Ибн аль-ДжаузиАль‑Исра · 17:71–84

Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:71–84

17:71–72Страница 289

يَوۡمَ نَدۡعُواْ كُلَّ أُنَاسِۭ بِإِمَٰمِهِمۡۖ فَمَنۡ أُوتِيَ كِتَٰبَهُۥ بِيَمِينِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ يَقۡرَءُونَ كِتَٰبَهُمۡ وَلَا يُظۡلَمُونَ فَتِيلٗا ٧١

В тот день Мы созовем всех людей вместе с их предводителями. Тогда те, кому книга будет вручена в правую руку, прочтут ее, и к ним не будет проявлено несправедливости даже величиной с финиковую плеву.

وَمَن كَانَ فِي هَٰذِهِۦٓ أَعۡمَىٰ فَهُوَ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ أَعۡمَىٰ وَأَضَلُّ سَبِيلٗا ٧٢

А кто слеп в этом мире, тот будет также слеп в Последней жизни и окажется еще более заблудшим.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا﴾ قالَ الزَّجّاجُ: هو مَنصُوبٌ عَلى مَعْنى: اذْكُرْ، ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُناسٍ بِإمامِهِمْ﴾ والمُرادُ بِهِ: يَوْمَ القِيامَةِ. وقَرَأ الحَسَنُ البَصْرِيُّ: ( يَوْمَ يَدْعُو ) بِالياءِ، ( كُلَّ ) بِالنَّصْبِ. وقَرَأ أبُو عِمْرانَ الجَوْنِيُّ: ( يَوْمَ يُدْعى ) بِياءٍ مَرْفُوعَةٍ، وفَتْحِ العَيْنِ، وبَعْدها ألِفٌ، ( كُلُّ ) بِالرَّفْعِ.

وَفِي المُرادِ بِإمامِهِمْ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ رَئِيسُهُمْ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ورَوى عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أنَّهُ قالَ: إمامُ هُدًى، أوْ إمامُ ضَلالَةٍ. (p-٦٥)

والثّانِي: عَمَلُهُمْ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ وأبُو العالِيَةِ.

والثّالِثُ: نَبِيُّهُمْ، قالَهُ أنَسُ بْنُ مالِكٍ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ.

والرّابِعُ: كِتابُهُمْ، قالَهُ عِكْرِمَةُ ومُجاهِدٌ في رِوايَةٍ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: أنَّهُ كِتابُهُمُ الَّذِي فِيهِ أعْمالُهُمْ، قالَهُ قَتادَةُ ومُقاتِلٌ. والثّانِي: كِتابُهُمُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الضَّحّاكُ وابْنُ زَيْدٍ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ يُقالُ: يا مُتَّبِعِي مُوسى، يا مُتَّبِعِي عِيسى، يا مُتَّبِعِي مُحَمَّدٍ، ويُقالُ: يا مُتَّبِعِي رُؤَساءِ الضَّلالَةِ. وعَلى الثّانِي: يا مَن عَمِلَ كَذا وكَذا. وعَلى الثّالِثِ: يا أُمَّةَ مُوسى، يا أُمَّةَ عِيسى، يا أُمَّةَ مُحَمَّدٍ. وعَلى الرّابِعِ: يا أهْلَ التَّوْراةِ، يا أهْلَ الإنْجِيلِ، يا أهْلَ القُرْآَنِ. أوْ يا صاحِبَ الكِتابِ الَّذِي فِيهِ عَمِلَ كَذا وكَذا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأُولَئِكَ يَقْرَءُونَ كِتابَهُمْ﴾ مَعْناهُ: يَقْرَؤُونَ حَسَناتِهِمْ؛ لِأنَّهم أخَذُوا كُتُبَهم بِإيمانِهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلا﴾؛ أيْ: لا يَنْقُصُونَ مِن ثَوابِهِمْ بِقَدْرِ الفَتِيلِ، وقَدْ بَيَّنّاهُ في سُورَةِ ( النِّساءِ: ٤٩ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن كانَ في هَذِهِ أعْمى﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( أعْمى فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى ) مَفْتُوحَتَيِ المِيمِ. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِكَسْرِ المِيمَيْنِ. وقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( في هَذِهِ أعْمى ) بِكَسْرِ المِيمِ، ( فَهو في الآَخَرَةِ أعْمى ) بِفَتْحِها.

وَفِي المُشارِ إلَيْها بـِ " هَذِهِ " قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها الدُّنْيا، قالَهُ مُجاهِدٌ. ثُمَّ في مَعْنى الكَلامِ خَمْسَةُ أقْوالٍ: أحَدُها: (p-٦٦)مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ قُدْرَةِ اللَّهِ في خَلْقِ الأشْياءِ، فَهو عَمّا وُصِفَ لَهُ في الآَخِرَةِ أعْمى، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَن كانَ في الدُّنْيا أعْمى بِالكُفْرِ فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى؛ لِأنَّهُ في الدُّنْيا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ وفي الآَخِرَةِ لا تُقْبَلُ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّالِثُ: مَن عَمِيَ عَنْ آَياتِ اللَّهِ في الدُّنْيا، فَهو عَنِ الَّذِي غَيَّبَ عَنْهُ مِن أُمُورِ الآَخِرَةِ أشَدُّ عَمًى. والرّابِعُ: مَن عَمِيَ عَنْ نِعَمِ اللَّهِ الَّتِي بَيَّنَها في قَوْلِهِ: ﴿رَبُّكُمُ الَّذِي يُزْجِي لَكُمُ الفُلْكَ في البَحْرِ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿تَفْضِيلا﴾، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنْ رَشادِهِ وصَلاحِهِ، ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ. والخامِسُ: مَن كانَ فِيها أعْمى عَنِ الحُجَّةِ، فَهو في الآَخِرَةِ أعْمى عَنِ الجَنَّةِ، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الوَرّاقُ.

والثّانِي: أنَّها النِّعَمُ. ثُمَّ في الكَلامِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: مَن كانَ أعْمى عَنِ النِّعَمِ الَّتِي تُرى وتُشاهَدُ، فَهو في الآَخِرَةِ الَّتِي لَمْ تَرَ أعْمى، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَن كانَ أعْمى عَنْ مَعْرِفَةِ حَقِّ اللَّهِ في هَذِهِ النِّعَمِ المَذْكُورَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنا بَنِي آدَمَ﴾ ولَمْ يُؤَدِّ شُكْرَها، فَهو فِيما بَيْنَهُ وبَيْنَ اللَّهِ مِمّا يُتَقَرَّبُ بِهِ إلَيْهِ أعْمى " وأضَلُّ سَبِيلًا "، قالَهُ السُّدِّيُّ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فِي الآخِرَةِ أعْمى﴾؛ أيْ: أشَدُّ عَمى؛ لِأنَّهُ كانَ في الدُّنْيا يُمْكِنُهُ الخُرُوجَ عَنْ عَماهُ بِالِاسْتِدْلالِ، ولا سَبِيلَ لَهُ في الآَخِرَةِ إلى الخُرُوجِ مِن عَماهُ. وقِيلَ: مَعْنى العَمى في الآَخِرَةِ: أنَّهُ لا يَهْتَدِي إلى طَرِيقِ الثَّوابِ، وهَذا كُلُّهُ مِن عَمى القَلْبِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ قالَ: ﴿فَهُوَ في الآخِرَةِ أعْمى﴾، ولَمْ يَقُلْ: أشَدُّ عَمًى؛ لِأنَّ العَمى خِلْقَةٌ بِمَنزِلَةِ الحُمْرَةِ والزُّرْقَةِ، والعَرَبُ تَقُولُ: ما أشَدَّ سَوادَ زَيْدٍ، وما أبْيَنَ زُرْقَةَ عَمْرٍو، وقَلَّما يَقُولُونَ: ما أسْوَدَ زَيْدًا، وما أزْرَقَ عَمْرًا ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ بِهَذا العَمى: عَمى القَلْبِ، وذَلِكَ يَتَزايَدُ ويَحْدُثُ مِنهُ (p-٦٧)شَيْءٌ بَعْدَ شَيْءٍ، فَيُخالِفُ الخِلَقَ اللّازِمَةَ الَّتِي لا تَزِيدُ، نَحْوُ عَمى العَيْنِ، والبَياضِ، والحُمْرَةِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

17:73–77Страница 289

وَإِن كَادُواْ لَيَفۡتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ لِتَفۡتَرِيَ عَلَيۡنَا غَيۡرَهُۥۖ وَإِذٗا لَّٱتَّخَذُوكَ خَلِيلٗا ٧٣

Они чуть было не отклонили тебя от того, что Мы дали тебе в откровении, дабы ты выдумал про Нас нечто другое. Вот тогда ты стал бы их возлюбленным.

وَلَوۡلَآ أَن ثَبَّتۡنَٰكَ لَقَدۡ كِدتَّ تَرۡكَنُ إِلَيۡهِمۡ شَيۡـٔٗا قَلِيلًا ٧٤

Мы поддержали тебя, когда ты готов был уже немного склониться на их сторону.

إِذٗا لَّأَذَقۡنَٰكَ ضِعۡفَ ٱلۡحَيَوٰةِ وَضِعۡفَ ٱلۡمَمَاتِ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ عَلَيۡنَا نَصِيرٗا ٧٥

Тогда ты вкусил бы наказание вдвойне в этой жизни и вдвойне после смерти. И тогда никто не стал бы помогать тебе против Нас!

وَإِن كَادُواْ لَيَسۡتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلۡأَرۡضِ لِيُخۡرِجُوكَ مِنۡهَاۖ وَإِذٗا لَّا يَلۡبَثُونَ خِلَٰفَكَ إِلَّا قَلِيلٗا ٧٦

Они чуть не изгнали тебя с земли, вытесняя тебя оттуда. Но ведь после твоего изгнания они сами оставались бы там лишь недолго.

سُنَّةَ مَن قَدۡ أَرۡسَلۡنَا قَبۡلَكَ مِن رُّسُلِنَاۖ وَلَا تَجِدُ لِسُنَّتِنَا تَحۡوِيلًا ٧٧

Так поступали с Нашими посланниками, отправленными до тебя. Ты не найдешь изменений в Наших установлениях.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: «أنَّ وفْد ثَقِيفٍ أتَوْا رَسُولَ اللهِ ﷺ، فَقالُوا: مَتِّعْنا بِاللّاتِ سَنَةً، وحَرِّمْ وادِينا كَما حَرَّمْتَ مَكَّةَ، فَأبى ذَلِكَ، فَأقْبَلُوا يُكْثِرُونَ مَسْألَتَهُمْ، وقالُوا: إنّا نُحِبُّ أنْ تُعَرِّفَ العَرَبَ فَضْلَنا عَلَيْهِمْ، فَإنْ خَشِيتْ أنْ يَقُولَ العَرَبُ: أعْطَيْتُهم ما لَمْ تُعْطِنا، فَقُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، فَأمْسَكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ [ عَنْهم ]، وداخَلَهم الطَّمَعُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. ورَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّهم قالُوا: أجِّلْنا سَنَةً، ثُمَّ نُسَلِّمُ ونَكْسِرُ أصْنامَنا، فَهَمَّ أنْ يُؤَجِّلَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّانِي: «أنَّ المُشْرِكِينَ قالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ: لا نَكُفُّ عَنْكَ إلّا بِأنْ تُلِمَّ بِآَلِهَتِنا، ولَوْ بِأطْرافِ أصابِعِكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ما عَلَيَّ لَوْ فَعَلْتُ واللَّهُ يَعْلَمُ إنِّي لَكارِهٌ "، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وهَذا باطِلٌ (p-٦٨)لا يَجُوزُ أنْ يَظُنَّ بِرَسُولِ اللهِ ﷺ، ولا ما ذَكَرْنا عَنْ عَطِيَّةَ مِن أنَّهُ هَمَّ أنْ يُنْظِرَهم سَنَةً، وكُلُّ ذَلِكَ مُحالٌ في حَقِّهِ وفي حَقِّ الصَّحابَةِ أنَّهم رَوَوْا عَنْهُ.

والثّالِثُ: «أنَّ قُرَيْشًا خَلَوْا بِرَسُولِ اللهِ لَيْلَةً إلى الصَّباحِ يُكَلِّمُونَهُ ويُفَخِّمُونَهُ، ويَقُولُونَ: أنْتَ سَيِّدُنا وابْنُ سَيِّدِنا، وما زالُوا بِهِ حَتّى كادَ يُقارِبُهم في بَعْضِ ما يُرِيدُونَ، ثُمَّ عَصَمَهُ اللَّهُ مِن ذَلِكَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ قَتادَةُ.

والرّابِعُ: «أنَّهم قالُوا لِرَسُولِ اللهِ ﷺ: اطَّرَدَ عَنْكَ سُقاطُ النّاسِ ومَوالِيهِمْ، وهَؤُلاءِ الَّذِينَ رائِحَتُهم رائِحَةَ الضَّأْنِ، وذَلِكَ أنَّهم كانُوا يَلْبَسُونَ الصُّوفَ، حَتّى نُجالِسَكَ ونَسْمَعَ مِنكَ، فَهَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يَفْعَلَ ما يَسْتَدْعِي بِهِ إسْلامَهُمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَياتُ،» حَكاهُ الزَّجّاجُ، قالَ: ومَعْنى الكَلامِ: كادُوا يَفْتِنُونَكَ، ودَخَلَتْ " إنَّ " واللّامُ لِلتَّوْكِيدِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وإنَّما قالَ: ﴿لَيَفْتِنُونَكَ﴾؛ لِأنَّ في إعْطائِهِمْ ما سَألُوا مُخالَفَةً لِحُكْمِ القُرْآَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِتَفْتَرِيَ﴾؛ أيْ: لِتَخْتَلِق، ﴿عَلَيْنا غَيْرَهُ﴾ وهو قَوْلُهُمْ: قُلِ: اللَّهُ أمَرَنِي بِذَلِكَ، ﴿وَإذًا﴾ لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ ﴿لاتَّخَذُوكَ خَلِيلا﴾؛ أيْ: والَوْكَ وصافَوْكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَوْلا أنْ ثَبَّتْناكَ﴾ عَلى الحَقِّ لِعِصْمَتِنا إيّاكَ، ﴿لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إلَيْهِمْ﴾؛ أيْ: هَمَمْتَ وقارَبْتَ أنْ تَمِيلَ إلى مُرادِهِمْ ﴿شَيْئًا قَلِيلا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ وذَلِكَ حِينَ سَكَتَّ عَنْ جَوابِهِمْ، واللَّهُ أعْلَمُ بِنْيَّتِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الفِعْلُ في الظّاهِرِ لِلنَّبِيِّ ﷺ، وفي الباطِنِ لِلْمُشْرِكِينَ، وتَقْدِيرُهُ: لَقَدْ كادُوا يُرْكِنُونَكَ إلَيْهِمْ، ويَنْسُبُونَ إلَيْكَ ما يَشْتَهُونَهُ مِمّا تَكْرَهُ، فَنَسَبَ الفِعْلَ إلى غَيْرِ فاعِلِهِ عِنْدَ أمْنِ اللَّبْسِ، كَما يَقُولُ الرَّجُلُ لِلرَّجُلِ: كِدْتَ تَقْتُلُ نَفْسَكَ اليَوْمَ، يُرِيدُ: كِدْتَ تَفْعَلُ فِعْلًا يَقْتُلُكَ غَيْرُكَ مِن أجْلِهِ؛ فَهَذا مِنَ المَجازِ والِاتِّساعِ، وشَبِيهٌ (p-٦٩)بِهَذا قَوْلُهُ: ﴿فَلا تَمُوتُنَّ إلا وأنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٣٢ ]، وقَوْلُ القائِلِ: لا أُرِيَنَّكَ في هَذا المَوْضِعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذًا لأذَقْناكَ﴾ المَعْنى: لَوْ فَعَلْتَ ذَلِكَ الشَّيْءَ القَلِيلَ ﴿لأذَقْناكَ ضِعْفَ الحَياةِ﴾؛ أيْ: ضِعْفَ عَذابِ الحَياةِ ﴿وَضِعْفَ﴾ عَذابِ ﴿المَماتِ﴾، ومِثْلُهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:

؎ [ نُبِّئْتُ أنَّ النّارَ بَعْدكَ أُوقِدَتْ ] واسْتَبَّ بَعْدَكَ يا كُلَيْبُ المَجْلِسُ

أيْ: أهْلُ المَجْلِسِ. وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: ضِعْفُ عَذابِ الدُّنْيا والآَخِرَةِ. وكانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ مَعْصُومًا، ولَكِنَّهُ تَخْوِيفٌ لِأُمَّتِهِ؛ لِئَلّا يَرْكَنَ أحَدٌ مِنَ المُؤْمِنِينَ إلى أحَدٍ مِنَ المُشْرِكِينَ في شَيْءٍ مِن أحْكامِ اللَّهِ وشَرائِعِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ كادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ الأرْضِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ لَمّا قَدِمَ المَدِينَةَ، حَسَدَتْهُ اليَهُودُ عَلى مَقامِهِ بِالمَدِينَةِ وكَرِهُوا قُرْبَهُ، فَأتَوْهُ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ أنَبِيٌّ أنْتَ ؟ قالَ: " نَعَمْ "، قالُوا: فَواللَّهِ لَقَدْ عَلِمْتَ ما هَذِهِ بِأرْضِ الأنْبِياءِ، وأنَّ أرْضَ الأنْبِياءِ الشّامُ، فَإنْ كُنْتَ نَبِيًّا فائْتِ الشّامَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: هَمَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنْ يُشَخِّصَ عَنِ المَدِينَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. (p-٧٠)وَقالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ: لَمّا قالَتْ لَهُ اليَهُودُ هَذا، صَدَّقَ ما قالُوا، وغَزا غَزْوَةَ تَبُوكَ لا يُرِيدُ إلّا الشّامَ، فَلَمّا بَلَغَ تَبُوكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.

والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ أهْلُ مَكَّةَ هَمُّوا بِإخْراجِ رَسُولِ اللهِ ﷺ مِن مَكَّةَ، فَأمَرَهُ اللَّهُ بِالخُرُوجِ، وأنْزَلَ هَذِهِ الآَيَةَ إخْبارًا عَمّا هَمُّوا بِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. وقالَ قَتادَةُ: هم أهْلُ مَكَّةَ بِإخْراجِهِ مِن مَكَّةَ، ولَوْ فَعَلُوا ذَلِكَ ما نُوظِرُوا، ولَكِنَّ اللَّهَ كَفَّهم عَنِ إخْراجِهِ حَتّى أمَرَهُ بِالخُرُوجِ. وقِيلَ: ما لَبِثُوا حَتّى بَعَثَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ القَتْلَ بِبَدْرٍ. فَعَلى القَوْلِ الأوَّلِ المُشارِ إلَيْهِمُ: اليَهُودُ، والأرْضُ: المَدِينَةُ. وعَلى الثّانِي: هُمُ المُشْرِكُونَ، والأرْضُ: مَكَّةُ. وقَدْ ذَكَرْنا مَعْنى ( الِاسْتِفْزازِ ) آَنِفًا ( الإسْراءِ: ٦٤ )، وقِيلَ: المُرادُ بِهِ هاهُنا: القَتْلُ، لِيُخْرِجُوهُ مِنَ الأرْضِ كُلِّها، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: " وإذًا لا يَلْبَثُونَ خَلْفَكَ " قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ: ( خَلْفَكَ ) . وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ: ( خِلافَكَ ) . قالَ الأخْفَشُ: ( خِلافَكَ ) في مَعْنى خَلْفَكَ، والمَعْنى: لا يَلْبَثُونَ بَعْدَ خُرُوجِكَ ﴿إلا قَلِيلا﴾؛ أيْ: لَوْ أخْرَجُوكَ لاسْتَأْصَلْناهم بَعْدَ خُرُوجِكَ بِقَلِيلٍ، وقَدْ جازاهُمُ اللَّهُ عَلى ما هَمُّوا بِهِ، فَقَتَلَ صَنادِيدَ المُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ، وقَتَلَ مِنَ اليَهُودِ بَنِي قُرَيْظَةَ، وأجْلى النَّضِيرَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَعْنى الكَلامِ: لا يَلْبَثُونَ (p-٧١)عَلى خِلافِكَ ومُخالَفَتِكَ، فَسَقَطَ حَرْفُ الخَفْضِ. وقَرَأ أبُو رَزِينٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خِلافَكَ بِضَمِّ الخاءِ، وتَشْدِيدِ اللّامِ، ورَفْعِ الفاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سُنَّةَ مَن قَدْ أرْسَلْنا﴾ قالَ الفَرّاءُ: نَصَبَ السُّنَّةَ عَلى العَذابِ المُضْمَرِ؛ أيْ: يُعَذِّبُونَ كَسُنَّتِنا فِيمَن أرْسَلْنا. وقالَ الأخْفَشُ: المَعْنى: سَنَّها سُنَّةً. وقالَ الزَّجّاجُ: النَّصْبُ بِمَعْنى ﴿لا يَلْبَثُونَ﴾، وتَأْوِيلُهُ: إنّا سَنَنّا هَذِهِ السُّنَّةَ فِيمَن أرْسَلْنا قَبْلَكَ أنَّهم إذا أخْرَجُوا نَبِيَّهم أوْ قَتَلُوهُ، لَمْ يَلْبَثِ العَذابُ أنْ يَنْزِلَ بِهِمْ.

17:78–81Страница 290

أَقِمِ ٱلصَّلَوٰةَ لِدُلُوكِ ٱلشَّمۡسِ إِلَىٰ غَسَقِ ٱلَّيۡلِ وَقُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِۖ إِنَّ قُرۡءَانَ ٱلۡفَجۡرِ كَانَ مَشۡهُودٗا ٧٨

Совершай намаз с полудня до наступления ночного мрака и читай Коран на рассвете. Воистину, на рассвете Коран читают при свидетелях (ангелах).

وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَتَهَجَّدۡ بِهِۦ نَافِلَةٗ لَّكَ عَسَىٰٓ أَن يَبۡعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامٗا مَّحۡمُودٗا ٧٩

Бодрствуй часть ночи, читая Коран во время дополнительных намазов. Быть может, Господь твой возведет тебя на Достохвальное место.

وَقُل رَّبِّ أَدۡخِلۡنِي مُدۡخَلَ صِدۡقٖ وَأَخۡرِجۡنِي مُخۡرَجَ صِدۡقٖ وَٱجۡعَل لِّي مِن لَّدُنكَ سُلۡطَٰنٗا نَّصِيرٗا ٨٠

Скажи: «Господи! Пусть мое пришествие будет правдивым, и пусть мой уход будет правдивым! Даруй мне от Тебя знамение в помощь».

وَقُلۡ جَآءَ ٱلۡحَقُّ وَزَهَقَ ٱلۡبَٰطِلُۚ إِنَّ ٱلۡبَٰطِلَ كَانَ زَهُوقٗا ٨١

Скажи: «Явилась истина, и сгинула ложь. Воистину, ложь обречена на погибель».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أقِمِ الصَّلاةَ﴾؛ أيْ: أدِّها ﴿لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾؛ أيْ: عِنْدَ دَلُوكِها. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في ( اللّامِ ) قَوْلَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى ( في ) . والثّانِي: أنَّها مُؤَكَّدَةٌ، كَقَوْلِهِ ﴿رَدِفَ لَكُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ٧٢ ] . وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: دَلُوكُها: مِن عِنْدِ زَوالِها إلى أنْ تَغِيبَ. وقالَ الزَّجّاجُ: مَيْلُها وقْتَ الظَّهِيرَةِ دُلُوكٌ، ومَيْلُها لِلْغُرُوبِ دُلُوكٌ. وقالَ الأزْهَرِيُّ: مَعْنى ( الدُّلُوكِ ) في كَلامِ العَرَبِ: الزَّوالُ، ولِذَلِكَ قِيلَ لِلشَّمْسِ إذا زالَتْ نِصْفَ النَّهارِ: دالِكَةٌ، وإذا أفْلَتْ: دالِكَةٌ؛ لِأنَّها في الحالَيْنِ زائِلَةٌ. (p-٧٢)

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالدُّلُوكِ هاهُنا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ زَوالُها نِصْفَ النَّهارِ. «رَوى جابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، قالَ: دَعَوْتُ رَسُولَ اللهِ ﷺ ومَن شاءَ مِن أصْحابِهِ فَطَعِمُوا عِنْدِي، ثُمَّ خَرَجُوا حِينَ زالَتِ الشَّمْسُ، فَخَرَجَ رَسُولُ اللهِ ﷺ وقالَ: " اخْرُجْ يا أبا بَكْرٍ فَهَذا حَيْثُ دَلَكَتِ الشَّمْسُ "»؛ وهَذا قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ، وأبِي بَرْزَةَ، وأبِي هُرَيْرَةَ، والحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وأبِي العالِيَةِ، ومُجاهِدٍ، وعَطاءٍ، وعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ، وقَتادَةَ، والضَّحّاكِ، ومُقاتِلٍ، وهو اخْتِيارُ الأزْهَرِيِّ. قالَ الأزْهَرِيُّ: لِتَكُونَ الآَيَةُ جامِعَةً لِلصَّلَواتِ الخَمْسِ، فَيَكُونُ المَعْنى: أقِمِ الصَّلاةَ مِن وقْتِ زَوالِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ، فَيَدْخُلُ فِيها الأُولى، والعَصْرُ، وصَلاتا غَسَقِ اللَّيْلِ، وهُما العِشاءانِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾، فَهَذِهِ خَمْسُ صَلَواتٍ.

والثّانِي: أنَّهُ غُرُوبُها، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والنَّخَعِيُّ، وابْنُ زَيْدٍ، وعَنِ ابْنِ عَبّاسٍ كالقَوْلَيْنِ، قالَ الفَرّاءُ: ورَأيْتُ العَرَبَ تَذْهَبُ في الدُّلُوكِ إلى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ، وهَذا اخْتِيارُ ابْنُ قُتَيْبَةَ، قالَ: لِأنَّ العَرَبَ تَقُولُ: دَلَكَ النَّجْمُ: إذا غابَ، قالَ ذُو الرُّمَّةِ:

؎ مَصابِيحٌ لَيْسَتْ بِاللَّواتِي تَقُودُها نُجُومٌ ولا بِالأفِلاتِ الدَّوالِكِ

(p-٧٣)

وَتَقُولُ في الشَّمْسِ: دَلَكَتْ بَراحٍ، يُرِيدُونَ: غَرَبَتْ، والنّاظِرُ قَدْ وضَعَ كَفَّهُ عَلى حاجِبِهِ يَنْظُرُ إلَيْها، قالَ الشّاعِرُ:

؎ والشَّمْسُ قَدْ كادَتْ تَكُونُ دَنَفًا ∗∗∗ أدْفَعُها بِالرّاحِ كَيْ تَزَحْلَفا

فَشَبَّهَها بِالمَرِيضِ [ في ] الدَّنَفِ؛ لِأنَّها قَدْ هَمَّتْ بِالغُرُوبِ كَما قارَبَ الدَّنِفَ المَوْتُ، وإنَّما يَنْظُرُ إلَيْها مِن تَحْتِ الكَفِّ، لِيَعْلَمَ كَمْ بَقِيَ لَها إلى أنْ تَغِيبَ، ويَتَوَقّى الشُّعاعَ بِكَفِّهِ. فَعَلى هَذا المُرادِ بِهَذِهِ الصَّلاةِ: المَغْرِبُ، فَأمّا غَسَقُ اللَّيْلِ فَظَلامُهُ.

وَفِي المُرادِ بِالصَّلاةِ المُتَعَلِّقَةِ بِغَسَقِ اللَّيْلِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: العِشاءُ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. والثّانِي: المَغْرِبُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بَيانَ وقْتِ المَغْرِبِ، أنَّهُ مِن غُرُوبِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ. والثّالِثُ: المَغْرِبُ والعِشاءُ، قالَهُ الحَسَنُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُرْآنَ الفَجْرِ﴾ المَعْنى: وأقِمْ قِراءَةَ الفَجْرِ. قالَ المُفَسِّرُونَ: المُرادُ بِهِ: صَلاةُ الفَجْرِ. قالَ الزَّجّاجُ: وفي هَذا فائِدَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى أنَّ الصَّلاةَ لا تَكُونُ إلّا بِقِراءَةٍ، حِينَ سُمِّيَتِ الصَّلاةُ قُرْآَنًا. (p-٧٤)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ قُرْآنَ الفَجْرِ كانَ مَشْهُودًا﴾ رَوى أبُو هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَ: " «تَشْهَدُهُ مَلائِكَةُ اللَّيْلِ ومَلائِكَةُ النَّهارِ» " .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: فَصَلِّ بِالقُرْآَنِ. قالَ مُجاهِدٌ، وعَلْقَمَةُ، والأسْوَدُ: التَّهَجُّدُ بَعْدَ النَّوْمِ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: تَهَجَّدْتُ: سَهِرَتُ، وهَجَدْتُ: نِمْتُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: التَّهَجُّدُ هاهُنا بِمَعْنى: التَّيَقُّظِ والسَّهَرِ، واللُّغَوِيُّونَ يَقُولُونَ: هو مِن حُرُوفِ الأضْدادِ، يُقالُ لِلنّائِمِ: هاجِدٌ ومُتَهَجِّدٌ، وكَذَلِكَ لِلسّاهِرِ قالَ النّابِغَةُ:

؎ ولَوْ أنَّها عَرَضَتْ لِأشْمَطَ راهِبٍ ∗∗∗ عَبْدِ الإلَهِ صَرُورَةٍ مُتَهَجِّدِ

؎ لَرَنا لِبَهْجَتِها وحُسْنِ حَدِيثِها ∗∗∗ ولِخالِهِ رُشْدًا وإنْ لَمْ يَرْشُدِ

يَعْنِي بِالمُتَهَجِّدِ: السّاهِرَ، وقالَ لَبِيدُ:

؎ قالَ هَجَدْنا فَقَدْ طالَ السُّرى ∗∗∗ [ وقَدَرْنا إنْ خُنّا الدَّهْرَ غَفَلَ ]

(p-٧٥)

أيْ: نَوَّمَنا. وقالَ الأزْهَرِيُّ: المُتَهَجِّدُ: القائِمُ إلى الصَّلاةِ مِنَ النَّوْمِ. وقِيلَ لَهُ: مُتَهَجِّدٌ؛ لِإلْقائِهِ الهُجُودَ عَنْ نَفْسِهِ، كَما يُقالُ: تَحَرَّجَ وتَأثَّمَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نافِلَةً لَكَ﴾ النّافِلَةُ في اللُّغَةِ: ما كانَ زائِدًا عَلى الأصْلِ.

وَفِي مَعْنى هَذِهِ الزِّيادَةِ في حَقِّهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها زائِدَةٌ فِيما فُرِضَ عَلَيْهِ، فَيَكُونُ المَعْنى: فَرِيضَةٌ عَلَيْكَ، وكانَ قَدْ فُرِضَ عَلَيْهِ قِيامُ اللَّيْلِ، هَذا قَوْلُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ

والثّانِي: أنَّها زائِدَةٌ عَلى الفَرْضِ ولَيْسَتْ فَرْضًا، فالمَعْنى: تُطَوُّعًا وفَضِيلَةً. قالَ أبُو أُمامَةَ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ: إنَّما النّافِلَةُ لِلنَّبِيِّ ﷺ خاصَّةً. قالَ مُجاهِدٌ: وذَلِكَ أنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ وما تَأخَّرَ، فَما زادَ عَلى فَرْضِهِ فَهو نافِلَةٌ لَهُ وفَضِيلَةٌ، وهو لِغَيْرِهِ كَفّارَةٌ. وذَكَرَ بَعْضُ أهْلِ العِلْمِ: أنَّ صَلاةَ اللَّيْلِ كانَتْ فَرْضًا عَلَيْهِ في الِابْتِداءِ، ثُمَّ رُخِّصَ لَهُ في تَرْكِها، فَصارَتْ نافِلَةً. وذَكَرَ ابْنُ الأنْبارِيِّ في هَذا قَوْلَيْنِ:

أحَدُهُما: يُقارِبُ ما قالَهُ مُجاهِدٌ، فَقالَ: كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ إذا تَنَفَّلَ (p-٧٦)لا يَقْدِرُ لَهُ أنْ يَكُونَ بِذَلِكَ ماحِيًا لِلذُّنُوبِ؛ لِأنَّهُ قَدْ غُفِرَ لَهُ ما تَقَدَّمَ مِن ذَنَبِهِ وما تَأخَّرَ، وغَيْرُهُ إذا تَنَفَّلَ كانَ راجِيًا ومُقَدِّرًا مَحْوَ السَّيِّئاتِ عَنْهُ بِالتَّنَفُّلِ، فالنّافِلَةُ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ زِيادَةٌ عَلى الحاجَةِ، وهي لِغَيْرِهِ مُفْتَقَرٌ إلَيْها، ومَأْمُولٌ بِها دَفْعَ المَكْرُوهِ. والثّانِي: أنَّ النّافِلَةَ لِلنَّبِيِّ ﷺ وأُمَّتَهُ، والمَعْنى: ومِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدُوا بِهِ نافِلَةً لَكُمْ، فَخُوطِبَ النَّبِيُّ ﷺ بِخِطابِ أُمَّتِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿عَسى أنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ " ﴾: " عَسى " مِنَ اللَّهِ واجِبَةٌ، ومَعْنى " يَبْعَثُكَ ": يُقِيمُكَ " مَقامًا مَحْمُودًا " وهو الَّذِي يَحْمَدُهُ لِأجْلِهِ جَمِيعُ أهْلِ المَوْقِفِ. وفِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الشَّفاعَةُ لِلنّاسِ يَوْمَ القِيامَةِ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وحُذَيْفَةُ بْنُ اليَمانِ، وابْنُ عُمَرَ، وسَلْمانُ الفارِسِيُّ، وجابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ، والحَسَنُ، وهي رِوايَةُ ابْنِ أبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجاهِدٍ.

والثّانِي: يُجْلِسُهُ عَلى العَرْشِ يَوْمَ القِيامَةِ. رَوى أبُو وائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أنَّهُ قَرَأ هَذِهِ الآَيَةَ، وقالَ: يُقْعِدُهُ عَلى العَرْشِ، وكَذَلِكَ رَوى الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، ولَيْثٌ عَنْ مُجاهِدٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ﴾ وقَرَأ الحَسَنُ، وعِكْرِمَةُ، والضَّحّاكُ، وحُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ بِفَتْحِ المِيمِ في ( مُدْخَلِ ) (p-٧٧)وَ( مُخْرَجَ ) . قالَ الزَّجّاجُ: المُدْخَلُ بِضَمِّ المِيمِ: مَصْدَرُ أدْخَلْتُهُ مُدْخَلًا، ومَن قالَ: مُدْخَلُ صِدْقٍ، فَهو عَلى أدْخَلْتُهُ، فَدَخَلَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وكَذَلِكَ شَرَحَ ( مُخْرَجَ ) مِثْلَهُ.

وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِهَذا المُدْخَلِ والمُخْرَجِ أحَدَ عَشْرَ قَوْلًا:

أحَدُها: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِن مَكَّةَ مُخْرَجَ صِدْقٍ. رَوى أبُو ظَبْيانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: «كانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بِمَكَّةَ، ثُمَّ أُمِرَ بِالهِجْرَةِ، فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الآَيَةُ.» وإلى هَذا المَعْنى ذَهَبَ الحَسَنُ في رِوايَةِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، وابْنِ زَيْدٍ.

والثّانِي: أدْخِلْنِي القَبْرَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنهُ مُخْرَجَ صِدْقٍ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: أدْخِلْنِي المَدِينَةَ، وأخْرِجْنِي إلى مَكَّةَ، يَعْنِي: لِفَتْحِها، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ مُدْخَلَ صِدْقٍ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، فَخَرَجَ مِنها آَمِنًا مِنَ المُشْرِكِينَ، ودَخَلَها ظاهِرًا عَلَيْها يَوْمَ الفَتْحِ، قالَهُالضَّحّاكُ.

والخامِسُ: أدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ الجَنَّةِ، وأخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، رَواهُ قَتادَةُ عَنِ الحَسَنِ.

والسّادِسُ: أدْخِلْنِي في النُّبُوَّةِ والرِّسالَةِ، وأخْرِجْنِي مِنها مُخْرَجَ صِدْقٍ، قالَهُ مُجاهِدٌ، يَعْنِي: أخْرِجْنِي مِمّا يَجِبُ عَلَيَّ فِيها.

والسّابِعُ: أدْخِلْنِي في الإسْلامِ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ، يَعْنِي: مِن أداءِ ما وجَبَ عَلَيَّ فِيهِ إذا جاءَ المَوْتُ. (p-٧٨)

والثّامِنُ: أدْخِلْنِي في طاعَتِكَ وأخْرِجْنِي مِنها؛ أيْ: سالِمًا غَيْرَ مُقَصِّرٍ في أدائِها، قالَهُ عَطاءٌ.

والتّاسِعُ: أدْخِلْنِي الغارَ وأخْرِجْنِي مِنهُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ المُنْكَدِرِ.

والعاشِرُ: أدْخِلْنِي في الدِّينِ وأخْرِجْنِي مِنَ الدُّنْيا وأنا عَلى الحَقِّ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.

والحادِي عَشَرَ: أدْخِلْنِي مَكَّةَ وأخْرِجْنِي إلى حُنَيْنٍ، ذَكَرَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.

وَأمّا إضافَةُ الصِّدْقِ إلى المَدْخَلِ والمُخْرِجِ، فَهو مَدْحٌ لَهُما. وقَدْ شَرَحْنا هَذا المَعْنى في سُورَةِ ( يُونُسَ: ٢ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واجْعَلْ لِي مِن لَدُنْكَ﴾؛ أيْ: مِن عِنْدِكَ ﴿سُلْطانًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ التَّسَلُّطُ عَلى الكافِرِينَ بِالسَّيْفِ، وعَلى المُنافِقِينَ بِإقامَةِ الحُدُودِ، قالَهُ الحَسَنُ. والثّانِي: أنَّهُ الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: المَلِكُ العَزِيزُ الَّذِي يُقْهَرُ بِهِ العُصاةُ، قالَهُ قَتادَةُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وقَوْلُهُ: ﴿نَصِيرًا﴾ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ بِمَعْنى مُنَصِّرًا، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ تَأْوِيلُهُ ناصِرًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْ جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّ الحَقَّ: الإسْلامُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّ الحَقَّ: القُرْآَنُ، والباطِلُ: الشَّيْطانُ، قالَهُ قَتادَةُ. والثّالِثُ: أنَّ الحَقَّ: الجِهادُ، والباطِلُ: الشِّرْكُ، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ. والرّابِعُ: الحَقُّ: عِبادَةُ اللَّهِ، والباطِلُ: عِبادَةُ الأصْنامِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. ومَعْنى " زَهَقَ ": بَطَلَ واضْمَحَلَّ، وكُلُّ شَيْءٍ هَلَكَ وبَطَلَ فَقَدْ زَهَقَ، وزَهَقَتْ نَفْسُهُ: تَلَفَتْ.

وَرَوى ابْنُ مَسْعُودٍ «أنَّ رَسُولُ اللهِ ﷺ دَخْلَ مَكَّةَ وحَوْلَ البَيْتِ ثَلاثُمِائَةٍ (p-٧٩)وَسِتُّونَ صَنَمًا، فَجَعَلَ يَطْعَنُها ويَقُولُ: " جاءَ الحَقُّ وزَهَقَ الباطِلُ إنَّ الباطِلَ كانَ زَهُوقًا "» .

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ قُلْتُمْ: إنَّ " زَهَقَ " بِمَعْنى بَطَلَ، والباطِلُ مَوْجُودٌ مَعْمُولٌ عَلَيْهِ عِنْدَ أهْلِهِ ؟

فالجَوابُ: أنَّ المُرادَ مِن بُطْلانِهِ وهَلَكَتِهِ: وُضُوحُ عَيْبِهِ، فَيَكُونُ هالِكًا عِنْدَ المُتَدَبِّرِ النّاظِرِ.

17:82Страница 290

وَنُنَزِّلُ مِنَ ٱلۡقُرۡءَانِ مَا هُوَ شِفَآءٞ وَرَحۡمَةٞ لِّلۡمُؤۡمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ ٱلظَّٰلِمِينَ إِلَّا خَسَارٗا ٨٢

Мы ниспосылаем в Коране то, что является исцелением и милостью для верующих, а беззаконникам он не прибавляет ничего, кроме убытка.

قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ ما هو شِفاءٌ " ﴾: " مِن " هاهُنا لِبَيانِ الجِنْسِ، فَجَمِيعُ القُرْآَنِ شِفاءٌ. وفي هَذا الشِّفاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: شِفاءٌ مِنَ الضَّلالِ لِما فِيهِ مِنَ الهُدى. والثّانِي: شِفاءٌ مِنَ السَّقَمِ لِما فِيهِ مِنَ البَرَكَةِ. والثّالِثُ: شِفاءٌ مِنَ البَيانِ لِلْفَرائِضِ والأحْكامِ.

وَفِي " الرَّحْمَةِ " قَوْلانِ: أحَدُهُما: النِّعْمَةُ. والثّانِي: سَبَبُ الرَّحْمَةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا يَزِيدُ الظّالِمِينَ﴾ يَعْنِي: المُشْرِكِينَ ﴿إلا خَسارًا﴾ لِأنَّهم يَكْفُرُونَ بِهِ، ولا يَنْتَفِعُونَ بِمَواعِظِهِ، فَيَزِيدُ خُسْرانُهم.

17:83–84Страница 290

وَإِذَآ أَنۡعَمۡنَا عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ أَعۡرَضَ وَنَـَٔا بِجَانِبِهِۦ وَإِذَا مَسَّهُ ٱلشَّرُّ كَانَ يَـُٔوسٗا ٨٣

Когда Мы даруем милость человеку, он отворачивается и удаляется в гордыне. Если же его касается беда, то он приходит в отчаяние.

قُلۡ كُلّٞ يَعۡمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِۦ فَرَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَنۡ هُوَ أَهۡدَىٰ سَبِيلٗا ٨٤

Скажи: «Каждый человек избирает свой путь, а вашему Господу лучше знать, кто следует более прямым путем».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذا أنْعَمْنا عَلى الإنْسانِ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: الإنْسانُ هاهُنا: الكافِرُ، والمُرادُ بِهِ: الوَلِيدُ بْنُ المُغِيرَةَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وهَذا الإنْعامُ: سَعَةُ الرِّزْقِ وكَشْفُ البَلاءِ. ﴿وَنَأى بِجانِبِهِ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٌ: ( ونَأى ) عَلى وزْنِ ( نَعى ) بِفَتْحِ النُّونِ والهَمْزَةِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ناءَ ) مِثْلَ ( باعَ ) . وقَرَأ الكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، عَنْ سَلِيمٍ، عَنْ حَمْزَةُ: ( وناءَ ) بِإمالِةِ النُّونِ والهَمْزَةِ. ورَوى خَلّادُ عَنْ سَلِيمٍ: ( نُئِيَ ) بِفَتْحِ النُّونِ وكَسْرِ الهَمْزَةِ، والمَعْنى: تَباعَدَ عَنِ القِيامِ بِحُقُوقِ النِّعَمِ، وقِيلَ: تَعَظَّمَ وتَكَبَّرَ. ﴿وَإذا مَسَّهُ الشَّرُّ﴾؛ أيْ: نَزَلَ بِهِ البَلاءُ والفَقْرُ ﴿كانَ يَئُوسًا﴾؛ أيْ: قَنُوطًا شَدِيدَ اليَأْسِ، لا يَرْجُو فَضْلَ اللَّهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلى شاكِلَتِهِ﴾ فِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: عَلى ناحِيَتِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ قالَ الفَرّاءُ: الشّاكِلَةُ: النّاحِيَةُ، والجَدِيلَةُ، والطَّرِيقَةُ، سَمِعْتُ بَعْضَ العَرَبِ يَقُولُ: وعَبْدُ المَلِكِ إذْ ذاكَ عَلى جَدِيلَتِهِ، وابْنُ الزُّبَيْرِ عَلى جَدِيلَتِهِ، يُرِيدُ: عَلى ناحِيَتِهِ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: عَلى ناحِيَتِهِ وخَلِيقَتِهِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: عَلى خَلِيقَتِهِ وطَبِيعَتِهِ، وهو مِنَ الشَّكْلِ. يُقالُ: لَسْتُ عَلى شَكْلِي ولا شاكِلَتِي. وقالَ الزَّجّاجُ: عَلى طَرِيقَتِهِ وعَلى مَذْهَبِهِ.

والثّانِي: عَلى نِيَّتِهِ، قالَهُ الحَسَنُ ومُعاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ. وقالَ اللَّيْثُ: الشّاكِلَةُ مِنَ الأُمُورِ: ما وافَقَ فاعِلَهُ.

والثّالِثُ: عَلى دِينِهِ، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. وتَحْرِيرُ المَعْنى: أنَّ كُلَّ واحِدٍ يَعْمَلُ عَلى طَرِيقَتِهِ الَّتِي تُشاكِلُ أخْلاقَهُ، فالكافِرُ يَعْمَلُ ما يُشْبِهُ طَرِيقَتَهُ مِنَ الإعْراضِ عِنْدَ النِّعَمِ، واليَأْسِ عِنْدَ الشِّدَّةِ، والمُؤْمِنُ يَعْمَلُ ما يُشْبِهُ طَرِيقَتَهُ مِنَ الشُّكْرِ عِنْدَ الرَّخاءِ، والصَّبْرِ عِنْدَ البَلاءِ، واللَّهُ يُجازِي الفَرِيقَيْنِ. وذَكَرَ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ (p-٨١)هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةً بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٥ ]، ولَيْسَ بِشَيْءٍ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English