Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:208–217
2:208–210Страница 32
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱدۡخُلُواْ فِي ٱلسِّلۡمِ كَآفَّةٗ وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَٰتِ ٱلشَّيۡطَٰنِۚ إِنَّهُۥ لَكُمۡ عَدُوّٞ مُّبِينٞ ٢٠٨
О те, которые уверовали! Принимайте ислам целиком и не следуйте по стопам дьявола. Воистину, он для вас - явный враг.
فَإِن زَلَلۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡكُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ فَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ٢٠٩
А если вы споткнетесь после того, как к вам явились ясные знамения, то знайте, что Аллах - Могущественный, Мудрый.
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن يَأۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ فِي ظُلَلٖ مِّنَ ٱلۡغَمَامِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَقُضِيَ ٱلۡأَمۡرُۚ وَإِلَى ٱللَّهِ تُرۡجَعُ ٱلۡأُمُورُ ٢١٠
Неужели они ожидают чего-либо иного, кроме как того, что Аллах явится к ним вместе с ангелами, осененный облаками, и все будет решено? К Аллаху возвращаются дела.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا في السِّلْمِ كافَّةً﴾ اخْتَلَفُوا فِيمَن نَزَلَتْ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ فِيمَن أسْلَمَ مِن أهْلِ الكِتابِ، كانُوا بَعْدَ إسْلامِهِمْ يَتَّقُونَ السَّبْتَ ولَحْمَ الجَمَلِ، وأشْياءَ يَتَّقِيها أهْلُ الكِتابِ. رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في أهْلِ الكِتابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالنَّبِيِّ مُحَمَّدٍ، ﷺ، أُمِرُوا بِالدُّخُولِ في الإسْلامِ. رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ. والثّالِثُ: أنَّها نَزَلَتْ في المُسْلِمِينَ، يَأْمُرُهم بِالدُّخُولِ في شَرائِعِ الإسْلامِ كُلِّها، قالَهُ مُجاهِدٌ وقَتادَةُ.
وَفِي "السِّلْمِ " ثَلاثُ لُغاتٍ: كَسْرُ السِّينِ، وتَسْكِينُ اللّامِ، وبِها قَرَأ أبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ في "البَقَرَةِ" وفَتَحا السِّينَ في "الأنْفالِ" وسُورَةِ "مُحَمَّدٍ" وفَتْحُ السِّينِ مَعَ تَسْكِينِ اللّامِ. وبِها قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، والكِسائِيُّ في المَواضِعِ الثَّلاثَةِ، وفَتْحُ السِّينِ واللّامِ. وبِها قَرَأ الأعْمَشُ في "البَقَرَةِ" خاصَّةً.
(p-٢٢٥)وَفِي مَعْنى " السِّلْمِ " قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ، والضَّحّاكُ، والسُّدِّيُّ، وابْنُ قُتَيْبَةَ، والزَّجّاجُ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّها الطّاعَةُ، رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا، وهو قَوْلُ أبِي العالِيَةِ، والرَّبِيعِ. وقالَ الزَّجّاجُ: و"كافَّةً" بِمَعْنى الجَمِيعِ، وهو في اشْتِقاقِ اللُّغَةِ: ما يَكُفُّ الشَّيْءَ في آَخِرِهِ، مِن ذَلِكَ: كَفَّهُ القَمِيصُ، وكُلُّ مُسْتَطِيلٍ فَحَرَّفَهُ كُفَّةٌ: بِضَمِّ الكافِ. ويُقالُ: في كُلِّ مُسْتَدِيرٍ: كِفَّهُ بِكَسْرِ الكافِ، نَحْوُ: كِفَّةُ المِيزانِ. ويُقالُ: إنَّما سُمِّيَتْ كُفَّةَ الثَّوْبِ، لِأنَّها تَمْنَعُهُ أنْ يَنْتَشِرَ، وأصْلُ الكَفِّ: المَنعُ، وقِيلَ لِطَرَفِ اليَدِ: كَفٌّ، لِأنَّها تَكُفُّ بِها عَنْ سائِرِ البَدَنِ، ورَجُلٌ مَكْفُوفٌ: قَدْ كُفَّ بَصَرُهُ أنْ يَنْظُرَ. واخْتَلَفُوا: هَلْ قَوْلُهُ: "كافَّةً" يَرْجِعُ إلى السِّلْمِ، أوْ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّهُ راجِعٌ إلى السِّلْمِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا في جَمِيعِ شَرائِعِ الإسْلامِ. وهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الأوَّلِ الَّذِي ذَكَرْناهُ في نُزُولِ الآَيَةِ. والثّانِي: أنَّهُ يَرْجِعُ إلى الدّاخِلِينَ فِيهِ، فَتَقْدِيرُهُ: ادْخُلُوا كُلُّكم في الإسْلامِ، وبِهَذا يَخْرُجُ عَلى القَوْلِ الثّانِي. وعَلى القَوْلِ الثّالِثِ يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ: "كافَّةً" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِألْسِنَتِهِمْ أنْ يُؤْمِنُوا بِقُلُوبِهِمْ، والثّانِي أنْ يَكُونَ أمْرًا لِلْمُؤْمِنِينَ بِالدُّخُولِ في جَمِيعِ شَرائِعِهِ. والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ أمْرًا لَهم بِالثَّباتِ عَلَيْهِ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿يا أيُّها الَّذِينَ آمَنُوا آمَنُوا﴾ [ النِّساءِ: ١٣٦ ] . و: "خُطُواتُ الشَّيْطانِ" المَعاصِي. وقَدْ سَبَقَ شَرْحُها. و"البَيِّناتُ" الدَّلالاتُ الواضِحاتُ. وقالَ ابْنُ جُرَيْجٍ: هي الإسْلامُ والقُرْآَنُ. و"يَنْظُرُونَ" بِمَعْنى: يَنْتَظِرُونَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إلا أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ كانَ جَماعَةٌ مِنَ السَّلَفِ يُمْسِكُونَ عَنِ الكَلامِ في مِثْلِ هَذا. وقَدْ ذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى عَنْ أحْمَدَ أنَّهُ قالَ: المُرادُ بِهِ: قُدْرَتُهُ وأمْرُهُ. قالَ: وقَدْ بَيَّنَهُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أوْ يَأْتِيَ أمْرُ رَبِّكَ﴾ [ الأنْعامِ: ١٥٨ ] .
(p-٢٢٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِي ظُلَلٍ مِنَ الغَمامِ﴾ أيْ: بِظُلَلٍ. والظُّلَلُ: جَمْعُ ظُلَّةٍ. و"الغَمامُ": السَّحابُ الَّذِي لا ماءَ فِيهِ. قالَ الضَّحّاكُ: في قِطَعٍ مِنَ السَّحابِ. ومَتى يَكُونُ مَجِيءُ المَلائِكَةِ؟ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَوْمُ القِيامَةِ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: أنَّهُ عِنْدَ المَوْتِ، قالَهُ قَتادَةُ. وقَرَأ الحَسَنُ بِخَفْضِ "المَلائِكَةِ" و"قُضِيَ الأمْرُ": فَرَغَ مِنهُ. ﴿وَإلى اللَّهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ﴾ أيْ: تَصِيرُ. قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ ونافِعٌ وأبُو عَمْرٍو وعاصِمٌ، "تُرْجَعُ" بِضَمِّ التّاءِ. وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ بِفَتْحِها. فَإنْ قِيلَ: فَكَأنَّ الأُمُورَ كانَتْ إلى غَيْرِهِ؟ فَعَنْهُ أرْبَعَةُ أجْوِبَةٍ. أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِهِ إعْلامُ الخَلْقِ أنَّهُ المُجازِي عَلى الأعْمالِ بِالثَّوابِ والعِقابِ، قالَهُ الزَّجّاجُ. والثّانِي: أنَّهُ لَمّا عَبَدَ قَوْمَ غَيْرِهِ، ونَسَبُوا أفْعالَهُ إلى سِواهُ، ثُمَّ انْكَشَفَ الغِطاءُ يَوْمَ القِيامَةِ؛ رَدُّوا إلَيْهِ ما أضافُوهُ إلى غَيْرِهِ. والثّالِثُ: أنَّ العَرَبَ تَقُولُ: قَدْ رَجَعَ عَلَيَّ مِن فُلانٍ مَكْرُوهٌ: إذا صارَ إلَيْهِ مِنهُ مَكْرُوهٌ، وإنْ لَمْ يَكُنْ سَبَقَ، قالَ الشّاعِرُ:
؎ فَإنْ تَكُنِ الأيّامُ أحْسَنَ مَرَّةً إلَيَّ فَقَدْ عادَتْ لَهُنَّ ذُنُوبُ
ذَكَرَهُما ابْنُ الأنْبارِيِّ ومِمّا يُشْبِهُ هَذا قَوْلُ لَبِيدٍ:
؎ وما المَرْءُ إلّا كالشِّهابِ وضَوْئِهِ ∗∗∗ يَحُورُ رَمادًا بَعْدَ إذْ هو ساطِعُ
أرادَ: يَصِيرُ رَمادًا، لا أنَّهُ كانَ رَمادًا. وقالَ أُمَيَّةُ بْنُ أبِي الصَّلْتِ:
؎ تِلْكَ المَكارِمُ لا قِعْبانَ مِن لَبَنٍ ∗∗∗ شَيَّبا بِماءٍ فَعادا بَعْدَ أبْوالًا
أيْ: صارَ. والرّابِعُ: أنَّهُ لَمّا كانَتِ الأُمُورُ إلَيْهِ قَبْلَ الخَلْقِ، ثُمَّ أوَجَدَهم فَمَلَّكَهم بَعْضَها رَجَعَتْ إلَيْهِ بَعْدَ هَلاكِهِمْ. فَإنْ قِيلَ: قَدْ جَرى ذِكْرُ اسْمِهِ تَعالى في قَوْلِهِ: ﴿أنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ فَما (p-٢٢٧)الحِكْمَةُ في أنَّهُ لَمْ يَقُلْ: وإلَيْهِ تُرْجَعُ الأُمُورُ؟ فالجَوابُ: أنَّ إعادَةَ اسْمِهِ أفْخَمُ وأعْظَمُ، والعَرَبُ إذا جَرى ذِكْرُ شَيْءٍ يُفَخَّمُ أعادُوا لَفْظَهُ، وأنْشَدُوا:
؎ لا أرى المَوْتَ يَسْبِقُ المَوْتَ شَيْئًا ∗∗∗ نَغَّصَ المَوْتُ ذا الغِنى والفَقِيرا
فَأعادُوا ذِكْرَ المَوْتِ لِفَخامَتِهِ في صُدُورِهِمْ، ذَكَرَهُ الزَّجّاجُ.
2:211Страница 33
سَلۡ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ كَمۡ ءَاتَيۡنَٰهُم مِّنۡ ءَايَةِۭ بَيِّنَةٖۗ وَمَن يُبَدِّلۡ نِعۡمَةَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُ فَإِنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢١١
Спроси сынов Исраила (Израиля), сколько ясных знамений Мы ниспослали им. Если кто променяет милость Аллаха после того, как она явилась к нему, то ведь Аллах суров в наказании.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿سَلْ بَنِي إسْرائِيلَ﴾ الخِطابُ لِلنَّبِيِّ ﷺ، والمَعْنى: لَهُ ولِلْمُؤْمِنِينَ. قالَ الفَرّاءُ: أهْلُ الحِجازِ يَقُولُونَ: "سَلْ" بِغَيْرِ هَمْزٍ، وبَعْضُ تَمِيمٍ يَقُولُ: "اسْألْ" بِالهَمْزِ، وبَعْضُهم يَقُولُ "إسَلْ" بِالألْفِ وطَرْحِ الهَمْزِ، والأُولى أغْرَبُهُنَّ، وبِها جاءَ الكِتابُ وفي المُرادِ بِالسُّؤالِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ التَّقْرِيرُ والإذْكارُ بِالنِّعَمِ. والثّانِي: التَّوْبِيخُ عَلى تَرْكِ الشُّكْرِ.
والآَيَةُ البَيِّنَةُ: العَلامَةُ الواضِحَةُ، كالعَصا، والغَمامِ، والمَنِّ، والسَّلْوى، والبَحْرِ. وفي المُرادِ بِنِعْمَةِ اللَّهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها الآَياتُ الَّتِي ذَكَرْناها، قالَهُ قَتادَةُ. والثّانِي: أنَّها حُجَجُ اللَّهِ الدّالَّةِ عَلى أمْرِ النَّبِيِّ ﷺ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي مَعْنى تَبْدِيلِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الكُفْرُ بِها، قالَهُ أبُو العالِيَةِ ومُجاهِدٌ. والثّانِي: تَغْيِيرُ صِفَةِ النَّبِيِّ ﷺ في التَّوْراةِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. والثّالِثُ: تَعْطِيلُ حُجَجِ اللَّهِ بِالتَّأْوِيلاتِ الفاسِدَةِ.
2:212Страница 33
زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلۡحَيَوٰةُ ٱلدُّنۡيَا وَيَسۡخَرُونَ مِنَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْۘ وَٱلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ فَوۡقَهُمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٢١٢
Мирская жизнь кажется неверующим прекрасной. Они глумятся над теми, кто уверовал. Но в День воскресения богобоязненные окажутся выше них. Аллах дарует удел без расчета, кому пожелает.
(p-٢٢٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الحَياةُ الدُّنْيا﴾ في نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها نَزَلَتْ في أبِي جَهْلٍ وأصْحابِهِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: نَزَلَتْ في عُلَماءِ اليَهُودِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: في عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ وأصْحابِهِ مِنَ المُنافِقِينَ، قالَهُ مُقاتِلٌ. قالَ الزَّجّاجُ: وإنَّما جازَ في "زُيِّنَ" لَفْظُ التَّذْكِيرِ، لِأنَّ تَأْنِيثَ الحَياةِ لَيْسَ بِحَقِيقِيٍّ، إذْ مَعْنى الحَياةِ ومَعْنى العَيْشِ واحِدٌ.
وَإلى مَن يُضافُ هَذا التَّزْيِينُ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يُضافُ إلى اللَّهِ. وقَرَأ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، والحَسَنُ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وابْنُ أبِي عَبْلَةَ: "زَيَّنَ" بِفَتْحِ الزّايِ والياءِ، عَلى مَعْنى: زَيَّنَها اللَّهُ لَهم. والثّانِي: أنَّهُ يُضافُ إلى الشَّيْطانِ، رُوِيَ عَنِ الحَسَنِ. قالَ شَيْخُنا عَلِيُّ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ: والتَّزْيِينُ مِنَ اللَّهِ تَعالى: هو التَّرْكِيبُ الطَّبِيعِيُّ، فَإنَّهُ وضَعَ في الطَّبائِعِ مَحَبَّةَ المَحْبُوبِ، لِصُورَةٍ فِيهِ تَزَيَّنَتْ لِلنَّفْسِ، وذَلِكَ مِن صُنْعِهِ، وتَزْيِينِ الشَّيْطانِ بِإذْكارِ ما وقَعَ مِن إغْفالِهِ مِمّا مِثْلُهُ يَدْعُو إلى نَفْسِهِ لِزِينَتِهِ، فاللَّهُ تَعالى يُزَيِّنُ بِالوَضْعِ، والشَّيْطانُ يُزَيِّنُ بِالإذْكارِ.
وَما السَّبَبُ في سُخْرِيَةِ الكُفّارِ مِنَ المُؤْمِنِينَ؟ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهم سَخِرُوا مِنهم لِلْفَقْرِ. والثّانِي: لِتَصْدِيقِهِمْ بِالآَخِرَةِ. والثّالِثُ: لِاتِّباعِهِمْ لِلنَّبِيِّ، ﷺ . وقِيلَ: إنَّهم كانُوا يُوهِمُونَهم أنَّكم عَلى الحَقِّ، سُخْرِيَةً مِنهم بِهِمْ.
وَفِي مَعْنى كَوْنِهِمْ "فَوْقَهُمْ" ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ ذَلِكَ عَلى أصْلِهِ، لِأنَّ المُؤْمِنِينَ في عِلِّيِّينَ، والكُفّارَ في سِجِّينٍ. والثّانِي: أنَّ حُجَجَ المُؤْمِنِينَ فَوْقَ شُبَهِ الكافِرِينَ، فَهُمُ المَنصُورُونَ. والثّالِثُ: في أنَّ نَعِيمَ المُؤْمِنِينَ في الجَنَّةِ فَوْقَ نَعِيمِ الكافِرِينَ في الدُّنْيا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَرْزُقُ (p-٢٢٩)مَن يَشاءُ رِزْقًا واسِعًا غَيْرَ ضَيِّقٍ. والثّانِي: يَرْزُقُ مَن يَشاءُ بِلا مُحاسَبَةٍ في الآَخِرَةِ.
2:213Страница 33
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ ٢١٣
Люди были одной общиной, и Аллах отправил пророков добрыми вестниками и предостерегающими увещевателями, ниспослал вместе с ними Писание с истиной, чтобы рассудить людей в том, в чем они разошлись во мнениях. Но разошлись во мнениях относительно этого только те, кому было даровано Писание, после того, как к ним явились ясные знамения, по причине зависти и несправедливого отношения друг к другу. Аллах по Своей воле направил тех, которые уверовали, к истине, относительно которой они разошлись во мнениях. Аллах наставляет на прямой путь, кого пожелает.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كانَ النّاسُ أُمَّةً واحِدَةً﴾ في المُرادِ بِـ"النّاسِ" هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: جَمِيعُ بَنِي آَدَمَ، وهو قَوْلُ الجُمْهُورِ. والثّانِي: آَدَمُ وحْدَهُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: وهَذا الوَجْهُ جائِزٌ، لِأنَّ العَرَبَ تُوقِعُ الجَمْعَ عَلى الواحِدِ. ومَعْنى الآَيَةِ: كانَ آَدَمُ ذا دِينٍ واحِدٍ، فاخْتَلَفَ ولَدُهُ مِن بَعْدِهِ. والثّالِثُ: آَدَمُ وأوْلادُهُ كانُوا عَلى الحَقِّ، فاخْتَلَفُوا حِينَ قُتِلَ قابِيلُ وهابِيلُ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ. والأُمَّةُ هاهُنا: الصَّنْفُ والواحِدُ عَلى مَقْصِدٍ واحِدٍ.
وَفِي ذَلِكَ المَقْصِدِ الَّذِي كانُوا عَلَيْهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ الإسْلامُ قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُ الكُفْرُ. رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
وَمَتى كانَ ذَلِكَ فِيهِ خَمْسَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ حِينَ عُرِضُوا عَلى آَدَمَ، وأقَرُّوا بِالعُبُودِيَّةِ. قالَهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ. والثّانِي: في عَهْدِ إبْراهِيمَ كانُوا كُفّارًا. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: بَيْنَ آَدَمَ ونُوحٍ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والرّابِعُ: حِينَ رَكِبُوا السَّفِينَةَ، كانُوا عَلى الحَقِّ. قالَهُ مُقاتِلٌ. والخامِسُ: في عَهْدِ آَدَمَ. ذَكَرَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾ بِالجَنَّةِ ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾ بِالنّارِ. هَذا قَوْلُ الأكْثَرِينَ. وقالَ بَعْضُ السَّلَفِ: مُبَشِّرِينَ لِمَن آَمَنَ (p-٢٣٠)بِكَ يا مُحَمَّدُ، ومُنْذِرِينَ لِمَن كَذَبَكَ. ﴿وَأنْزَلَ مَعَهُمُ الكِتابَ بِالحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ والكِتابُ: اسْمُ جِنْسٍ، كَما تَقُولُ: كَثُرَ الدِّرْهَمُ في أيْدِي النّاسِ. وذَكَرَ بَعْضُهم أنَّهُ في التَّوْراةِ.
وَفِي المُرادِ بِالحَقِّ هَهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ بِمَعْنى الصِّدْقِ والعَدْلِ. والثّانِي: أنَّهُ القَضاءُ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ ﴿لِيَحْكُمَ بَيْنَ النّاسِ﴾ في الحاكِمِ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ اللَّهُ تَعالى. والثّانِي: أنَّهُ النَّبِيُّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ الكِتابُ. والثّالِثُ: الكِتابُ، كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَذا كِتابُنا يَنْطِقُ عَلَيْكم بِالحَقِّ﴾ [ الجاثِيَةِ: ٢٩ ] . وقَرَأ أبُو جَعْفَرٍ: (لِيَحْكُمَ) بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الكافِ. وقَرَأ مُجاهِدٌ "لِتَحْكُمَ" بِالتّاءِ عَلى الخِطابِ لِلنَّبِيِّ ﷺ .
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ يَعْنِي: الدِّينَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما اخْتَلَفَ فِيهِ﴾ في هَذِهِ الهاءِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها تَعُودُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ قالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ، والثّانِي: إلى الدِّينِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّالِثُ: إلى الكِتابِ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ. فَأمّا هاءُ "أُوتُوهُ" فَعائِدَةٌ عَلى الكِتابِ مِن غَيْرِ خِلافٍ. وقالَ الزَّجّاجُ: ونَصَبَ "بَغْيًا" عَلى مَعْنى المَفْعُولِ لَهُ، فالمَعْنى: لَمْ يُوقِعُوا الِاخْتِلافَ إلّا لِلْبَغْيِ، لِأنَّهم عالِمُونَ بِحَقِيقَةِ الأمْرِ في كُتُبِهِمْ. وقالَ الفَرّاءُ: في اخْتِلافِهِمْ وجْهانِ. أحَدُهُما: كَفَرَ بَعْضُهم بِكِتابِ بَعْضٍ، والثّانِي: تَبْدِيلُ ما بَدَّلُوا.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَهَدى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِما اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ أيْ: لِمَعْرِفَةِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ، أوْ تَصْحِيحِ ما اخْتَلَفُوا فِيهِ.
وَفِي الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ سِتَّةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّهُ الجُمْعَةُ، جَعَلَها اليَهُودُ السَّبْتَ، والنَّصارى الأحَدَ، فَرَوى البُخارِيُّ ومُسْلِمٌ في "الصَّحِيحَيْنِ" مِن حَدِيثِ أبِي هُرَيْرَةَ عَنْ (p-٢٣١)رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أنَّهُ قالَ: « "نَحْنُ الآَخَرُونَ السّابِقُونَ يَوْمَ القِيامَةِ بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكُتّابَ مِن قَبْلِنا، وأُوتِيناهُ مِن بَعْدِهِمْ، فَهَذا يَوْمُهُمُ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدانا اللَّهُ لَهُ فاليَوْمَ لَنا، وغَدًا لِلْيَهُودِ، وبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصارى" .» والثّانِي: أنَّهُ الصَّلاةُ، فَمِنهم مَن يُصَلِّي إلى المَشْرِقِ، ومِنهم مَن يُصَلِّي إلى المَغْرِبِ. والثّالِثُ: أنَّهُ إبْراهِيمُ قالَتِ اليَهُودَ: كانَ يَهُودِيًّا، وقالَتِ النَّصارى: كانَ نَصْرانِيًّا. والرّابِعُ: أنَّهُ عِيسى، جَعَلَتْهُ اليَهُودُ لِفِرْيَةٍ، وجَعَلَتْهُ النَّصارى إلَهًا. والخامِسُ: أنَّهُ الكُتُبُ، آَمَنُوا بِبَعْضِها، وكَفَرُوا بِبَعْضِها. والسّادِسُ: أنَّهُ الدِّينُ، وهو الأصَحُّ، لِأنَّ جَمِيعَ الأقْوالِ داخِلَةٌ في ذَلِكَ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿بِإذْنِهِ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إذْنُهُ: عِلْمُهُ. وقالَ غَيْرُهُ: أمَرَهُ. قالَ بَعْضُهُمْ: تَوْفِيقُهُ.
2:214Страница 33
أَمۡ حَسِبۡتُمۡ أَن تَدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ وَلَمَّا يَأۡتِكُم مَّثَلُ ٱلَّذِينَ خَلَوۡاْ مِن قَبۡلِكُمۖ مَّسَّتۡهُمُ ٱلۡبَأۡسَآءُ وَٱلضَّرَّآءُ وَزُلۡزِلُواْ حَتَّىٰ يَقُولَ ٱلرَّسُولُ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ مَتَىٰ نَصۡرُ ٱللَّهِۗ أَلَآ إِنَّ نَصۡرَ ٱللَّهِ قَرِيبٞ ٢١٤
Или вы полагали, что войдете в Рай, не испытав того, что постигло ваших предшественников? Их поражали нищета и болезни. Они переживали такие потрясения, что Посланник и уверовавшие вместе с ним говорили: «Когда же придет помощь Аллаха?». Воистину, помощь Аллаха близка.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الجَنَّةَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ الصَّحابَةَ أصابَهم يَوْمَ الأحْزابِ بَلاءٌ وحَصْرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وهو قَوْلُ قَتادَةَ. والثّانِي: أنَّ النَّبِيَّ ﷺ، لَمّا دَخَلَ المَدِينَةَ هو وأصْحابُهُ اشْتَدَّ بِهِمُ الضُّرُّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: أنَّ المُنافِقِينَ قالُوا لِلْمُؤْمِنِينَ: لَوْ كانَ مُحَمَّدٌ نَبِيًّا لَمْ يُسَلِّطْ عَلَيْكُمُ القَتْلَ، فَأجابُوهُمْ: مَن قُتِلَ مِنّا دَخَلَ الجَنَّةَ، فَقالُوا: لِمَ تُمَنُّونَ أنْفَسَكم بِالباطِلِ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ (p-٢٣٢)الآَيَةُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وزَعَمَ أنَّها نَزَلَتْ يَوْمَ أُحُدٍ. قالَ الفَرّاءُ: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ﴾ بِمَعْنى: أظْنَنْتُمْ، وقالَ الزَّجّاجُ: "أمْ" بِمَعْنى: بَلْ. وقَدْ شَرَحْنا "أمْ" فِيما تَقَدَّمَ شَرْحًا كافِيًا. والمَثَلُ بِمَعْنى: الصِّفَةِ. و"زُلْزِلُوا" خُوِّفُوا وحُرِّكُوا بِما يُؤْذِي، وأصَّلُ الزَّلْزَلَةِ في اللُّغَةِ مِن: زَلَّ الشَّيْءُ عَنْ مَكانِهِ، فَإذا قُلْتَ: زَلْزَلْتُهُ، فَتَأْوِيلُهُ: كَرَّرَتُ زَلْزَلَتَهُ مِن مَكانِهِ، وكُلُّ ما كانَ فِيهِ تَرْجِيعٌ كُرِّرَتْ فِيهِ فاءُ الفِعْلِ، تَقُولُ: أقَلَّ فُلانٌ الشَّيْءَ: إذا رَفَعَهُ مِن مَكانِهِ، فَإذا كَرَّرَ رَفْعَهُ ورَدَّهُ، قِيلَ: قَلْقَلَهُ. فالمَعْنى أنَّهُ تَكَرَّرَ عَلَيْهِمُ التَّحْرِيكُ بِالخَوْفِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. البَأْساءُ: الشِّدَّةُ والبُؤْسُ، والضَّرّاءُ: البَلاءُ والمَرَضُ. وكُلُّ رَسُولٍ بُعِثَ إلى أُمَّتِهِ يَقُولُ: ﴿مَتى نَصْرُ اللَّهِ﴾ والنَّصْرُ: الفَتْحُ، والجُمْهُورُ عَلى فَتْحِ لامٍ "حَتّى يَقُولَ" وضَمَّها نافِعٌ.
فَصْلٌ
وَمَعْنى الآَيَةِ: أنَّ البَلاءَ والجُهْدَ بَلَغَ بِالأُمَمِ المُتَقَدِّمَةِ إلى أنِ اسْتَبْطَؤُوا النَّصْرَ لِشِدَّةِ البَلاءِ. وقَدْ دَلَّتْ عَلى أنَّ طَرِيقَ الجَنَّةِ إنَّما هو الصَّبْرُ عَلى البَلاءِ. قالَتْ عائِشَةُ: «ما شَبِعَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ، ثَلاثَةَ أيّامٍ تِباعًا مِن خَبْزِ بَرٍّ حَتّى مَضى لِسَبِيلِهِ.» وقالَ حُذَيْفَةُ: أقَرَّ أيّامِي لِعَيْنِي، يَوْمَ أُرْجِعُ إلى أهْلِي فَيَشُكُّونَ إلى الحاجَةِ. قِيلَ: ولِمَ ذَلِكَ؟ قالَ: لِأنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، يَقُولُ: « "إنَّ اللَّهَ يَتَعاهَدُ المُؤْمِنَ بِالبَلاءِ كَما يَتَعاهَدُ الوالِدُ ولَدَهُ [بِالخَيْرِ ]، وإنَّ اللَّهَ لِيَحْمِيَ المُؤْمِنَ مِنَ الدُّنْيا، كَما يَحْمِي المَرِيضُ أهْلَهُ الطَّعامَ"» أخْبَرْنا أبُو بَكْرٍ الصُّوفِيُّ، قالَ: أخْبَرْنا أبُو سَعِيدِ ابْنِ أبِي صادِقٍ، قالَ: أخْبَرَنا أبُو عَبْدِ اللَّهِ الشِّيرازِيُّ، قالَ: سَمِعْتُ أبا الطِّيبِ ابْنَ الفَرْخانَ يَقُولُ: سَمِعْتُ الجُنَيْدَ يَقُولُ: دَخَلْتُ عَلى سِرِّيِّ السَّقْطِي وهو يَقُولُ: (p-٢٣٣)
؎ وما رَمْتُ الدُّخُولَ عَلَيْهِ حَتّى حَلَلْتُ مَحَلَّهُ العَبْدَ الذَّلِيلَ
؎ وأغْضَيْتُ الجُفُونَ عَلى قَذاها ∗∗∗ وصُنْتُ النَّفْسَ عَنْ قالَ وقِيلَ
2:215Страница 33
يَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلۡ مَآ أَنفَقۡتُم مِّنۡ خَيۡرٖ فَلِلۡوَٰلِدَيۡنِ وَٱلۡأَقۡرَبِينَ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينِ وَٱبۡنِ ٱلسَّبِيلِۗ وَمَا تَفۡعَلُواْ مِنۡ خَيۡرٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ بِهِۦ عَلِيمٞ ٢١٥
Они спрашивают тебя, что они должны расходовать. Скажи: «Любое добро, которое вы раздаете, должно достаться родителям, близким родственникам, сиротам, беднякам, путникам. Что бы вы ни сделали доброго, Аллах знает об этом».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها «نَزَلَتْ في عَمْرِو بْنِ الجَمُوحِ الأنْصارِيِّ، وكانَ لَهُ مالٌ كَثِيرٌ، فَقالَ: يا رَسُولَ اللَّهِ بِماذا نَتَصَدَّقُ، وعَلى مَن نُنْفِقُ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: «أنَّ رَجُلًا قالَ لِلنَّبِيِّ ﷺ: إنَّ لِي دِينارًا، فَقالَ: "أنْفِقْهُ عَلى نَفْسِكَ" . فَقالَ: إنَّ لِي دِينارَيْنِ، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى أهْلِكَ" فَقالَ، إنَّ لِي ثَلاثَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى خادِمِكَ" . فَقالَ: إنَّ لِي أرْبَعَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى والِدَيْكَ" . فَقالَ: إنَّ لِي خَمْسَةً، فَقالَ: "أنْفِقْها عَلى قَرابَتِكَ" فَقالَ: إنَّ لِي سِتَّةً، فَقالَ: "أنْفِقْها في سَبِيلِ اللَّهِ، وهو أحْسَنُها" فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
قالَ الزَّجّاجُ: "ماذا" في اللُّغَةِ عَلى ضَرْبَيْنِ، أحَدُهُما: أنْ تَكُونَ "ذا" بِمَعْنى الَّذِي، و"يُنْفِقُونَ": صِلَتُهُ، فَيَكُونُ المَعْنى: يَسْألُونَكَ: أيُّ شَيْءٍ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ والثّانِي: أنْ تَكُونَ "ما" مَعَ "ذا" اسْمًا واحِدًا، فَيَكُونُ المَعْنى: يَسْألُونَكَ أيَّ شَيْءٍ يُنْفِقُونَ، قالَ: وكَأنَّهم سَألُوا: عَلى مَن يَنْبَغِي أنْ يَفْضُلُوا، وما وجْهُ الَّذِي يُنْفِقُونَ؟ لِأنَّهم يَعْلَمُونَ ما المُنْفِقُ، (p-٢٣٤)وَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ أوْلى مِن أُفْضِلَ عَلَيْهِ الوالِدانِ والأقْرَبُونَ. والخَيْرُ: المالُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ في آَخَرِينَ. وقالَ: ومَعْنى: "فَلِلْوالِدَيْنِ" فَعَلى الوالِدَيْنِ.
فَصْلٌ
وَأكْثَرُ عُلَماءِ التَّفْسِيرِ عَلى أنَّ هَذِهِ الآَيَةَ مَنسُوخَةٌ، قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ: نَسَخَتْها آيَةُ الزَّكاةِ. وذَهَبَ الحَسَنُ إلى إحْكامِها، وقالَ ابْنُ زَيْدٍ: هي في النَّوافِلِ، وهَذا الظّاهِرُ مِنَ الآَيَةِ، لِأنَّ ظاهِرَها يَقْتَضِي النَّدْبَ، ولا يَصِحُّ أنْ يُقالَ: إنَّها مَنسُوخَةٌ، إلّا أنْ يُقالَ: إنَّها اقْتَضَتْ وُجُوبَ النَّفَقَةِ عَلى المَذْكُورِينَ فِيها.
2:216Страница 34
كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ وَهُوَ كُرۡهٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ خَيۡرٞ لَّكُمۡۖ وَعَسَىٰٓ أَن تُحِبُّواْ شَيۡـٔٗا وَهُوَ شَرّٞ لَّكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٢١٦
Вам предписано сражаться, хотя это вам неприятно. Быть может, вам неприятно то, что является благом для вас. И быть может, вы любите то, что является злом для вас. Аллах знает, а вы не знаете.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ القِتالُ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: لَمّا فَرَضَ اللَّهُ عَلى المُسْلِمِينَ الجِهادَ شُقَّ عَلَيْهِمْ وكَرِهُوهُ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. و"كُتِبَ" بِمَعْنى: فُرِضَ في قَوْلِ الجَماعَةِ. قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: كَرِهْتُ الشَّيْءَ أكْرَهُهُ كَرْهًا وكُرْهًا، وكَراهَةً وكَراهِيَةً. وكُلُّ ما في كِتابِ اللَّهِ مِنَ الكُرْهِ، فالفَتْحُ فِيهِ جائِزٌ، إلّا أنَّ أبا عُبَيْدٍ ذَكَرَ أنَّ النّاسَ مُجْتَمِعُونَ عَلى ضَمِّ هَذا الحَرْفِ الَّذِي فِيهِ هَذِهِ الآَيَةِ. وإنَّما كَرِهُوهُ لِمَشَقَّتِهِ عَلى النُّفُوسِ، لا أنَّهم كَرِهُوا فَرْضَ اللَّهِ تَعالى. وقالَ الفَرّاءُ: الكُرْهُ والكَرْهُ: لُغَتانِ. وكَأنَ النَّحْوِيِّينَ يَذْهَبُونَ بِالكُرْهِ إلى ما كانَ مِنكَ مِمّا لَمْ تُكْرَهُ عَلَيْهِ، فَإذا أُكْرِهْتَ عَلى الشَّيْءِ اسْتَحَبُّوا "كُرْهًا" بِالفَتْحِ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: الكُرْهُ بِالفَتْحِ، مَعْناهُ: الإكْراهُ والقَهْرُ، وبِالضَّمِّ مَعْناهُ: المَشَقَّةُ. ومِن نَظائِرِ هَذا: الجُهْدُ: الطّاقَةُ، والجُهْدُ: المَشَقَّةُ ومِنهم مَن يَجْعَلُهُما واحِدًا. وعِظَمُ الشَّيْءِ: أكْبَرُهُ (p-٢٣٥)وَعَظَمَةُ نَفْسِهِ. وعَرْضُ الشَّيْءِ: إحْدى نَواحِيهِ. وعَرْضُهُ: خِلافُ طُولِهِ. والأكْلُ: مَصْدَرُ أكَلَتْ، والأكْلُ: المَأْكُولُ، وقالَ أبُو عَلِيٍّ: هُما لُغَتانِ، كالفَقْرِ والفُقْرِ، والضَّعْفِ والضُّعْفِ، والدَّفِّ والدُّفِّ، والشَّهْدِ والشُّهْدِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَعَسى أنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: يَعْنِي الجِهادَ. ﴿وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ﴾ فَتْحٌ وغَنِيمَةٌ أوْ شَهادَةٌ. ﴿وَعَسى أنْ تُحِبُّوا شَيْئًا﴾ وهُوَ: القُعُودُ عَنْهُ. ﴿وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ﴾ لا تُصِيبُونَ فَتْحًا ولا غَنِيمَةً ولا شَهادَةً. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ﴾ أنَّ الجِهادَ خَيْرٌ لَكم. ﴿وَأنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ حِينَ أحْبَبْتُمُ القُعُودَ عَنْهُ.
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذا الآَيَةِ عَلى ثَلاثَةِ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّها مِنَ المُحْكَمِ النّاسِخِ لِلْعَفْوِ عَنِ المُشْرِكِينَ. والثّانِي: أنَّها مَنسُوخَةٌ، لِأنَّها أوْجَبَتِ الجِهادَ عَلى الكُلِّ، فَنُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ التَّوْبَةِ ١٢٢ . والثّالِثُ: أنَّها ناسِخَةٌ مِن وجْهٍ، مَنسُوخَةٌ مِن وجْهٍ.
وَقالُوا: إنَّ الحالَ في القِتالِ كانَتْ عَلى ثَلاثِ مَراتِبَ. الأُولى المَنعُ مِنَ القِتالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ألَمْ تَرَ إلى الَّذِينَ قِيلَ لَهم كُفُّوا أيْدِيَكُمْ﴾ [ النِّساءِ: ٧٧ ] . والثّانِيَةُ: أمَرَ الكُلَّ بِالقِتالِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿انْفِرُوا خِفافًا وثِقالا﴾ [ التَّوْبَةِ: ٤١ ] . ومِثْلُها هَذِهِ الآَيَةُ. والثّالِثَةُ كَوْنُ القِتالِ فَرْضًا عَلى الكِفايَةِ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما كانَ المُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كافَّةً﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٢٢ ] . فَيَكُونُ النّاسِخُ مِنها إيجابُ القِتالِ بَعْدَ المَنعِ مِنهُ، والمَنسُوخُ مِنهُ وُجُوبُ القِتالِ عَلى الكُلِّ.
2:217Страница 34
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢١٧
Они спрашивают тебя о сражении в запретный месяц. Скажи: «Сражаться в этот месяц - великое преступление. Однако сбивать других с пути Аллаха, не веровать в Него, не пускать в Заповедную мечеть и выгонять оттуда ее жителей - еще большее преступление перед Аллахом. Искушение хуже, чем убийство. Они не перестанут сражаться с вами, пока не отвратят вас от вашей религии, если только смогут. А если кто из вас отступит от своей религии и умрет неверующим, то его деяния окажутся тщетными как в этом мире, так и в Последней жизни. Они являются обитателями Огня и останутся там вечно».
(p-٢٣٦)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ قِتالٍ فِيهِ﴾ رَوى جُنْدُبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ، بَعَثَ رَهْطًا واسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ أبا عُبَيْدَةَ، فَلَمّا انْطَلَقَ لِيُتَوَجَّهَ بَكى صَبابَةُ إلى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ، فَبَعَثَ مَكانَهُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ، وكَتَبَ لَهُ كِتابًا، وأمَرَهُ ألّا يَقْرَأهُ إلّا بِمَكانِ كَذا وكَذا، وقالَ: "لا تُكْرِهْنَّ أحَدًا مِن أصْحابِكَ عَلى المَسِيرِ مَعَكَ" فَلَمّا صارَ إلى المَكانِ، قَرَأ الكِتابَ واسْتَرْجَعَ، وقالَ: سَمْعًا [وَطاعَةً لِأمْرِ ] اللَّهِ ولِرَسُولِهِ [فَخَبَّرَهُمُ الخَبَرَ، وقَرَأ عَلَيْهِمُ الكِتابَ ]، فَرَجَعَ رَجُلانِ مِن أصْحابِهِ، ومَضى بَقِيَّتُهم، فَأتَوُا ابْنَ الحَضْرَمِيَّ فَقَتَلُوهُ، فَلَمْ يَدْرُوا ذَلِكَ اليَوْمَ، أمِن رَجَبٍ، أوْ مِن جُمادى الآَخِرَةَ؟ فَقالَ المُشْرِكُونَ [لِلْمُسْلِمِينَ ]: قَتَلْتُمْ في الشَّهْرِ الحَرامِ [فَأتَوُا النَّبِيَّ ﷺ فَحَدَّثُوهُ الحَدِيثَ ] فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَقالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: لَئِنْ كانَ أصابَهم خَيْرٌ فَما لَهم أجْرٌ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿رَحِيمٌ﴾ [ البَقَرَةِ: ٢١٨ ] .» قالَ الزُّهْرِيُّ: اسْمُ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ: عَمْرٌو، واسْمُ الَّذِي قَتَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ واقَدٍ اللِّيثِيُّ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: كانَ أصْحابُ النَّبِيِّ ﷺ، يَظُنُّونَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن جُمادى، وكانَتْ أوَّلَ رَجَبٍ.
وَقَدْ رَوى عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أنَّها نَزَلَتْ في شَيْئَيْنِ. أحَدُهُما: هَذا. والثّانِي: (p-٢٣٧)دُخُولُ النَّبِيِّ، ﷺ، مَكَّةَ في شَهْرٍ حَرامٍ يَوْمَ الفَتْحِ، حِينَ عابَ المُشْرِكُونَ عَلَيْهِ القِتالَ في شَهْرٍ حَرامٍ.
وَفِي السّائِلِينَ النَّبِيَّ، ﷺ، عَنْ ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُمُ المُسْلِمُونَ سَألُوهُ: هَلْ أخْطَؤُوا أمْ أصابُوا؟ قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: أنَّهُمُ المُشْرِكُونَ سَألُوهُ عَلى وجْهِ العَيْبِ عَلى المُسْلِمِينَ، قالَهُ الحَسَنُ، وعُرْوَةُ، ومُجاهِدٌ.
والشَّهْرُ الحَرامُ: شَهْرُ رَجَبٍ، وكانَ يُدْعى الأصَمَّ، لِأنَّهُ لَمْ يَكُنْ يُسْمَعُ فِيهِ لِلسِّلاحِ قَعْقَعَةٌ تَعْظِيمًا لَهُ ﴿قِتالٍ فِيهِ﴾ أيْ: يَسْألُونَكَ عَنْ قِتالٍ فِيهِ. ﴿قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ قالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وابْنُ عَبّاسٍ: لا يَحِلُّ. قالَ القاضِي أبُو يَعْلى: كانَ أهْلُ الجاهِلِيَّةِ يَعْتَقِدُونَ تَحْرِيمَ القِتالِ في هَذِهِ الأشْهُرِ، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ تَعالى في هَذِهِ الآَيَةِ بِبَقاءِ التَّحْرِيمِ.
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ في تَحْرِيمِ القِتالِ في الأشْهُرِ الحُرُمِ: هَلْ هو باقٍ أمْ نُسِخَ؟ عَلى قَوْلَيْنِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ باقٍ. رَوى ابْنُ جُرَيْجٍ أنَّ عَطاءً كانَ يَحْلِفُ بِاللَّهِ: ما يَحِلُّ لِلنّاسِ الآَنَ أنْ يَغْزُوا في الحَرَمِ، ولا في الأشْهُرِ الحُرُمِ، إلّا أنْ يُقاتِلُوا فِيهِ أوْ يَغْزُوا، وما نُسِخَتْ.
والثّانِي: أنَّهُ مَنسُوخٌ، قالَ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، وسُلَيْمانُ بْنُ يَسارٍ: القِتالُ جائِزٌ في الشَّهْرِ الحَرامِ، وهَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿فاقْتُلُوا المُشْرِكِينَ حَيْثُ وجَدْتُمُوهُمْ﴾ [ التَّوْبَةِ: ٥ ] . وبِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ولا بِاليَوْمِ الآخِرِ﴾ [ التَّوْبَةِ: ١٩ ] . وهَذا قَوْلُ فُقَهاءِ الأمْصارِ.
(p-٢٣٨)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هو مَرْفُوعٌ بِالابْتِداءِ، وخَبَرُ هَذِهِ الأشْياءِ: ﴿أكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ﴾ وفي المُرادِ بِـ "سَبِيلِ اللَّهِ" هاهُنا قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ الحَجُّ، لِأنَّهم صَدُّوا رَسُولَ اللَّهِ، ﷺ، عَنْ مَكَّةَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، والسُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ.
والثّانِي: أنَّهُ الإسْلامُ، قالَهُ مُقاتِلٌ. وفي هاءِ الكِنايَةِ في قَوْلِهِ: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى اللَّهِ تَعالى، قالَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ، وابْنُ قُتَيْبَةَ. والثّانِي: أنَّها تَعُودُ إلى السَّبِيلِ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: وخَفْضٌ "المَسْجِدِ" الحَرامِ نَسَقًا عَلى قَوْلِهِ: (سَبِيلِ اللَّهِ) كَأنَّهُ قالَ: وصَدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ، وعَنَ المَسْجِدِ الحَرامِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإخْراجُ أهْلِهِ مِنهُ﴾ لَمّا آذَوْا رَسُولَ اللَّهِ وأصْحابَهُ؛ اضْطَرُّوهم إلى الخُرُوجِ فَكَأنَّهم أخْرَجُوهم، فَأعْلَمَهُمُ اللَّهُ أنَّ هَذِهِ الأفْعالَ أعْظَمُ مِن قَتْلِ كُلِّ كافِرٍ. "والفِتْنَةُ" هاهُنا بِمَعْنى الشِّرْكِ. قالَهُ ابْنُ عُمَرَ، وابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، وابْنُ جُبَيْرٍ، وقَتادَةُ، والجَماعَةُ. والفِتْنَةُ في القُرْآَنِ عَلى وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ، قَدْ ذَكَرْتُها في كِتابِ "النَّظائِرِ" ﴿وَلا يَزالُونَ﴾ يَعْنِي: الكُفّارَ، ﴿يُقاتِلُونَكُمْ﴾ يَعْنِي: المُسْلِمِينَ. و(حَبِطَتْ) بِمَعْنى: بَطَلَتْ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии