Ибн аль-ДжаузиАль‑Исра · 17:85–104

Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском

Аль-Исра 17:85–104

17:85Страница 290

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلرُّوحِۖ قُلِ ٱلرُّوحُ مِنۡ أَمۡرِ رَبِّي وَمَآ أُوتِيتُم مِّنَ ٱلۡعِلۡمِ إِلَّا قَلِيلٗا ٨٥

Они станут спрашивать тебя о духе (душе или Джибриле). Скажи: «Дух - от повеления моего Господа, а вам дано знать об этом очень мало».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: «أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ مَرَّ بِناسٍ مِنَ اليَهُودِ، فَقالُوا: سَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ ؟ فَقالَ بَعْضُهُمْ: لا تَسْألُوهُ فَيَسْتَقْبِلُكم بِما تَكْرَهُونَ، فَأتاهُ نَفَرٌ مِنهُمْ، فَقالُوا: يا أبا القاسِمِ ما تَقُولُ في الرُّوحِ ؟ فَسَكَتَ، ونَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ.

والثّانِي: «أنَّ اليَهُودَ قالَتْ لِقُرَيْشٍ: سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ ثَلاثٍ، فَإنْ أخْبَرَكم عَنِ اثْنَتَيْنِ وأمْسَكَ عَنِ الثّالِثَةِ فَهو نَبِيٌّ، سَلُوهُ عَنْ فِتْيَةٍ فَقَدُوا، وسَلُوهُ عَنْ ذِي القَرْنَيْنِ، وسَلُوهُ عَنِ الرُّوحِ؛ فَسَألُوهُ عَنْها، فَفَسَّرَ لَهم أمْرَ الفِتْيَةِ في الكَهْفِ، وفَسَّرَ لَهم قِصَّةَ ذِي القَرْنَيْنِ، وأمْسَكَ عَنْ قِصَّةِ الرُّوحِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. (p-٨٢)

وَفِي المُرادِ بِالرُّوحِ هاهُنا سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ الرُّوحُ الَّذِي يَحْيا بِهِ البَدَنُ، رَوى هَذا المَعْنى العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وقَدِ اخْتَلَفَ النّاسُ في ماهِيَةِ الرُّوحِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلِ الرُّوحُ النَّفْسُ، أمْ هُما شَيْئانِ فَلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ اخْتِلافِهِمْ؛ لِأنَّهُ لا بُرْهانَ عَلى شَيْءٍ مِن ذَلِكَ، وإنَّما هو شَيْءٌ أخَذُوهُ عَنِ الطِّبِّ والفَلاسِفَةِ ؟ فَأمّا السَّلَفُ فَإنَّهم أمْسَكُوا عَنْ ذَلِكَ لِقَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ الرُّوحُ مِن أمْرِ رَبِّي﴾، فَلَمّا رَأوْا أنَّ القَوْمَ سَألُوا عَنِ الرُّوحِ فَلَمْ يُجابُوا، ولِوَحْيٍ يَنْزِلُ والرَّسُولُ حَيٌّ، عَلِمُوا أنَّ السُّكُوتَ عَمّا لَمْ يُحِطْ بِحَقِيقَةِ عِلْمِهِ أوْلى.

والثّانِي: أنَّ المُرادَ بِهَذا الرُّوحِ: مَلَكٌ مِنَ المَلائِكَةِ عَلى خِلْقَةٍ هائِلَةٍ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وابْنِ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.

والثّالِثُ: أنَّ الرَّوْحَ خَلْقٌ مِن خَلْقِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ صُوَرُهم عَلى صُوَرِ بَنِي آَدَمِ، رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والرّابِعُ: أنَّهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلامُ، قالَهُ الحَسَنُ وقَتادَةُ.

والخامِسُ: أنَّهُ القُرْآَنُ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ أيْضًا.

والسّادِسُ: أنَّهُ عِيسى بْنُ مَرْيَمَ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ. قالَ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ: قَدْ ذَكَرَ اللَّهُ تَعالى الرَّوْحَ في مَواضِعَ مِنَ القُرْآَنِ، فَغالِبُ ظَنِّي أنَّ النّاقِلِينَ نَقَلُوا تَفْسِيرَهُ مِن مَوْضِعِهِ إلى مَوْضِعٍ لا يَلِيقُ بِهِ، وظَنُّوهُ مِثْلَهُ، وإنَّما هو الرُّوحُ الَّذِي يَحْيى بِهِ ابْنُ آَدَمَ. وقَوْلُهُ: ﴿ " مِن أمْرِ رَبِّي﴾ "؛ أيْ: مِن عَمَلِهِ الَّذِي مَنَعَ أنْ يَعْرَفَهُ أحَدٌ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أُوتِيتُمْ مِنَ العِلْمِ إلا قَلِيلا﴾ في المُخاطَبِينَ بِهَذا قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُمُ اليَهُودُ، قالَهُ الأكْثَرُونَ. (p-٨٣)

والثّانِي: أنَّهم جَمِيعُ الخَلْقِ، عِلْمُهم قَلِيلٌ بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ الماوَرْدِيُّ.

فَإنْ قِيلَ: كَيْفَ الجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الآَيَةِ وبَيْنَ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمَن يُؤْتَ الحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾ [ البَقَرَةِ: ٢٦٩ ] ؟

فالجَوابُ: أنَّ ما أُوتِيَهُ النّاسُ مِنَ العِلْمِ، وإنْ كانَ كَثِيرًا، فَهو بِالإضافَةِ إلى عِلْمِ اللَّهِ قَلِيلٌ.

17:86–87Страница 290

وَلَئِن شِئۡنَا لَنَذۡهَبَنَّ بِٱلَّذِيٓ أَوۡحَيۡنَآ إِلَيۡكَ ثُمَّ لَا تَجِدُ لَكَ بِهِۦ عَلَيۡنَا وَكِيلًا ٨٦

Если бы Мы захотели, то лишили бы тебя того, что дали тебе в откровении. И никто не защитил бы тебя от Нас,

إِلَّا رَحۡمَةٗ مِّن رَّبِّكَۚ إِنَّ فَضۡلَهُۥ كَانَ عَلَيۡكَ كَبِيرٗا ٨٧

не будь милости твоего Господа. Воистину, Его милость к тебе велика!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَئِنْ شِئْنا لَنَذْهَبَنَّ بِالَّذِي أوْحَيْنا إلَيْكَ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ شِئْنا لَمَحَوْناهُ مِنَ القُلُوبِ والكُتُبِ، حَتّى لا يُوجَدُ لَهُ أثَرٌ، ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ عَلَيْنا وكِيلا﴾؛ أيْ: لا تَجِدُ مَن يَتَوَكَّلُ [ عَلَيْنا ] في رَدِّ شَيْءٍ مِنهُ، ﴿إلا رَحْمَةً مِن رَبِّكَ﴾ هَذا اسْتِثْناءٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، والمَعْنى: لَكِنَّ اللَّهَ رَحِمَكَ فَأثْبَتَ ذَلِكَ في قَلْبِكَ وقُلُوبِ المُؤْمِنِينَ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: المَعْنى: لَكِنْ رَحْمَةً مِن رَبِّكَ تَمْنَعُ مِن أنْ تَسْلِبَ القُرْآَنَ، وكانَ المُشْرِكُونَ قَدْ خاطَبُوا نِساءَهم مِنَ المُسْلِمِينَ في الرُّجُوعِ إلى دِينِ آَبائِهِمْ، فَهَدَّدَهُمُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ بِسَلْبِ النِّعْمَةِ، فَكانَ ظاهِرُ الخِطابِ لِلرَّسُولِ، ومَعْنى التَّهَدُّدِ لِلْأُمَّةِ. وقالَ أبُو سُلَيْمانَ: ﴿ثُمَّ لا تَجِدُ لَكَ بِهِ﴾؛ أيْ: بِما نَفْعَلُهُ بِكَ مِن إذْهابِ ما عِنْدَكَ، ﴿وَكِيلا﴾ يَدْفَعُنا عَمّا نُرِيدُهُ بِكَ. ورُوِيَ [ عَنْ ] عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أنَّهُ قالَ: يُسْرى عَلى القُرْآَنِ في لَيْلَةٍ واحِدَةٍ، فَيَجِيءُ جِبْرِيلُ مِن جَوْفِ اللَّيْلِ، فَيَذْهَبُ بِهِ مِن صُدُورِهِمْ ومِن بُيُوتِهِمْ، فَيُصْبِحُونَ لا يَقْرَؤُونَ آَيَةً (p-٨٤)وَلا يُحِسُّونَها. ورَدَّ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ صِحَّةَ هَذا الحَدِيثِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ: " «إنَّ اللَّهَ لا يَقْبِضُ العِلْمَ انْتِزاعًا» "، وحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْوِيٌّ مِن طُرُقٍ حِسانٍ، فَيُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ النَّبِيُّ ﷺ أرادَ بِالعِلْمِ ما سِوى القُرْآَنِ، فَإنَّ العِلْمَ ما يَزالُ يَنْقَرِضُ حَتّى يَكُونَ رَفْعُ القُرْآَنِ آَخِرَ الأمْرِ.

17:88Страница 291

قُل لَّئِنِ ٱجۡتَمَعَتِ ٱلۡإِنسُ وَٱلۡجِنُّ عَلَىٰٓ أَن يَأۡتُواْ بِمِثۡلِ هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ لَا يَأۡتُونَ بِمِثۡلِهِۦ وَلَوۡ كَانَ بَعۡضُهُمۡ لِبَعۡضٖ ظَهِيرٗا ٨٨

Скажи: «Если бы люди и джинны объединились для того, чтобы сочинить нечто, подобное этому Корану, это не удалось бы им, даже если бы они стали помогать друг другу».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: هَذا تَكْذِيبٌ لِلنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ حِينَ قالَ: لَوْ شِئْنا لَقُلْنا مِثْلَ هَذا، والمَثَلُ الَّذِي طُلِبَ مِنهُمْ: كَلامٌ لَهُ نَظْمٌ كَنَظْمِ القُرْآَنِ في أعْلى طَبَقاتِ البَلاغَةِ. والظَّهِيرُ: المُعِينُ.(p-٨٥)

17:89–93Страница 291

وَلَقَدۡ صَرَّفۡنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا ٱلۡقُرۡءَانِ مِن كُلِّ مَثَلٖ فَأَبَىٰٓ أَكۡثَرُ ٱلنَّاسِ إِلَّا كُفُورٗا ٨٩

Мы разъяснили людям в этом Коране всякие притчи, но большинство людей отвергает все, кроме неверия.

وَقَالُواْ لَن نُّؤۡمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفۡجُرَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَرۡضِ يَنۢبُوعًا ٩٠

Они говорят: «Ни за что мы не уверуем, пока ты не исторгнешь для нас из земли источник;

أَوۡ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٞ مِّن نَّخِيلٖ وَعِنَبٖ فَتُفَجِّرَ ٱلۡأَنۡهَٰرَ خِلَٰلَهَا تَفۡجِيرًا ٩١

или пока не будет у тебя пальмовой рощи и виноградника, в которых ты проложишь реки;

أَوۡ تُسۡقِطَ ٱلسَّمَآءَ كَمَا زَعَمۡتَ عَلَيۡنَا كِسَفًا أَوۡ تَأۡتِيَ بِٱللَّهِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ قَبِيلًا ٩٢

или пока не обрушишь на нас небо кусками, как ты это утверждаешь; или не предстанешь перед нами вместе с Аллахом и ангелами;

أَوۡ يَكُونَ لَكَ بَيۡتٞ مِّن زُخۡرُفٍ أَوۡ تَرۡقَىٰ فِي ٱلسَّمَآءِ وَلَن نُّؤۡمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّىٰ تُنَزِّلَ عَلَيۡنَا كِتَٰبٗا نَّقۡرَؤُهُۥۗ قُلۡ سُبۡحَانَ رَبِّي هَلۡ كُنتُ إِلَّا بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٣

или пока у тебя не будет дома из драгоценностей; или пока ты не взойдешь на небо. Но мы не поверим в твое восхождение, пока ты не спустишься с Писанием, которое мы станем читать». Скажи: «Пречист мой Господь! Я же - всего лишь человек и посланник».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنّاسِ في هَذا القُرْآنِ﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في هَذِهِ السُّورَةِ [ الإسْراءِ: ٤١ ]، والمَعْنى: مِن كُلِّ مَثَلٍ مِنَ الأمْثالِ الَّتِي يَكُونُ بِها الِاعْتِبارُ، ﴿فَأبى أكْثَرُ النّاسِ﴾ يَعْنِي: أهْلَ مَكَّةَ ﴿إلا كُفُورًا﴾؛ أيْ: جُحُودًا لِلْحَقِّ وإنْكارًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَفْجُرَ لَنا مِنَ الأرْضِ يَنْبُوعًا﴾ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الآَيَةِ وما يَتْبَعُها، «أنَّ رُؤَساءَ قُرَيْشٍ كَعُتْبَةَ، وشَيْبَةَ، وأبِي جَهْلٍ، وعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أبِي أُمَيَّةَ، والنَّضِرِ بْنِ الحارِثِ في آَخَرِينَ، اجْتَمَعُوا عِنْدَ الكَعْبَةِ، فَقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ: ابْعَثُوا إلى مُحَمَّدٍ فَكَلِّمُوهُ وخاصِمُوهُ حَتّى تُعْذَرُوا فِيهِ، فَبَعَثُوا إلَيْهِ أنَّ أشْرافَ قَوْمِكَ قَدِ اجْتَمَعُوا لِيُكَلِّمُوكَ، فَجاءَهم سَرِيعًا، وكانَ حَرِيصًا عَلى رُشْدِهِمْ، فَقالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ إنّا واللَّهِ لا نَعْلَمُ رَجُلًا مِنَ العَرَبِ أدْخَلَ عَلى قَوْمِهِ ما أدْخَلْتَ عَلى قَوْمِكَ، لَقَدْ شَتَمْتَ الآَباءَ وعِبْتَ الدِّينَ، وسَفَّهْتَ الأحْلامَ وفَرَّقْتَ الجَماعَةَ، فَإنْ كُنْتَ إنَّما جِئْتَ بِهَذا لِتَطْلُبَ مالًا، جَعَلْنا لَكَ مِن أمْوالِنا ما تَكُونُ بِهِ أكْثَرَنا مالًا، وإنْ كُنْتَ إنَّما تَطْلُبُ الشَّرَفَ فِينا سَوَّدْناكَ عَلَيْنا، وإنْ كانَ هَذا الرَّئِيُ الَّذِي يَأْتِيكَ قَدْ غَلَبَ عَلَيْكَ، بِذَلْنا أمْوالَنا في طَلَبِ الطِّبِّ لَكَ حَتّى نُبْرِّئُكَ مِنهُ أوْ نُعْذَرَ فِيكَ. فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " إنْ تَقْبَلُوا (p-٨٦)مِنِّي [ ما جِئْتُكم بِهِ ]، فَهو حَظُّكم في الدُّنْيا والآَخِرَةِ، وإنْ تَرُدُّوهُ عَلَيَّ أصْبِرُ لِأمْرِ اللَّهِ حَتّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنِي وبَيْنَكم " . قالُوا: يا مُحَمَّدُ؛ فَإنْ كُنْتَ غَيْرَ قابِلٍ مِنّا ما عَرَضْنا، فَقَدْ عَلِمْتَ أنَّهُ لَيْسَ مِنَ النّاسِ أحَدٌ أضْيَقَ بِلادًا ولا أشَدَّ عَيْشًا مِنّا، سَلْ لَنا رَبَّكَ يُسَيِّرُ لَنا هَذِهِ الجِبالَ الَّتِي ضَيَّقَتْ عَلَيْنا، ويُجْرِي لَنا أنْهارًا، ويَبْعَثُ مَن مَضى مِن آَبائِنا، ولْيَكُنْ فِيمَن يَبْعَثُ لَنا مِنهم قُصَيُّ بْنُ كِلابٍ، فَإنَّهُ كانَ شَيْخًا صَدُوقًا، فَنَسْألَهم عَمّا تَقُولُ أحَقٌّ هُو ؟ فَإنْ فَعَلْتَ صَدَّقْناكَ، فَقالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ: " ما بِهَذا بُعِثْتُ، وقَدْ أبْلَغْتُكم ما أُرْسِلْتُ بِهِ " . قالُوا: فَسَلْ رَبَّكَ أنْ يَبْعَثَ مَلِكًا يُصَدِّقُكَ، وسَلْهُ أنْ يَجْعَلَ لَكَ جِنانًا وكُنُوزًا، وقُصُورًا مِن ذَهَبٍ وفِضَّةٍ تُغْنِيكَ، قالَ: " ما أنا بِالَّذِي يَسْألُ رَبَّهُ هَذا "، قالُوا: فَأسْقِطِ السَّماءَ [ عَلَيْنا ] كَما زَعَمْتَ بِأنَّ رَبَّكَ إنْ شاءَ فَعَلَ، فَقالَ: " ذَلِكَ إلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ "، فَقالَ قائِلٌ مِنهُمْ: لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلًا، وقالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أبِي أُمَيَّةَ: لا أُؤْمِنُ لَكَ حَتّى تَتَّخِذَ إلى [ السَّماءِ ] سُلَّمًا، وتَرْقى فِيهِ وأنا أنْظُرُ، وتَأْتِي بِنُسْخَةٍ مَنشُورَةٍ مَعَكَ، ونَفَرٍ مِنَ المَلائِكَةِ يَشْهَدُونَ لَكَ، فانْصَرَفَ رَسُولُ اللهِ ﷺ حَزِينًا لِما رَأى مِن مُباعَدَتِهِمْ إيّاهُ، فَأنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَقالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ. . .﴾ الآَياتُ،» رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تَفْجُرَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِضَمِّ التّاءِ، وفَتْحِ الفاءِ، وتَشْدِيدِ الجِيمِ مَعَ الكَسْرَةِ. وقَرَأ عاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( حَتّى تَفْجُرَ ) بِفَتْحِ التّاءِ، وتَسْكِينِ الفاءِ، وضَمِّ الجِيمِ مَعَ التَّخْفِيفِ. فَمَن ثَقَّلَ أرادَ: كَثْرَةُ الِانْفِجارِ مِنَ اليَنْبُوعِ، ومَن خَفَّفَ فَلِأنَّ (p-٨٧)اليَنْبُوعَ واحِدٌ. فَأمّا اليَنْبُوعُ: فَهو عَيْنٌ يَنْبُعُ الماءُ مِنها. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: هو يَفْعُولٌ، مِن نَبْعِ الماءِ؛ أيْ: ظَهَرَ وفارَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ﴾؛ أيْ: بُسْتانٌ ﴿فَتُفَجِّرَ الأنْهارَ﴾؛ أيْ: تَفْتَحُها وتُجْرِيها ﴿خِلالَها﴾؛ أيْ: وسَطَ تِلْكَ الجَنَّةِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تُسْقِطَ السَّماءَ﴾ وقَرَأ مُجاهِدٌ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو رَجاءٍ، وحُمَيْدٌ، والجَحْدَرِيُّ: ( أوْ تَسْقُطَ ) بِفَتْحِ التّاءِ ورَفْعِ القافِ، " السَّماءُ " بِالرَّفْعِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِسَفًا﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ في جَمِيعِ القُرْآَنِ، إلّا في ( الرُّومِ: ٤٨ )، فَإنَّهم حَرَّكُوا السِّينَ. وقَرَأ نافِعٌ وأبُو بَكْرٍ عَنْ عاصِمٍ بِتَحْرِيكِ السِّينِ في المَوْضِعَيْنِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِالتَّسْكِينِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ هاهُنا بِفَتْحِ السِّينِ، وفي باقِي القُرْآَنِ بِتَسْكِينِها. قالَ الزَّجّاجُ: مَن قَرَأ ( كِسَفًا ) بِفَتْحِ السِّينِ، جَعَلَها جَمْعَ كَسْفَةٍ، وهِيَ: القِطْعَةُ، ومَن قَرَأ ( كِسْفًا ) بِتَسْكِينِ السِّينِ، فَكَأنَّهم قالُوا: أسْقَطَها طَبَقًا عَلَيْنا، واشْتِقاقُهُ مَن كَسَفْتَ الشَّيْءَ: إذا غَطَّيْتَهُ، يَعْنُونَ: أسْقِطْها عَلَيْنا قِطْعَةً واحِدَةً. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: مَن سَكَّنَ قالَ: تَأْوِيلُهُ: سَتْرًا وتَغْطِيَةً، من قَوْلِهِمْ: قَدِ انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ: إذا غَطّاها ما يَحُولُ بَيْنَ النّاظِرِينَ إلَيْها وبَيْنَ أنْوارِها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ والمَلائِكَةِ قَبِيلا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: عَيانًا، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ قَتادَةُ، وابْنُ جُرَيْجٍ، ومُقاتِلٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: مَعْناهُ: مُقابَلَةٌ؛ أيْ: مُعايَنَةٌ، وأنْشَدَ لِلْأعْشى:

؎ نُصالِحُكم حَتّى تَبُوؤُوا بِمِثْلِها كَصَرْخَةِ حُبْلى يَسَّرَتْها قَبِيلُها

(p-٨٨)

أيْ: قابَلَتْها. ويُرْوى: وجَّهَتْها، [ يَعْنِي: بَدَلَ يَسَّرَتْها ] .

والثّانِي: كَفِيلًا أنَّكَ رَسُولُ اللهِ، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، واخْتارَهُ الفَرّاءُ، قالَ: القَبِيلُ، والكَفِيلُ، والزَّعِيمُ، سَواءٌ؛ تَقُولُ: قَبِلْتُ، وكَفَلْتُ، وزَعَمْتُ.

والثّالِثُ: قَبِيلَةُ قَبِيلَةٍ، كُلُّ قَبِيلَةٍ عَلى حِدَتِها، قالَهُ الحَسَنُ ومُجاهِدٌ. فَأمّا الزُّخْرُفُ فالمُرادُ بِهِ: الذَّهَبُ. وقَدْ شَرَحْنا أصْلَ هَذِهِ الكَلِمَةِ في ( يُونُسَ: ٢٤ )، و " تَرْقى " بِمَعْنى تَصْعَدُ، يُقالُ: رَقِيتُ أرْقى رُقِيًّا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنا كِتابًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كِتابًا مِن رَبِّ العالَمِينَ إلى فُلانِ بْنِ فُلانٍ يُصْبِحُ عِنْدَ كُلِّ واحِدٍ مِنّا يَقْرَؤُهُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ سُبْحانَ رَبِّي﴾ قَرَأ نافِعٌ، وعاصِمٌ، وأبُو عَمْرٍو، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( قُلْ ) . وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ وابْنُ عامِرٍ: ( قالَ )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفَ أهْلِ مَكَّةَ والشّامِ. ﴿هَلْ كُنْتُ إلا بَشَرًا رَسُولا﴾؛ أيْ: أنَّ هَذِهِ الأشْياءَ لَيْسَتْ في قُوى البَشَرِ.

فَإنْ قِيلَ: لِمَ اقْتَصَرَ عَلى حِكايَةِ ( قالُوا ) مِن غَيْرِ إيضاحِ الرَّدِّ ؟

فالجَوابُ: أنَّهُ لَمّا خَصَّهم بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ والجِنُّ عَلى أنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذا القُرْآنِ﴾، فَلَمْ يَكُنْ في وُسْعِهِمْ، عَجَّزَهُمْ، فَكَأنَّهُ يَقُولُ: قَدْ أوْضَحْتُ لَكم بِما سَبَقَ مِنَ الآَياتِ ما يَدُلُّ عَلى نُبُوَّتِي، ومِن ذَلِكَ التَّحَدِّي بِمِثْلِ هَذا القُرْآَنِ، فَأمّا عَنَتُكم فَلَيْسَ في وُسْعِي، ولِأنَّهُمُ الَحُّوا عَلَيْهِ في هَذِهِ الأشْياءِ، ولَمْ يَسْألُوهُ أنْ يَسْألَ رَبَّهُ، فَرَدَّ قَوْلَهم بِكَوْنِهِ بَشَرًا، فَكَفى ذَلِكَ في الرَّدِّ.

17:94–96Страница 291

وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤۡمِنُوٓاْ إِذۡ جَآءَهُمُ ٱلۡهُدَىٰٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓاْ أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَرٗا رَّسُولٗا ٩٤

Людям помешало уверовать после того, как к ним явилось верное руководство, только то, что они сказали: «Неужели Аллах отправил посланником человека?».

قُل لَّوۡ كَانَ فِي ٱلۡأَرۡضِ مَلَٰٓئِكَةٞ يَمۡشُونَ مُطۡمَئِنِّينَ لَنَزَّلۡنَا عَلَيۡهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكٗا رَّسُولٗا ٩٥

Скажи: «Если бы по земле спокойно ходили ангелы, то Мы отправили бы к ним посланником с неба ангела».

قُلۡ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيدَۢا بَيۡنِي وَبَيۡنَكُمۡۚ إِنَّهُۥ كَانَ بِعِبَادِهِۦ خَبِيرَۢا بَصِيرٗا ٩٦

Скажи: «Довольно того, что Аллах является Свидетелем между мною и вами. Воистину, Он знает и видит Своих рабов».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما مَنَعَ النّاسَ أنْ يُؤْمِنُوا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يُرِيدُ: أهْلَ مَكَّةَ. قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى الآَيَةِ: وما مَنَعَهم مِنَ الإيمانِ ﴿إذْ جاءَهُمُ الهُدى﴾ وهو البَيانُ والإرْشادُ في القُرْآَنِ، ﴿إلا أنْ قالُوا﴾؛ [ أيْ: إلّا ] قَوْلُهم في التَّعَجُّبِ والإنْكارِ: ﴿أبَعَثَ اللَّهُ بَشَرًا رَسُولا﴾ ؟ وفي الآَيَةِ اخْتِصارٌ، تَقْدِيرُهُ: هَلّا بَعَثَ اللَّهُ مَلَكًا رَسُولًا، فَأُجِيبُوا عَلى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ كانَ في الأرْضِ مَلائِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ﴾؛ أيْ: مُسْتَوْطِنِينَ الأرْضَ. ومَعْنى الطُّمَأْنِينَةِ: السُّكُونُ، والمُرادُ مِنَ الكَلامِ: أنَّ رَسُولَ كُلُّ جِنْسٍ يَنْبَغِي أنْ يَكُونَ مِنهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ كَفى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ قَدْ فَسَّرْناهُ في ( الرَّعْدِ: ٤٣ ) . ﴿إنَّهُ كانَ بِعِبادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا﴾ قالَ مُقاتِلٌ: حِينَ اخْتَصَّ اللَّهُ مُحَمَّدًا بِالرِّسالَةِ.

17:97–100Страница 292

وَمَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُمۡ أَوۡلِيَآءَ مِن دُونِهِۦۖ وَنَحۡشُرُهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمۡ عُمۡيٗا وَبُكۡمٗا وَصُمّٗاۖ مَّأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ كُلَّمَا خَبَتۡ زِدۡنَٰهُمۡ سَعِيرٗا ٩٧

Тот, кого Аллах ведет прямым путем, следует прямым путем. А для того, кого Аллах вводит в заблуждение, ты не найдешь покровителей вместо Него. В День воскресения Мы соберем их лежащими ничком, слепыми, немыми, глухими. Их пристанищем будет Геенна. Как только она утихает, Мы добавляем им пламени.

ذَٰلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمۡ كَفَرُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَقَالُوٓاْ أَءِذَا كُنَّا عِظَٰمٗا وَرُفَٰتًا أَءِنَّا لَمَبۡعُوثُونَ خَلۡقٗا جَدِيدًا ٩٨

Таково возмездие им за то, что они не уверовали в Наши знамения и говорили: «Неужели после того, как мы превратимся в прах и частички, мы будем воскрешены в новом творении?».

۞ أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ قَادِرٌ عَلَىٰٓ أَن يَخۡلُقَ مِثۡلَهُمۡ وَجَعَلَ لَهُمۡ أَجَلٗا لَّا رَيۡبَ فِيهِ فَأَبَى ٱلظَّٰلِمُونَ إِلَّا كُفُورٗا ٩٩

Неужели они не видят, что Аллах, сотворивший небеса и землю, способен создать подобных им? Он установил для них срок, в котором нет сомнения, но беззаконники отвергают все, кроме неверия.

قُل لَّوۡ أَنتُمۡ تَمۡلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحۡمَةِ رَبِّيٓ إِذٗا لَّأَمۡسَكۡتُمۡ خَشۡيَةَ ٱلۡإِنفَاقِۚ وَكَانَ ٱلۡإِنسَٰنُ قَتُورٗا ١٠٠

Скажи: «Если бы вы владели сокровищницами милости моего Господа, то все равно скупились бы из страха обеднеть, ибо человек скуп».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ اللَّهُ فَهو المُهْتَدِي﴾ قَرَأ نافِعٌ وأبُو عَمْرٍو بِالياءِ في الوَصْلِ، وحَذَفاها في الوَقْفِ. وأثْبَتَها يَعْقُوبُ في الوَقْفِ، وحَذَفَها الأكْثَرُونَ في (p-٩٠)الحالَتَيْنِ. ﴿مَن يَهْدِ اللَّهُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: مَن يُرِدِ اللَّهُ هُداهُ ﴿فَهُوَ المُهْتَدِي ومَن يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهم أوْلِياءَ مِن دُونِهِ﴾ يَهْدُونَهم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَنَحْشُرُهم يَوْمَ القِيامَةِ عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ يُمَشِّيهِمْ عَلى وُجُوهِهِمْ، وشاهِدُهُ ما رَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في " صَحِيحَيْهِما " مِن حَدِيثِ أنَسِ بْنِ مالِكٍ، «أنَّ رَجُلًا سَألَ رَسُولَ اللهِ ﷺ: كَيْفَ يُحْشَرُ الكافِرُ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ ؟ قالَ: " إنَّ الَّذِي أمْشاهُ عَلى رِجْلَيْهِ في الدُّنْيا، قادِرٌ عَلى أنْ يُمْشِيهِ عَلى وجْهِهِ يَوْمَ القِيامَةِ» " .

والثّانِي: أنَّ المَعْنى: ونَحْشُرُهم مَسْحُوبِينَ عَلى وُجُوهِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّالِثُ: نَحْشُرُهم مُسْرِعِينَ مُبادِرِينَ، فَعَبَّرَ بِقَوْلِهِ: ﴿عَلى وُجُوهِهِمْ﴾ عَنِ الإسْراعِ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: قَدْ مَرَّ القَوْمُ عَلى وُجُوهِهِمْ: إذا أسْرَعُوا، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿عُمْيًا وبُكْمًا وصُمًّا﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: عُمْيًا لا يَرَوْنَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، وبُكْمًا لا يَنْطِقُونَ بِحُجَّةٍ، وصُمًّا لا يَسْمَعُونَ شَيْئًا يَسُرُّهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ في رِوايَةٍ: عُمْيًا عَنِ النَّظَرِ إلى ما جُعِلَ لِأوْلِيائِهِ، وبُكْمًا عَنْ مُخاطَبَةِ اللَّهِ، وصُمًّا عَمّا مَدَحَ بِهِ أوْلِياءَهُ، وهَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ.

والثّانِي: أنَّ هَذا الحَشْرَ في بَعْضِ أحْوالِ القِيامَةِ بَعْدَ الحَشْرِ الأوَّلِ. قالَ مُقاتِلٌ: هَذا يَكُونُ حِينَ يُقالُ لَهُمْ: ﴿اخْسَئُوا فِيها﴾ [ المُؤْمِنُونَ: ١٠٨ ]، فَيَصِيرُونَ عُمْيًا بُكْمًا صُمًّا، لا يَرَوْنَ ولا يَسْمَعُونَ ولا يَنْطِقُونَ بَعْدَ ذَلِكَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُلَّما خَبَتْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ: سَكَنَتْ. قالَ المُفَسِّرُونَ: وذَلِكَ أنَّها تَأْكُلُهُمْ، فَإذا لَمْ تُبْقِ مِنهم شَيْئًا وصارُوا فَحْمًا ولَمْ تَجِدْ شَيْئًا تَأْكُلُهُ، (p-٩١)سَكَنَتْ، فَيُعادُونَ خَلْقًا جَدِيدًا، فَتَعُودُ لَهم. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: خَبَتِ النّارُ: إذا سَكَنَ لَهَبُها، فاللَّهَبُ يَسْكُنُ، والجَمْرُ يَعْمَلُ، فَإنْ سَكَنَ اللَّهَبُ، ولَمْ يُطْفَإ الجَمْرُ، قِيلَ: خَمَدَتْ تَخْمُدُ خُمُودًا، فَإنْ طُفِئَتْ ولَمْ يَبْقَ مِنها شَيْءٌ، قِيلَ: هَمَدَتْ تَهْمَدُ هُمُودًا. ومَعْنى ﴿زِدْناهم سَعِيرًا﴾: نارًا تَتَسَعَّرُ؛ أيْ: تَتَلَهَّبُ. وما بَعْدَ هَذا قَدْ سَبَقَ تَفْسِيرُهُ [ الإسْراءِ: ٤٩ ] إلى قَوْلِهِ: ﴿قادِرٌ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾؛ أيْ: عَلى أنْ يَخْلُقَهم مَرَّةً ثانِيَةً، وأرادَ بِـ " مِثْلَهم " إيّاهُمْ، وذَلِكَ أنَّ مِثْلَ الشَّيْءِ مُساوٍ لَهُ، فَجازَ أنْ يُعَبِّرَ بِهِ عَنْ نَفْسِ الشَّيْءِ، يُقالُ: مِثْلُكَ لا يَفْعَلُ هَذا؛ أيْ: أنْتَ، ومَثَلُهُ قَوْلُهُ: ﴿فَإنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنتُمْ بِهِ﴾ [ البَقَرَةِ: ١٣٧ ] . وقَدْ تَمَّ الكَلامُ عِنْدَ قَوْلِهِ: " مِثْلَهم "، ثُمَّ قالَ: ﴿وَجَعَلَ لَهم أجَلا لا رَيْبَ فِيهِ﴾ يَعْنِي: أجَلَ البَعْثِ، ﴿فَأبى الظّالِمُونَ إلا كُفُورًا﴾؛ أيْ: جُحُودًا بِذَلِكَ الأجَلِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ لَوْ أنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: لَوْ تَمْلِكُونَ أنْتُمْ، قالَ المُتَلَمِّسُ:

؎ ولَوْ غَيْرُ أخْوالِي أرادُوا نَقِيصَتِي نَصَبْتُ لَهم فَوْقَ العَرانَيْنَ مَيْسَمًا

المَعْنى: لَوْ أرادَ غَيْرُ أخْوالِي.

وَفِي هَذِهِ الخَزائِنِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: خَزائِنُ الأرْزاقِ. والثّانِي: خَزائِنُ النِّعَمِ، فَيَخْرُجُ في الرَّحْمَةِ قَوْلانِ: أحَدُهُما: الرِّزْقُ. والثّانِي: النِّعْمَةُ. وتَحْرِيرُ الكَلامِ: لَوْ مَلَكْتُمْ ما يَمْلِكُهُ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ لَأمْسَكْتُمْ عَنِ الإنْفاقِ خَشْيَةَ الفاقَةِ. ﴿وَكانَ الإنْسانُ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿قَتُورًا﴾؛ أيْ: بَخِيلًا مُمْسِكًا، يُقالُ: قَتَرَ يَقْتُرُ، وقَتَرَ يَقْتِرُ: إذا قَصَّرَ في الإنْفاقِ. وقالَ الماوَرْدِيُّ: لَوْ مَلَكَ أحَدٌ مِنَ المَخْلُوقِينَ مِن خَزائِنِ اللَّهِ تَعالى، لَما جادَ (p-٩٢)كَجُودِ اللَّهِ تَعالى لِأمْرَيْنِ: أحَدُهُما: أنَّها لا بُدَّ أنْ يُمْسِكَ مِنهُ لِنَفَقَتِهِ ومَنفَعَتِهِ. والثّانِي: أنَّهُ يَخافُ الفَقْرَ، واللَّهُ تَعالى مُنَزَّهٌ في جُودِهِ عَنِ الحالَيْنِ.

ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعالى ذَكَرَ إنْكارَ فِرْعَوْنَ آَياتِ مُوسى، تَشْبِيهًا بِحالِ هَؤُلاءِ المُشْرِكِينَ، فَقالَ: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسى تِسْعَ آياتٍ﴾ وفِيها قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى المُعْجِزاتِ والدَّلالاتِ، ثُمَّ اتَّفَقَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ عَلى سَبْعِ آَياتٍ مِنها، وهِيَ: يَدُهُ، والعَصا، والطُّوفانُ، والجَرادُ، والقَمْلُ، والضَّفادِعُ، والدَّمُ، واخْتَلَفُوا في الآَيَتَيْنِ الآَخِرَتَيْنِ عَلى ثَمانِيَةِ أقْوالٍ: أحَدُها: أنَّهُما لِسانُهُ والبَحْرُ الَّذِي فُلِقَ لَهُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، يَعْنِي بِلِسانِهِ: أنَّهُ كانَ فِيهِ عُقْدَةٌ فَحَلَّها اللَّهُ تَعالى لَهُ. والثّانِي: البَحْرُ والجَبَلُ الَّذِي نَتَقَ فَوْقَهُمْ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ، رَواهُ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والشَّعْبِيُّ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، وقالَ الحَسَنُ: السُّنُونُ ونَقْصُ الثَّمَراتِ آَيَةٌ واحِدَةٌ. والرّابِعُ: البَحْرُ والمَوْتُ أُرْسِلَ عَلَيْهِمْ، قالَهُ الحَسَنُ ووَهْبٌ. والخامِسُ: الحَجَرُ والبَحْرُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والسّادِسُ: لِسانُهُ وإلْقاءُ العَصا مَرَّتَيْنِ عِنْدَ فِرْعَوْنَ، قالَهُ الضَّحّاكُ. والسّابِعُ: البَحْرُ والسُّنُونُ، قالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ. والثّامِنُ: ذَكَرَهُ [ مُحَمَّدُ بْنُ إسْحاقَ عَنْ ] مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أيْضًا، فَذَكَرَ السَّبْعَ الآَياتِ الأُولى، إلّا أنَّهُ جَعَلَ مَكانَ يَدِهِ البَحْرَ، وزادَ الطَّمْسَةَ والحَجَرَ، يَعْنِي قَوْلَهُ: ﴿اطْمِسْ عَلى أمْوالِهِمْ﴾ [ يُونُسَ: ٨٨ ] .

والثّانِي: أنَّها آَياتُ الكِتابِ، رَوى أبُو داوُدَ السِّجِسْتانِيُّ مِن حَدِيثِ صَفْوانَ بْنِ عَسّالٍ، «أنَّ يَهُودِيًّا قالَ لِصاحِبِهِ: تَعال حَتّى نَسْألَ هَذا النَّبِيَّ، فَقالَ الآَخَرُ: لا تَقُلْ: إنَّهُ نَبِيٌّ، فَإنَّهُ لَوْ سَمِعَ ذَلِكَ، صارَتْ لَهُ أرْبَعَةُ أعْيُنٍ؛ فَأتَياهُ، فَسَألاهُ عَنْ تِسْعِ آَياتٍ بَيِّناتٍ، فَقالَ: " لا تُشْرِكُوا بِاللَّهِ شَيْئًا، ولا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إلّا بِالحَقِّ، (p-٩٣)وَلا تَزْنُوا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَأْكُلُوا الرِّبا، ولا تَمْشُوا بِالبَرِيءِ إلى السُّلْطانِ لِيَقْتُلَهُ، ولا تَسْحَرُوا، ولا تَقْذِفُوا المُحْصَناتِ، ولا تَفِرُّوا مِنَ الزَّحْفِ، وعَلَيْكم خاصَّةً يَهُودُ ألّا تَعْدُوا في السَّبْتِ "، قالَ: فَقَبَّلا يَدَهُ، وقالا: نَشْهَدُ أنَّكَ نَبِيٌّ.»

17:101–104Страница 292

وَلَقَدۡ ءَاتَيۡنَا مُوسَىٰ تِسۡعَ ءَايَٰتِۭ بَيِّنَٰتٖۖ فَسۡـَٔلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ إِذۡ جَآءَهُمۡ فَقَالَ لَهُۥ فِرۡعَوۡنُ إِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰمُوسَىٰ مَسۡحُورٗا ١٠١

Мы даровали Мусе (Моисею) девять ясных знамений. Спроси сынов Исраила (Израиля) о том, как Муса (Моисей) пришел к ним, и Фараон сказал ему: «О Муса (Моисей)! Воистину, я полагаю, что ты околдован».

قَالَ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَآ أَنزَلَ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ بَصَآئِرَ وَإِنِّي لَأَظُنُّكَ يَٰفِرۡعَوۡنُ مَثۡبُورٗا ١٠٢

Муса (Моисей) сказал: «Ты уже знаешь, что не кто иной, а только Господь небес и земли ниспослал их в качестве наглядных знамений. О Фараон! Я полагаю, что тебя постигнет погибель».

فَأَرَادَ أَن يَسۡتَفِزَّهُم مِّنَ ٱلۡأَرۡضِ فَأَغۡرَقۡنَٰهُ وَمَن مَّعَهُۥ جَمِيعٗا ١٠٣

Фараону хотелось вытеснить их с земли, но Мы потопили его и всех, кто был с ним.

وَقُلۡنَا مِنۢ بَعۡدِهِۦ لِبَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ ٱسۡكُنُواْ ٱلۡأَرۡضَ فَإِذَا جَآءَ وَعۡدُ ٱلۡأٓخِرَةِ جِئۡنَا بِكُمۡ لَفِيفٗا ١٠٤

После этого Мы сказали сынам Исраила (Израиля): «Живите на этой земле. А когда исполнится последнее обещание, Мы соберем вас всех вместе».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فاسْألْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ: ( فاسْألْ ) عَلى مَعْنى الأمْرِ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ . وإنَّما أمَرَ أنْ يَسْألَ مَن آَمَنَ مِنهم عَمّا أخْبَرَ [ بِهِ ] عَنْهُمْ، لِيَكُونَ حُجَّةً (p-٩٤)عَلى مَن لَمْ يُؤْمِن مِنهم. وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ: ( فَسَألَ بَنِي إسْرائِيلَ )، [ عَلى مَعْنى ] الخَبَرِ عَنْ مُوسى أنَّهُ سَألَ فِرْعَوْنَ أنْ يُرْسِلَ مَعَهُ بَنِي إسْرائِيلَ، ﴿فَقالَ لَهُ فِرْعَوْنُ إنِّي لأظُنُّكَ﴾؛ أيْ: لَأحْسَبُكَ، ﴿يا مُوسى مَسْحُورًا﴾ وفِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: مَخْدُوعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَسْحُورًا قَدْ سُحِرْتَ، قالَهُ ابْنُ السّائِبِ. والثّالِثُ: ساحِرًا، فَوَضَعَ مَفْعُولًا في مَوْضِعِ فاعِلٍ، هَذا مَرْوِيٌّ عَنِ الفَرّاءِ وأبِي عُبَيْدَةَ. فَقالَ مُوسى: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ بِفَتْحِ التّاءِ. وقَرَأ عَلِيٌّ عَلَيْهِ السَّلامُ بِضَمِّها، وقالَ: واللَّهِ ما عَلِمَ عَدُوُّ اللَّهِ، ولَكِنْ مُوسى هو الَّذِي عَلِمَ، فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ عَبّاسٍ، فاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَجَحَدُوا بِها واسْتَيْقَنَتْها أنْفُسُهُمْ﴾ [ النَّمْلِ: ١٤ ] . واخْتارَ الكِسائِيُّ وثَعْلَبٌ قِراءَةَ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ، وقَدْ رُوِيَتْ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وأبِي رَزِينٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وابْنِ يَعْمُرَ. واحْتَجَّ مَن نَصَرَها بِأنَّهُ لَمّا نُسِبَ مُوسى إلى أنَّهُ مَسْحُورٌ، أعْلَمَهُ بِصِحَّةِ عَقْلِهِ بِقَوْلِهِ: ﴿لَقَدْ عَلِمْتَ﴾، والقِراءَةُ الأُولى أصَحُّ لِاخْتِيارِ الجُمْهُورِ، ولِأنَّهُ قَدْ أبانَ مُوسى مِنَ المُعْجِزاتِ ما أوْجَبَ عِلْمَ فِرْعَوْنَ بِصِدْقِهِ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ إلّا بِالتَّعَلُّلِ والمُدافَعَةِ، فَكَأنَّهُ قالَ: لَقَدْ عَلِمْتَ بِالدَّلِيلِ والحُجَّةِ ﴿ما أنْزَلَ هَؤُلاءِ﴾ يَعْنِي: الآَياتِ. وقَدْ شَرَحْنا مَعْنى " البَصائِرَ " في ( الأعْرافِ: ٢٠٣ ) .

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنِّي لأظُنُّكَ﴾ قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ: الظَّنُّ هاهُنا بِمَعْنى العِلْمِ، عَلى خِلافِ ظَنِّ فِرْعَوْنَ في مُوسى، وسَوّى بَيْنَهُما بَعْضُهُمْ، فَجَعَلَ الأوَّلَ بِمَعْنى العِلْمِ أيْضًا.

وَفِي المَثْبُورِ سِتَّةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ المَلْعُونُ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّانِي: المَغْلُوبُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: النّاقِصُ العَقْلِ، رَواهُ (p-٩٥)مَيْمُونُ بْنُ مَهْرانَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والرّابِعُ: المُهْلَكُ، رَواهُ ابْنُ أبِي طَلْحَةَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ أبُو عُبَيْدَةَ وابْنُ قُتَيْبَةَ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ثَبَرَ الرَّجُلُ، فَهو مَثْبُورٌ: إذا أُهْلِكَ. والخامِسُ: الهالِكُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والسّادِسُ: المَمْنُوعُ مِنَ الخَيْرِ، تَقُولُ العَرَبُ: ما ثَبَرَكَ عَنْ هَذا؛ أيْ: ما مَنَعَكَ، قالَهُ الفَرّاءُ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأرادَ أنْ يَسْتَفِزَّهم مِنَ الأرْضِ﴾ يَعْنِي: فِرْعَوْنَ أرادَ أنْ يَسْتَفِزَّ بَنِي إسْرائِيلَ مِن أرْضِ مِصْرَ. وفي مَعْنى ﴿يَسْتَفِزَّهُمْ﴾ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: يَسْتَأْصِلُهُمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: يَسْتَخِفُّهم حَتّى يَخْرُجُوا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الزَّجّاجُ: جائِزٌ أنْ يَكُونَ اسْتِفْزازُهم إخْراجُهم مِنها بِالقَتْلِ أوْ بِالتَّنْحِيَةِ. قالَ العُلَماءُ: وفي هَذِهِ الآَيَةِ تَنْبِيهٌ عَلى نُصْرَةِ رَسُولِ اللهِ ﷺ؛ لِأنَّهُ لَمّا خَرَجَ مُوسى فَطَلَبَهُ فِرْعَوْنُ، هَلَكَ فِرْعَوْنُ ومَلَكَ مُوسى، وكَذَلِكَ أظْهَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِن مَكَّةَ حَتّى رَجَعَ إلَيْها ظاهِرًا عَلَيْها.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلْنا مِن بَعْدِهِ﴾؛ أيْ: مِن بَعْدِ هَلاكِ فِرْعَوْنَ ﴿لِبَنِي إسْرائِيلَ اسْكُنُوا الأرْضَ﴾ " وفِيها ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: فَلَسْطِينُ والأُرْدُنُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أرْضٌ وراءَ الصِّينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: أرْضُ مِصْرَ والشّامِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَإذا جاءَ وعْدُ الآخِرَةِ﴾ يَعْنِي: القِيامَةَ، ﴿جِئْنا بِكم لَفِيفًا﴾؛ أيْ: جَمِيعًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. وقالَ الفَرّاءُ: لَفِيفًا؛ أيْ: مِن هاهُنا ومِن هاهُنا. وقالَ الزَّجّاجُ: اللَّفِيفُ: الجَماعاتُ مِن قَبائِلَ شَتّى.(p-٩٦)

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English