Ибн аль-Джаузи · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:218–223
2:218Страница 34
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَٰهَدُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أُوْلَٰٓئِكَ يَرۡجُونَ رَحۡمَتَ ٱللَّهِۚ وَٱللَّهُ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٢١٨
Воистину, те, которые уверовали, совершили переселение и сражались на пути Аллаха, надеются на милость Аллаха. А ведь Аллах - Прощающий, Милосердный.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ.
أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا نَزَلَ القُرْآَنُ بِالرُّخْصَةِ لِأصْحابِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ في قَتْلِ ابْنِ الحَضْرَمِيِّ، قالَ بَعْضُ المُسْلِمِينَ: ما لَهم أجْرٌ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. وقَدْ ذَكَرْنا هَذا في (p-٢٣٩)سَبَبِ نُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الحَرامِ﴾ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ.
والثّانِي: أنَّهُ لَمّا نَزَلَتْ لَهُمُ الرُّخْصَةُ قامُوا، فَقالُوا: [يا رَسُولَ اللَّهِ ] أنُطْمِعُ أنْ تَكُونَ لَنا غَزاةٌ نُعْطى فِيها أجْرَ المُجاهِدِينَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. وقالَ ﴿هاجَرُوا﴾ مِن مَكَّةَ إلى المَدِينَةِ، ﴿وَجاهَدُوا﴾ في طاعَةِ اللَّهِ ابْنُ الحَضْرَمِيِّ وأصْحابُهُ. و ﴿رَحْمَتُ اللَّهِ﴾: مَغْفِرَتُهُ وجْنَّتُهُ. قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الهِجْرَةُ عِنْدَ العَرَبِ مِن هُجْرانِ الوَطَنِ والأهْلِ والوَلَدِ. والمُهاجِرُونَ مَعْناهُمُ: المُهاجِرُونَ الأوْلادُ والأهْلُ، فَعَرَفَ مَكانَ المَفْعُولِ فَأُسْقِطَ. قالَ الشَّعْبِيُّ: أوَّلُ لِواءٍ عُقِدَ في الإسْلامِ لِواءُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، وأوَّلُ مَغْنَمٍ قُسِّمَ في الإسْلامِ: مَغْنَمُهُ.
2:219Страница 34
۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩
Они спрашивают тебя об опьяняющих напитках и азартных играх. Скажи: «В них есть большой грех, но есть и польза для людей, хотя греха в них больше, чем пользы». Они спрашивают тебя, что они должны расходовать. Скажи: «Излишек». Так Аллах разъясняет вам знамения, - быть может, вы поразмыслите
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَسْألُونَكَ عَنِ الخَمْرِ والمَيْسِرِ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ، قالَ: اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنا في الخَمْرِ بَيانًا شافِيًا، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. والثّانِي: «أنَّ جَماعَةً مِنَ الأنْصارِ جاؤُوا إلى النَّبِيِّ ﷺ، وفِيهِمْ عُمَرُ، ومُعاذٌ، فَقالُوا: أفْتِنا في الخَمْرِ، فَإنَّها مَذْهَبَةٌ لِلْعَقْلِ مَسْلَبَةٌ لِلْمالِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.»
وَفِي تَسْمِيَةِ الخَمْرِ خَمْرًا ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّها سُمِّيَتْ خَمْرًا، لِأنَّها تُخامِرُ العَقْلَ، أيْ: تُخالِطُهُ. والثّانِي: لِأنَّها تُخَمِّرُ العَقْلَ، أيْ: تَسْتُرُهُ. والثّالِثُ: لِأنَّها تُخَمِّرُ، أيْ: تُغَطِّي ذِكْرَ هَذِهِ الأقْوالِ مُحَمَّدُ بْنُ القاسِمِ. وقالَ الزَّجّاجُ: الخَمْرُ في اللُّغَةِ: ما سُتِرَ عَلى العَقْلِ، يُقالُ: دَخَلَ فُلانٌ في خِمارِ النّاسِ، أيْ: في الكَثِيرِ الَّذِي يَسْتَتِرُ فِيهِمْ، وخِمارُ المَرْأةِ قِناعُها، سُمِّيَ خِمارًا لِأنَّهُ يُغَطِّي.
(p-٢٤٠)قالَ: والخَمْرُ هاهُنا هي المُجْمَعُ عَلَيْها، وقِياسُ كُلِّ ما عَمِلَ عَمَلَها أنْ يُقالَ لَهُ: خَمْرٌ، وأنْ يَكُونَ في التَّحْرِيمِ بِمَنزِلَتِها، لِأنَّ العُلَماءَ أجْمَعُوا عَلى أنَّ القِمارَ كُلَّهُ حَرامٌ، وإنَّما ذَكَرَ المَيْسِرَ مِن بَيْنِهِ، وجَعَلَ كُلَّهُ قِياسًا عَلى المَيْسِرِ، والمَيْسِرُ إنَّما يَكُونُ قِمارًا في الجُزُرِ خاصَّةً. فَأمّا المَيْسِرُ؛ فَقالَ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ عُمَرَ، والحَسَنُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ في آَخَرِينَ: هو القِمارُ. قالَ ابُنُ قُتَيْبَةَ: يُقالُ: يَسَرْتُ: إذا ضَرَبْتُ بِالقِداحِ، ويُقالُ لِلضّارِبِ بِالقِداحِ: ياسِرٌ وياسِرُونَ. ويُسْرٌ وأيْسارٌ.
وَكانَ أصْحابُ الثَّرْوَةِ والأجْوادِ في الشِّتاءِ عِنْدَ شِدَّةِ الزَّمانِ وكَلْبِهِ يَنْحَرُونَ جَزُورًا، ويُجَزِّئُونَها أجْزاءً، ثُمَّ يَضْرِبُونَ عَلَيْها القِداحَ، فَإذا قَمَرَ القامِرُ، جَعَلَ ذَلِكَ لِذَوِي الحاجَةِ والمَسْكَنَةِ، وهو النَّفْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ اللَّهُ، وكانُوا يَتَمادَحُونَ بِأخْذِ القِداحِ، ويَتَسابُونَ بِتِرْكِها ويَعِيبُونَ مَن لا يُيْسِرُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ﴾ قَرَأ الأكْثَرُونَ "كَبِيرٌ" بِالباءِ، وقَرَأ حَمْزَةُ والكِسائِيُّ بِالثّاءِ.
وَفِي إثْمِ الخَمْرِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ شُرْبَها يُنْقِصُ الدِّينَ. قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ إذا شَرِبَ سَكِرَ وآَذى النّاسَ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. والثّالِثُ: أنَّهُ وُقُوعُ العَداوَةِ والبَغْضاءِ وتَغْطِيَةِ العَقْلِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ التَّمْيِيزُ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
وَفِي إثْمِ المَيْسِرِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَشْغَلُ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وعَنِ الصَّلاةِ، ويُوقِعُ العَداوَةَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: أنَّهُ يَدْعُوا إلى الظُّلْمِ ومَنعِ الحَقِّ، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ وجائِزٌ أنْ يُرادَ جَمِيعُ ذَلِكَ.
(p-٢٤١)وَأمّا مَنافِعُ الخَمْرِ؛ فَمِن وجْهَيْنِ: أحَدُهُما: الرِّبْحُ في بَيْعِها. والثّانِي: انْتِفاعُ الأبْدانِ مَعَ التِذاذِ النُّفُوسِ. وأمّا مَنافِعُ المَيْسِرِ: فَإصابَةُ الرَّجُلِ المالَ مِن غَيْرِ تَعَبٍ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ مَعْناهُ: وإثْمُهُما بَعْدَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، والضَّحّاكُ، ومُقاتِلٌ. والثّانِي: وإثْمُهُما قَبْلَ التَّحْرِيمِ أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما قَبْلَ التَّحْرِيمِ، أيْضًا لِأنَّ الإثْمَ الَّذِي يَحْدُثُ في أسْبابِهِا أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما. وهَذا مَنقُولٌ عَنِ ابْنِ جُبَيْرٍ أيْضًا. واخْتَلَفُوا بِماذا كانَتِ الخَمْرَةُ مُباحَةً؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: بِقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَمِن ثَمَراتِ النَّخِيلِ والأعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنهُ سَكَرًا﴾ [ النَّحْلِ: ٦٧ ] . قالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ. والثّانِي: بِالشَّرِيعَةِ الاُولى، وأقَرَّ المُسْلِمُونَ عَلى ذَلِكَ حَتّى حُرِّمَتْ.
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ العُلَماءُ: هَلْ لِهَذِهِ الآَيَةِ تَأْثِيرٌ في تَحْرِيمِ الخَمْرِ أمْ لا؟ عَلى قَوْلَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّها تَقْتَضِي ذَمَّها دُونَ تَحْرِيمِها، رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وبِهِ قالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، ومُجاهِدٌ، وقَتادَةُ، ومُقاتِلٌ. وعَلى هَذا القَوْلِ تَكُونُ هَذِهِ الآَيَةُ مَنسُوخَةً.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّ لَها تَأْثِيرًا في التَّحْرِيمِ، وهو أنَّ اللَّهَ تَعالى أخْبَرَ أنَّ فِيها إثْمًا كَبِيرًا والإثْمُ كُلُّهُ مُحَرَّمٌ بِقَوْلِهِ: ﴿والإثْمَ والبَغْيَ﴾ [ الأعْرافِ: ٣٣ ] . هَذا قَوْلُ جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ، وحَكاهُ الزَّجّاجُ، واخْتارَهُ القاضِي أبُو يَعْلى لِلْعِلَّةِ الَّتِي بَيَّنّاها، واحْتَجَّ لِصِحَّتِهِ بَعْضُ أهْلِ المَعانِي، فَقالَ: لَمّا قالَ اللَّهُ تَعالى: ﴿قُلْ فِيهِما إثْمٌ كَبِيرٌ ومَنافِعُ لِلنّاسِ﴾؛ وقَعَ التَّساوِي بَيْنَ الأمْرَيْنِ، فَلَمّا قالَ: ﴿وَإثْمُهُما أكْبَرُ مِن نَفْعِهِما﴾ صارَ الغالِبُ الإثْمَ، وبَقِيَ النَّفْعُ مُسْتَغْرِقًا في جَنْبِ الإثْمِ، فَعادَ الحُكْمُ لِلْغالِبِ المُسْتَغْرِقِ، فَغَلَبَ جانِبُ الخَطَرِ.
(p-٢٤٢)* فَصْلٌ
فَأمّا المَيْسِرُ؛ فالقَوْلُ فِيهِ مِثْلُ القَوْلِ في الخَمْرِ، إنْ قُلْنا: إنَّ هَذِهِ الآَيَةَ دَلَّتْ عَلى التَّحْرِيمِ، فالمَيْسِرُ حُكْمُها حَرامٌ أيْضًا، وإنْ قُلْنا: إنَّها دَلَّتْ عَلى الكَراهَةِ؛ فَأقْوَمُ الأقْوالِ أنْ نَقُولَ: إنَّ الآَيَةَ الَّتِي في المائِدَةِ نَصَّتْ عَلى تَحْرِيمِ المَيْسِرِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ ماذا يُنْفِقُونَ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: إنَّ الَّذِي سَألَهُ عَنْ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الجَمُوحِ: قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: والمُرادُ بِالنَّفَقَةِ هاهُنا: الصَّدَقَةُ والعَطاءُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلِ العَفْوَ﴾ قَرَأ أبُو عَمْرٍو بِرَفْعُ واوَ "العَفْوَ" وقَرَأ الباقُونَ بِنَصْبِها، قالَ أبُو عَلِيٍّ: "ماذا" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، فَجَوابُهُ العَفْوَ بِالنَّصْبِ، كَما تَقُولُ في جَوابِ. ماذا أنْفَقْتَ؟ أيْ: أنْفَقْتُ دِرْهَمًا. هَذا وجْهُ نَصْبِ العَفْوِ. ومَن رَفَعَ جَعَلَ "ذا" بِمَنزِلَةِ الَّذِي، ولَمْ يَجْعَلْ "ماذا" اسْمًا واحِدًا، فَإذا قالَ قائِلٌ: ماذا أنْزَلَ رَبُّكُمْ؛ فَكَأنَّهُ قالَ: ما الَّذِي أنْزَلَ رَبُّكُمْ؛ فَجَوابُهُ: قُرْآَنٌ. قالَ الزَّجّاجُ: "العَفْوُ" في اللُّغَةِ: الكَثْرَةُ والفَضْلُ، يُقالُ: قَدْ عَفا القَوْمُ: إذا كَثُرُوا. و"العَفْوُ" ما أتى بِغَيْرِ كُلْفَةٍ. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: العَفْوُ: المَيْسُورُ. يُقالُ: خُذْ ما عَفاكَ: أيْ: ما أتاكَ سَهْلًا بِلا إكْراهٍ ولا مَشَقَّةٍ.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ في المُرادِ بِالعَفْوِ هاهُنا خَمْسَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ ما يَفْضُلُ عَنْ حاجَةِ المَرْءِ وعِيالِهِ، رَواهُ مِقْسَمٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: ما تَطِيبُ بِهِ أنْفُسُهم مِن قَلِيلٍ وكَثِيرٍ، رَواهُ عَطِيَّةُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: أنَّهُ القَصْدُ بَيْنَ الإسْرافِ والإقْتارِ، قالَهُ الحَسَنُ، وعَطاءٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. والرّابِعُ: أنَّهُ الصَّدَقَةُ المَفْرُوضَةُ، قالَهُ مُجاهِدٌ. والخامِسُ: أنَّهُ ما لا يَتَبَيَّنُ عَلَيْهِمْ مِقْدارُهُ، مِن قَوْلِهِمْ: عَفا الأثَرُ إذا خَفِيَ ودُرِسَ، حَكاهُ شَيْخُنا عَنْ طائِفَةٍ مِنَ المُفَسِّرِينَ.
(p-٢٤٣)* فَصْلٌ
وَقَدْ تَكَلَّمَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَرَوى السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ أنَّها نُسِخَتْ بِالزَّكاةِ، وأبى نَسْخُها آَخَرُونَ. وفَصْلُ الخِطابِ في ذَلِكَ أنّا مَتى قُلْنا: إنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الآَيَةِ التَّصَدُّقُ بِفاضِلِ المالِ، أوْ قُلْنا: إنَّهُ أُوجَبَتْ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الآَيَةُ صَدَقَةً قَبْلَ الزَّكاةِ، فالآَيَةُ مَنسُوخَةٌ بِآَيَةِ الزَّكاةِ، ومَتى قُلْنا: إنَّها مَحْمُولَةٌ عَلى الزَّكاةِ المَفْرُوضَةِ كَما قالَ مُجاهِدٌ، أوْ عَلى الصَّدَقَةِ المَندُوبِ إلَيْها، فَهي مُحْكَمَةٌ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ﴾ قالَ الزَّجّاجُ: إنَّما قالَ كَذَلِكَ، وهو يُخاطِبُ جَماعَةً، لِأنَّ الجَماعَةَ مَعْناها: القَبِيلُ، كَأنَّهُ قالَ: كَذَلِكَ يا أيُّها القَبِيلُ. وجائِزٌ أنْ تَكُونَ الكافُ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، كَأنَّهُ قالَ: كَذَلِكَ يا أيُّها النَّبِيُّ، لِأنَّ الخِطابَ لَهُ مُشْتَمِلٌ عَلى خِطابِ أُمَّتِهِ. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: الكافُ في "كَذَلِكَ" إشارَةٌ إلى ما بَيْنَ مِنَ الإنْفاقِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِثْلُ ذَلِكَ الَّذِي بَيَّنَهُ لَكم في الإنْفاقِ يُبَيِّنُ الآَياتِ. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ "كَذَلِكَ" غَيْرُ إشارَةٍ إلى ما قَبْلَهُ، فَيَكُونُ مَعْناهُ: هَكَذا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. ﴿لَعَلَّكم تَتَفَكَّرُونَ﴾ ﴿فِي الدُّنْيا والآخِرَةِ﴾ فَتَعْرِفُونَ فَضْلَ ما بَيْنَهُما، فَتَعْمَلُونَ لِلْباقِي مِنهُما.
2:220Страница 35
فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠
над этим миром и Последней жизнью. Они спрашивают тебя о сиротах. Скажи: «Делать им добро - хорошо. Если вы объедините свои дела, то ведь они - ваши братья. Аллах отличает распространяющего нечестие от творящего добро. Если бы Аллах захотел, то поставил бы вас в затруднительное положение. Воистину, Аллах - Могущественный, Мудрый».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ اليَتامى﴾ في سَبَبِ نُزُولِها قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ لَمّا أنْزَلَ اللَّهُ تَعالى: ﴿وَلا تَقْرَبُوا مالَ اليَتِيمِ إلا بِالَّتِي هي أحْسَنُ﴾ [ الإسْراءِ: ٣٤ ] و ﴿إنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أمْوالَ اليَتامى ظُلْمًا﴾ [ النِّساءِ: ٩ ] انْطَلَقَ مَن كانَ عِنْدَهُ مالُ يَتِيمٍ، فَعَزَلَ طَعامَهُ مِن طَعامِهِ، وشَرابَهُ مِن شَرابِهِ، فَجَعَلَ يُفَضِلُ الشَّيْءَ مِن طَعامِهِ فَيَحْبِسُ لَهُ حَتّى (p-٢٤٤)يَأْكُلُهُ أوْ يُفْسَدُ. فاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوهُ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، وعَطاءٍ، وسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، وقَتادَةَ، ومُقاتِلٍ. والثّانِي: «أنَّ العَرَبَ كانُوا يُشَدِّدُونَ في أمْرِ اليَتِيمِ حَتّى لا يَأْكُلُونَ مَعَهُ في قَصْعَتِهِ، ولا يَسْتَخْدِمُونَ لَهُ خادِمًا. فَسَألُوا النَّبِيَّ، ﷺ، عَنْ مُخالَطَتِهِمْ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ،» ذَكَرَهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ، وهو قَوْلُ الضَّحّاكِ.
وَفِي السّائِلِينَ لِلنَّبِيِّ، ﷺ، عَنْ ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ الَّذِي سَألَهُ ثابِتُ بْنُ رِفاعَةَ الأنْصارِيُّ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والثّانِي: عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَواحَةَ، قالَهُ أبُو سُلَيْمانَ الدِّمَشْقِيُّ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿قُلْ إصْلاحٌ لَهم خَيْرٌ﴾ قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَعْناهُ: تَثْمِيرُ أمْوالِهِمْ، والتَّنَزُّهُ عَنْ أكْلِها لِمَن ولِيَها خَيْرٌ. ﴿وَإنْ تُخالِطُوهم فَإخْوانُكُمْ﴾ أيْ: فَهم إخْوانُكم، في ذَلِكَ حُكْمٌ إخْوانِكم. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: والمُخالَطَةُ: أنْ يَشْرَبَ مِن لَبَنِكَ، وتَشْرَبَ مِن لَبَنِهِ، ويَأْكُلَ في قَصْعَتِكَ، وتَأْكُلَ في قَصْعَتِهِ. ﴿واللَّهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾ يُرِيدُ: المُتَعَمِّدَ. أكْلَ مالِ اليَتِيمِ، مِنَ المُنْحَرِجِ الَّذِي لا يَأْلُو إلّا الإصْلاحَ. ﴿وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أيْ لَأحْرَجَكم، ولَضَيَّقَ عَلَيْكم. وقالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: أصْلُ العَنَتِ: التَّشْدِيدُ. تَقُولُ العَرَبُ: فُلانٌ يَتَعَنَّتُ فُلانًا ويُعَنِّتُهُ، أيْ: يُشَدِّدُ عَلَيْهِ، ويُلْزِمُهُ بِما يَصْعُبُ عَلَيْهِ أداؤُهُ [قالَ: ثُمَّ نُقِلَتْ إلى مَعْنى الهَلاكِ ] واشْتِقاقُ الحَرْفِ، مِن قَوْلِ العَرَبِ: أكَمَةٌ عَنُوتٌ: إذا كانَتْ شَدِيدَةً شاقَّةً [المَصْعَدِ ]، فَجُعِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ مُسْتَعْمَلَةً في كُلِّ شِدَّةٍ.
2:221Страница 35
وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١
Не женитесь на язычницах, пока они не уверуют. Безусловно, верующая невольница лучше язычницы, даже если она понравилась вам. Не выдавайте мусульманок замуж за язычников, пока они не уверуют. Безусловно, верующий невольник лучше язычника, даже если он понравился вам. Они зовут к Огню, а Аллах зовет к Раю и прощению со Своего соизволения. Он разъясняет людям Свои знамения, - быть может, они помянут назидание.
أحَدُهُما: «أنَّ رَجُلًا يُقالُ لَهُ: مِرْثَدُ بْنُ أبِي مِرْثَدٍ بَعَثَهُ النَّبِيُّ، ﷺ، إلى مَكَّةَ لِيُخْرِجَ ناسًا مِنَ المُسْلِمِينَ بِها أسْرى، فَلَمّا قَدِمَها سَمِعَتْ بِهِ امْرَأةٌ يُقالُ لَها: عِناقُ، وكانَتْ خَلِيلَةً لَهُ في الجاهِلِيَّةِ، فَلَمّا أسْلَمَ أعْرَضَ عَنْها، فَأتَتْهُ فَقالَتْ: ويْحَكَ يا مِرْثَدُ: ألا تَخْلُو؟ فَقالَ: إنَّ الإسْلامَ قَدْ حالَ بَيْنِي وبَيْنَكَ، ولَكِنْ إنْ شِئْتَ تَزَوَّجْتُكَ، إذا رَجَعْتَ إلى رَسُولِ اللَّهِ، ﷺ، اسْتَأْذَنْتَهُ في ذَلِكَ، فَقالَتْ لَهُ: أبِي تَتَبَرَّمُ؟! واسْتَغاثَتْ عَلَيْهِ، فَضَرَبُوهُ ضَرْبًا شَدِيدًا، ثُمَّ خَلُّوا سَبِيلَهُ، فَلَمّا قَضى حاجَتَهُ بِمَكَّةَ رَجَعَ إلى النَّبِيِّ، ﷺ، فَسَألَهُ: أتُحِلُّ لِي أنْ أتَزَوَّجَها؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» هَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ. وذَكَرَ مُقاتِلُ بْنُ سُلَيْمانَ أنَّهُ أبُو مِرْثَدٍ الغَنَوِيُّ.
والثّانِي: «أنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَواحَةَ كانَتْ لَهُ أمَةٌ سَوْداءُ، وأنَّهُ غَضِبَ عَلَيْها فَلَطَمَها، ثُمَّ فَزِعَ، فَأتى النَّبِيَّ، ﷺ، فَأُخْبَرَهُ خَبَرَها؛ [فَقالَ لَهُ النَّبِيُّ ﷺ: "ما هي يا عَبْدَ اللَّهِ" ] فَقالَ: (p-٢٤٦)يا رَسُولَ اللَّهِ: هي تَصُومُ وتُصَلِّي وتُحْسِنُ الوُضُوءَ، وتَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلّا اللَّهُ، وأنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ، فَقالَ: "يا عَبْدَ اللَّهِ: هَذِهِ مُؤْمِنَةٌ" . فَقالَ: والَّذِي بَعَثَكَ بِالحَقِّ لَأُعْتِقَنَّها ولَأتَزَوَّجَنَّها فَفَعَلَ، فَعابَهُ ناسٌ مِنَ المُسْلِمِينَ، وقالُوا: أنَكَحَ أمَةً، وكانُوا يَرْغَبُونَ في نِكاحِ المُشْرِكاتِ رَغْبَةً في أحْسابِهِنَّ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ السُّدِّيُّ عَنْ أشْياخِهِ. وقَدْ ذَكَرَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ أنَّ قِصَّةَ عِناقٍ وأبا مِرْثَدٍ كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تَنْكِحُوا المُشْرِكاتِ حَتّى يُؤْمِنَّ﴾ وقِصَّةُ ابْنِ رَواحَةَ كانَتْ سَبَبًا لِنُزُولِ قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلأمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِن مُشْرِكَةٍ﴾ .
فَأمّا التَّفْسِيرُ، فَقالَ المُفَضَّلُ: أصْلُ النِّكاحِ: الجِماعُ، ثُمَّ كَثُرَ ذَلِكَ حَتّى قِيلَ لِلْعَقْدِ: نِكاحٌ. وقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ نِكاحَ المُشْرِكاتِ عَقْدًا ووَطْءً.
وَفِي "المُشْرِكاتِ" هاهُنا قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ يَعُمُّ الكِتابِيّاتِ وغَيْرِهِنَّ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ. والثّانِي: أنَّهُ خاصٌّ في الوَثَنِيّاتِ، وهو قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ، والنَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ.
وَفِي المُرادِ بِالأمَةِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّها المَمْلُوكَةُ، وهو قَوْلُ الأكْثَرِينَ، فَيَكُونُ المَعْنى: ولَنِكاحُ أمَةٍ مُؤْمِنَةٍ خَيْرٌ مِن نِكاحِ حُرَّةٍ مُشْرِكَةٍ. والثّانِي: أنَّها المَرْأةُ، وإنْ لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً، كَما يُقالُ: هَذِهِ أمَةُ اللَّهِ، وهَذا قَوْلُ الضَّحّاكِ، والأوَّلُ أصَحُّ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿وَلَوْ أعْجَبَتْكُمْ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: بِجَمالِها وحُسْنِها. والثّانِي: بِحَسَبِها ونَسَبِها.
فَصْلٌ
اخْتَلَفَ عُلَماءُ النّاسِخِ والمَنسُوخِ في هَذِهِ الآَيَةِ، فَقالَ القائِلُونَ بِأنَّ المُشْرِكاتِ الوَثَنِيّاتِ: هي مُحْكَمَةٌ، وزَعَمَ بَعْضُ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ أنَّ اليَهُودَ والنَّصارى لَيْسُوا بِمُشْرِكِينَ بِاللَّهِ، وإنَّ جَحَدُوا بِنُبُوَّةِ نَبِيِّنا. قالَ شَيْخُنا: وهو قَوْلٌ فاسِدٌ مِن وجْهَيْنِ. أحَدُهُما: أنَّ حَقِيقَةَ الشِّرْكِ ثابِتَةٌ في حَقِّهِمْ حَيْثُ قالُوا: عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ، والمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ. والثّانِي: أنَّ كُفْرَهم بِمُحَمَّدٍ ﷺ، يُوجِبُ أنْ يَقُولُوا: إنَّ ما جاءَ بِهِ لَيْسَ مِن عِنْدِ اللَّهِ، وإضافَةُ ذَلِكَ إلى (p-٢٤٧)غَيْرِ اللَّهِ شِرْكٌ. فَأمّا القائِلُونَ بِأنَّها عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، فَلَهم في ذَلِكَ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ بَعْضَ حُكْمِها مَنسُوخٌ بِقَوْلِهِ: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [ المائِدَةِ: ٦ ] وبَقِيَ الحُكْمُ في غَيْرِ أهْلِ الكِتابِ مُحْكَمًا. والثّانِي: أنَّها لَيْسَتْ مَنسُوخَةً، ولا ناسِخَةً، بَلْ هي عامَّةٌ في جَمِيعِ المُشْرِكاتِ، وما أُخْرِجَ عَنْ عُمُومِها مِن إباحَةِ كافِرَةٍ؛ فَلِدَلِيلٍ خاصٍّ، وهو قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الكِتابَ مِنَ قَبْلِكُمْ﴾ [ المائِدَةِ: ٦ ]؛ فَهَذِهِ خَصَّصَتْ عُمُومَ تِلْكَ مِن غَيْرِ نَسْخٍ، وعَلى هَذا عامَّةُ الفُقَهاءِ. وقَدْ رُوِيَ مَعْناهُ عَنْ جَماعَةٍ مِنَ الصَّحابَةِ، مِنهم عُثْمانُ، وطَلْحَةُ، وحُذَيْفَةُ، وجابِرٌ، وابْنُ عَبّاسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَلا تُنْكِحُوا المُشْرِكِينَ﴾ أيْ: لا تُزَوِّجُوهم بِمُسْلِمَةٍ حَتّى يُؤْمِنُوا؛ والكَلامُ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ﴾ وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَلَوْ أعْجَبَكُمْ﴾ مِثْلُ الكَلامِ في أوَّلِ الآَيَةِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿واللَّهُ يَدْعُو إلى الجَنَّةِ والمَغْفِرَةِ بِإذْنِهِ﴾؛ قَرَأ الجُمْهُورُ بِخَفْضِ "المَغْفِرَةِ" وقَرَأ الحَسَنُ، والقَزّازُ، عَنْ أبِي عَمْرٍو، بِرَفْعِها.
2:222Страница 35
وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢
Они спрашивают тебя о менструациях. Скажи: «Они причиняют страдания. Посему избегайте половой близости с женщинами во время менструаций и не приближайтесь к ним, пока они не очистятся. А когда они очистятся, то приходите к ним так, как повелел вам Аллах. Воистину, Аллах любит кающихся и любит очищающихся».
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَيَسْألُونَكَ عَنِ المَحِيضِ﴾ رَوى ثابِتٌ عَنْ أنَسٍ قالَ: «كانَتِ اليَهُودُ إذا حاضَتِ المَرْأةُ مِنهُنَّ لَمْ يُؤاكِلُوها، ولَمْ يُشارِبُوها، ولَمْ يُجامِعُوها في البُيُوتِ، فَسُئِلَ النَّبِيُّ ﷺ، عَنْ ذَلِكَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ، فَأمَرَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ، أنْ يُؤاكِلُوهُنَّ ويُشارِبُوهُنَّ ويَكُونُوا مَعَهُنَّ في البُيُوتِ، وأنْ يَفْعَلُوا كُلَّ شَيْءٍ ما عَدا النِّكاحَ.» وقالَ ابْنُ عَبّاسٍ: «جاءَ (p-٢٤٨)رَجُلٌ يُقالُ: لَهُ ابْنُ الدَّحْداحَةِ، مِنَ الأنْصارِ، إلى النَّبِيِّ ﷺ فَقالَ: كَيْفَ نَصْنَعُ بِالنِّساءِ إذا حَضَنَّ؟ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» وفي المَحِيضِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّهُ اسْمٌ لِلْحَيْضِ، قالَ الزَّجّاجُ: يُقالُ: قَدْ حاضَتِ المَرْأةُ تَحِيضُ حَيْضًا ومَحاضًا ومَحِيضًا. وقالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: المَحِيضُ: الحَيْضُ. والثّانِي: أنَّهُ اسْمٌ لِمَوْضِعِ الحَيْضِ، كالمَقِيلِ، فَإنَّهُ مَوْضِعُ القَيْلُولَةِ، والمَبِيتُ مَوْضِعُ البَيْتُوتَةِ. وذَكَرَ القاضِي أبُو يَعْلى أنَّ هَذا ظاهِرُ كَلامِ أحْمَدَ. فَأمّا أرْبابُ القَوْلِ الأوَّلِ؛ فَأكَّدُوهُ بِأنَّ في اللَّفْظِ ما يَدُلُّ عَلى قَوْلِهِمْ، وهو أنَّهُ وصَفَهُ بِالأذى، وذَلِكَ صِفَةٌ لِتَفْسِيرِ الحَيْضِ، لا لِمَكانِهِ. وأمّا أرْبابُ القَوْلِ الثّانِي، فَقالُوا: لا يَمْتَنِعُ أنْ يَكُونَ المَحِيضُ صِفَةً لِلْمَوْضِعِ، ثُمَّ وصَفَهُ بِما قارَبَهُ وجاوَرَهُ، كالعَقِيقَةِ، فَإنَّها اسْمٌ لِشَعْرِ الصَّبِيِّ، وسُمِّيَتْ بِها الشّاةُ الَّتِي تُذْبَحُ عِنْدَ حَلْقِ رَأْسِهِ مَجازًا. والرِّوايَةُ: اسْمٌ لِلْجَمَلِ، وسُمِّيَتِ المَزادَةُ راوِيَةً مَجازًا. والأذى يَحْصُلُ لِلْواطِئِ بِالنَّجاسَةِ، ونَتْنِ الرِّيحِ. وقِيلَ: يُورِثُ جِماعُ الحائِضِ عِلَّةً بِالغَةً في الألَمِ. ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ في المَحِيضِ﴾ المُرادُ بِهِ اعْتِزالُ الوَطْءِ في الفَرَجِ، لِأنَّ المَحِيضَ نَفْسُ الدَّمِ أوْ نَفْسُ الفَرَجِ ﴿وَلا تَقْرَبُوهُنَّ﴾ أيْ: لا تَقْرَبُوا جِماعَهُنَّ، وهو تَأْكِيدٌ لِقَوْلِهِ: ﴿فاعْتَزِلُوا النِّساءَ﴾
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿حَتّى يَطْهُرْنَ﴾ قَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، ونافِعٌ، وأبُو عَمْرٍو، وابْنُ عامِرٍ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ (حَتّى يَطْهُرْنَ) خَفِيفَةً. وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وخَلَفٌ، وأبُو بَكْرٍ، عَنْ عاصِمٍ (يَطَّهَّرْنَ) بِتَشْدِيدِ الطّاءِ والهاءِ وفَتْحِهِما. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: يَطْهُرْنَ: يَنْقَطِعُ عَنْهُنَّ الدَّمُ، يُقالُ: طَهَرَتِ المَرْأةُ وطَهُرَتْ: إذا رَأتِ الطَّهْرَ، وإنْ لَمْ تَغْتَسِلْ بِالماءِ. ومَن قَرَأ "يَطَّهَّرْنَ" (p-٢٤٩)بِالتَّشْدِيدِ أرادَ: يَغْتَسِلْنَ بِالماءِ. والأصْلُ يَتَطَهَّرْنَ، فَأُدْغِمَتِ التّاءُ في الطّاءِ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ ومُجاهِدٌ: حَتّى يَطْهُرْنَ مِنَ الدَّمِ، فَإذا تَطَهَّرْنَ اغْتَسَلْنَ بِالماءِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَأْتُوهُنَّ﴾ إباحَةً مِن حَظَرٍ، لا عَلى الوُجُوبِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: مِن قَبْلِ الطُّهْرِ، لا مِن قَبْلِ الحَيْضِ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، وأبُو رَزِينٍ، وقَتادَةُ، والسُّدِّيُّ في آَخَرِينَ.
والثّانِي: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوهُنَّ مِن حَيْثُ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ لا تَقْرَبُوهُنَّ فِيهِ، وهو مَحَلُّ الحَيْضِ، قالَهُ مُجاهِدٌ. وقالَ مَن نَصَرَ هَذا القَوْلَ: إنَّما قالَ: ﴿أمَرَكُمُ اللَّهُ﴾ والمَعْنى: نَهاكم، لِأنَّ النَّهْيَ أمْرٌ بِتَرْكِ المَنهِيِّ عَنْهُ و"مَن" بِمَعْنى: "فِي": كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿إذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِن يَوْمِ الجُمُعَةِ﴾ [ الجُمْعَةِ: ٩ ] .
والثّالِثُ: فَأْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ التَّزْوِيجِ الحَلالِ، لا مِن قَبْلِ الفُجُورِ، قالَهُ ابْنُ الحَنَفِيَّةِ. والرّابِعُ: أنَّ مَعْناهُ: فَأْتُوهُنَّ مِنَ الجِهاتِ الَّتِي يَحِلُّ أنْ تُقْرَبَ فِيها المَرْأةُ، ولا تَقْرَبُوهُنَّ مِن حَيْثُ لا يَنْبَغِي مِثْلَ أنْ كُنَّ صائِماتٍ أوْ مُعْتَكِفاتٍ أوْ مُحْرِماتٍ. وهَذا قَوْلُ الزَّجّاجِ، وابْنُ كَيْسانَ. وفي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوّابِينَ﴾ قَوْلانِ. أحَدُهُما: التَّوّابِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ في آَخَرِينَ. والثّانِي: التَّوّابِينَ مِن إتْيانِ الحَيْضِ، ذَكَرَهُ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَيُحِبُّ المُتَطَهِّرِينَ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: المُتَطَهِّرِينَ مِنَ الذُّنُوبِ، قالَهُ مُجاهِدٌ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وأبُو العالِيَةِ. والثّانِي: المُتَطَهِّرِينَ بِالماءِ، قالَهُ عَطاءٌ. والثّالِثُ: المُتَطَهِّرِينَ مِن إتْيانِ أدْبارِ النِّساءِ. رُوِيَ عَنْ مُجاهِدٍ.
(p-٢٥٠)* فَصْلٌ
أقَلُّ الحَيْضِ يَوْمٌ ولَيْلَةٌ في إحْدى الرِّوايَتَيْنِ عَنْ أحْمَدَ. والثّانِيَةُ: يَوْمٌ. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أقَلُّهُ ثَلاثَةُ أيّامٍ. وقالَ مالِكٌ وداوُدُ: لَيْسَ لِأقَلِّهِ حَدٌّ. وفي أكْثَرِهِ رِوايَتانِ عَنْ أحْمَدَ. إحْداهُما: خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا، وهو قَوْلُ مالِكٍ والشّافِعِيِّ. والثّانِيَةُ سَبْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا. وقالَ أبُو حَنِيفَةَ: أكْثَرُهُ عَشَرَةُ أيّامٍ.
والحَيْضُ مانِعٌ مِن عَشْرَةِ أشْياءَ: فِعْلُ الصَّلاةِ، ووُجُوبُها، وفِعْلُ الصَّوْمِ دُونَ وُجُوبِهِ، والجُلُوسُ في المَسْجِدِ، والِاعْتِكافُ، والطَّوافُ، وقِراءَةُ القُرْآَنِ، وحَمْلُ المُصْحَفِ، والِاسْتِمْتاعُ في الفَرْجِ، وحُصُولُ نِيَّةِ الطَّلاقِ.
2:223Страница 35
نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣
Ваши жены являются пашней для вас. Приходите же на вашу пашню, когда и как пожелаете. Готовьте для себя добрые деяния, бойтесь Аллаха и знайте, что вы встретитесь с Ним. Обрадуй же верующих!
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿نِساؤُكم حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في سَبَبِ نُزُولِها ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّ اليَهُودَ أنْكَرَتْ جَوازَ إتْيانِ المَرْأةِ إلّا مِن بَيْنِ يَدَيْها، وعابَتْ مَن يَأْتِيها عَلى غَيْرِ تِلْكَ الصِّفَةِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ. رُوِيَ عَنْ جابِرٍ، والحَسَنِ، وقَتادَةَ. والثّانِي: «أنَّ حَيًّا مِن قُرَيْشٍ كانُوا يَتَزَوَّجُونَ النِّساءَ بِمَكَّةَ، ويَتَلَذَّذُونَ بِهِنَّ مُقْبِلاتٍ ومُدْبِراتٍ، فَلَمّا قَدِمُوا المَدِينَةَ، تَزَوَّجُوا مِنَ الأنْصارِ، فَذَهَبُوا لِيَفْعَلُوا ذَلِكَ، فَأنْكَرْنَهُ، وانْتَهى الحَدِيثُ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ مُجاهِدٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: «أنَّ عُمَرَ بْنَ الخَطّابِ جاءَ إلى النَّبِيِّ ﷺ، فَقالَ: هَلَكْتُ، حَوَّلْتُ رَحْلِيَ اللَّيْلَةَ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآَيَةُ.» رَواهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ (p-٢٥١)عَبّاسٍ. والحَرْثُ: المُزْدَرَعُ، وكَنّى بِهِ هاهُنا عَنِ الجِماعِ، فَسَمّاهُنَّ حَرْثًا، لِأنَّهُنَّ مُزْدَرَعُ الأوْلادِ، كالأرْضِ لِلزَّرْعِ، فَإنْ قِيلَ: النِّساءُ جَمْعٌ، فَلِمَ لَمْ يَقُلْ: حَرُوثٌ؟ فَعَنْهُ ثَلاثَةُ أجْوِبَةٍ، ذِكَرَها ابْنُ القاسِمِ الأنْبارِيِّ النَّحْوِيِّ. أحَدُها: أنْ يَكُونَ الحَرْثُ مَصْدَرًا في مَوْضِعِ الجَمْعِ، فَلَزِمَهُ التَّوْحِيدُ، كَما تَقُولُ العَرَبُ: إخْوَتُكَ صَوْمٌ، وأوْلادُكَ فِطْرٌ، يُرِيدُونَ: صائِمِينَ ومُفْطِرِينَ، فَيُؤَدِّي المَصْدَرُ بِتَوْحِيدِهِ عَنِ اللَّفْظِ المَجْمُوعِ. والثّانِي: أنْ يَكُونَ أرادَ حَرُوثٌ لَكم، فاكْتَفى بِالواحِدِ مِنَ الجَمْعِ، كَما قالَ الشّاعِرُ:
؎ كُلُوا في نِصْفِ بُطُونِكم تَعِيشُوا
أيْ: في أنْصافِ بُطُونِكم. والثّالِثُ: أنَّهُ إنَّما وحَّدَ الحَرْثَ، لِأنَّ النِّساءَ شُبِّهْنَ بِهِ، ولَسْنَ مِن جِنْسِهِ، والمَعْنى: نِساؤُكم مِثْلُ حَرُوثٍ لَكم.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿أنّى شِئْتُمْ﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ.
أحَدُها: أنَّهُ بِمَعْنى: كَيْفَ شِئْتُمْ، ثُمَّ فِيهِ قَوْلانِ. أحَدُهُما: أنَّ المَعْنى: كَيْفَ شِئْتُمْ، مُقْبِلَةً أوْ مُدْبِرَةً، وعَلى كُلِّ حالٍ، إذا كانَ الإتْيانُ في الفَرَجِ. وهَذا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، وعَطِيَّةَ، والسُّدِّيُّ، وابْنِ قُتَيْبَةَ في آَخَرِينَ. والثّانِي: أنَّها نَزَلَتْ في العَزْلِ. قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيِّبِ، فَيَكُونُ المَعْنى: إنْ شِئْتُمْ فاعْزِلُوا، وإنْ شِئْتُمْ فَلا تَعْزِلُوا.
(p-٢٥٢)والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ بِمَعْنى: إنْ شِئْتُمْ، ومَتى شِئْتُمْ وهو قَوْلُ ابْنِ الحَنَفِيَّةِ والضَّحّاكِ، ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ أيْضًا. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى: حَيْثُ شِئْتُمْ، وهَذا مَحْكِيٌّ عَنِ ابْنِ عُمَرَ ومالِكِ بْنِ أنَسٍ، وهو فاسِدٌ مِن وُجُوهٍ، أحَدُها: أنَّ سالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ لَمّا بَلَغَهُ أنَّ نافِعًا تَحَدَّثَ بِذَلِكَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ، قالَ: كَذَبَ العَبْدُ، إنَّما قالَ عَبْدُ اللَّهِ: يُؤْتُونَ في فُرُوجِهِنَّ مِن أدْبارِهِنَّ. وأمّا أصْحابُ مالِكٍ، فَإنَّهم يُنْكِرُونَ صِحَّتَهُ عَنْ مالِكٍ، والثّانِي: أنَّ أبا هُرَيْرَةَ رَوى عَنِ النَّبِيِّ، ﷺ، أنَّهُ قالَ: « "مَلْعُونٌ مَن أتى النِّساءَ في أدْبارِهِنَّ"» فَدَلَّ عَلى أنَّ الآَيَةَ لا يُرادُ بِها هَذا.
والثّالِثُ: أنَّ الآَيَةَ نَبَّهَتْ عَلى أنَّهُ مَحَلُّ الوَلَدِ بِقَوْلِهِ: ﴿فَأْتُوا حَرْثَكُمْ﴾ ومَوْضِعُ الزَّرْعِ: هو مَكانُ الوَلَدِ، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ: لَمّا نَصَّ اللَّهُ عَلى ذِكْرِ الحَرْثِ، والحَرْثُ بِهِ يَكُونُ النَّباتَ، والوَلَدُ مُشَبَّهٌ بِالنَّباتِ، لَمْ يُجِزْ أنْ يَقَعَ الوَطْءُ في مَحَلٍّ لا يَكُونُ مِنهُ ولَدٌ.
(p-٢٥٣). والرّابِعُ: أنَّ تَحْرِيمَ إتْيانِ الحائِضِ كانَ لِعِلَّةِ الأذى، والأذى مُلازِمٌ لِهَذا المَحَلِّ لا يُفارِقُهُ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَقَدِّمُوا لأنْفُسِكُمْ﴾ فِيهِ أرْبَعَةُ أقْوالٍ. أحَدُها: أنَّ مَعْناهُ: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم مِنَ العَمَلِ الصّالِحِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّانِي: وقَدِّمُوا التَّسْمِيَةَ عِنْدَ الجِماعِ، رَواهُ عَطاءٌ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ. والثّالِثُ: وقَدِّمُوا لِأنْفُسِكم في طَلَبِ الوَلَدِ، قالَهُ مُقاتِلٌ. والرّابِعُ: وقَدِّمُوا طاعَةَ اللَّهِ واتِّباعَ أمْرِهِ، قالَهُ الزَّجّاجُ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии