْ: بِكُفْرِكم حَيْثُ نَجَوْتُمْ في المَرَّةِ الأُولى، " ثُمَّ تَجِدُوا لَكم عَلَيْنا بِهِ تَبِيعًا " قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: أيْ: مَن يَتْبَعُ بِدِمائِكم؛ أيْ: يُطالِبُنا. قالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: رِيحُ العَذابِ أرْبَعٌ، اثْنَتانِ في البَرِّ، واثْنَتانِ في البَحْرِ؛ فاللَّتانِ في البِرِّ: الصَّرْصَرُ والعَقِيمُ، واللَّتانِ في البَحْرِ: العاصِفُ والقاصِفُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾؛ أيْ: فَضَّلْناهم. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: و ﴿كَرَّمْنا﴾ أشَدُّ مُبالَغَةً مِن أكْرَمْنا.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ فِيما فُضِّلُوا بِهِ أحَدَ عَشَرَ قَوْلًا:

أحَدُها: أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ: جِبْرِيلُ، ومِيكائِيلُ، وإسْرافِيلُ، ومَلَكُ المَوْتِ، وأشْباهُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٦٣)فَعَلى هَذا يَكُونُ المُرادُ: المُؤْمِنِينَ مِنهُمْ، ويَكُونُ تَفْضِيلُهم بِالإيمانِ. والثّانِي: أنَّ سائِرَ الحَيَوانِ يَأْكُلُ بِفِيهِ، إلّا ابْنَ آَدَمَ فَإنَّهُ يَأْكُلُ بِيَدِهِ، رَواهُ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ: المُرادُ بِهَذا التَّفْضِيلِ: أكْلُهم بِأيْدِيهِمْ ونَظافَةِ ما يَقْتاتُونَهُ؛ إذِ الجِنُّ يَقْتاتُونَ العِظامَ والرَّوَثَ. والثّالِثُ: فُضِّلُوا بِالعَقْلِ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: بِالنُّطْقِ والتَّمْيِيزِ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والخامِسُ: بِتَعْدِيلِ القامَةِ وامْتِدادِها، قالَهُ عَطاءٌ. والسّادِسُ: بِأنْ جَعَلَ مُحَمَّدًا ﷺ مِنهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والسّابِعُ: فُضِلُّوا بِالمَطاعِمِ واللَّذّاتِ في الدُّنْيا، قالَهُ زَيْدُ بْنُ أسْلَمَ. والثّامِنُ: بِحُسْنِ الصُّورَةِ، قالَهُ يَمانُ. والتّاسِعُ: بِتَسْلِيطِهِمْ عَلى غَيْرِهِمْ مِنَ الخَلْقِ وتَسْخِيرِ سائِرِ الخَلْقِ لَهُمْ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ. والعاشِرُ: بِالأمْرِ والنَّهْيِ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ. والحادِي عَشَرَ: بِأنْ جُعِلَتِ اللِّحى لِلرِّجالِ والذَّوائِبُ لِلنِّساءِ، ذَكَرَهُ الثَّعْلَبِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ أطْلَقَ ذِكْرَ الكَرامَةِ عَلى الكُلِّ وفِيهِمُ الكافِرُ المُهانُ ؟

فالجَوابُ مِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّهُ عامَلَ الكُلَّ مُعامَلَةَ المُكَرَّمِ بِالنِّعَمِ الوافِرَةِ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا كانَ فِيهِمْ مَن هو بِهَذِهِ الصِّفَةِ، أجْرى الصِّفَةَ عَلى جَماعَتِهِمْ، كَقَوْلِهِ: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنّاسِ﴾ [ آَلِ عِمْرانَ: ١١٠ ] .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَمَلْناهم في البَرِّ﴾ عَلى أكْبادٍ رَطْبَةٍ، وهِيَ: الإبِلُ والخَيْلُ، والبِغالُ والحَمِيرُ، وفي " البَحْرِ " عَلى أعْوادٍ يابِسَةٍ، وهِيَ: السُّفُنُ. ﴿وَرَزَقْناهم مِنَ الطَّيِّباتِ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: الحَلالُ. والثّانِي: المُسْتَطابُ في الذَّوْقِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَفَضَّلْناهم عَلى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنا تَفْضِيلا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى لَفْظِهِ، وأنَّهم لَمْ يُفَضَّلُوا عَلى سائِرِ المَخْلُوقاتِ. وقَدْ ذَكَرْنا (p-٦٤)عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم فُضِّلُوا عَلى سائِرِ الخَلْقِ غَيْرَ طائِفَةٍ مِنَ المَلائِكَةِ، وقالَ غَيْرُهُ: بَلِ المَلائِكَةُ أفْضَلُ.

والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: وفَضَّلْناهم عَلى جَمِيعِ مَن خَلَقْنا، والعَرَبُ تَضَعُ الأكْثَرَ والكَثِيرَ في مَوْضِعِ الجَمْعِ، كَقَوْلِهِ: ﴿يُلْقُونَ السَّمْعَ وأكْثَرُهم كاذِبُونَ﴾ [ الشُّعَراءِ: ٢٢٣ ] . وقَدْ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «المُؤْمِنُ أكْرَمُ عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ مِنَ المَلائِكَةِ الَّذِينَ عِنْدَهُ» " .

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English