Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:244–252
2:244Страница 39
وَقَٰتِلُواْ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٞ ٢٤٤
Сражайтесь на пути Аллаха и знайте, что Аллах - Слышащий, Знающий.
(وقاتِلوا في سبيل الله) هو معطوف على مقدر كأنه قيل اشكروا فضله بالاعتبار بما قص عليكم، وقاتلوا، هذا إذا كان الخطاب بقوله (وقاتلوا) راجعاً إلى المخاطبين بقوله (ألم تر إلى الذين خرجوا) كما قاله جمهور المفسرين، وعلى هذا يكون إيراد هذه القصة لتشجيع المسلمين على الجهاد، وقيل إن الخطاب للذين أحيوا من بني إسرائيل فيكون عطفاً على قوله: (موتوا) وفي الكلام محذوف تقديره وقال لهم قاتلوا، وقال ابن جرير: لا وجه لقول من قال إن الأمر بالقتال للذين أُحيوا، وقيل العطف على حافظوا على الصلوات وفيه بُعد والأول أولى.
(واعلموا أن الله سميع) لما يقوله المتعلل عن القتال (عليم) بما يضمره وفيه وعد لمن بادر بالجهاد ووعيد لمن تخلف عنه.
(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) لما أمر سبحانه بالقتال والجهاد أمر بالإنفاق في ذلك، وإقراض الله مَثَلَ لتقديم العمل الصالح الذي يستحق به فاعله الثواب، وأصل القرض أنه اسم لكل ما يلتمس عليه الجزاء، يقال أقرض فلان فلاناً أي أعطاه ما يتجازاه، وقال الزجاج: القرض في اللغة البلاء الحسن والبلاء السيء.
وقال الكسائي: القرض ما أسلفت من عمل صالح أو سيء، وأصل الكلمة القطع ومنه المقراض.
واستدعاء القرض في الآية إنما هو تأنيس وتقريب للناس بما يفهمونه، والله هو الغني الحميد، شبّه عطاء المؤمن ما يرجو ثوابه في الآخرة بالقرض كما شبه إعطاء النفوس والأموال في أخذ الجنة بالبيع والشراء.
وقيل كنّى عن الفقير بنفسه العلية المنزهة عن الحاجات ترغيباً في الصدقة كما كنّى عن المريض والجائع والعطشان بنفسه المقدسة عن النقائص والآلام، ففي الحديث الصحيح إخباراً عن الله عز وجل " يا ابن آدم مرضت فلم تعدني واستطعمتك فلم تطعمني واستسقيتك فلم تسقني، قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما أنك لو سقيته لوجدت ذلك عندي " وكذا فيما قبله أخرجه مسلم والبخاري وهذا كله خرج مخرج التشريف لمن كنّى عنه ترغيباً لمن خوطب به.
وقوله (حسناً) أي طيبة به نفسه من دون مَنٍّ ولا أذى، وقيل محتسباً، وقيل هو الإنفاق من المال الحلال في وجوه البر، وقيل هو الخالص لله تعالى ولا يكون فيه رياء ولا سمعة.
وقد اختلف في تقدير هذا التضعيف على أقوال، وقيل لا يعلمه إلا الله وحده، قاله السدي وهذا هو الأولى، وإنما أبهم الله ذلك لأن ذكر المبهم في باب الترغيب أقوى من ذكر المحدود، وقيل إلى سبعمائة ضعف، وقيل غير ذلك.
وأخرج الطبراني والبيهقي في الشعب عن ابن مسعود قال: لما نزلت هذه الآية قال أبو الدحداح الأنصاري: يا رسول الله إن الله ليريد منا القرض؟ قال نعم، قال: أرني يدك يا رسول الله فناوله يده قال: فإني قد أقرضت ربي حائطي وله فيه ستمائة نخلة [[رواه ابن أبي حاتم بإسناد ضعيف، مجمع الزوائد 6/ 321.]].
وقد أخرج هذه القصة جماعة من المحدثين.
وأخرج أحمد وابن المنذر من حديث أبي هريرة وفيه قال: والذي نفسي بيده لقد سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: " إن الله يضاعف الحسنة ألفي ألف حسنة " [[رواه أحمد في المسند من طريق مبارك بن فضاله عن علي بن زيد بن جدعان عن أبي عثمان النهدي، وعلي بن زيد ضعفه غير واحد. والحديث حسن.
قد قال الشيخ أحمد شاكر: رواه ابن أبي حاتم عن أبي خلاد سليمان بن خلاد المؤدب عن محمد الرفاعي عن زياد ين الحصاص عن أبي عثمان النهدي، وزياد بن الجصاص، ذكره البخاري في " التاريخ الكبير " فلم يذكر فيه جرحاً، وهذا أمارة توثيقه عنده، ثم لم يذكره في الضعفاء، وذكره ابن حبان في الثقات. وقال: ربما وهم. وهذا الحديث لم ينفرد به كما ترى، فقد رواه كما رواه علي ابن زيد بن جدعان بنحوه، فارتفعت شبهة الخطأ والوهم، وصح الحديث من الوجهين، والحمد لله ..]].
وأخرج ابن حبان في صحيحه والبيهقي وغيرهما عن ابن عمر قال لما نزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم في سبيل الله كمثل حبة أنبتت سبع سنابل) إلى آخرها قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " رب زد أمتى " فنزلت
2:245Страница 39
مَّن ذَا ٱلَّذِي يُقۡرِضُ ٱللَّهَ قَرۡضًا حَسَنٗا فَيُضَٰعِفَهُۥ لَهُۥٓ أَضۡعَافٗا كَثِيرَةٗۚ وَٱللَّهُ يَقۡبِضُ وَيَبۡصُۜطُ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٤٥
Если кто-либо одолжит Аллаху прекрасный заем, то Он увеличит его многократно. Аллах удерживает и щедро одаряет, и к Нему вы будете возвращены.
(من ذا الذي يقرض الله قرضاً حسناً فيضاعفه له أضعافاً كثيرة) قال رب زد أمتي، فنزلت (إنما يوفّى الصابرون أجرهم بغير حساب).
وأخرج ابن المنذر عن سفيان قال لما نزلت (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها) قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: رب زد أمتي، فنزلت (من ذا الذي يقرض الله) قال رب زد أمتي، فنزلت (مثل الذين ينفقون أموالهم) قال رب زد أمتي فنزلت (إنما يوفي الصابرون) وفي الباب أحاديث هذه أحسنها.
(والله يقبض ويبسط) حسبما تقتضيه مشيئته المبنية على الحكم والمصالح فلا تبخلوا عليه بما وسّع عليكم كيلا تبدل أحوالكم، ولعل تأخير البسط عن القبض في الذكر للإيماء إلى أنه يعقبه في الوجود تسلية للفقراء، هذا عام في كل شيء فهو القابض الباسط، والقبض التقتير، والبسط التوسيع، وفيه وعيد بأن بخل من البسط يوشك أن يبدل بالقبض، ولهذا قال (وإليه ترجعون) أي هو يجازيكم بما قدمتم عند الرجوع إليه، فإن أنفقتم مما وسع به عليكم أحسن إليكم، وإن بخلتم عاقبكم.
وعن قتادة يقبض الصدقة ويبسط قال يخلف (وإليه ترجعون) قال: من التراب وإلى التراب تعودون.
وعن ابن زيد قال: علم الله فيمن يقاتل في سبيل الله من لا يجد قوة وفيمن لا يقاتل في سبيل لله فندب هؤلاء إلى القرض فقال (من ذا الذي يقرض الله) قال: يبسط عليك وأنت ثقيل عن الخروج لا تريده، ويقبض عن هذا وهو يطيب نفساً بالخروج ويخلف له فقوّه مما بيدك يكن لك الحظ.
وقيل المعنى أن الله يقبض بعض القلوب حتى لا تقدر على الإنفاق في الطاعة وعمل الخير ويبسط بعض القلوب حتى تقدر على فعل الطاعات والإنفاق في البر.
وعن ابن عمرو بن العاص قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: إن قلوب بني آدم بين أصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " اللهم مصرّف القلوب ثبت قلوبنا على طاعتك " أخرجه مسلم [[رواه مسلم/2654 عن عبد الله بن عمرو بن العاص.]].
وهذا الحديث من أحاديث الصفات التي يجب الإيمان بها وإمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تحريف ولا تعطيل ولا تأويل، وبهذا قال سلف هذه الأمة وأئمتها.
2:246Страница 40
أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلۡمَلَإِ مِنۢ بَنِيٓ إِسۡرَٰٓءِيلَ مِنۢ بَعۡدِ مُوسَىٰٓ إِذۡ قَالُواْ لِنَبِيّٖ لَّهُمُ ٱبۡعَثۡ لَنَا مَلِكٗا نُّقَٰتِلۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِۖ قَالَ هَلۡ عَسَيۡتُمۡ إِن كُتِبَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡقِتَالُ أَلَّا تُقَٰتِلُواْۖ قَالُواْ وَمَا لَنَآ أَلَّا نُقَٰتِلَ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَقَدۡ أُخۡرِجۡنَا مِن دِيَٰرِنَا وَأَبۡنَآئِنَاۖ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقِتَالُ تَوَلَّوۡاْ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِٱلظَّٰلِمِينَ ٢٤٦
Не знаешь ли ты о знати сынов Исраила (Израиля), живших после Мусы (Моисея)? Они сказали своему пророку: «Назначь для нас царя, чтобы мы сражались на пути Аллаха». Он сказал: «Может ли быть, что если вам будет предписано сражаться, вы не станете сражаться?». Они сказали: «Отчего же нам не сражаться на пути Аллаха, если мы изгнаны из наших жилищ и разлучены с нашими детьми?». Когда же им было предписано сражаться, они отвернулись, за исключением немногих. Аллах ведает о беззаконниках.
أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ هَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ أَلَّا تُقَاتِلُوا قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَقَدْ أُخْرِجْنَا مِنْ دِيَارِنَا وَأَبْنَائِنَا فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ (246)
(ألم تر إلى الملأ من بني إسرائيل) الكلام فيه كالكلام في قوله (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) وقد قدمناه، والملأ الأشراف من الناس كأنهم ملؤا شرفاً، وقال الزجاج: سُمُّوا بذلك لأنهم مليؤن بما يحتاج إليه منهم، وهو اسم جمع كالقوم والرهط لا واحد له من لفظه، قال الفراء الملأ الرجال في كل القرآن ويجمع على إملاء مثل سبب وأسباب.
ذكر الله سبحانه في التحريض على القتال قصة أخرى جرت في بني إسرائيل بعد القصة المتقدمة، والمعنى كائنين (من بعد) وفاة (موسى إذ قالوا لنبي لهم) قل هو شمويل بن يال ابن علقمة ويعرف بابن العجوز، ويقال فيه شمعون وهو من ولد يعقوب، وقيل من نسل هرون، وقيل هو يوشع بن نون وهذا ضعيف جداً لأن يوشع هو فتى موسى ولم يوجد داود إلا بعد ذلك بدهر طويل، وقيل هو بالعربية اسمعيل قاله أبو السعود.
(ابعث لنا ملكاً نقاتل في سبيل الله) المراد بالملك الأمير أي نرجع إليه ونعمل على رأيه (قال هل عسيتم إن كتب عليكم القتال أن لا تقاتلوا) عسى من أفعال المقاربة أي فهل قاربتم أن لا تقاتلوا وإدخال الاستفهام على فعل المقاربة لتقرير ما هو متوقع عنده والإشعار بأنه كائن، وفصل بين عسى وخبرها بالشرط للدلالة على الاعتناء به.
(قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله) قيل المعنى وأي شيء لنا أن لا نقاتل، وقيل غير ذلك قال النحاس: هذا هذا أجودها (وقد أُخرجنا من ديارنا وأبنائنا) إفراد الأولاد بالذكر لأنهم الذين وقع عليهم السبي أو لأنهم بمكان فوق مكان سائر القرابة، وهذا كلام عام والمراد منه خاص لأن القائلين لنبيهم ما ذكر كانوا في ديارهم، وإنما أخرج بعض آخر غيرهم.
ثم أخبر سبحانه أنهم تولّوا لما فرض عليهم القتال لاضطراب نياتهم وفتور عزائمهم فقال.
(فلما كتب عليهم القتال تولوا) بعد مشاهدة كثرة العدو وشوكته [[لذلك كان توجيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالنهي عن تمني لقاء العدو. فقد روي.
" لا تتمنوا لقاء العدو وسلوا الله العافية فإذا لقيتموه فاثبتوا ".
وفي رواية " لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا " رواه البخاري ومسلم عن أبي هريرة.]].
(إلا قليلاً منهم) واختلف في عدد قليل الذين استثناهم الله سبحانه وهم الذين اكتفوا بالغرفة.
(والله عليم بالظالمين) أي عالم بمن ظلم نفسه حين خالف أمر ربه ولم يف بما قال وهم بقية السبعين ألفاً وهم من عدا القليل المذكور.
2:247Страница 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ٱللَّهَ قَدۡ بَعَثَ لَكُمۡ طَالُوتَ مَلِكٗاۚ قَالُوٓاْ أَنَّىٰ يَكُونُ لَهُ ٱلۡمُلۡكُ عَلَيۡنَا وَنَحۡنُ أَحَقُّ بِٱلۡمُلۡكِ مِنۡهُ وَلَمۡ يُؤۡتَ سَعَةٗ مِّنَ ٱلۡمَالِۚ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصۡطَفَىٰهُ عَلَيۡكُمۡ وَزَادَهُۥ بَسۡطَةٗ فِي ٱلۡعِلۡمِ وَٱلۡجِسۡمِۖ وَٱللَّهُ يُؤۡتِي مُلۡكَهُۥ مَن يَشَآءُۚ وَٱللَّهُ وَٰسِعٌ عَلِيمٞ ٢٤٧
Их пророк сказал им: «Аллах назначил вам царем Талута (Саула)». Они сказали: «Как он может стать нашим царем, если мы более достойны править, чем он, и он лишен достатка в имуществе?». Он сказал: «Аллах предпочел его вам и щедро одарил его знаниями и статью. Аллах дарует Свое царство, кому пожелает. Аллах - Объемлющий, Знающий».
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (247)
(وقال لهم نبيهم) شروع في تفصيل ما جرى بينهم وبين نبيهم من الأقوال والأفعال (إن الله قد بعث لكم طالوت ملكاً) وهو اسم أعجمي وكان سقّاءً، وقيل راعياً، وقيل دباغاً، وقيل مكارياً واسمه بالعبرانية شاول ابن قيس وجعله فعلوتاً من الطول تعسف يدفعه منع صرفه.
(قالوا أنى يكون له الملك علينا) أي كيف يكون ذلك وكيف يستحقه ولم يكن من بيت الملك (ونحن أحق بالملك منه) وإنما قالوا ذلك لأنه كان في بني إسرائيل سبطان سبط نبوة وسبط مملكة فسبط النبوة سبط لاوى ابن يعقوب، ومنه كان موسى وهرون عليهما السلام، وسبط المملكة سبط يهوذا بن يعقوب ومنه كان داود وسليمان عليهما السلام، ولم يكن طالوت من أحدهما، وإنما كان من سبط بنيامين بن يعقوب عليه السلام، فلهذا أنكروا كونه ملكاً لهم وزعموا أنهم أحق بالملك منه.
ثم أكدوا ذلك بقولهم (ولم يؤت سعة من المال) أي ولا هو ممن أوتي سعة من المال حتى نتبعه لشرفه أو لماله بل هو فقير، والملك يحتاج إلى المال (قال) يعني شمويل النبي (إن الله اصطفاه عليكم) أي اختاره وخصه بالملك واختيار الله هو الحجة القاطعة.
ثم بين لهم مع ذلك وجه الاصطفاء وقال (وزاده بسطة) أي فضيلة وسعة (في العلم) الذي هو ملاك الإنسان ورأس الفضائل وأعظم وجوه الترجيح، وكان من أعلم بني إسرائيل وقيل هو العلم بالحرب وبالملك، وقيل به وبالديانات (والجسم) الذي يظهر به الأثر في الحروب ونحوها فكان قوياً في دينه وبدنه، وذلك هو المعتبر لأشرف النسب، فإن فضائل النفس مقدمة عليه [[قال ابن عباس: كان طالوت أعلم بني إسرائيل بالحرب، وكان يفوق الناس بمنكبيه وعنقه ورأسه.
وهل كانت هذه الزيادة قبل الملك، أم أحدثت له بعد الملك؟ فيه قولان. أحدهما: قبل الملك، قاله وهب، والسدي. والثاني: بعد الملك، قاله ابن زيد. والمراد بتعظيم الجسم، فضل القوة، إذ العادة أن من كان أعظم جسماً، كان أكثر قوة والواسع: الغني.
ذكر أهل التفسير أن نبي بني إسرائيل سأل الله أن يبعث لهم ملكاً، فأتى بعصا وقرن فيه دهن، وقيل له: إن صاحبكم الذي يكون ملكاً يكون طوله طول هذه العصا، ومتى دخل عليك رجل، فنشق الدهن، فهو الملك، فادهن به رأسه، وملكه على بني إسرائيل، فقاس القوم أنفسهم بالعصا، فلم يكونوا على مقدارها. قال عكرمة، والسدي: كان طالوت سقاءً يسقي على حمار له، فضلّ حماره، فخرج يطلبه. وقال وهب: بل كان دباغاً يعمل الأدم، فضلت خمرٌ لأبيه، فأرسل مع غلام له في طلبها، فمر ببيت شمويل النبي - صلى الله عليه وسلم -، فدخلا ليسألاه عن ضالتهما، فنشق الدهن، فقام شمويل، فقاس طالوت بالعصا، وكان على مقدارها، فدهنه، ثم قال له: أنت ملك بني إسرائيل، فقال طالوت: أما علمت أن وسطي أدنى أسباط بني إسرائيل، وبيتي أدنى بيوتهم؟ قال: بلى. قال: فبأية آية؟ قال: بآية أنك ترجع وقد وجد أبوك حمره، فكان كما قال.]].
وفي هذه الآية دليل على بطلان قول من زعم من الشيعة أن الأمامة موروثة، وكان طالوت أطول من الناس برأسه ومنكبيه، وقيل بالجمال وكان من أجملهم، وقيل المراد به القوة لأن العلم بالحروب والقوة على الأعداء مما فيه حفظ المملكة.
(والله يؤتي ملكه من يشاء) فالملك ملكه والعبيد عبيده، فما لكم والأعتراض على شيء ليس هو لكم ولا أمره إليكم.
وقد ذهب بعض المفسرين إلى أن قوله هذا من قول نبينا محمد - صلى الله عليه وسلم - وقيل هو من قول نبيهم وهو الظاهر، وقيل من كلام الله لمحمد - صلى الله عليه وسلم - (والله واسع) أي واسع الفضل يوسع على من يشاء من عباده (عليم) بمن يستحق الملك ويصلح له.
2:248Страница 40
وَقَالَ لَهُمۡ نَبِيُّهُمۡ إِنَّ ءَايَةَ مُلۡكِهِۦٓ أَن يَأۡتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَبَقِيَّةٞ مِّمَّا تَرَكَ ءَالُ مُوسَىٰ وَءَالُ هَٰرُونَ تَحۡمِلُهُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٢٤٨
Их пророк сказал им: «Знамением его царствия станет то, что к вам явится сундук с умиротворением от вашего Господа. В нем будет то, что осталось после семьи Мусы (Моисея) и семьи Харуна (Аарона). Его принесут ангелы. Это будет знамением для вас, если только вы являетесь верующими».
وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ آَيَةَ مُلْكِهِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ التَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَبَقِيَّةٌ مِمَّا تَرَكَ آَلُ مُوسَى وَآَلُ هَارُونَ تَحْمِلُهُ الْمَلَائِكَةُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (248)
(وقال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت) التابوت فعلوت من التوب وهو الرجوع لأنهم يرجعون إليه أي علامة ملكه إتيان التابوت الذي أخذ منكم أي رجوعه إليكم، وهو صندوق التوراة قيل وكان من خشب الشمشاد وهو الذي تتخذ منه الأمشاط طوله ثلاثة أذرع في عرض ذراعين.
(فيه سكينة من ربكم) السكينة فعيلة مأخوذة من السكون والوقار والطمأنينة أي فيه سبب سكون قلوبكم فيما اختلفتم فيه من أمر طالوت، وقيل الضمير للإتيان أي في إتيانه سكون لكم أو للتابوت أي مودع فيه ما تسكنون إليه وهو التوراة، قال ابن عطية: الصحيح أن التابوت كانت فيه أشياء فاضلة من بقايا الأنبياء وآثارهم فكانت النفوس تسكن إلى ذلك وتأنس به وتتقوى، وقد اختلف في السكينة على أقوال سيأتي بيان بعضها.
(وبقية مما ترك آل موسى وآل هرون) اختلف في البقية فقيل هي عصا موسى ورضاض الألواح، قال ابن عباس وقيل عصا موسى وعصا هرون وشيء من ألواح التوراة، وقيل كانت التوراة والعلم وقيل كان فيه عصا موسى ونعلاه وعصا هرون وعمامته وقفيز من المن، وكان عند بني اسرائيل يتوارثونه قرناً بعد قرن، فلما عصوا وأفسدوا سلّط عليهم العمالقة فغلبوهم عليه وأخذوه منهم، وقيل غير ذلك.
وقيل المراد بآل موسى وهرون هما أنفسهما أي مما ترك موسى وهرون، ولفظ آل مقحمة لتفخيم شأنهما، وقيل المراد الأنبياء من بني يعقوب لأنهما من ذرية يعقوب فسائر قرابته ومن تناسل منه آل لهما.
(تحمله الملائكة) أي تسوقه، قال ابن عباس: جاءت الملائكة بالتابوت تحمله بين السماء والأرض وهم ينظرون إليه حتى وضعته عند طالوت فلما رأوا ذلك قالوا نعم، فسلموا له الرياسة وملكوه، وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا التابوت بين أيديهم ويقولون إن آدم نزل بذلك التابوت وبالركن وبعصا موسى من الجنة، وبلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة.
وقال قتادة: كان التابوت في التيه خلفه موسى عند يوشع بن نون فبقي هناك فأقبلت الملائكة تحمله حتى وضعته في دار طالوت فأصبح في داره فأقروا بملكه، وقد ورد هذا المعنى مختصراً ومطولاً عن جماعة من السلف فلا يأتي التطويل بذكر ذلك بفائدة يعتد بها.
وعن ابن عباس أيضاً كان طالوت عظيماً جسيماً يفضل بني إسرائيل بعنقه ولم يأته وحي وكانت سعة تابوت موسى نحواً من ثلاثة أذرع من ذراعين.
والسكينة الرحمة والطمأنينة أو الدابة قدر الهرة لها عينان لهما شعاع وكان إذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم فيهزم الجيش من الرعب، وعن علي السكينة ريح خجوج هفافة ولها رأسان ووجه كوجه الإنسان، وقال مجاهد: السكينة شيء يشبه الهرة له رأس كرأس الهرة ووجه كوجه الهرة وجناحان وذنب مثل ذنب الهرة، وعن ابن عباس: السكينة طشت من ذهب من الجنة كان يغسل فيه قلوب الأنبياء ألقى الألواح فيه.
وعن وهب بن منبه أنه قال: هي روح من الله تتكلم إذا اختلفوا في شيء تكلم فتخبرهم ببيان ما يريدون، وعن الحسن قال: هي شيء تسكن إليه قلوبهم، وعن عطاء بن أبي رباح: هي ما يعرفون من الآيات التي يسكنون إليها.
وأقول هذه التفاسير المتناقضة لعلها وصلت إلى هؤلاء الأعلام من جهة اليهود أقمأَهم الله فجاؤا بهذه الأمور لقصد التلاعب بالمسلمين والتشكيك عليهم، وانظر إلى جعلهم لها تارة حيواناً وتارة جماداً وتارة شيئاً لا يعقل وهكذا كل منقول عن بني اسرائيل يتناقض ويشتمل على ما لا يعقل في الغالب ولا يصح أن يكون مثل هذه التفاسير التناقضة مروياً عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا رأياً رآه قائله، فهم أجلّ قدراً عن التفسير بالرأي وبما لا مجال للاجتهاد فيه [[وقد ذكر الشوكاني رحمه الله في تفسيره - عبارة " وأقول هذه التفاسير .... " فلا أدري هل نسي المؤلف رحمه الله نسبتها للشوكاني أم قد سقطت في الطبع ".]].
إذا تقرر لك هذا عرفت أن الواجب الرجوع في مثل ذلك إلى معنى السكينة لغة وهو معروف ولا حاجة إلى ركوب هذه الأمور المتعسفة المتناقضة فقد جعل الله عنها سعة، ولو ثبت لنا في السكينة تفسير عن النبي - صلى الله عليه وسلم - لوجب علينا المصير إليه والقول به، ولكنه لم يثبت من وجه صحيح بل ثبت أنها تنزلت على بعض الصحابة عند تلاوته للقرآن كما في صحيح مسلم عن البراء قال: كان رجل يقرأ سورة الكهف وعنده فرس مربوط فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها فلما أصبح أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فذكر ذلك له فقال: تلك السكينة نزلت للقرآن [[قال ابن جرير الطبري: فأولى هذه الأقوال بالحق في معنى السكينة ما قاله عطاء بن أبي رباح أنها الشيء تسكن إليه النفوس من الآيات التي يعرفونها.]].
وليس في هذا إلا أن هذه التي سماها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سكينة سحابة دارت على ذلك القارىء فالله أعلم.
وعن أبي صالح قال: كان في التابوت عصا موسى وعصا هرون وثياب موسى وثياب هرون ولوحان من التوراة والمن، وكلمة الفرج " لا إله إلا الله الحليم الكريم سبحان الله رب السموات ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين "، وقال قتادة والكلبي: السكينة الطمأنينة ففي أي مكان كان التابوت اطمأنوا وسكنوا إليه [[قال القرطبي 3/ 249:
قلت: وفى صحيح مسلم عن البَراء قال: كان رجل يقرأ سورة " الكهف " وعنده فرس مربوط بشَطَنَيْن فتغشته سحابة فجعلت تدور وتدنو وجعل فرسه ينفر منها، فلما أصبح أتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له فقال: " تلك السكينة تنزلت للقرآن ". وفي حديث أبي سعيد الخدري: أن أسيد بن الحضَير بينما هو ليلة يقرأ في مربده الحديث. وفيه: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: " تلك الملائكة كانت تستمع لك ولو قرأت لأصبحت يراها الناس ما تستتر منهم " أخرجه البخاري ومسلم. فأخبر صلى الله عليه وسلم عن نزول السكينة مرة، ومرة عن نزول الملائكة؛ فدل على أن السكينة كانت في تلك الظُّلة، وأنها تنزل ابداً مع الملائكة. وفي هذا حجة لمن قال أن السكينة روح؛ لأنه لا يصح استماع القرآن إلا لمن يعقل، والله أعلم.]].
وهذا القول أولى بالصحة، فعلى هذا كل شيء كانوا يسكنون إليه فهو سكينة فيحمل على جميع ما قيل فيه لأن كل شيء يسكن إليه القلب فهو سكينة، ولم يرد فيه نص صريح فلا يجوز تصويب قول وتضعيف آخر، والمرجع فيه إلى اللغة كما تقدم والله أعلم.
(إن في ذلك) أي في مجيء التابوت (لآية لكم) أي علامة ودلالة على صدقي ما أخبرتكم به (إن كنتم مؤمنين) يعني مصدقين، قال المفسرون: فلما جاءهم التابوت وأقروا بالملك لطالوت تأهبوا للخروج إلى الجهاد فأسرعوا لطاعته وخرجوا معه وذلك وقوله:
2:249Страница 41
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِٱلۡجُنُودِ قَالَ إِنَّ ٱللَّهَ مُبۡتَلِيكُم بِنَهَرٖ فَمَن شَرِبَ مِنۡهُ فَلَيۡسَ مِنِّي وَمَن لَّمۡ يَطۡعَمۡهُ فَإِنَّهُۥ مِنِّيٓ إِلَّا مَنِ ٱغۡتَرَفَ غُرۡفَةَۢ بِيَدِهِۦۚ فَشَرِبُواْ مِنۡهُ إِلَّا قَلِيلٗا مِّنۡهُمۡۚ فَلَمَّا جَاوَزَهُۥ هُوَ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ قَالُواْ لَا طَاقَةَ لَنَا ٱلۡيَوۡمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦۚ قَالَ ٱلَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُم مُّلَٰقُواْ ٱللَّهِ كَم مِّن فِئَةٖ قَلِيلَةٍ غَلَبَتۡ فِئَةٗ كَثِيرَةَۢ بِإِذۡنِ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ مَعَ ٱلصَّٰبِرِينَ ٢٤٩
Когда Талут (Саул) отправился в путь с войском, он сказал: «Аллах подвергнет вас испытанию рекой. Кто напьется из нее, тот не будет со мной. А кто не отведает ее, тот будет со мной. Но это не относится к тем, кто зачерпнет пригоршню воды». Напились из нее все, за исключением немногих из них. Когда же он и уверовавшие вместе с ним перебрались через реку, они сказали: «Сегодня мы не справимся с Джалутом (Голиафом) и его войском». Но те, которые были убеждены в том, что встретятся с Аллахом, сказали: «Сколько малочисленных отрядов победило многочисленные отряды по воле Аллаха!». Ведь Аллах - с терпеливыми.
فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ فَلَمَّا جَاوَزَهُ هُوَ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ قَالُوا لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلَاقُو اللَّهِ كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ (249)
(فلما فصل طالوت بالجنود) فصل معناه خرج بهم يقال فصلت الشيء فانفصل أي قطعته فانقطع، وأصله متعد يقال فصل نفسه ثم استعمل استعمال اللازم كانفصل، وقيل يستعمل لازماً ومتعدياً، يقال فصل عن البلد فصولاً وفصل نفسه فصلاً، والمعنى قطع مستقره شاخصاً إلى غيره، فخرج طالوت من بيت المقدس بالجنود وهم سبعون ألف مقاتل، وقيل ثمانون ألفاً وقيل مائة وعشرون ألفاً ولم يتخلف عنه إلا كبير لكبره أو مريض لمرضه أو معذور لعذره، وكان مسيرهم في حر شديد فشكوا إلى طالوت قلة الماء بينهم وبين عدوهم، وقالوا إن المياه لا تحملنا فادع الله أن يجري لنا نهراً.
(قال) طالوت (إن الله مبتليكم بِنَهَرٍ) أي مختبركم والإبتلاء الاختبار، والنهر قيل هو بين الأردن وفلسطين، وأردن موضع ذو رمل قريب من بيت المقدس، والمراد بهذا الابتلاء اختبار طاعتهم فمن أطاع في ذلك الماء أطاع فيما عداه ومن عصى في هذا وغلبته نفسه فهو في العصيان في سائر الشدائد أحرى.
(فمن شرب منه) قليلاً كان أو كثيراً (فليس مني) أي ليس من أهلِ ديني وطاعتي (ومن لم يطعمه) أي لم يذقه يعني الماء أصلاً لا قليلاً ولا كثيراً (فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده) رخص لهم في الغرفة ليرتفع عنهم أذى العطش بعض الارتفاع وليكسروا نزاع النفس في هذه الحال.
وفيه أن الغرفة تكف سَوْرة العطش عند الصابرين على شظف العيش الدافعين أنفسهم عن الرفاهية.
فالمراد بقوله (فمن شرب منه) أي كرع ولم يقتصر على الغرفة، ومعنى ليس مني ليس من أصحابي، من قولهم فلان من فلان كأنه بعضه لاختلاطهما وطول صحبتهما، وهذا في كلام العرب معروف، يقال طعمت الشيء أي ذقته، وأطعمته الماء أي أذقته.
وفيه دليل على أن الماء يقال له طعام، والإغتراف الأخذ من الشيء باليد أو بآلة، والغرف مثل الإغتراف، والغرفة المرة الواحدة، وقد قرىء بفتح الغين وضمها فالفتح للمرة والضم اسم للشيء المغترف، وقيل بالفتح الغرفة الواحدة بالكف وبالضم الغرفة بالكفين، وقيل هما لغتان بمعنى واحد.
(فشربوا منه) أي من النهر (إلا قليلاً منهم) وهم المذكورون في قوله (ومن لم يطعمه) قال القرطبي: إن القليل لم يشرب أصلاً، قال سعيد بن جبير: القليل ثلثمائة وبضعة عشر رجلاً عدة أهل بدر.
وعن البراء قال: كنا أصحاب محمد - صلى الله عليه وسلم - نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، ولم يجاوز معه إلا بضعة عشر وثلثمائة وعن قتادة قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لأصحابه يوم بدر: أنتم بعدة أصحاب طالوت يوم لقي جالوت [[رواه ابن جرير عن قتادة قال: ذكر لنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال لأصحابه يوم بدر، فذكره. وأخرج أحمد والبخاري وغيره عن البراء بن عازب قال: كنا أصحاب محمد نتحدث أن أصحاب بدر على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر -ولم يجاوز معه إلا مؤمن- بضعة عشر وثلاثمائة.]].
وعن ابن عباس قال: كانوا ثلثمائة ألف وثلاثة آلاف وثلثمائة وثلاثة عشر فشربوا منه كلهم إلا ثلثمائة وثلاثة عشر رجلاً عدة أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم بدر فردهم طالوت ومضى ثلثمائة وثلاثة عشر، وقرىء إلا قليل، ولا وجه له إلا ما قيل من أنه من هجر اللفظ إلى جانب المعنى أي لم يطعمه إلا قليل وهو تعسف.
(فلما جاوزه هو) أي جاوز النهر طالوت (والذين آمنوا معه) وهم القليل الذين أطاعوه واقتصروا على الغرفة وقال القرطبي: هم الذين لم يذوقوا الماء أصلاً (وقالوا) أي الذين شربوا (لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده) أي بمحاربتهم ومقاومتهم فضلاً عن أن يكون لنا غلبة عليهم لما شاهدوا منهم من الكثرة والشدة، قال القرطبي: قيل وكانوا مائة ألف رجل شاكي السلاح وأكثر المفسرين على أنهم قالوا هذا القول بعدما عبروا النهر مع طالوت، ورأوا جالوت وجنوده فرجعوا منهزمين قائلين هذه المقالة.
وبعض المفسرين على أن العصاة لم يعبروا النهر بل وقفوا بساحله وقالوا معتذرين عن التخلف منادين ومسمعين لطالوت والمؤمنين الذين معه لا طاقة لنا اليوم الخ، والجند الأنصار والأعوان والجمع أجناد وجنود الواحد جندي.
فالياء للوحدة مثل روم ورومي.
و (قال الذين يظنون) أي يتيقنون رداً على المتخلفين (أنهم ملاقوا الله) أي أنهم يستشهدون عما قريب فيلقون الله، صرح به القاضي كالكشاف (كم من فئة قليلة) الفئة الجماعة لا واحد له من لفظه والقطعة منهم من فأوت رأسه بالسيف أي قطعته (غلبت فئة كثيرة بإذن الله) أي بقضاء الله وإرادته (والله مع الصابرين) بالنصر والعون، وهذه من جملة مقولهم، ويحتمل أنها من كلام الله تعالى أخبر بها عن حال الصابرين فلا محل لها من الإعراب.
وَلَمَّا بَرَزُوا لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ قَالُوا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (250) فَهَزَمُوهُمْ بِإِذْنِ اللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُودُ جَالُوتَ وَآَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَهُ مِمَّا يَشَاءُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (251)
2:250Страница 41
وَلَمَّا بَرَزُواْ لِجَالُوتَ وَجُنُودِهِۦ قَالُواْ رَبَّنَآ أَفۡرِغۡ عَلَيۡنَا صَبۡرٗا وَثَبِّتۡ أَقۡدَامَنَا وَٱنصُرۡنَا عَلَى ٱلۡقَوۡمِ ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٥٠
Когда они показались перед Джалутом (Голиафом) и его войском, то сказали: «Господь наш! Пролей на нас терпение, укрепи наши стопы и помоги нам одержать победу над неверующими людьми».
(ولما برزوا لجالوت وجنوده) أي صاروا في البراز وهو المتسع من الأرض وما انكشف منها واستوى، ومنه سميت المبارزة في الحرب لظهور كل قرن إلي صاحبه.
والمعنى ظهروا لقتالهم وتصافحوا، والبراز بالفتح والكسر لغة قليلة: الفضاء الواسع الخالي من الشجر، وجالوت أمير العمالقة وكان جباراً من أولاد عمليق بن عاد (قالوا) أي جميع من معه من المؤمنين (ربنا أفرغ) أي أصبب (علينا صبراً) الإفراغ يفيد معنى الكثرة (وثبت أقدامنا) عبارة عن كمال القوة والرسخ وعدم الفشل والتزلزل عند المقاومة، يقال ثبت قدم فلان على كذا إذا استقر له ولم يزل عنه وثبت قدمه في الحرب إذا كان الغلب له والنصر معه، وليس المراد تقررها في مكان واحد (وانصرنا على القوم الكافرين) هم جالوت وجنوده، ووضع الظاهر موضع المضمر إظهاراً لما هو العلة الموجبة للنصرة عليهم وهي كفرهم، وذكر النصر بعد سؤال تثبيت الأقدام لكون الثاني هو غاية الأول.
2:251Страница 41
فَهَزَمُوهُم بِإِذۡنِ ٱللَّهِ وَقَتَلَ دَاوُۥدُ جَالُوتَ وَءَاتَىٰهُ ٱللَّهُ ٱلۡمُلۡكَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَعَلَّمَهُۥ مِمَّا يَشَآءُۗ وَلَوۡلَا دَفۡعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لَّفَسَدَتِ ٱلۡأَرۡضُ وَلَٰكِنَّ ٱللَّهَ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡعَٰلَمِينَ ٢٥١
Они разгромили их по воле Аллаха. Давуд (Давид) убил Джалута (Голиафа), и Аллах даровал ему царство и мудрость и научил его тому, чему пожелал. Если бы Аллах не сдерживал одних людей посредством других, то земля пришла бы в расстройство. Однако Аллах милостив к мирам.
(فهزموهم بإذن الله) الهزم الكسر ومنه سقاء منهزم أي انثنى بعضه على بعض مع الجفاف، ومنه ما قيل في زمزم إنها هزمة جبريل أي هزمها برجله فخرج الماء، والهزم ما يكسر من يابس الحطب، وتقدير الكلام فأنزل الله عليهم النصر فهزموهم بأمر الله وإرادته.
(وقتل داود جالوت) هو داود بن إيشاو ويقال ابن داود بن زكريا ابن بشوى من سبط يهوذا ابن يعقول جمع الله له بين النبوة والملك بعد أن كان راعياً، وكان أصغر أخوته، اختاره طالوت لمقابلة جالوت فقتله، وكان يومئذ صغيراً لم يبلغ الحلم سقيماً أصفر اللون يرعى الغنم، فهذه الواقعة قبل نبوته وأن أباه كان من جملة جيش طالوت.
وعن مجاهد وغيره قال: كان طالوت أميراً على الجيش فبعث أبو داود مع داود بشيء إلى إخوته فقال داود لطالوت: ماذا لي وأقتل جالوت فقال: لك ثلث ملكي وأنكحك ابنتي فأخذ نحلاة فجعل فيها ثلاث مروات ثم سمى إبراهيم وإسحق ويعقوب ثم أدخل يده فقال بسم الله إلهي وإله آبائي إبراهيم وإسحق ويعقوب فخرج على إبراهيم فجعله في مرجمته فرمى بها جالوت فخرق ثلاثة وثلاثين بيضة عن رأسه، وقتلت ما وراءه ثلاثين رجلاً فأخذ داود جالوت حتى ألقاه بين يدي طالوت ففرح بنو إسرائيل فزوجه ابنته، وأعطاه نصف الملك فمكث معه كذلك أربعين سنة فمات طالوت واستقل داود بالملك سبع سنين، ثم انتقل إلى رحمة الله تعالى فسبحان من لا ينقضي ملكه، وقد ذكر المفسرون أقاصيص كثيرة من هذا الجنس فالله أعلم.
(وآتاه الله) أي داود (الملك) الكامل سبع سنين بعد موت طالوت (والحكمة) والمراد بالحكمة هنا النبوة، وقيل هي تعليمه صنعة الدروع من الحديد وكان يلين في يده وينسجه كنسج الغزل، ومنطق الطير والألحان أي فهم أصواته، وكذا البهائم، وقيل هي إعطاؤه السلسلة التي كانوا يتحاكمون إليها.
(وعلّمه مما يشاء) قيل إن المضارع هنا موضوع موضع الماضي وفاعل ذلك هو الله تعالى، وقيل داود، وظاهر هذا التركيب أن الله سبحانه علمه مما قضت به مشيئته وتعلقت به إرادته، وقد قيل إن من ذلك ما قدمناه من تعليمه صنعة الدروع وما بعده، قيل كان ملك طالوت إلى أن قتل مدة أربعين سنة فأتى بنو إسرائيل إلى داود فملكوه عليهم وأعطوه خزائن طالوت.
قال الكلبي والضحاك: ملك داود بعد قتل طالوت نحو سبع سنين ولم يجتمع بنو إسرائيل على ملك واحد إلا على داود، فجمع الله لداود بين الملك والنبوة ولم يكن كذلك من قبل، ولم يجتمعا لأحد قبله، بل كانت النبوة في سبط، والملك في سبط ثم جمع الله له ذلك ولابنه سليمان بين الملك والنبوة.
(ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض) قرىء الدفع والدفاع وهما مصدران لدفع كذا وعلى القراءتين فالمصدر مضاف إلى الفاعل أي ولولا دفع الله الناس، وبعضهم بدل من الناس وهم الذين يباشرون أسباب الشر والفساد ببعض آخر منهم، وهم أهل الإيمان الذين يكفّونهم عن ذلك ويردونهم عنه.
(لفسدت الأرض) لتغلب أهل الفساد عليها وإحداثهم الشرور التي تهلك الحرث والنسل، قال ابن عباس: يدفع الله بمن يصلي عمن لا يصلي وبمن يحج عمن لا يحج وبمن يزكي عمن لا يزكي.
وأخرج ابن عدي وابن جرير بسند ضعيف عن ابن عمر قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: إن الله ليدفع بالمسلم الصالح عن مائة أهل بيت من جيرانه البلاء ثم قرأ ابن عمر (ولولا دفع الله الناس) الآية في إسناده يحيى بن سعيد العطار وهو ضعيف جداً ورواه أحمد أيضاً [[ضعيف جداً رواه ابن جرير في التفسير 5/ 574/5753 والعقيلي في الضعفاء/463 والواحدي في تفسيره الوسيط 1/ 91/2 وابن عدي 100/ 2.]].
(ولكن الله ذو فضل) التنكير للتعظيم (على العالمين) أي عمّ فضله الناس كلهم.
تِلْكَ آَيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (252) تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ وَآَتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلَ الَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آَمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ (253)
2:252Страница 41
تِلۡكَ ءَايَٰتُ ٱللَّهِ نَتۡلُوهَا عَلَيۡكَ بِٱلۡحَقِّۚ وَإِنَّكَ لَمِنَ ٱلۡمُرۡسَلِينَ ٢٥٢
Таковы аяты Аллаха. Мы читаем их тебе истинно, и ты - один из посланников.
(تلك آيات الله) هي ما اشتملت عليه هذه القصة من الأمور المذكورة (نتلوها عليك بالحق) والمراد بالحق هنا الخبر الصحيح الذي لا ريب فيه عند أهل الكتاب والمطلعين على أخبار العالم (وإنك لمن المرسلين) إخبار من الله سبحانه بأنه من جملة رسل الله سبحانه تقوية لقلبه وتثبيتاً لجنانه وتشييداً لأمره، وأن الذي يخبر به من الأخبار العجيبة والقصص القديمة وحي من الله من غير أن يعرفها بقراءة كتب ولا استماع أخبار فدل ذلك على رسالتك.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии