Ат-Тафсир аль-маъсур · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:127–128, продолжение
٥٠٩ علَّقَ ابن كثير (٢/٦٩-٧٠ بتصرف) على مرويات بناء الكعبة بقوله: «وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة؛ فقيل: الملائكة قبل آدم. وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة. وقيل: آدم ﵇. رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم، وهذا غريب أيضًا. وروي عن ابن عباس، وكعب الأحبار، وقتادة، وعن وهب بن منبه: أنّ أول من بناه شيث ﵇. وغالب مَن يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يُصَدَّق ولا يُكَذَّب ولا يُعْتَمَد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين».
﴿وَإِذۡ یَرۡفَعُ إِبۡرَ ٰهِـۧمُ ٱلۡقَوَاعِدَ مِنَ ٱلۡبَیۡتِ وَإِسۡمَـٰعِیلُ﴾ - آثار في بناء إبراهيم الكعبة
٣٨٩٧- عن عائشة، أنّ رسول الله ﷺ قال: «ألم تري إلى قومك حين بنوا الكعبة اقْتَصَرُوا عن قواعد إبراهيم؟». فقلت: يا رسول الله، ألا تَرُدُّها على قواعد إبراهيم؟ قال: «لولا حِدْثان قومك بالكفر». فقال ابن عمر: ما أرى رسول الله ﷺ ترك استلام الركنين اللذين يليان الحجر إلّا أن البيت لم يُتَمَّم على قواعد إبراهيم[[أخرجه البخاري ٢/١٦٤ (١٥٨٣)، ٤/١٤٦ (٣٣٦٨)، ٦/٢٠ (٤٤٨٤)، ومسلم ٢/٩٦٩ (١٣٣٣)، ٢/٩٧٢ (١٣٣٣).]]. (١/٧٠٧)
٣٨٩٨- عن علي بن أبي طالب -من طريق سعيد بن المسيب- قال: أقبل إبراهيمُ والمَلَكُ والسكينةُ والصُّرَدُ[[الصرد: طائر ضخم الرأس والمنقار له ريش عظيم نصفه أبيض ونصفه أسود. النهاية ٣/٢١.]] دليلًا حتى تَبَوَّأ البيتَ كما تَبَوَّأت العنكبوتُ بيتها، فحفر ما برز عن أُسِّها أمثال خَلِفِ الإبل، لا يُحَرِّك الصخرةَ إلا ثلاثون رجلًا، ثم قال الله لإبراهيم: قُمْ، فابنِ لي بيتًا. قال: يا رب، وأين؟ قال: سَنُرِيك. فبعث الله سحابة فيها رَأْسٌ يُكَلِّم إبراهيم، فقال: يا إبراهيم، إن ربك يأمرك أن تَخُطَّ قَدْرَ هذه السحابة. فجعل ينظر إليها، ويأخذ قدرها، فقال له الرأس: أقَدْ فَعَلْتَ؟ قال: نعم. قال: فارتفعت السحابة، فأُبرز عن أُسٍّ ثابِت من الأرض، فبناه إبراهيم ﵇[[أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/٢٧.]]. (١/٦٩١)
٣٨٩٩- قال عبد الله بن عباس: إنما بُنِي البيت من خمسة أجبل: طور سيناء، وطور زَيتا، ولبنان وهو جبل بالشام، والجُودِيّ وهو جبل بالجزيرة، وبَنَيا قواعدَه من حراء وهو جبل بمكة، فلَمّا انتهى إبراهيم إلى موضع الحجر الأسود قال لإسماعيل: ائْتِنِي بحجر حسن يكون للناس عَلَمًا. فأتاه بحجر، فقال: ائْتِنِي بأحسن من هذا. فمضى إسماعيلُ يطلبه، فصاح أبو قُبَيْس: يا إبراهيم، إنّ لك عندي ودِيعة فخُذْها. فأخذ الحجر الأسود، فوضعه مكانه[[تفسير البغوي ١/١٥٠.]]. (ز)
٣٩٠٠- عن قتادة بن دِعامة -من طريق مَعْمَر- في قوله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾، قال: وضع الله البيتَ مَعَ آدم حين أهْبَطَ اللهُ آدم إلى الأرض، وكان مهبطه بأرض الهند، وكان رأسه في السماء ورجلاه في الأرض، وكانت الملائكة تَهابُه، فنقص إلى ستين ذراعًا، فحَزِن آدم؛ إذ فقد أصواتَ الملائكة وتسبيحهم، فشكا ذلك إلى الله، فقال الله: يا آدم، إنِّي قد أهبطتُ لك بيتًا يُطاف به كما يُطاف حول عرشي، ويُصَلّى عنده كما يُصَلّى عند عرشي، فاخرج إليه. فخرج إليه آدم، ومد له في خطوه، فكان بين كل خطوتين مَفازَة، فلم تزل تلك المَفاوِزُ بعدُ على ذلك، وأتى آدم البيت فطاف به، ومَن بعده من الأنبياء.= (ز)
٣٩٠١- قال معمر: وأخبرني أبان: أنّ البيت أُهْبِط ياقوتة واحدة، أو دُرَّة واحدة.= (ز)
٣٩٠٢- قال معمر: وبلغني: أنّ سفينة نوح طافت بالبيت سبعًا، حتى إذا أغرق الله قوم نوح فُقِدَ[[كذا في مطبوعة الدر المنثور، وفي مطبوعة تفسير عبد الرزاق: رَفَعَه اللهُ. بدل: فُقِدَ.]]، وبَقِيَ أساسُه، فبَوَّأَه الله لإبراهيم، فبناه بعد ذلك، فذلك قول الله: ﴿وإذ بوأنا لإبراهيم مكان البيت﴾.= (ز)
٣٩٠٣- قال معمر: قال ابن جُرَيْج: قال ناس: أرسل الله سبحانه سحابة فيها رأس، فقال الرأس: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تأخذ قدْر هذه السحابة. فجعل ينظر إليها، ويخط قدْرها، قال الرأس: قد فَعَلْتَ؟ قال: نعم. ثم ارْتَفَعَتْ، فحفر، فأَبْرَزَ عن أساسٍ ثابت في الأرض.= (ز)
٣٩٠٤- قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: أقبل الملَك والصُّرَدُ والسَّكِينة مع إبراهيم من الشام، فقالت السَّكِينة: يا إبراهيم، رَبِّضْ عَلَيَّ البيتَ. قال: فلذلك لا يطوف البيتَ أعرابيٌّ ولا مَلِكٌ من هذه الملوك إلا رأيت عليه السكينة والوقار.= (ز)
٣٩٠٥- قال ابن جريج: وقال ابن المسيب: قال علي بن أبي طالب: وكان الله استودع الركن أبا قُبيس، فلما بنى إبراهيم ناداه أبو قبيس، فقال: يا إبراهيم، هذا الركن فِيَّ، فَخُذْهُ. فاحتَفَر عنه، فوضعه، فلما فرغ إبراهيم من بنائه قال: قد فعلتُ، يا ربِّ، فأَرِنا مناسكنا، أبرِزْها لنا، وعَلِّمْناها. فبعث الله جبريل، فحَجَّ به، حتى إذا رأى عرفة قال: قد عرفتُ. وكان أتاها قبل ذلك مرة، قال: فلذلك سُمِّيَت عرفة، حتى إذا كان يوم النحر عرض له الشيطان، فقال: احْصِبْ. فحَصَبَه بسبع حَصَيات، ثم اليوم الثاني والثالث، فَسَدَّ ما بين الجبلين -يعني: إبليس-، فلذلك كان رميُ الجمار، قال: اعْلُ على ثَبِير. فعَلاه، فنادى: يا عباد الله، أجيبوا الله، يا عباد الله، أطيعوا الله. فسَمِع دَعْوَتَه مَن بين الأبحر السبع مِمَّن كان في قلبه مثقال ذرة من الإيمان، فهي التي أعطى الله إبراهيم في المناسك قوله: لبيك اللهم لبيك. ولم يزل على وجه الدهر في الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، فلولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها[[أخرجه عبد الرزاق (٩٠٩٤-٩٠٩٦، ٩٠٩٩)، وابن جرير ٢/٥٥١-٥٥٢، وابن أبي حاتم -كما في فتح الباري ٦/٤٠٩- مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١٠/٤٦١-٤٦٢)
٣٩٠٦- عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط- قال: لَمّا بَنَيا القواعد فبلغ مكان الركن قال إبراهيم لإسماعيل: اطلب لي حجرًا حسنًا أضعْه ههنا. قال: يا أبت، إني كسلان لَغِبٌ[[اللُّغوب: التعب والإعياء. لسان العرب (لغب).]]. قال: عَلَيَّ بذلك. فانطلق يطلب له حجرًا، فأتاه بحجر، فلم يَرْضَه، فقال: ائْتِنِي بحجر أحسن من هذا. فانطلق يطلب له حجرًا، فجاءه جبريل بالحجر الأسود من الهند، وكان أبيض ياقوتة بيضاء مثل الثَّغامَةِ، وكان آدمُ هبط به من الجنة، فاسْوَدَّ من خطايا الناس، فجاءه إسماعيل بحجر، فوجد عنده الركن، فقال: يا أبَتِ، مَن جاءك بهذا؟ قال: جاءني به مَن هو أنشَطُ منك. فبَنَيا، وهما يدعوان بالكلمات التي ابتلى بها إبراهيمَ ربُّه، فقال: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. فلما فرغا من البنيان أمره الله أن ينادي، فقال: أذِّن في الناس بالحج[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٥٧، ١٦/٥١٢، وابن أبي حاتم ١/٢٣٢-٢٣٣، ٨/٢٤٨٦، والبيهقي في الدلائل ٢/٥٣ بنحوه.]]. (١/٦٦٤، ١٠/٤٦٢)
٣٩٠٧- عن عِلْباء بن أحْمَر -من طريق عبد المؤمن بن خالد-: أنّ ذا القرنين قَدِم مكة، فوجد إبراهيمَ وإسماعيلَ يبنيان قواعد البيت من خمسة أجْبُل، فقال: ما لَكُما ولِأَرْضِي؟! فقالا: نحن عبدان مأموران، أُمِرْنا ببناء هذه الكعبة. قال: فهاتا بالبيِّنة على ما تَدَّعِيان. فقامت خمسة أكْبُش، فقُلْنَ: نحن نشهد أنّ إسماعيل وإبراهيم عبدان مأموران، أُمِرا ببناء هذه الكعبة. فقال: قد رَضِيتُ وسَلَّمْتُ. ثم مضى[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣١.]]٥١٠. (١/٦٦٢)
٥١٠ علَّق ابن كثير (١/٤٣٩) على هذا الأثر، وما ذكره الأزْرَقي في تاريخ مكة من أنّ ذا القرنين طاف مع إبراهيم ﵇ بالبيت بقوله: «وهذا يدل على تَقَدُّم زمانه».
٣٩٠٨- عن حَوْشَب بن عَقِيل، قال: سألتُ محمد بن عَبّاد بن جعفر: متى كان البيت؟ قال: خُلِقَت الأشهر له. قلتُ: كم كان طول بناء إبراهيم؟ قال: ثمانية عشر ذراعًا. قلتُ: كم هو اليوم؟ قال: ستة وعشرون ذراعًا. قلتُ: هل بقي مِن حجارة بناء إبراهيم شيء؟ قال: حُشِي به البيت إلّا حجرين مما يَلِي الحجر[[عزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١٠/٤٦٣)
٣٩٠٩- قال محمد بن السائب الكلبي: بعث الله سحابةً بقدر البيت، فقامت بحِيال البيت، وفيها رأسٌ يتكلم: يا إبراهيم، ابنِ على قَدْرِي. فبنى عليه[[تفسير البغوي ٥/٣٧٨.]]. (ز)
٣٩١٠- عن محمد بن إسحاق -من طريق عثمان بن ساج- قال: لَمّا أُمِر إبراهيمُ خليلُ الله تعالى أن يبنيَ البيت الحرام أقبل من أرْمِينِيَةَ على البُراق، معه السكينة، لها وجه يتكلم، وهي بعدُ ريح هَفّافَةٌ، ومعه مَلَكٌ يدلُّه على موضع البيت، حتى انتهى إلى مكة، وبها إسماعيل، وهو يومئذ ابن عشرين سنة، وقد تُوُفِّيَت أمه قبل ذلك، ودُفِنت في موضع الحِجْر، فقال: يا إسماعيل، إنّ الله تعالى قد أمرني أن أبني له بيتًا. فقال له إسماعيل: وأين موضعه؟ قال: فأشار له الملَكُ إلى موضع البيت، قال: فقاما يحفران عن القواعد، ليس معهما غيرهما، فبلغ إبراهيم الأساسَ؛ أساسَ آدم الأول، فحفر عن رَبَضِ في البيت، فوجد حِجارةً عِظامًا، ما يُطِيق الحجر منها ثلاثون رجلًا، ثم بنى على أساس آدم الأول، وتَطَوَّقت السكينةُ كأنها حيَّة على الأساس الأول، وقالت: يا إبراهيم، ابنِ عَلَيَّ. فبنى عليها، فلذلك لا يطوف بالبيت أعرابيٌّ نافِر ولا جَبّار إلا رأيت عليه السكينة. فبنى البيت، وجعل طوله في السماء تسعة أذرع، وعرضه في الأرض اثنين وثلاثين ذراعًا، من الركن الأسود إلى الركن الشامي الذي عند الحجر من وجهه، وجعل عرض ما بين الركن الشامي إلى الركن الغربي الذي فيه الحجر اثنين وعشرين ذراعًا، وجعل طول ظهرها من الركن الغربي إلى الركن اليماني أحدًا وثلاثين ذراعًا، وجعل عرض شِقها اليماني من الركن الأسود إلى الركن اليماني عشرين ذراعًا. قال: فلذلك سُمِّيَت: الكعبة؛ لأنها على خِلْقَة الكَعْب. قال: وكذلك بنيان أساس آدم، وجعل بابها بالأرض غير مبَوَّب، حتى كان تُبَّع بن أسعد الحِمْيَرِيّ، وهو الذي جعل لها غُلْقًا فارسيًّا، وكساها كِسْوةً تامة، ونحر عندها، وجعل إبراهيم ﵇ الحِجْرَ إلى جنب البيت عريشًا من أراك، تقتحمه العَنْز، فكان زَرْبًا لغنم إسماعيل، وحفر إبراهيم جُبًّا في بطن البيت على يمين من دخله، يكون خزانة للبيت، يُلقى فيه ما يُهدى للكعبة، وكان الله استودع الركن أبا قبيس حين أغرق الله الأرض زمن نوح، وقال: إذا رأيتَ خليلي يبني بيتي فأخرجه له. فجاء به جبريل فوضعه في مكانه، وبنى عليه إبراهيم وهو حينئذ يتلألأ نورًا من شِدَّة بياضه، وكان نورُه يُضِيء إلى منتهى أنصاب الحرم من كل ناحية، قال: وإنما شِدَّة سواده لأنّه أصابه الحريق مرة بعد مرة في الجاهلية والإسلام[[أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/٣١-٣٢.]]. (١/٧٠٦)
٣٩١١- عن عبد الملك ابن جريج -من طريق سعيد بن سالم- قال: كان ابنُ الزبير بنى الكعبة من الذَّرْعِ على ما بناها إبراهيم ﵇، قال: وهي مُكَعَّبَة على خِلْقَة الكَعْبِ؛ ولذلك سُمِّيَت: الكعبة. قال: ولم يكن إبراهيم سَقَفَ الكعبةَ، ولا بناها بمَدَرٍ[[بمدر: بطين. لسان العرب ٥/١٦٢.]]؛ وإنّما رَضَمَها رَضْمًا[[أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/٣٢.]]٥١١. (١/٧٠٨)
٥١١ اختلف أهل التأويل في القواعد التي رفعها إبراهيم وإسماعيل من البيت، أهما أحْدَثا ذلك، أم هي قواعدُ كانت للبيت قَبْلَهما؟
وذَهَبَ ابنُ جرير (٢/٥٥٦) إلى عدم ترجيح قول على آخر؛ لعدم ورود دليل يقطع بأحد الأقوال، فقال: «والصواب من القول في ذلك عندنا أن يُقال: إنّ الله -جل ثناؤه- أخبر عن إبراهيم خليله أنه وابنه إسماعيل رفعا القواعد من البيت الحرام، وجائز أن يكون ذلك قواعد بيت كان أهبطه مع آدم، فجعله مكان البيت الحرام الذي بمكة، وجائز أن يكون ذلك كان القُبَّة التي ذكرها عطاء، مما أنشأه الله من زَبَد الماء، وجائز أن يكون كان ياقوتة أو درة أُهْبِطا من السماء، وجائز أن يكون كان آدم بناه ثم انْهَدَم، حتى رفع قواعده إبراهيم وإسماعيل، ولا عِلْمَ عندنا بأي ذلك كان من أي؛ لأن حقيقة ذلك لا تُدْرَك إلّا بخبر عن الله وعن رسوله ﷺ بالنقل المستفيض، ولا خبر بذلك تقوم به الحجة فيجب التسليم لها، ولا هو - إذ لم يكن به خبر، على ما وصفنا- مما يُدْرَك علمه بالاستدلال والمقاييس، فيُمَثَّل بغيره، ويستنبط علمه من جهة الاجتهاد، فلا قول في ذلك هو أولى بالصواب مما قلنا».
وإلى ذلك ذَهَبَ أيضًا ابنُ عطية (١/٣٤٩)، فقال: «والذي يَصِحُّ من هذا كلِّه أنّ الله أمر إبراهيم برفع قواعد البيت، وجائز قِدَمُه، وجائز أنّ كونَ ذلك ابتداء، ولا يُرَجَّح شيءٌ من ذلك إلا بِسَنَد يقطع العُذْر».
٣٩١٢- عن عثمان بن ساج، قال: بلَغَنا -والله أعلم-: أنّ إبراهيم خليل الله عُرِجَ به إلى السماء، فنظر إلى الأرض مشارقها ومغاربها، فاختار موضع الكعبة، فقالت له الملائكة: يا خليل الله، اخْتَرْتَ حرم الله في الأرض. فبناه من حجارةِ سبعة أجْبُل، ويقولون: خمسة. فكانت الملائكة تأتي بالحجارة إلى إبراهيم ﵇ من تلك الجبال[[أخرجه الأزرقي في فضائل مكة ١/٢١.
هذا وقد حشد السيوطي ١/٦٦٤-٧٠٩ آثارًا كثيرة حول فضائل البيت، والنظر إلى الكعبة والطواف حولها، كذلك فضائل الحجر الأسود، وآثارًا فيمن حج ومات بالحرم من الأنبياء، وغير ذلك.]]. (١/٦٩٠)
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ١٢٧﴾ - قراءات
٣٩١٣- عن الأعمش -من طريق حسين الجُعْفِيّ- أنّه قرأ: (وإذْ يَرْفَعُ إبْراهِيمُ القَواعِدَ مِنَ البَيْتِ وإسْماعِيلُ يَقُولانِ رَبَّنا تَقَبَّلْ مِنّا)[[أخرجه ابن أبي داود في المصاحف ص٥٧.
وهي قراءة شاذة، تروى أيضًا عن ابن مسعود. انظر: مختصر ابن خالويه ص١٧، والمحتسب ١/١٠٨.]]٥١٢. (١/٧٠٩)
٥١٢ رجَّحَ ابنُ جرير (٢/٥٦٣-٥٦٤ بتصرف) مستندًا إلى الإجماع، واللغة، والدلالة العقلية أنّ قواعد البيت رَفَعَها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا، وأنّ القولَ المقَدَّر في الآية لهما، أي: يقولان: ربنا تقبل منا. فقال: «الصواب من القول عندنا في ذلك: أنّ المُضْمَر من القول لإبراهيم وإسماعيل، وأنّ قواعدَ البيت رفعها إبراهيمُ وإسماعيلُ جميعًا. وذلك أنّ إبراهيم وإسماعيل إن كانا هُما بَنَياها ورفعاها فهو ما قلنا، وإن كان إبراهيمُ تَفَرَّد ببنائها وكان إسماعيل يناوله فهما أيضًا رفعاها؛ لأن رفعها كان بهما: من أحدهما البناء، ومن الآخر نقل الحجارة إليها ومعونة وضع الأحجار مواضعها، ولا تمتنع العرب من نسبة البناء إلى من كان بسببه البناء ومعونته، وإنما قلنا ما قلنا من ذلك، لإجماع جميع أهل التأويل على أن إسماعيل مَعْنِيٌّ بالخبر الذي أخبر الله عنه وعن أبيه أنَّهُما كانا يقولانه، وذلك قولهما: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. فمعلوم أنّ إسماعيل لم يكن ليقول ذلك، إلا وهو: إمّا رجل كامل، وإمّا غلام قد فَهِم مواضع الضُرِّ من النفع، ولزمته فرائض الله وأحكامه، وإذا كان كذلك فمعلوم أنه لم يكن تاركًا معونة أبيه، إمّا على البناء، وإمّا على نقل الحجارة، وأيُّ ذلك كان منه فقد دخل في معنى من رفع قواعد البيت، وثَبَتَ أنّ القول المضمر خبرٌ عنه وعن والده إبراهيم ﵉، فتأويل الكلام: وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل يقولان: ربنا تقبل منا عملنا، وطاعتنا إياك، وعبادتنا لك، في انتهائنا إلى أمرك الذي أمرتنا به، في بناء بيتك الذي أمرتنا ببنائه، إنك أنت السميع العليم».
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ١٢٧﴾ - تفسير الآية
٣٩١٤- عن عبد الله بن عباس -من طريق سعيد بن جبير- ﴿تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، يقول: تَقَبَّلْ مِنّا إنك سميع الدعاء[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٥.]]. (ز)
٣٩١٥- عن سعيد بن جبير -من طريق عطاء بن دينار- في قول الله: ﴿سميع عليم﴾، يعني: عالِمٌ بها[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (ز)
٣٩١٦- عن الحسن البصري -من طريق عبّاد بن منصور-: وكان إسماعيل يقول وهما يبنيانه: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾. فتقبل منهما[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٣.]]. (ز)
٣٩١٧- عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسباط-: بَنَيا وهُما يَدْعُوان الكلماتِ التي ابْتَلى بها إبراهيمَ ربُّه، قال: ﴿ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العليم﴾، ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، ﴿ربنا وابعث فيهم رسولا منهم﴾[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٥٧، وابن أبي حاتم ١/٢٣٢.]]. (ز)
٣٩١٨- قال مقاتل بن سليمان: فلمّا فرغا من بناء البيت قالا: ﴿ربنا تقبل منا﴾ يعني: بناء هذا البيت الحرام؛ ﴿إنك أنت السميع العليم﴾ لدعائهما، ربنا تقبل منا[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٣٨.]]. (ز)
٣٩١٩- عن محمد بن إسحاق -من طريق سلمة- قال: ﴿السميع﴾، أي: سميع بما يقولون[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (ز)
٣٩٢٠- عن وهيب بن الورد -من طريق محمد بن يزيد بن خنيس- أنّه قرأ: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا﴾. ثم بكى، وقال: يا خليل الرحمن، ترفع قوائمَ بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يقبل منك[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٣.]]. (ز)
٣٩٢١- عن سفيان [بن عيينة] -من طريق سعيد بن منصور- أنّه تلا هذه الآية: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل ربنا تقبل منا﴾. فقال: سَأَلا القَبُول، وتَخَوَّفا أن يكون منه شيء لا يُتَقَبَّل منهما[[أخرجه سعيد بن منصور (ت: سعد آل حميد) ٢/٦١٥ (٢١٩).]]. (ز)
﴿رَبَّنَا تَقَبَّلۡ مِنَّاۤۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلسَّمِیعُ ٱلۡعَلِیمُ ١٢٧﴾ - آثار متعلقة بالآية
٣٩٢٢- عن ابن عباس، قال: إنّ النبي ﷺ إذا أفطر قال: «اللهُمَّ، لك صُمْنا، وعلى رزقك أفْطَرْنا، فتَقَبَّلْ مِنّا؛ إنّك أنت السميع العليم»[[أخرجه الطبراني في الكبير ١٢/١٤٦ (١٢٧٢٠)، وابن السني في عمل اليوم والليلة ١/٤٣٠ (٤٨٠).
قال الهيثمي في المجمع ٣/١٥٦ (٤٨٩٣): «وفيه عبد الملك بن هارون، وهو ضعيف». وقال الألباني في الإرواء ٤/٣٦ (٩١٩): «ضعيف».]]. (١/٧٠٩)
2:128Страница 20
رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَيۡنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَآ أُمَّةٗ مُّسۡلِمَةٗ لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبۡ عَلَيۡنَآۖ إِنَّكَ أَنتَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١٢٨
Господь наш! Сделай нас покорившимися Тебе, а из нашего потомства - общину, покорившуюся Тебе. Покажи нам обряды поклонения и прими наше покаяние. Воистину, Ты - Принимающий покаяние, Милосердный.
﴿رَبَّنَا وَٱجۡعَلۡنَا مُسۡلِمَیۡنِ لَكَ﴾ - تفسير
٣٩٢٣- عن عكرمة مولى ابن عباس -من طريق ابن أبي نَجِيح- قال: قال إبراهيم: تجعلنا مسلمين لك؟ قال الله: نعم. قال إبراهيم: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾؟ فقال الله: نعم[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (ز)
٣٩٢٤- عن عبد الكريم بن مالك الجزري -من طريق مَعْقِل بن عُبَيْد الله- في قوله تعالى: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين﴾، قال: مُخْلِصَين[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (١/٧٠٩)
٣٩٢٥- قال مقاتل بن سليمان: ثُمَّ قالا: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾، يعني: مُخْلِصَيْن لك[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٣٩.]]. (ز)
٣٩٢٦- عن سَلّام بن أبي مُطِيع -من طريق سعيد بن عامر- في هذه الآية: ﴿ربنا واجعلنا مسلمين لك﴾، قال: كانا مُسْلِمَيْن، ولكن سَأَلاه الثَّبات[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (١/٧١٠)
﴿وَمِن ذُرِّیَّتِنَاۤ أُمَّةࣰ مُّسۡلِمَةࣰ لَّكَ﴾ - تفسير
٣٩٢٧- عن إسماعيل السُّدِّي -من طريق أسْباط- في قوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، يَعْنِيان: العرب[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٥، وابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]٥١٣. (١/٧١٠)
٥١٣ انتَقَدَ ابنُ جرير (٢/٥٦٦)، وابنُ عطية (١/٣٥٠) أن يكونَ المراد بقوله: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾ العربَ خاصةً، كما قالَ السُّدِّيُّ؛ لمخالفته ظاهر الكتاب، ودلالة الواقع، فقال ابنُ جرير: «هذا قول يَدُلُّ ظاهرُ الكتاب على خِلافه؛ لأن ظاهره يدل على أنَّهُما دَعَوا اللهَ أن يجعل من ذريتهما أهل طاعته وولايته، والمستجيبين لأمره، وقد كان في ولد إبراهيم العرب وغير العرب، والمستجيب لأمر الله والخاضع له بالطاعة من الفريقين، فلا وجه لقول من قال: عنى إبراهيم بدعائه ذلك فريقًا من ولده بأعيانهم دون غيرهم، إلا التحكم الذي لا يعجز عنه أحد».
وقال ابنُ عطية: «وهو ضعيف؛ لأنه دَعْوَتُه ظَهَرَتْ في العرب، وفيمن آمن مِن غيرهم».
واسْتَدْرَكَ ابنُ كثير (٢/٩٤) معتمدًا على السّياق على كلام ابن جرير قائلًا: «وهذا الذي قاله ابن جرير لا ينفيه السدي؛ فإن تخصيصهم بذلك لا ينفي من عَداهم، والسياق إنما هو في العرب، ولهذا قال بعده: ﴿رَبَّنا وابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آياتِكَ ويُعَلِّمُهُمُ الكِتابَ والحِكْمَةَ ويُزَكِّيهِمْ﴾ الآية، والمراد بذلك محمد ﷺ، وقد بعث فيهم، كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنهُمْ﴾ [الجمعة:٢]، ومع هذا لا ينفي رسالته إلى الأحمر والأسود؛ لقوله تعالى: ﴿قل يا أيُّها النّاسُ إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف:١٥٨]، وغير ذلك من الأدلة القاطعة».
٣٩٢٨- عن عبد الكريم بن مالك الجزري -من طريق مَعْقِل بن عُبَيْد الله- ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك﴾، قال: مُخْلِصَة[[أخرجه ابن أبي حاتم ١/٢٣٤ (١٢٤٨).]]. (ز)
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ - قراءات
٣٩٢٩- قال عطاء بن أبي رباح -من طريق حَجّاج، عن ابن جُرَيج-: ﴿أرْنا مَناسِكَنا﴾٥١٤: أخْرِجْها لنا، عَلِّمْناها[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٩، وابن أبي حاتم ١/٢٣٤.
قرأ ابن كثير، ويعقوب، بإسكان الراء، وبه قرأ أبو عمرو من روايتيه في وجه، والوجه الثاني له اختلاسها، وقرأ الباقون بكسرها. انظر: النشر ٢/٢٢٢، والإتحاف ص١٩٣.]]. (ز)
٥١٤ ذَهَبَ ابن جرير (٢/٥٧٠) معتمدًا على اللغة إلى أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، وأنه لا معنى لفرقِ مَن فرَّق بين رؤية العين في ذلك ورؤية القلب، فقال: «والقول عندي في ذلك: أنّ تأويل ﴿أرنا﴾ بكسر الراء وتسكينها واحد، فمَن كسر الراء جعل علامة الجزم سقوط الياء التي في قول القائل: أرينه - أرنه، وأَقَرَّ الراء مكسورة كما كانت قبل الجزم. ومن سكن الراء من ‹أرْنا› تَوَهَّم أنّ إعراب الحرف في الراء، فسَكَّنَها في الجزم، كما فعلوا ذلك في: لم يكنْ - ولم يكُ. وسواء كان ذلك من رؤية العين أو من رؤية القلب».
وقال ابنُ عطية (١/٣٥١): «قالت طائفة: ﴿أرنا﴾ من رؤية البصر. وقالت طائفة: من رؤية القلب. وهو الأصح».
﴿وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا﴾ - تفسير الآية
٣٩٣٠- عن علي بن أبي طالب -من طريق سعيد بن المسيب- قال: لَمّا فرغ إبراهيم من بناء البيت قال: قد فعلتُ، أيْ ربِّ، فأرِنا مناسكنا؛ أبْرِزْها لنا، علِّمْناها. فبعث الله جبريل، فحَجَّ به[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٩.]]. (١/٧١٠)
٣٩٣١- عن عبد الله بن عباس، قال: كان المقام في أصل الكعبة، فقام عليه إبراهيم، فتَفَرَّجَتْ عنه هذه الجبال؛ أبُو قُبَيْس وضواحيه إلى مابينه وبين عرفات، فأُري مناسكه حتى انتهى إليه، فقيل: عرفت؟ قال: نعم. فسُمِّيَتْ: عرفات[[عزاه السيوطي إلى ابن المنذر.]]. (١/٧١٢)
٣٩٣٢- عن عبد الله بن عباس -من طريق سالم بن أبي الجَعْد- قال: إنّ إبراهيم لَمّا أُري المناسك عرض له الشيطان عند المسعى، فسابقه إبراهيم، فسبقَه إبراهيمُ، ثم انطلق به جبريل حتى أراه منى، فقال: هذا مُناخ[[المناخ: مبرك الإبل، وهو الموضع الذي تناخ فيه الإبل. التاج (نيخ).]] الناس. فلَمّا انتهى إلى جَمْرَة العَقَبة [تَعَرَّض] له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة الوسطى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، ثم أتى به جمرة القُصْوى، فعرض له الشيطان، فرماه بسبع حَصَيات حتى ذهب، فأتى به جَمْعًا، فقال: هذا المَشْعَر. ثم أتى به عرفة، فقال: هذه عرفة. فقال له جبريل: أعرفت؟ قال: نعم. ولذلك سُمِّيَتْ: عرفة. أتدري كيف كانت التلبية؟ إنّ إبراهيم لَمّا أُمِر أن يُؤَذِّن في الناس بالحج؛ أُمِرَت الجبال فخَفَضَت رُؤُوسَها، ورُفِعَت له القرى، فأَذَّن في الناس بالحج[[أخرجه الطيالسي (٢٨٢٠)، والبيهقي في الشعب (٤٠٧٧)، وأحمد ٤/٤٣٦-٤٣٧ (٢٧٠٧، ٢٧٠٨). وعزاه السيوطي إلى ابن أبي حاتم.]]. (١/٧١٥)
٣٩٣٣- عن ابن جُرَيْج، قال لي عطاء: سمعت عبيد بن عمير يقول: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٩.]]. (ز)
٣٩٣٤- عن مجاهد بن جبر -من طريق ابن أبي نَجِيح- في قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا[[تفسير مجاهد ص٢١٤، وأخرجه الأزرقي ١/٣٦، وابن أبي حاتم ١/٢٣٥.]]. (١/٧١٤)
٣٩٣٥- عن مجاهد بن جبر -من طريق خُصَيْف- قال: قال إبراهيم: ربنا أرِنا مناسكنا. فأخذ جبريل ﵇ بيده، فذهب به حتى أتى به البيت، قال: ارفع القواعد. فرفع إبراهيم القواعد، وأتم البنيان، فذهب به إلى الصفا، فقال: هذا من شعائر الله. ثم ذهب به إلى المروة، فقال: وهذا من شعائر الله. ثم أخذ بيده، فذهب به نحو منى، فإذا هو بإبليس عند العقبة، عند الشجرة، فقال له جبريل: كبِّر، وارْمِه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس حتى قام عند الجمرة الوسطى، فحاذى به جبريل وإبراهيم، فقال جبريل: كبِّر، وارمِه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس حتى أتى الجمرة القُصْوى، فقال له جبريل: كبِّر، وارمه. فكبَّر، ورمى، فذهب إبليس، وكان الخبيث أراد أن يُدْخِل في الحجِّ شيئًا فلم يستطع، فذهب حتى أتى به المَشْعَر الحرام، فقال: هذا المَشْعَر الحرام. ثم ذهب حتى أتى به عرفات، فقال: هذه عرفات، قد عرفتَ ما أرَيْتُكَ؟ قال: نعم -ثلاث مرات-. قال: فأذِّن في الناس بالحج. قال: وكيف أُؤَذِّن؟ قال: قل: يا أيها الناس، أجيبوا ربكم -ثلاث مرات-. فأجاب العِباد: لبيك اللهم ربنا لبيك -مرتين-. فمَن أجاب إبراهيم يومئذ من الخلق فهو حاجٌّ[[أخرجه سعيد بن منصور (٢٢٠ - تفسير)، والأزرقي ١/٣٥، وابن أبي حاتم ١/٢٣٥.]]. (١/٧١١)
٣٩٣٦- عن مجاهد بن جبر، قال: قال الله لإبراهيم ﵇: قُمْ، فابْنِ لي بيتًا. قال: أيْ رَبِّ، أين؟ قال: سأخبرك. فبعث الله إليه سحابة لها رأس، فقالت: يا إبراهيم، إنّ ربك يأمرك أن تَخُطَّ قَدْر هذه السحابة. قال: فجعل إبراهيم ينظر إلى السحابة ويَخُطُّ، فقال الرأس: قد فعلتَ؟ قال: نعم. فارتفعت السحابة، فحفر إبراهيم، فأبْرَز عن أساس ثابت من الأرض، فبنى إبراهيم، فلما فرغ قال: أيْ رَبِّ، قد فعلتُ، فأرِنا مناسكنا. فبعث الله إليه جبريل يحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال له جبريل: احْصِبْ. فحَصَب بسبع حَصَيات، ثم الغد، ثم الغد، ثم اليوم الرابع، ثم قال: اعْلُ ثَبِيرًا. فَعَلا ثَبِيرًا، فقال: أيْ عباد الله، أجيبوا، أيْ عباد الله، أطيعوا الله. فسمع دعوتَه ما بين الأبحر مِمَّن في قلبه مثقال ذرة من الإيمان. فقالوا: لبيك اللهم لبيك، أطعناك، اللهم أطعناك. وهي التي آتى الله إبراهيم في المناسك: لبيك اللهم لبيك. ولم يزل على الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، لولا ذلك هلكت الأرض ومن عليها[[عزاه السيوطي إلى الجندي.]]. (١/٧١٤). (ز)
٣٩٣٧- عن أبي مِجْلَز [لاحق بن حميد] -من طريق التَّيْمِيّ- في قوله تعالى: ﴿وإذ يرفع إبراهيم القواعد من البيت وإسماعيل﴾، قال: لَمّا فرغ من البيت جاءه جبريل ﵇، فأراه الطواف بالبيت -وأَحْسَبُه قال: والصفا والمروة-، ثم انطلقا إلى العَقَبَة، فعرض لهما الشيطان، قال: فأخذ جبريل ﵇ سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم ﵇ سبع حَصَيات، فرمى، وكَبَّر، وقال لإبراهيم: ارْمِ، وكَبِّر. قال: فرَمَيا، وكَبَّرا معَ كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم انطلقا إلى الجمرة الوسطى، فعرض لهما الشيطان، فأخذ جبريل ﵇ سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم ﵇ سبع حَصَيات، فرَمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتَيا الجمرة القُصْوى، قال: فعرض لهما الشيطان. قال: فأخذ جبريل ﵇ سبع حَصَيات، وأعطى إبراهيم ﵇ سبع حَصَيات، وقال: ارْمِ، وكَبِّر. فرمَيا، وكَبَّرا مع كل رَمْيَة، حتى أفَل الشيطان، ثم أتى به إلى منى، فقال: ههنا يَحْلِق الناس رؤوسهم. ثم أتى به جمعًا، فقال: هاهنا يجمع الناس الصلاةَ. ثم أتى به عرفات، فقال: عرفتَ؟ قال: نعم. قال: فمِن ثَمَّ سُمِّيت: عرفات[[أخرجه عبد بن حميد -كما في فتح الباري ٣/٤٤٠-، وابن أبي شيبة (القسم الأول من الجزء الرابع) ص٣٧٥.]]. (١/٧١٢)
٣٩٣٨- قال الحسن البصري: إنّ جبريل أرى رسولَ الله ﷺ المناسك كلها، ولكنه أصْل ٌعن إبراهيم ﵇[[ذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/١٧٩-.]]. (ز)
٣٩٣٩- قال عطاء بن أبي رباح -من طريق حَجّاج، عن ابن جُرَيج-: ‹وأَرْنا مَناسِكَنا›: أخْرِجْها لنا، عَلِّمْناها[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٩، وابن أبي حاتم ١/٢٣٤.]]. (ز)
٣٩٤٠- عن عطاء بن أبي رباح -من طريق سفيان، عن ابن جُرَيْج- ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: مذابحنا[[أخرجه سفيان الثوري في تفسيره ص٤٩، و عبد الرزاق ١/٥٩، وابن جرير ٢/٥٦٨. وعلَّقه ابن أبي حاتم ١/٢٣٥.]]٥١٥. (ز)
٥١٥ علَّقَ ابن جرير (٢/٥٦٨) على قول عطاء هذا، وقول مجاهد السابق بقوله: «تأويل الآية على قول مَن قال ذلك: وأرِنا كيف نَنسُك لك -يا ربنا- نَسائِكَنا؛ فنذبحها لك».
٣٩٤١- عن قتادة بن دِعامة، نحو ذلك[[علَّقه ابن أبي حاتم ١/٢٣٥.]]. (ز)
٣٩٤٢- عن قتادة بن دِعامة، في قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾، قال: أراهما الله مناسكهما؛ الموقف بعرفات، والإفاضة من جَمْع، ورمي الجمار، والطواف بالبيت، والسعي بين الصفا والمروة[[أخرجه عبد الرزاق ١/٥٩ من طريق معمر مختصرًا بلفظ: أرِنا مَنسكنا وحَجَّنا. وذكره يحيى بن سلام -كما في تفسير ابن أبي زمنين ١/١٧٨-، وابن جرير ٢/٥٦٧ من طريق سعيد مطولًا ومن طريق معمر مختصرًا. وعزاه السيوطي إلى عبد بن حميد.]]. (١/٧١٦)
٣٩٤٣- عن إسماعيل السُّدِّيّ -من طريق أسْباط- قال: لَمّا فرغ إبراهيم وإسماعيل من بُنْيان البيت أمره الله أن ينادي، فقال: ﴿وأَذِّنْ فِي النّاسِ بِالحَجِّ﴾ [الحج:٢٧]، فنادى بين أخْشَبَيْ مكة: يا أيها الناس، إنّ الله يأمركم أن تَحُجُّوا بيتَه. قال: فوَقَرَتْ في قلب كُلِّ مؤمن، فأجابه كلُّ شيء سمعه من جبل أو شجر أو دابَّة: لبيك لبيك. فأجابوه بالتلبية: لبيك اللهم لبيك. وأَتاه من أتاه، فأمره الله أن يخرج إلى عرفات، ونعتها، فخرج، فلَمّا بلغ الشجرة عند العقبة استقبله الشيطان، فَرَدَّه، فرماه بسبع حَصَيات، يُكَبِّر مع كل حَصاة، فطار، فوقع على الجمرة الثانية أيضًا، فصَدَّه، فرماه، وكَبَّر، فطار فوقع على الجمرة الثالثة، فرماه، وكَبَّر، فلما رأى أنه لا يطيقه، ولم يدرِ إبراهيم أين يذهب؛ انطلق حتى أتى ذا المَجاز، فلَمّا نظر إليه فلم يَعْرِفْه جازَ، فلذلك سُمِّي: ذا المجاز. ثم انطلق حتى وقع بعرفات، فلما نظر إليها عرف النعت، قال: قد عرفتُ. فسُمِّيَت: عرفات. فوقف إبراهيم بعرفات، حتى إذا أمسى ازْدَلَف إلى جَمْع، فسميت: المزدلفة. فوقف بجَمْع، ثم أقبل حتى أتى الشيطان حيث لقيه أول مرة، فرماه بسبع حصيات سبع مرات، ثم أقام بمنى حتى فرغ من الحجِّ وأَمْرِه، وذلك قوله: ﴿وأرنا مناسكنا﴾[[أخرجه ابن جرير ٢/٥٦٧.]]. (ز)
٣٩٤٤- قال مقاتل بن سليمان: ﴿ومن ذريتنا أمة مسلمة لك وأرنا مناسكنا﴾ يعني: علِّمنا مناسكنا، نظيرها: ﴿بما أراك الله﴾ [النساء:١٠٥]، يعني: بما علَّمك الله، ونظيرها: ﴿ولما يعلم الله﴾ [آل عمران:١٤٢، التوبة:١٦]، يعني: يرى الله، ونظيرها أيضًا: ﴿ويرى الذين أوتوا العلم﴾ [سبأ:٦] يعني: ويعلم، ونظيرها: ﴿فليعلمن الله الذين صدقوا﴾، يعني: ولَيَرَيَنَّ الله، ﴿وليعلمن الكاذبين﴾ [العنكبوت:٣]، يعني: ويرى. ﴿أرنا مناسكنا﴾ فنصلي لك، ﴿وتب علينا﴾ يعني إبراهيم وإسماعيل: أنفسَهما، ﴿إنك أنت التواب الرحيم﴾ ففعل الله ﷿ ذلك به، فنزل جبريل ﵇، فانطلق بإبراهيم ﷺ إلى عرفات وإلى المشاعر لِيُرِيَه ويعلمه كيف يسأل ربه، فلما أراه الله المناسك والمشاعر علم أنّ الله ﷿ سيجعل في ذريتهما أمة مسلمة[[تفسير مقاتل بن سليمان ١/١٣٩.]]. (ز)
٣٩٤٥- عن زُهَيْر بن محمد -من طريق عثمان بن ساجٍ- قال: لَمّا فرغ إبراهيم من البيت الحرام قال: أيْ ربِّ، قد فعلتُ، فأرِنا مناسكنا. فبعث الله إليه جبريل، فحج به، حتى إذا جاء يوم النحر عرض له إبليس، فقال: احصِبْ. فحَصَب سبع حصيات، ثم الغد، ثم اليوم الثالث، فملأ ما بين الجبلين، ثم علا على ثَبِير، فقال: يا عباد الله، أجيبوا ربكم. فسمع دعوتَه مَن بين الأبحر مِمَّن في قلبه مثقال ذرة من إيمان، قالوا: لبيك اللهم لبيك. قال: ولم يزل على وجه الأرض سبعة مسلمون فصاعدًا، ولولا ذلك لأُهلكت الأرض ومَن عليها. قال: وأول مَن أجاب إبراهيم حين أذن بالحج أهلُ اليمن[[أخرجه الأزرقي ١/٣٧.]]. (١/٧١٣)
٣٩٤٦- قال مالك بن أنس: وبلغني: أنّ الله -تبارك وتعالى- لَمّا أن أراد أن يُري إبراهيم موضع المناسك أوحى إلى الجبال أن تنحني له، فنِيخَت له، حتى أراه مواضع المناسك، فهو قول إبراهيم في كتاب الله تعالى: ﴿وأرنا مناسكنا﴾[[المدونة للإمام مالك ص٤٥٦.]]. (ز)
٣٩٤٧- عن حسين بن القاسم، قال: سمعت بعض أهل العلم يقول: ... ولَمّا قال إبراهيم ﵇: ربَّنا، أرِنا مناسكنا. نزل إليه جبريل، فذهب به، فأراه المناسك، ووَقَفَه على حدود الحرم، فكان إبراهيم يَرْضِم الحجارة، ويَنصِب الأعلام، ويحثي عليها التراب، فكان جبريل يَقِفُه على الحدود[[أخرجه الأزرقي في تاريخ مكة ١/٣٥٧-٣٥٨.]]٥١٦. (١/٦٤٠)
٥١٦ علَّقَ ابن جرير (٤/٥٧٠ بتصرف) على تلك الآثار مُبَيِّنًا معنى المناسك، فقال: «أما المناسك فإنها جمع مَنسَك: وهو الموضع الذي يُنسَكُ لله فيه، ويُتَقَرَّبُ إليه فيه بما يُرْضِيهِ مِن عمل صالح؛ إمّا بذبح ذبيحة له، وإمّا بصلاة أو طواف أو سعي، وغير ذلك من الأعمال الصالحة، ولذلك قيل لمشاعر الحجِّ: مَناسِكُه؛ لأنّها أمارات وعَلامات يَعْتادُها الناس ويتردَّدون إليها. وقد قيل: إنّ معنى النُّسُك: عبادةُ الله، وأنّ النّاسِك إنّما سُمِّيَ ناسِكًا بعبادة ربِّه، فتَأَوَّل قائل هذه المقالة قولَه: ﴿وأَرِنا مَناسِكَنا﴾: وعَلِّمْنا عِبادتك كيف نعبدك، وأين نعبدك، وما يُرْضِيكَ عنّا فنفعله. وهذا القول وإن كان مَذْهَبًا يَحْتَمِلُه الكلامُ فإنّ الغالب على معنى المناسك ما وصَفْنا قبلُ مِن أنّها مَناسِك الحجِّ التي ذَكَرْنا معناها».
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии