Ибн аль-ДжаузиАль‑Кахф · 18:25–36

Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском

Аль-Кахф 18:25–36

18:25–26Страница 296

وَلَبِثُواْ فِي كَهۡفِهِمۡ ثَلَٰثَ مِاْئَةٖ سِنِينَ وَٱزۡدَادُواْ تِسۡعٗا ٢٥

Они провели в пещере триста лет и еще девять.

قُلِ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثُواْۖ لَهُۥ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ أَبۡصِرۡ بِهِۦ وَأَسۡمِعۡۚ مَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَلِيّٖ وَلَا يُشۡرِكُ فِي حُكۡمِهِۦٓ أَحَدٗا ٢٦

Скажи: «Аллаху лучше знать, сколько они пробыли. У Него - сокровенное небес и земли. Как прекрасно Он видит и слышит! Нет у них покровителя помимо Него, и никто не принимает решений вместе с Ним».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( ثَلاثَمِائَةٍ سِنِينَ ) مَنَوَّنًا. وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ: ( ثَلاثَمِائَةِ سِنِينَ ) مُضافًا غَيْرَ مُنَوَّنٍ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: العَدَدُ المُضافُ إلى الآَحادِ قَدْ جاءَ مُضافًا إلى الجَمِيعِ، قالَ الشّاعِرُ:

؎ وما زَوَّدُونِي غَيْرَ سَحْقِ عِمامَةٍ وخَمْسَمْئِ مِنها قِسِيٌّ وزائِفُ

وَفِي هَذا الكَلامِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ حِكايَةٌ عَمّا قالَ النّاسُ في حَقِّهِمْ، ولَيْسَ بِمِقْدارِ لُبْثِهِمْ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، واسْتَدَلَّ عَلَيْهِ فَقالَ: لَوْ كانُوا لَبِثُوا ذَلِكَ، لَما قالَ: ﴿اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾، وكَذَلِكَ قالَ قَتادَةُ، وهَذا قَوْلُ أهْلِ الكِتابِ.

والثّانِي: أنَّهُ مِقْدارُ ما لَبِثُوا، قالَهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، والضَّحّاكُ، وابْنُ زَيْدٍ، والمَعْنى: لَبِثُوا هَذا القَدْرَ مِن يَوْمٍ دَخَلُوهُ إلى أنْ بَعَثَهُمُ اللَّهُ وأطْلَعَ الخَلْقَ عَلَيْهِمْ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سِنِينَ﴾ قالَ الفَرّاءُ، وأبُو عُبَيْدَةَ، والكِسائِيُّ، والزَّجّاجُ: التَّقْدِيرُ: سِنِينَ ثَلاثَمِائَةٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَعْنى: أنَّها لَمْ تَكُنْ شُهُورًا ولا أيّامًا، وإنَّما كانَتْ سِنِينَ. وقالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: " سِنِينَ " بَدَلٌ من قَوْلِهِ: ﴿ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ . قالَ الضَّحّاكُ: نَزَلَتْ: ﴿وَلَبِثُوا في كَهْفِهِمْ ثَلاثَ مِائَةٍ﴾ فَقالُوا: أيّامًا، أوْ شُهُورًا، أوْ سِنِينَ ؟ فَنَزَلَتْ: " سِنِينَ "؛ فَلِذَلِكَ قالَ: " سِنِينَ "، ولَمْ يَقُلْ: سَنَةً. (p-١٣١)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وازْدادُوا تِسْعًا﴾ يَعْنِي: تِسْعَ سِنِينَ، فاسْتَغْنى عَنْ ذِكْرِ السِّنِينَ بِما تَقَدَّمَ مِن ذِكْرِها، ثُمَّ أعْلَمَ أنَّهُ أعْلَمُ بِقَدْرِ مُدَّةً لُبْثِهِمْ مِن أهْلِ الكِتابِ المُخْتَلِفِينَ فِيها، فَقالَ: ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا﴾ . قالَ ابْنُ السّائِبِ: قالَتْ نَصارى نَجْرانَ: أمّا الثَّلاثَمِائَةٍ فَقَدْ عَرَفْناها، وأمّا التِّسْعُ فَلا عِلْمَ لَنا بِها، فَنَزَلَ قَوْلُهُ تَعالى: " ﴿قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا "﴾ . وقِيلَ: إنَّ أهْلَ الكِتابِ قالُوا: إنَّ لِلْفِتْيَةِ مُنْذُ دَخَلُوا الكَهْفَ إلى يَوْمِنا هَذا ثَلاثَمِائَةٍ وتِسْعِ سِنِينَ، فَرَدَّ اللَّهُ تَعالى عَلَيْهِمْ ذَلِكَ، وقالَ: ﴿ قُلِ اللَّهُ أعْلَمُ بِما لَبِثُوا ﴾ بَعْدَ أنْ قَبَضَ أرْواحَهم إلى يَوْمِكم هَذا، لا يَعْلَمُ ذَلِكَ غَيْرُ اللَّهِ. وقِيلَ: إنَّما زادَ التِّسْعَ؛ لِأنَّهُ تَفاوُتٌ ما بَيْنَ السِّنِينَ الشَّمْسِيَّةِ والسِّنِينَ القَمَرِيَّةِ، حَكاهُ الماوَرْدِيُّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أبْصِرْ بِهِ وأسْمِعْ﴾ فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ عَلى مَذْهَبِ التَّعَجُّبِ، فالمَعْنى: ما أسْمَعَ اللَّهُ بِهِ وأبْصَرَ؛ أيْ: هو عالِمٌ بِقِصَّةِ أصْحابِ الكَهْفِ وغَيْرِهِمْ، هَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وذَكَرَ أنَّهُ إجْماعُ العُلَماءِ.

والثّانِي: أنَّهُ في مَعْنى الأمْرِ، فالمَعْنى: أبْصِرْ بِدِينِ اللَّهِ وأسْمِعْ؛ أيْ: أبْصِرْ بِهُدى اللَّهِ وأسْمِعْ، فَتَرْجِعُ الهاءُ إمّا عَلى الهُدى، وإمّا عَلى اللَّهِ عَزَّ وجَلَّ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما لَهم مِن دُونِهِ﴾؛ أيْ: لَيْسَ لِأهْلِ السَّماواتِ والأرْضِ مِن دُونِ اللَّهِ مِن ناصِرٍ، ﴿وَلا يُشْرِكُ في حُكْمِهِ أحَدًا﴾ ولا يَجُوزُ أنْ يَحْكُمَ حاكِمٌ بِغَيْرِ ما حَكَمَ بِهِ، ولَيْسَ لِأحَدٍ أنْ يَحْكُمَ مِن ذاتِ نَفْسِهِ، فَيَكُونُ شَرِيكًا لِلَّهِ عَزَّ وجَلَّ في حُكْمِهِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ: ( ولا تُشْرِكْ ) جَزْمًا بِالتّاءِ، والمَعْنى: لا تُشْرِكْ أيُّها الإنْسانُ.(p-١٣٢)

18:27–28Страница 296

وَٱتۡلُ مَآ أُوحِيَ إِلَيۡكَ مِن كِتَابِ رَبِّكَۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَٰتِهِۦ وَلَن تَجِدَ مِن دُونِهِۦ مُلۡتَحَدٗا ٢٧

Читай Писание твоего Господа, ниспосланное тебе в откровении. Нет замены Его Словам, и тебе не найти помимо Него прибежища.

وَٱصۡبِرۡ نَفۡسَكَ مَعَ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ وَلَا تَعۡدُ عَيۡنَاكَ عَنۡهُمۡ تُرِيدُ زِينَةَ ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَاۖ وَلَا تُطِعۡ مَنۡ أَغۡفَلۡنَا قَلۡبَهُۥ عَن ذِكۡرِنَا وَٱتَّبَعَ هَوَىٰهُ وَكَانَ أَمۡرُهُۥ فُرُطٗا ٢٨

Будь же терпелив вместе с теми, которые взывают к своему Господу по утрам и перед закатом и стремятся к Его Лику. Не отвращай от них своего взора, желая украшений этого мира, и не повинуйся тем, чьи сердца Мы сделали небрежными к Нашему поминанию, кто потакает своим желаниям и чьи дела окажутся тщетными.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واتْلُ ما أُوحِيَ إلَيْكَ﴾ في هَذِهِ التِّلاوَةِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّها بِمَعْنى القِراءَةِ. والثّانِي: بِمَعْنى الِاتِّباعِ. فَيَكُونُ المَعْنى عَلى الأوَّلِ: اقْرَإ القُرْآَنَ، وعَلى الثّانِي: اتَّبِعْهُ واعْمَلْ بِهِ. وقَدْ شَرَحْنا في ( الأنْعامِ: ١١٥ ) مَعْنى ﴿لا مُبَدِّلَ لِكَلِماتِهِ﴾ .

قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَنْ تَجِدَ مِن دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ قالَ مُجاهِدٌ والفَرّاءُ: مَلْجَأً. وقالَ الزَّجّاجُ: مَعْدِلًا عَنْ أمْرِهِ ونَهْيِهِ. وقالَ غَيْرُهُمْ: مَوْضِعًا تَمِيلُ إلَيْهِ في الِالتِجاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ﴾ سَبَبُ نُزُولِها «أنَّ المُؤَلَّفَةَ قُلُوبُهم جاؤُوا إلى رَسُولِ اللهِ ﷺ: عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ، والأقْرَعُ بْنُ حابِسٍ، وذَوُوهُمْ، فَقالُوا: يا رَسُولَ اللهِ؛ لَوْ أنَّكَ جَلَسْتَ في صَدْرِ المَجْلِسِ ونَحَّيْتَ هَؤُلاءِ عَنّا - يَعْنُونَ: سَلْمانَ، وأبا ذَرٍّ، وفُقَراءَ المُسْلِمِينَ، وكانَتْ عَلَيْهِمْ جِبابُ الصُّوفِ - جَلَسْنا إلَيْكَ وأخَذْنا عَنْكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ إلى قَوْلِهِ: ﴿إنّا أعْتَدْنا لِلظّالِمِينَ نارًا﴾، فَقامَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَلْتَمِسُهُمْ، حَتّى إذا أصابَهم في مُؤَخَّرِ المَسْجِدِ يَذْكُرُونَ اللَّهَ، قالَ: " الحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يُمِتْنِي حَتّى أمَرَنِي أنْ أُصَبِّرَ نَفْسِي مَعَ رِجالٍ مِن أُمَّتِي، مَعَكُمُ المَحْيا ومَعَكُمُ المَماتُ "»، هَذا قَوْلُ سَلْمانَ الفارِسِيِّ. ومَعْنى قَوْلِهِ: (p-١٣٣)﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ﴾؛ أيِ: احْبِسْها مَعَهم عَلى أداءِ الصَّلَواتِ ﴿بِالغَداةِ والعَشِيِّ﴾ . وقَدْ فَسَّرْنا هَذِهِ الآَيَةَ في ( الأنْعامِ: ٥٢ ) إلى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلا تَعْدُ عَيْناكَ عَنْهُمْ﴾؛ أيْ: لا تَصْرِفْ بَصَرَكَ إلى غَيْرِهِمْ مِن ذَوِي الغِنى والشَّرَفِ، وكانَ عَلَيْهِ السَّلامُ حَرِيصًا عَلى إيمانِ الرُّؤَساءِ لِيُؤْمِنَ أتْباعُهُمْ، ولَمْ يَكُنْ مُرِيدًا لِزِينَةِ الدُّنْيا قَطُّ، فَأمَرَ أنْ يَجْعَلَ إقْبالَهُ عَلى فُقَراءِ المُؤْمِنِينَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُطِعْ مَن أغْفَلْنا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنا﴾ سَبَبُ نُزُولِها أنَّ أُمَيَّةَ بْنَ خَلَفٍ الجُمَحِيَّ دَعا رَسُولَ اللهِ ﷺ إلى طَرْدِ الفُقَراءِ عَنْهُ، وتَقْرِيبِ صَنادِيدِ أهْلِ مَكَّةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. وفي رِوايَةٍ أُخْرى عَنْهُ أنَّهُ قالَ: هو عُيَيْنَةُ وأشْباهُهُ. ومَعْنى ﴿أغْفَلْنا قَلْبَهُ﴾: جَعَلْناهُ غافِلًا. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ: ( مَن أغْفَلْنا ) بِفَتْحِ اللّامِ ورَفْعِ باءِ القَلْبِ. ﴿عَنْ ذِكْرِنا﴾: عَنِ التَّوْحِيدِ والقُرْآَنِ والإسْلامِ، ﴿واتَّبَعَ هَواهُ﴾ في الشِّرْكِ. ﴿وَكانَ أمْرُهُ فُرُطًا﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ أفْرَطَ في قَوْلِهِ؛ لِأنَّهُ قالَ: إنّا رُؤُوسُ مُضَرٍ، وإنْ نُسْلِمْ يُسْلِمِ النّاسُ بَعْدَنا، قالَهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: ضَياعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: سَرَفًا وتَضْيِيعًا. والثّالِثُ: نَدَمًا، حَكاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ عَنْ أبِي عُبَيْدَةَ. والرّابِعُ: كانَ أمْرُهُ التَّفْرِيطُ، والتَّفْرِيطُ: تَقْدِيمُ العَجْزِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

18:29Страница 297

وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلظَّٰلِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمۡ سُرَادِقُهَاۚ وَإِن يَسۡتَغِيثُواْ يُغَاثُواْ بِمَآءٖ كَٱلۡمُهۡلِ يَشۡوِي ٱلۡوُجُوهَۚ بِئۡسَ ٱلشَّرَابُ وَسَآءَتۡ مُرۡتَفَقًا ٢٩

Скажи: «Истина - от вашего Господа. Кто хочет, пусть верует, а кто не хочет, пусть не верует». Мы приготовили для беззаконников Огонь, стены которого будут окружать их со всех сторон. Если они станут просить о помощи (или дожде), то им помогут водой, подобной расплавленному металлу (или осадку масла), которая обжигает лицо. Мерзкий напиток и скверная обитель!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقُلِ الحَقُّ مِن رَبِّكُمْ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: المَعْنى: وقُلِ الَّذِي أتَيْتُكم بِهِ: الحَقُّ مِن رَبِّكم.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَمَن شاءَ فَلْيُؤْمِن ومَن شاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: فَمَن شاءَ اللَّهُ فَلْيُؤْمِن، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ وعِيدٌ وإنْذارٌ ولَيْسَ بِأمْرٍ، قالَهُ الزَّجّاجُ.

والثّالِثُ: أنَّ مَعْناهُ: لا تَنْفَعُونَ اللَّهَ بِإيمانِكم ولا تَضُرُّونَهُ بِكُفْرِكُمْ، قالَهُ الماوَرْدِيُّ. وقالَ بَعْضُهُمْ: هَذا إظْهارٌ لِلْغِنى لا إطْلاقَ في الكُفْرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنّا أعْتَدْنا﴾؛ أيْ: هَيَّأْنا وأعْدَدْنا، وقَدْ شَرَحْناهُ في قَوْلِهِ: ﴿وَأعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً﴾ [ يُوسُفَ: ٣١ ] . فَأمّا الظّالِمُونَ، فَقالَ المُفَسِّرُونَ: هُمُ الكافِرُونَ. وأمّا السُّرادِقُ، فَقالَ الزَّجّاجُ: السُّرادِقُ: كُلُّ ما أحاطَ بِشَيْءٍ، نَحْوُ: الشُّقَّةُ في المِضْرَبِ، أوِ الحائِطِ المُشْتَمِلِ عَلى الشَّيْءِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّرادِقُ: الحُجْرَةُ الَّتِي تَكُونُ حَوْلَ الفُسْطاطِ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: السُّرادِقُ فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ بِالفارِسِيَّةِ: سَرادارُ، وهو الدِّهْلِيزُ، قالَ الفَرَزْدَقُ:

؎ تَمَنَّيْتُهم حَتّى إذا ما لَقِيتُهم تَرَكْتُ لَهم قَبْلَ الضِّرابِ السُّرادِقا

وَفِي المُرادِ بِهَذا السُّرادِقِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ سُرادِقٌ مِن نارٍ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. رَوى أبُو سَعِيدٍ الخُدْرِيُّ عَنْ رَسُولِ اللهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: " «لِسُرادِقِ النّارِ أرْبَعَةُ جُدُرٍ كُثُفٌ، كُلُّ جِدارٍ مِنها مَسِيرَةُ أرْبَعِينَ سَنَةً» " . وفي رِوايَةِ أبِي صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: (p-١٣٥)السُّرادِقُ: لِسانٌ مِنَ النّارِ، يَخْرُجُ مِنَ النّارِ فَيُحِيطُ بِهِمْ حَتّى يَفْرَغَ مِن حِسابِهِمْ.

والثّانِي: أنَّهُ دُخانٌ يُحِيطُ بِالكُفّارِ يَوْمَ القِيامَةِ، وهو الظِّلُّ ذُو ثَلاثِ شُعَبٍ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعالى في ( المُرْسَلاتِ: ٣٠ )، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإنْ يَسْتَغِيثُوا﴾؛ أيْ: مِمّا هم فِيهِ مِنَ العَذابِ وشِدَّةِ العَطَشِ، ﴿يُغاثُوا بِماءٍ كالمُهْلِ﴾ وفِيهِ سَبْعَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ ماءٌ غَلِيظٌ كَدُرْدِيِّ الزَّيْتِ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ كُلُّ شَيْءٍ أُذِيبَ حَتّى انْماعَ، قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ. وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ والزَّجّاجُ: كُلُّ شَيْءٍ أذَبْتَهُ مِن نُحاسٍ أوْ رَصاصٍ أوْ نَحْوِ ذَلِكَ، فَهَوْل مُهْلٌ.

والثّالِثُ: قَيْحٌ ودَمٌ أسْوَدٌ كَعَكِرِ الزَّيْتِ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والرّابِعُ: أنَّهُ الفِضَّةُ والرَّصاصُ يُذابانِ، رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ أيْضًا.

والخامِسُ: أنَّهُ الَّذِي انْتَهى حَرُّهُ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.

والسّادِسُ: [ أنَّهُ ] الصَّدِيدُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. قالَ مُغِيثُ بْنُ سُمَيِّ: هَذا الماءُ هو ما يَسِيلُ مِن عَرَقِ أهْلِ المَوْقِفِ في الآَخِرَةِ وبُكائِهِمْ، وما يَجْرِي مِنهم مِن دَمٍ وقَيْحٍ، يَسِيلُ ذَلِكَ إلى وادٍ في جَهَنَّمَ فَتَطْبُخُهُ جَهَنَّمُ، فَيَكُونُ أوَّلَ ما يُغاثُ بِهِ أهْلُ النّارِ.

والسّابِعُ: أنَّهُ الرَّمادُ الَّذِي يُنْفَضُ عَنِ الخُبْزَةِ إذا خَرَجَتْ مِنَ التَّنُّورِ، حَكاهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. (p-١٣٦)

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَشْوِي الوُجُوهَ﴾ قالَ المُفَسِّرُونَ: إذا قَرَّبَهُ إلَيْهِ سَقَطَتْ فَرْوَةُ وجْهِهِ فِيهِ، ثُمَّ ذَمَّهُ فَقالَ: " ﴿بِئْسَ الشَّرابُ وساءَتْ﴾ النّارُ ﴿مُرْتَفَقًا﴾ وفِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: مَنزِلًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مُجْتَمَعًا، قالَهُ مُجاهِدٌ. والثّالِثُ: مُتَّكَأً، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِأبِي ذُؤَيْبٍ:

؎ إنِّي أرِقْتُ فَبِتُّ اللَّيْلَ مُرْتَفِقًا ∗∗∗ كَأنَّ عَيْنِي فِيها الصّابُ مَذْبُوحُ

وَذَبْحُهُ: انْفِجارُهُ. قالَ الزَّجّاجُ: " مُرْتَفِقًا " مَنصُوبٌ عَلى التَّمْيِيزِ، ومَعْنى مُرْتَفِقًا: مُتَّكَأً عَلى المِرْفَقِ. والرّابِعُ: ساءَتْ مَجْلِسًا، قالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ. والخامِسُ: ساءَتْ مَطْلَبًا لِلرِّفْقِ؛ لِأنَّ مَن طَلَبَ رِفْقًا مِن جِهَتِها عَدِمَهُ، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. ومَعانِي هَذِهِ الأقْوالِ تَتَقارَبُ، وأصْلُ المِرْفَقِ في اللُّغَةِ: ما يُرْتَفَقُ بِهِ.

18:30–31Страница 297

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجۡرَ مَنۡ أَحۡسَنَ عَمَلًا ٣٠

А что до тех, которые уверовали и совершали праведные деяния, то ведь Мы не теряем награды тех, кто совершал добро.

أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ جَنَّٰتُ عَدۡنٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهِمُ ٱلۡأَنۡهَٰرُ يُحَلَّوۡنَ فِيهَا مِنۡ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٖ وَيَلۡبَسُونَ ثِيَابًا خُضۡرٗا مِّن سُندُسٖ وَإِسۡتَبۡرَقٖ مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۚ نِعۡمَ ٱلثَّوَابُ وَحَسُنَتۡ مُرۡتَفَقٗا ٣١

Именно им уготованы сады Эдема, в которых текут реки. Они будут украшены золотыми браслетами и облачены в зеленые одеяния из атласа и парчи. Они будут возлежать там на ложах, прислонившись. Замечательное вознаграждение и прекрасная обитель!

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصّالِحاتِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: خَبَرُ " إنَّ " هاهُنا عَلى ثَلاثَةِ أوْجُهٍ: (p-١٣٧)

أحَدُها: أنْ يَكُونَ عَلى إضْمارِ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ مِنهُمْ، ولَمْ يَحْتَجْ إلى ذِكْرِ ( مِنهم )؛ لِأنَّ اللَّهَ تَعالى قَدْ أعْلَمَنا أنَّهُ مُحْبِطٌ عَمَلَ غَيْرِ المُؤْمِنِينَ.

والثّانِي: أنْ يَكُونَ خَبَرُ " إنَّ ": ﴿أُولَئِكَ لَهم جَنّاتُ عَدْنٍ﴾، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: ﴿إنّا لا نُضِيعُ﴾ قَدْ فُصِلَ بِهِ بَيْنَ الِاسْمِ وخَبَرِهِ؛ لِأنَّهُ يَحْتَوِي عَلى مَعْنى الكَلامِ الأوَّلِ؛ لِأنَّ مَن أحْسَنَ عَمَلًا بِمَنزِلَةِ الَّذِينَ آَمَنُوا.

والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ الخَبَرُ ﴿إنّا لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾ بِمَعْنى: إنّا لا نُضِيعُ أجْرَهم.

قالَ المُفَسِّرُونَ: ومَعْنى ﴿لا نُضِيعُ أجْرَ مَن أحْسَنَ عَمَلا﴾؛ أيْ: لا نَتْرُكَ أعْمالَهُ تَذْهَبُ ضَياعًا، بَلْ نُجازِيهِ عَلَيْها بِالثَّوابِ.

فَأمّا الأساوِرُ، فَقالَ الفَرّاءُ: في الواحِدِ مِنها ثَلاثُ لُغاتٍ: إسْوارٍ وسِوارٍ وسُوارٍ، فَمَن قالَ: إسْوارٍ، جَمَعَهُ: أساوِرَ، ومَن قالَ: سِوارٍ أوْ سُوارٍ، جَمَعَهُ: أسْوِرَةً، وقَدْ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ واحِدُ أساوِرَةٍ وأساوِرَ: سِوارًا. وقالَ الزَّجّاجُ: الأساوِرُ جَمْعُ أسْوِرَةٍ، وأسْوِرَةٌ جَمْعُ سِوارٍ، يُقالُ: سِوارُ اليَدِ، بِالكَسْرِ، وقَدْ حُكِيَ: سُوارٌ. قالَ المُفَسِّرُونَ: لَمّا كانَتِ المُلُوكُ تَلْبَسُ في الدُّنْيا الأساوِرَ في اليَدِ والتِّيجانَ عَلى الرُّؤُوسِ، جَعَلَ اللَّهُ ذَلِكَ لِأهْلِ الجَنَّةِ. قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: يُحَلّى كُلُّ واحِدٍ مِنهم بِثَلاثَةٍ مِنَ الأساوِرِ، واحِدٍ مِن فِضَّةٍ، وواحِدٍ مِن ذَهَبٍ، وواحِدٍ مِن لُؤْلُؤٍ ويَواقِيتٍ.

فَأمّا " السُّنْدُسُ " و " الإسْتَبْرَقُ "، فَقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: السُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيباجِ، والإسْتَبْرَقُ ثَخِينُهُ. وقَرَأْتُ عَلى شَيْخِنا أبِي مَنصُورٍ اللُّغَوِيِّ، قالَ: السُّنْدُسُ: رَقِيقُ الدِّيباجِ، لَمْ يَخْتَلِفْ أهْلُ اللُّغَةِ في أنَّهُ مُعَرَّبٌ، قالَ الرّاجِزُ:

؎ ولَيْلَةً مِنَ اللَّيالِي حِنْدِسِ لَوْنُ حَواشِيها كَلَوْنِ السُّنْدُسِ

(p-١٣٨)

والِاسْتَبْرَقُ: غَلِيظُ الدِّيباجِ، فارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ، وأصْلُهُ: إسْتَفْرَهْ. وقالَ ابْنُ دُرَيْدٍ: اسْتَرْوَهْ، ونُقِلَ مِنَ العَجَمِيَّةِ إلى العَرَبِيَّةِ، فَلَوْ حُقِّرَ ( إسْتَبْرَقُ ) أوْ كُسِرَ، لَكانَ في التَّحْقِيرِ ( أُبَيْرِقُ )، وفي التَّكْسِيرِ ( أبارِقُ ) بِحَذْفِ السِّينِ والتّاءِ جَمِيعًا.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ فِيها﴾ الِاتِّكاءُ: التَّحامُلُ عَلى الشَّيْءِ. قالَ أبُو عُبَيْدَةَ: والأرائِكُ: الفَرْشُ في الحِجالِ، ولا تَكُونُ الأرِيكَةُ إلّا بِحَجَلَةٍ وسَرِيرٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الأرائِكُ: السُّرُرُ في الحِجالِ، واحِدُها: أرِيكَةٌ. وقالَ ثَعْلَبُ: لا تَكُونُ الأرِيكَةُ إلّا سَرِيرًا في قُبَّةٍ عَلَيْهِ شَوارُهُ ومَتاعُهُ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: ( الشَّوارُ ) مَفْتُوحُ الشِّينِ، وهو مَتاعُ البَيْتِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الأرائِكُ: الفَرْشُ في الحِجالِ. قالَ: وقِيلَ: إنَّها الفُرُشُ، وقِيلَ: الأسِرَّةُ، وهي عَلى الحَقِيقَةِ: الفُرُشُ كانَتْ في حِجالٍ لَهم.

18:32–36Страница 297

۞ وَٱضۡرِبۡ لَهُم مَّثَلٗا رَّجُلَيۡنِ جَعَلۡنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيۡنِ مِنۡ أَعۡنَٰبٖ وَحَفَفۡنَٰهُمَا بِنَخۡلٖ وَجَعَلۡنَا بَيۡنَهُمَا زَرۡعٗا ٣٢

Приведи им притчу о двух мужах. Одному из них Мы устроили два виноградника, оградили их финиковыми пальмами и поместили между ними ниву.

كِلۡتَا ٱلۡجَنَّتَيۡنِ ءَاتَتۡ أُكُلَهَا وَلَمۡ تَظۡلِم مِّنۡهُ شَيۡـٔٗاۚ وَفَجَّرۡنَا خِلَٰلَهُمَا نَهَرٗا ٣٣

Оба сада приносили плоды, и ничто из них не пропадало, а между ними Мы проложили реку.

وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٞ فَقَالَ لِصَٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكۡثَرُ مِنكَ مَالٗا وَأَعَزُّ نَفَرٗا ٣٤

У него были плоды (или богатство), и он сказал своему товарищу, беседуя с ним: «У меня больше имущества и помощников, чем у тебя».

وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٞ لِّنَفۡسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَٰذِهِۦٓ أَبَدٗا ٣٥

Он вошел в свой сад, поступая несправедливо по отношению к себе, и сказал: «Я не думаю, что он когда-нибудь исчезнет.

وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةٗ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيۡرٗا مِّنۡهَا مُنقَلَبٗا ٣٦

Я не думаю, что настанет Час. Если же меня возвратят к моему Господу, то по возвращении я обрету там нечто еще более прекрасное».

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واضْرِبْ لَهم مَثَلا رَجُلَيْنِ﴾ رَوى عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، قالَ: هُما ابْنا مَلِكٍ كانَ في بَنِي إسْرائِيلَ تُوُفِّيَ وتَرَكَهُما، فاتَّخَذَ أحَدُهُما الجِنانَ والقُصُورَ، وكانَ الآَخَرُ زاهِدًا في الدُّنْيا، فَكانَ إذا عَمِلَ أخُوهُ شَيْئًا مِن زِينَةِ (p-١٣٩)الدُّنْيا، أخَذَ مِثْلَ ذَلِكَ فَقَدَّمَهُ لِآَخِرَتِهِ، حَتّى نَفِدَ مالُهُ، فَضَرَبَهُما اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ مَثَلًا لِلْمُؤْمِنِ والكافِرِ الَّذِي أبْطَرَتْهُ النِّعْمَةُ. ورَوى أبُو صالحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ: أنَّ المُسْلِمَ لَمّا احْتاجَ تَعَرَّضَ لِأخِيهِ الكافِرِ، فَقالَ الكافِرُ: أيْنَ ما ورِثْتَ عَنْ أبِيكَ، فَقالَ: أنْفَقْتُهُ في سَبِيلِ اللَّهِ، فَقالَ الكافِرُ: لَكِنِّي ابْتَعْتُ بِهِ جِنانًا وغَنَمًا وبَقَرًا، واللَّهِ لا أعْطَيْتُكَ شَيْئًا أبَدًا حَتّى تَتَّبِعَ دِينِي، ثُمَّ أخَذَ بِيَدِ المُسْلِمِ فَأدْخَلَهُ جِنانَهُ يَطُوفُ بِهِ فِيها، ويُرَغِّبُهُ في دِينِهِ. وقالَ مُقاتِلٌ: اسْمُ المُؤْمِنِ: يَمْلِيخا، واسْمُ الكافِرِ: قَرْطَسُ، وقِيلَ: قُطْرُسُ، وقِيلَ: هَذا المَثَلُ [ ضُرِبَ ] لِعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ وأصْحابِهِ، ولِسَلْمانَ وأصْحابِهِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَحَفَفْناهُما بِنَخْلٍ﴾ الحَفُّ: الإحاطَةُ بِالشَّيْءِ، ومِنهُ قَوْلُهُ: ﴿حافِّينَ مِن حَوْلِ العَرْشِ﴾ [ الزُّمَرِ: ٧٥ ]، والمَعْنى: جَعَلْنا النَّخْلَ مُطِيفًا بِها. وقَوْلُهُ: ﴿وَجَعَلْنا بَيْنَهُما زَرْعًا﴾ إعْلامٌ أنَّ عِمارَتَهُما كامِلَةً.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَها﴾ قالَ الفَرّاءُ: لَمْ يَقُلْ: آَتَتا؛ لِأنَّ " كِلْتا " ثِنْتانِ لا تُفْرَدُ واحِدَتُهُما، وأصْلُهُ: ( كُلُّ )، كَما تَقُولُ لِلثَّلاثَةِ: ( كُلُّ )، فَكانَ القَضاءُ أنْ يَكُونَ لِلثِّنْتَيْنِ ما كانَ لِلْجَمْعِ، وجازَ تَوْحِيدُهُ عَلى مَذْهَبٍ ( كُلٌّ )، وتَأْنِيثُهُ جائِزٌ لِلتَّأْنِيثِ الَّذِي ظَهَرَ في ( كِلْتا )، وكَذَلِكَ فافْعَلْ بِـ( كُلًّا، وكِلْتا، وكُلِّ )، إذا أضَفْتَهُنَّ إلى مَعْرِفَةٍ وجاءَ الفِعْلُ بَعْدَهُنَّ، فَوَحِّدْ واجْمَعْ، فَمِنَ التَّوْحِيدِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكُلُّهم آتِيهِ يَوْمَ القِيامَةِ فَرْدًا﴾ [ مَرْيَمَ: ٩٦ ]، ومِنَ الجَمْعِ: ﴿وَكُلٌّ أتَوْهُ داخِرِينَ﴾ [ النَّمْلِ: ٨٧ ]، والعَرَبُ قَدْ تَفْعَلُ أيْضًا في ( أيْ ) فَيُؤَنِّثُونَ ويُذَكِّرُونَ، قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَما تَدْرِي نَفْسٌ بِأيِّ أرْضٍ تَمُوتُ﴾ [ لُقْمانَ: ٣٤ ]، ويَجُوزُ في الكَلامِ: ( بِأيْتِ أرْضٍ )، وكَذَلِكَ: (p-١٤٠)﴿فِي أيِّ صُورَةٍ ما شاءَ رَكَّبَكَ﴾ [ الِانْفِطارِ: ٨ ]، ويَجُوزُ في الكَلامِ ( في أيَّتْ )، قالَ الشّاعِرُ:

؎ بِأيِّ بَلاءٍ أمْ بِأيَّةِ نِعْمَةٍ تَقَدَّمَ قَبْلِي مُسْلِمٌ والمُهَلَّبُ

قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: " كِلْتا " وإنْ كانَ واقِعًا في المَعْنى عَلى اثْنَتَيْنِ، فَإنَّ لَفْظَهُ لَفْظُ واحِدَةٍ مُؤَنَّثَةٍ، فَغَلَبَ اللَّفْظُ، ولَمْ يُسْتَعْمَلِ المَعْنى ثِقَةً بِمَعْرِفَةِ المُخاطَبِ بِهِ، ومِنَ العَرَبِ مَن يُؤْثِرُ المَعْنى عَلى اللَّفْظِ، فَيَقُولُ: ( كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آَتَتا أُكُلَها )، ويَقُولُ آَخَرُونَ: ( كِلْتا الجَنَّتَيْنِ آَتى أُكُلَهُ )؛ لِأنَّ " كِلْتا " تُفِيدُ مَعْنى ( كُلِّ )، قالَ الشّاعِرُ:

؎ وكِلْتاهُما قَدْ خُطَّ لِي في صَحِيفَتِي ∗∗∗ فَلا المَوْتُ أهْواهُ ولا العَيْشُ أرُوحُ

يَعْنِي: وكُلَّهُما قَدْ خُطَّ لِي، وقَدْ قالَتِ العَرَبُ: كُلُّكم ذاهِبٌ، وكُلُّكم ذاهِبُونَ، فَوَحَّدُوا لِلَّفْظِ ( كَلٌّ ) وجَمَعُوا لِتَأْوِيلِها. وقالَ الزَّجّاجُ: لَمْ يَقُلْ: ( آَتَتا )؛ لِأنَّ لَفْظَ " كِلْتا " لَفْظُ واحِدَةٍ، والمَعْنى: كُلُّ واحِدَةٍ مِنهُما آَتَتْ أُكُلَها. ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ﴾؛ أيْ: لَمْ تَنْقُصْ، ﴿مِنهُ شَيْئًا وفَجَّرْنا خِلالَهُما نَهَرًا﴾ فَأعْلَمَنا أنَّ شُرْبَهُما كانَ مِن ماءِ نَهْرٍ، وهو مِن أغْزَرِ الشُّرْبِ. وقالَ الفَرّاءُ: إنَّما قالَ: " فَجَّرْنا " بِالتَّشْدِيدِ، وهو نَهْرٌ واحِدٌ؛ لِأنَّ النَّهْرَ يَمْتَدُّ، فَكانَ التَّفَجُّرُ فِيهِ كُلُّهُ. قَرَأ أبُو رَزِينٍ، وأبُو مِجْلَزٍ، وأبُو العالِيَةِ، وابْنُ يَعْمُرَ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: ( وفَجَّرْنا ) بِالتَّخْفِيفِ. وقَرَأ أبُو مِجْلَزٍ وأبُو المُتَوَكِّلِ: ( خِلَلَهُما ) . وقَرَأ أبُو العالِيَةِ وأبُو عِمْرانَ: ( نَهْرًا ) بِسُكُونِ الهاءِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَكانَ لَهُ﴾ يَعْنِي: لِلْأخِ الكافِرِ، ﴿ثَمَرٌ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( وكانَ لَهُ ثُمُرٌ )، ( وأُحِيطَ بِثُمُرِهِ ) بِضَمَّتَيْنِ. وقَرَأ عاصِمٌ: ( وكانَ لَهم ثَمَرٌ )، ( وأُحِيطَ بِثَمَرِهِ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ فِيهِما. (p-١٤١)وَقَرَأ أبُو عَمْرٍو: ( ثَمَرٌ ) و( بِثَمَرِهِ ) بِضَمَّةٍ واحِدَةٍ وسُكُونِ المِيمِ. قالَ الفَرّاءُ: ( الثَّمَرُ ) بِفَتْحِ الثّاءِ والمِيمِ: المَأْكُولُ، وبِضَمِّها: المالُ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: ( الثَّمَرُ ) بِالفَتْحِ: الجَمْعُ الأوَّلُ، و( الثَّمَرُ ) بِالضَّمِّ: جَمْعُ الثَّمَرِ، يُقالُ: ثَمَرٌ وثُمُرٌ، كَما يُقالُ: أسَدٌ وأُسْدٌ، ويَصْلُحُ أنْ يَكُونَ الثَّمَرُ جَمْعَ الثِّمارِ، كَما يُقالُ: حِمارٌ وحُمُرٌ، وكِتابٌ وكُتُبٌ، فَمَن ضَمَّ قالَ: الثَّمَرُ أعَمُّ؛ لِأنَّها تَحْتَمِلُ الثِّمارَ المَأْكُولَةَ والأمْوالَ المَجْمُوعَةَ. قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: وقِراءَةُ أبِي عَمْرٍو: ( ثَمَرٌ ) يَجُوزُ أنْ تَكُونَ جَمْعَ ثِمارٍ، كَكِتابٍ وكُتُبٍ، فَتُخُفِّفَ، فَيُقالُ: كَتْبٌ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ثَمَرٌ ) جَمْعُ ثَمَرَةٍ، كَبَدَنَةٍ وبُدْنٍ، وخَشَبَةٍ وخُشْبٍ، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ ( ثُمُرٌ ) واحِدًا، كَعُنُقٍ وطُنُبٍ.

وَقَدْ ذَكَرَ المُفَسِّرُونَ في قِراءَةِ مَن ضَمَّ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: أنَّهُ المالُ الكَثِيرُ مِن صُنُوفِ الأمْوالِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّهُ الذَّهَبُ والفِضَّةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ.

والثّالِثُ: أنَّهُ جَمْعُ ثَمَرَةٍ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: ثَمَرَةٌ، وثِمارٌ، وثَمَرٌ.

فَإنْ قِيلَ: ما الفائِدَةُ في ذِكْرِ الثَّمَرِ بَعْدَ ذِكْرِ الجَنَّتَيْنِ، وقَدْ عَلِمَ أنَّ صاحِبَ الجَنَّةِ لا يَخْلُو مِن ثَمَرٍ ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ:

أحَدُها: أنَّهُ لَمْ يَكُنْ أصْلُ الأرْضِ مِلْكًا لَهُ، وإنَّما كانَتْ لَهُ الثِّمارُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ.

والثّانِي: أنَّ ذِكْرَ الثَّمَرِ دَلِيلٌ عَلى كَثْرَةِ ما يَمْلِكَ مِنَ الثِّمارِ في الجَنَّتَيْنِ وغَيْرِهِما، ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.

والثّالِثُ: إنّا قَدْ ذَكَرْنا أنَّ المُرادَ بِالثَّمَرِ: الأمْوالُ مِنَ الأنْواعِ، وذَكَرْنا (p-١٤٢)أنَّها الذَّهَبُ والفِضَّةُ، وذَلِكَ يُخالِفُ الثَّمَرَ المَأْكُولَ، قالَ أبُو عَلِيٍّ الفارِسِيُّ: مَن قالَ: هو الذَّهَبُ والوَرِقُ، فَإنَّما قِيلَ لِذَلِكَ: ( ثَمَرٌ ) عَلى التَّفاؤُلِ؛ لِأنَّ الثَّمَرَ نَماءٌ في ذِي الثَّمَرِ، وكَوْنُهُ هاهُنا بِالجَنى أشْبَهَ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ. ويُقَوِّي ذَلِكَ: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أنْفَقَ فِيها﴾، والإنْفاقُ مِنَ الوَرِقِ لا مِنَ الشَّجَرِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَقالَ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿لِصاحِبِهِ﴾ المُؤْمِنِ، ﴿وَهُوَ يُحاوِرُهُ﴾؛ أيْ: يُراجِعُهُ الكَلامَ ويُجاوِبُهُ.

وَفِيما تَحاوَرا فِيهِ قَوْلانِ:

أحَدُهُما: أنَّهُ الإيمانُ والكُفْرُ.

والثّانِي: طَلَبُ الدُّنْيا وطَلَبُ الآَخِرَةِ. فَأمّا ( النَّفَرُ ) فَهُمُ الجَماعَةُ، ومِثْلُهُمُ: القَوْمُ والرَّهْطُ، [ ولا واحِدَ لِهَذِهِ الألْفاظِ مِن لَفْظِها. وقالَ ابْنُ فارِسٍ اللُّغَوِيُّ ]: النَّفَرُ: عِدَّةُ رِجالٍ مِن ثَلاثَةٍ إلى العَشْرَةِ.

وَفِيمَن أرادَ بِنَفْرِهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:

أحَدُها: عُبَيْدَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: ولَدُهُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: عَشِيرَتُهُ ورَهْطُهُ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾ يَعْنِي: الكافِرَ، ﴿وَهُوَ ظالِمٌ لِنَفْسِهِ﴾ بِالكُفْرِ، وكانَ قَدْ أخَذَ بِيَدِ أخِيهِ فَأدْخَلَهُ مَعَهُ، ﴿قالَ ما أظُنُّ أنْ تَبِيدَ هَذِهِ أبَدًا﴾ أنْكَرَ فَناءَ الدُّنْيا وفَناءَ جَنَّتِهِ، وأنْكَرَ البَعْثَ والجَزاءَ بِقَوْلِهِ: ﴿وَما أظُنُّ السّاعَةَ قائِمَةً﴾، وهَذا شَكٌّ [ مِنهُ ] في البَعْثِ، ثُمَّ قالَ: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إلى رَبِّي﴾؛ أيْ: كَما تَزْعُمُ أنْتَ. قالَ [ ابْنُ عَبّاسٍ ]: يَقُولُ: إنْ كانَ البَعْثُ حَقًّا، ﴿لأجِدَنَّ خَيْرًا مِنها﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ: ( خَيْرًا مِنها )، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ البَصْرَةِ والكُوفَةِ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: ( خَيْرًا مِنهُما ) بِزِيادَةِ (p-١٤٣)مِيمٍ عَلى التَّثْنِيَةِ، وكَذَلِكَ هي في مَصاحِفِ أهْلِ مَكَّةَ والمَدِينَةِ والشّامِ. قالَ أبُو عَلِيٍّ: الإفْرادُ أوْلى؛ لِأنَّهُ أقْرَبُ إلى الجَنَّةِ المُفْرَدَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ﴾، والتَّثْنِيَةُ لا تَمْتَنِعُ لِتَقَدُّمِ ذِكْرِ الجَنَّتَيْنِ.

قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُنْقَلَبًا﴾؛ أيْ: كَما أعْطانِي هَذا في الدُّنْيا، سَيُعْطِينِي في الآَخِرَةِ أفْضَلَ مِنهُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English