Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском
Аль-Бакара 2:56–62
2:56Страница 8
ثُمَّ بَعَثۡنَٰكُم مِّنۢ بَعۡدِ مَوۡتِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٥٦
Затем Мы воскресили вас после смерти, - быть может, вы будете благодарны.
(ثم بعثناكم من بعد موتكم) ولا موجب للمصير إلى هذا التفسير لأن المصعوق قد يموت كما في هذه الآية وقد يغشى عليه ثم يفيق كما في قوله تعالى (وخر موسى صعقاً فلما أفاق) ومما يوجب بعد ذلك قوله.
(وأنتم تنظرون) فإنها لو كانت الصاعقة عبارة عن الموت لم يكن لهذه الجملة كثير معنى، بل قد يقال أنه لا يصح أن ينظروا الموت النازل بهم إلا أن يكون المراد نظر الأسباب المؤثرة للموت، قيل أنهم نظروا أوائل الصاعقة النازلة بهم الواقعة عليهم لا آخرها الذي ماتوا عنده، والمعنى ينظر بعضكم إلى بعض كيف يأخذه الموت وكيف يحيا، وإنما عوقبوا بأخذ الصاعقة لهم لأنهم طلبوا ما لم يأذن به الله من رؤيته في الدنيا.
(ثم بعثناكم من بعد موتكم) المراد بذلك الإحياء لهم لوقوعه بعد الموت فبعثوا بعد الموت ليستوفوا آجالهم، قاله أنس، ولو أنهم قد ماتوا لانقضاء آجالهم لم يبعثوا إلى يوم القيامة، وأصل البعث الإثارة للشيء من محله وقد تكون عن إغماء ونوم، ولهذا قيد البعث بالموت.
وقد ذهبت المعتزلة ومن تابعهم إلى إنكار الرؤية في الدنيا والآخرة، وذهب من عداهم إلى جوازها في الدنيا والآخرة، ووقوعها في الآخرة، وقد تواترت الأحاديث الصحيحة بأن العباد يرون ربهم في الآخرة وهي قطعيَّة الدلالة لا ينبغي لمنصف أن يتمسك في مقابلها بتلك القواعد الكلامية التي جاء بها قدماء المعتزلة، وزعموا أن العقل قد حكم بها دعوى مبنية على شفا جرف هار، وقواعد لا يغتر بها إلا من لم يحظ من العلم النافع بنصيب، وسيأتيك بيان ما تمسكوا به من الأدلة القرآنية، وكلها خارج عن محل النزاع، بعيد من موضع الحجة، وليس هذا موضع المقال في هذه المسألة، وقد استوعب الحافظ ابن القيم الكلام عليها في كتابه حادي الأرواح بما يشفي العليل ويروي الغليل فليرجع إليه (لعلكم تشكرون) إنعامنا ذلك أي بالبعث بعد الموت، قاله أبو السعود أو ما كفرتموه قاله البيضاوي [[ورد في صحيح مسلم إثبات رؤية المؤمنين في الآخرة ربهم سبحانه وتعالى.
- (1/ 181) عن صهيب عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: " إذا دخل أهل الجنة الجنة، قال: يقول الله تبارك وتعالى: تريدون شيئاً أزيدكم؟ فيقولون: ألم تبيض وجوهنا؟ ألم تدخلنا الجنة وتنجنا من النار؟ قال فيكشف الحجاب، فما أعطوا شيئاً أحب إليهم من النظر إلى ربهم عز وجل ". وفي رواية " ثم تلا هذه الآية للذين أحسنوا الحسنى وزيادة " يونس/26.
- وعن أبي بكر بن عبد الله بن قيس عن أبيه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما. وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. وما بين القوم وبين أن ينظروا إلى ربهم إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن (مسلم/180).]].
وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (57) وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَدًا وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (58)
2:57Страница 8
وَظَلَّلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡغَمَامَ وَأَنزَلۡنَا عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَنَّ وَٱلسَّلۡوَىٰۖ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡۚ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٥٧
Мы осенили вас облаками и ниспослали манну и перепелов: «Вкушайте блага, которыми Мы наделили вас». Они не были несправедливы по отношению к Нам - они поступали несправедливо лишь по отношению к себе.
(وظللنا عليكم الغمام) أي جعلناه كالظلة، والغمام جمع غمامة قاله الأخفش، قال الفراء ويجوز غمائم قال ابن عباس غمام أبرد من هذا وأطيب، وهو الذي يأتي الله فيه يوم القيامة، وهو الذي جاءت فيه الملائكة يوم بدر، وكان معهم في التيه، وقال قتادة كان هذا الغمام في البرية ظلل عليهم من الشمس وجعل لهم عموداً من نور يضيء لهم بالليل إذا لم يكن قمر، والتيه واد بين الشام ومصر وقدره تسعة فراسخ مكثوا فيه أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى الخروج.
(وأنزلنا عليكم المن والسلوى) يعني في التيه، قال قتادة أطعمهم ذلك حين برزوا إلى البرية، فكان المن يسقط عليهم في محلتهم طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سقوط الثلج أشد بياضاً من اللبن وأحلى من العسل، فيأخذ الرجل قدر ما يكفيه يومه ذلك فإن تعدى ذلك فسد ما يبقى عنده، حتى إذا كان يوم سادسه يوم جمعة أخذ ما يكفيه ليوم سادسه ويوم سابعه فبقي عنده لأنه كان يوم عيد لا يشخص فيه لأمر المعيشة، ولا لطلبة شيء، وهذا كله في البرية.
وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين وقالوا لموسى (اذهب أنت وربك فقاتلا) وسيأتي بسطه في سورة المائدة، وكان عدد الذين تاهوا ستمائة ألف وماتوا كلهم في التيه إلا من لم يبلغ العشرين، ومات فيه موسى وهارون، وكان موت موسى بعد هارون بسنة، والمن قيل هو الترنجبين وعلى هذا أكثر المفسرين وهو طل ينزل من السماء على شجر أو حجر ويحلو وينعقد عسلاً ويجف جفاف الصمغ، ذكر معناه في القاموس، وقيل المن العسل وقيل شراب حلو، وقيل خبز الرقاق، قاله وهب، وقيل هو مصدر يعم جميع ما مَنَّ الله به على عباده من غير تعب ولا زرع، ومنه ما ثبت في صحيح البخاري ومسلم من حديث سعيد بن زيد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - إن الكمأة من المن الذي أنزل على موسى، وقد ثبت مثله من حديث أبي هريرة عند أحمد والترمذي.
ومن حديث جابر وأبى سعيد وابن عباس عند النسائي، وقد قالوا يا موسى قد قتلنا المن بحلاوته فادع لنا ربك أن يطعمنا اللحم، فأرسل الله عليهم السلوى، قيل هو السماني كحباري طائر يذبحونه فيأكلونه يبعثهما عليهم الجنوب، قال ابن عطية السلوى طائر بإجماع المفسرين، قال القرطبي ما ادعاه من الإجماع لا يصح، وقد قال المؤرخ أحد علماء اللغة والتفسير أنه العسل، وبه قال الجوهري: وقال ابن يحيى السلوى طائر يشبه السماني وخاصيته أن أكل لحمه يلين القلوب القاسية يموت إذا سمع صوت الرعد كما أن الخطاف يقتله البرد فيلهمه الله تعالى أن يسكن جزائر البحر التي لا يكون فيها مطر ولا رعد إلى انقضاء أوان المطر والرعد فيخرج من الجزائر وينتشر في الأرض، قال الأخفش السلوى لا واحد له من لفظه مثل الخير والشر وهو يشبه أن يكون واحده سلوى مثل جماعته، وقال الخليل واحده سلواة، وقال الكسائي السلوى واحدة وجمعه سلاوى، وقيل هو السماني بعينه فكان الرجل يأخذ ما يكفيه يوماً وليلة فإذا كان يوم الجمعة يأخذ ما يكفيه ليومين لأنه لم يكن ينزل يوم السبت شيء.
(كلوا) أي وقلنا لهم كلوا (من طيبات) أي حلالات أو مستلذات (ما رزقناكم) ولا تدخروا لغد، استدل به على أن الضيف لا يملك ما قدم له وأنه لا يتصرف إلا بإذن (وما ظلمونا) أي وما بخسوا حقنا (ولكن كانوا أنفسهم يظلمون) بأخذهم أكثر مما حد لهم فاستحقوا بذلك عذابي، وقطع مادة الرزق الذي كان ينزل عليهم بلا مؤنة ولا تعب في الدنيا، ولا حساب في العقبى، فعصوا ولم يقابلوا النعم بالشكر، وتقديم الأنفس يفيد الاختصاص، وفيه ضرب تهكم بهم، والجمع بين صيغتي الماضي والمستقبل للدلالة على تماديهم في الظلم واستمرارهم على الكفر.
2:58Страница 9
وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨
Вот Мы сказали: «Войдите в этот город и ешьте вволю, где пожелаете. Войдите во врата, поклонившись, и скажите: «Прости нас!». Мы простим ваши прегрешения и приумножим награду творящим добро».
(وإذْ قلنا ادخلوا هذه القرية) سميت قرية لاجتماع الناس فيها وقد يطلق عليهم مجازاً وقوله تعالى (واسأل القرية) يحتمل الوجهين مشتقة من قريت أي جمعت لجمعها لأهلها تقول قريت الماء في الحوض أي جمعته واسم ذلك الماء قرى بكسر القاف، قال جمهور المفسرين القرية هي بيت المقدس وبه قال مجاهد، وقال ابن عباس هي أريحاء قرية الجبارين، قال ابن الأثير قرية بالغور قريبة من بيت المقدس، وجزم القاضي وغيره بالأول، وقيل كان فيها قوم من بقية عاد يقال لهم العمالقة، فعلى هذا يكون القائل يوشع بن نون لأنه هو الذي فتح اريحاء بعد موسى، لأن موسى مات في التيه، وعلى الأول القائل موسى عليه السلام، وقيل قرية من قرى الشام.
(فكلوا منها حيث شئتم رغداً) أمر إباحة، ورغداً كثيراً واسعاً أي أكلاً رغداً (وادخلوا الباب) الذي أمرتم بدخوله هو باب في بيت المقدس يعرف اليوم بباب حطة، وقيل هو باب القبة التي كان يصلي إليها موسى وبنو اسرائيل، ومن قال أن القرية اريحاء قال ادخلوا من أي باب كان من أبوابها وكان لها سبعة أبواب.
(سجداً) أي منحنين كالراكعين أو خضعاً متواضعين، والسجود قيل هو هنا الانحناء وقيل التواضع والخضوع، واستدلوا على ذلك بأنه لو كان المراد السجود الحقيقي الذي هو وضع الجبهة على الأرض لامتنع الدخول المأمور به لأنه لا يمكن الدخول حال السجود.
قال في الكشاف: إنهم أمروا بالسجود عند الانتهاء إلى الباب شكراً لله وتواضعاً واعترضه أبو حيان في النهر الماد فقال لم يؤمروا بالسجود بل هو قيد في وقوع المأمور به وهو الدخول، والأحوال نسب تقييدية والأوامر نسب اسنادية انتهى، ويجاب عنه بأن الأمر بالمقيد أمر بالقيد، فمن قال أخرج مسرعاً فهو أمر بالخروج على هذه الهيئة، فلو خرج غير مسرع كان عند أهل اللسان مخالفاً للأمر، ولا ينافي هذا كون الأحوال نسباً تقييدية فإن اتصافها بكونها قيوداً مأموراً بها هو شيء زائد على مجرد التقييد.
(وقولوا حطة) قيل الحطة في الاصل اسم للهيئة من الحط كالجلسة والقعدة وقيل هي التوبة معناه الاستغفار، وقال ابن فارس في المجمل: حطة كلمة أمروا بها لو قالوها لحطت أوزارهم أي لا يدري معناها، قال الرازي في تفسيره أمرهم بأن يقولوا ما يدل على التوبة، وذلك لأن التوبة صفة القلب فلا يطلع الغير عليها.
وإذا اشتهر واحد بالذنب ثم تاب بعده لزمه أن يحكي توبته لمن شاهد منه الذنب، لأن التوبة لا تتم إلا به انتهى، وكون التوبة لا تتم إلا بذلك، لا دليل عليه بل مجرد عقد القلب عليها يكفي سواء اطلع الناس على ذنبه أم لا، وربما كان التكتم بالتوبة على وجه لا يطلع عليها إلا الله عز وجل أحب إلى الله وأقرب إلى مغفرته وأما رفع ما عند الناس من اعتقادهم بقاءه على المعصية فذلك باب آخر.
(نغفر لكم خطاياكم) أي نسترها عليكم من الغفر وهو الستر، لأن المغفرة تستر الذنوب، وخطايا جمع خطية (وسنزيد المحسنين) أي نزيدهم ثواباً أو إحساناً إلى إحسانهم المتقدم وهو اسم فاعل من أحسن.
وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - سئل عن الإحسان فقال: " أن تعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك ".
فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (59) وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (60)
2:59Страница 9
فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩
Беззаконники заменили сказанное им слово другим, и Мы ниспослали на беззаконников наказание с неба за то, что они поступали нечестиво.
(فبدل الذين ظلموا قولاً غير الذي قيل لهم) قيل أنهم قالوا حنطة وقيل قالوا بلسانهم حنطاً سمقاثاً أي حنطة حمراء، استخفافاً منهم بأمر الله وقيل غير ذلك، والصواب أنهم قالوا حبة في شعيرة قالوا ذلك استهزاء أخرجه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة عن النبي - صلى الله عليه وسلم -، وفي رواية عن ابن عباس عن ابن جرير وابن المنذر: حنطة في شعيرة، والأول أرجح لكونه في الصحيحين، وبدلوا الفعل أيضاً حيث دخلوا يزحفون على أستاههم، قال الكيا الهراسي: فيه دليل على أنه لا يجوز تغيير الأقوال المنصوص عليها وأنه يتعين اتباعها.
وقال الرازي يحتج به فيما ورد من التوقيف في الأذكار والأقوال وأنه غير جائز تغييرها، وربما احتج به علينا المخالف في تجويز تحريمة الصلاة بلفظ التعظيم والتسبيح وفي تجويز القراءة بالفارسية وفي تجويز النكاح بلفظ الهبة وما جرى مجرى ذلك.
(فأنزلنا على الذين ظلموا) هو من وضع الظاهر موضع المضمر لنكتة تقدر في كل محل بما يناسبه تعظيماً كقوله (أولئك حزب الله ألا إن حزب الله) وتحقيراً كقوله (أولئك حزب الشيطان ألا إن حزب الشيطان) أو إزالة لبس أو غير ذلك وهي مبسوطة في الإتقان للجلال السيوطي، وكما تقرر في علم البيان وهي هنا تعظيم الأمر عليهم ومبالغة في تقبيح فعلهم وشأنهم (رجزاً من السماء) يعني عذاباً، والرجز العذاب، قيل أرسل الله عليهم طاعوناً فهلك منهم في ساعة واحدة سبعون ألفاً.
وأخرج مسلم غيره من حديث أسامة بن زيد وسعد بن مالك وخزيمة ابن ثابت قالوا: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إن هذا الطاعون رجز وبقية عذاب عذب به أناس من قبلكم، فإذا كان بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها، وإذا بلغكم أنه بأرض فلا تدخلوها، ومن المعلوم أن الطاعون ضرب الجن للإنس فهو أرضي لا سماوي وإنما قيل فيه من السماء لأن القضاء به يقع فيها، قال الجلال السيوطي فهلك منهم في ساعة سبعون ألفاً أو أقل انتهى، وهذا الوباء غير الذي حل بهم في التيه.
(بما كانوا يفسقون) أي يعصون ويخرجون عن أمر الله تعالى، وفي الأعراف (يظلمون) تنبيهاً على أنهم جامعون بين هذين الوصفين.
2:60Страница 9
۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠
Вот Муса (Моисей) попросил питья для своего народа, и Мы сказали: «Ударь своим посохом по камню». Из него забили двенадцать ключей, и все люди узнали, где им надлежит пить. Ешьте и пейте из того, чем наделил Аллах, и не творите на земле зла, распространяя нечестие!
(وإذ استسقى موسى لقومه) أي طلب السقيا لقومه، وذلك أنهم عطشوا في التيه فسألوا موسى أن يستسقي لهم ففعل، والاستسقاء إنما يكون عند عدم الماء وحبس القطر ومعناه في اللغة طلب السقيا، وفي الشرع ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في صفته من الصلاة والدعاء، وهذا تذكير لنعمة أخرى كفروها (فقلنا اضرب بعصاك الحجر) وكانت العصا من آس الجنة طولها عشرة أذرع على طول موسى، ولها شعبتان تتقدان في الظلمة نوراً واسمها عليق وقيل نبغة حملها آدم معه من الجنة فتوارثها الأنبياء حتى وصلت إلى شعيب، فأعطاها موسى، كذا قيل والله أعلم، والحجر يحتمل أن يكون معيناً فيكون اللام للعهد وهو الذي فر بثوبه فلما سألوه السقيا ضربه، ويحتمل أن لا يكون معيناً فتكون للجنس وهو أظهر في المعجزة وأقوى للحجة.
(فانفجرت منه اثنتا عشرة عيناً) يعني على عدد أسباط بني إسرائيل والمعنى فضربه فانفجرت والإنفجار الإنشقاق وانفجر الماء انفتح، قال المفسرون انفجرت وانبجست بمعنى واحد وقيل انبجست عرقت، وانفجرت سالت، قال ابن عطية ولا خلاف أنه كان حجراً مربعاً يخرج من كل جهة ثلاث عيون إذا ضرب موسى سالت العيون، وإذا استغنوا عن الماء جفت.
(قد علم كل أناس مشربهم) المشرب موضع الشرب وقيل هو المشروب نفسه، وفيه دليل على أنه يشرب من كل عين قوم منهم لا يشاركهم غيرهم، قيل كان لكل سبط عين من تلك العيون لا يتعداها إلى غيرها، والأسباط ذرية الاثني عشر من أولاد يعقوب وكل عين تسيل في قناة إلى سبط، وكانوا ستمائة ألف، وسعة العسكر اثنا عشر ميلا.
(كلوا) أي قلنا لهم كلوا المن والسلوى (واشربوا) أي الماء المتفجر من الحجر (من رزق الله) فهذا كله من رزقه كان يأتيهم بلا مشقة ولا كلفة ولا تعثوا في الأرض مفسدين عثى يعثي عثياً وعثا يعثو عثواً وعاث يعيث عيثاً لغات بمعنى أفسد، قال في الكشاف العثى أشد الفساد فقيل لهم لا تمادوا في الفساد في حال فسادكم لأنهم كانوا متمادين فيه انتهى، وفي هذه الآية معجزة عظيمة لموسى عليه السلام حيث انفجر من الحجر الصغير ما روى منه الجمع والكثير، ومعجزة نبينا- صلى الله عليه وسلم - أعظم منه لأنه انفجر الماء من بين أصبعيه فروى منه الجم الغفير لأن انفجار الماء من بين الدم واللحم أعظم من انفجاره من الحجر [[ويؤيد هذا ما رواه الإمام مسلم في صحيحه/4279.
عن أنس بن مالك أنه قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وحانت صلاة العصر فالتمس الناس الوضوء فلم يجدوه فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضوء فوضع رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الإناء يده وأمر الناس أن يتوضئوا منه قال: فرأيت الماء ينبع من تحت أصابعه. فتوضأ الناس حتى توضئوا من عند آخرهم.
وفي رواية: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان بالزوراء (والزوراء بالمدينة عند السوق والمسجد فيما ثَمَّهْ) دعا بقدح فيه ماء فوضع كفه فيه فجعل ينبع من بين أصابعه فتوضأ جميع أصحابه قال قلت: كم كانوا يا أبا حمزة قال: قالوا زهاء الثلاثماية.]].
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآَيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (61)
2:61Страница 9
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١
Вот вы сказали: «О Муса (Моисей)! Мы не сможем вынести однообразную пищу. Помолись за нас своему Господу, чтобы Он взрастил для нас из того, что произрастает на земле, овощи, огурцы, чеснок, чечевицу и лук». Он сказал: «Неужели вы просите заменить лучшее тем, что хуже? Спуститесь в любой город, и там вы получите все, о чем попросили». Их постигли унижение и бедность. Они навлекли на себя гнев Аллаха тем, что не уверовали в знамения Аллаха и несправедливо убивали пророков. Это произошло потому, что они были ослушниками и преступали границы дозволенного.
(وإذ قلتم) أي اذكروا يا بني إسرائيل إذ قال أسلافكم، وهذا تذكير لجناية أخرى صدرت منهم وإسناد الفعل إلى فروعهم وتوجيه التوبيخ إليهم لما بينهم وبين أصولهم من الأتحاد.
(يا موسى لن نصبر على طعام واحد فادع لنا ربك يخرج لنا مما تنبت الأرض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها) هذا تضجر منهم بما صاروا فيه من النعمة والرزق الطيب، والعيش المستلذ، ونزوع ما ألفوه قبل ذلك من خشونة العيش، ويحتمل أن لا يكون هذا منهم تشوقاً إلى ما كانوا فيه وبطراً لما صاروا إليه من المعيشة الرافهة بل هو باب من تعنتهم وشعبة من شعب تعجرفهم كما هو دأبهم وهجيرهم في غالب ما قص علينا من أخبارهم.
وقال الحسن البصري أنهم كانوا أهل كراث وأبصال وأعداس فنزعوا إلى مكرهم مكر السوء، واشتاقت طباعهم إلى ما جرت عليه عادتهم فقالوا لن نصبر على طعام واحد أي نوع منه والمراد بالطعام الواحد هو المن والسلوى، وهما وإن كانا طعامين لكن لما كانوا يأكلون أحدهما بالآخر جعلوهما طعاماً واحداً وقيل لتكررهما في كل يوم وعدم وجود غيرهما معهما ولا تبدلة بهما، والبقل كل نبات ليس له ساق والشجر ماله ساق.
وقال في الكشاف البقل ما أنبتته الأرض من الخضر والمراد به أطائب البقول التي يأكلها الناس كالنعناع والكرفس والكراث وأشباهها انتهى وجمعه بقول، والقثاء معروف الواحد قثاءة وفيها لغتان كسر القاف وضمها والمشهور الكسر والفوم قيل هو الثوم وقد قرأه ابن مسعود بالثاء وروي نحو ذلك عن ابن عباس، وقيل الفوم الحنطة، وإليه ذهب أكثر المفسرين كما قال القرطبي، وقد رجح هذا ابن النحاس، قال الجوهري: وممن قال بهذا الزجاج والأخفش وقال بالأول الكسائي والنضر بن شميل، وقيل الفوم السنبلة وقيل الحمص وقيل الفوم كان حباً يخبز، والعدس والبصل معروفان، قيل إنما طلبوا هذه الأنواع لأنها تعين على تقوية الشهوة أو لأنهم ملوا من البقاء في التيه، فسألوا هذه الأطعمة التي لا توجد إلا في البلاد، وكان غرضهم الوصول إلى البلاد لا تلك الأطعمة والأول أولى.
(قال) يعني موسى عليه السلام لهم وقيل القائل هو الله والأول أولى (أتستبدلون الذي هو أدنى) أي أخس وأردأ، وهو الذي طلبوه والاستبدال وضع الشيء موضع الآخر، قال الزجاج أدق مأخوذ من الدنو أي القرب وقيل من الدناءة وقيل أصله أدون من الدون أي الرديء، والهمزة للإنكار مع التوبيخ، والمراد أتضعون هذه الاشياء التي هي دون موضع المن والسلوى اللذين هما خير منها من جهة الاستلذاذ والوصول من عند الله بغير واسطة أحد من خلقه، والحل الذي لا تطرقه الشبهة وعدم الكلفة بالسعي له والتعب في تحصيله (بالذي هو خير) أي أشرف وأفضل وهو ما هم فيه.
(اهبطوا مصراً) أي انزلوا مصراً وانتقلوا من هذا المكان إلى مكان آخر، فالهبوط لا يختص بالنزول من المكان العالي إلى الأسفل بل قد يستعمل في الخروج من أرض إلى أرض مطلقاً قاله الشهاب، وظاهر هذا أن الله أذن لهم بدخول مصر، وقيل أن الأمر للتعجيز والإهانة لأنهم كانوا في التيه لا يمكنهم هبوط مصر لانسداد الطرق عليهم إذ لو عرفوا طريق مصر لما أقاموا أربعين سنة متحيرين لا يهتدون إلى طريق من الطرق، فهو مثل قوله تعالى (كونوا حجارة أو حديداً) قال الخليل وسيبويه أراد مصراً من الأمصار ولم يرد المدينة المعروفة وهو خلاف الظاهر، بل يجوز صرفه مع حصول العلمية والتأنيث لأنه ثلاثي ساكن الأوسط وبه قال الأخفش والكسائي، والمصر في الأصل الحد الفاصل بين الشيئين وقيل المصر البلدة العظيمة.
(فإن لكم ما سألتم) يعني من نبات الأرض (وضربت عليهم) أي على فروعهم وأخلافهم (الذلة) أي الهوان وقيل الجزية وزي اليهودية وفيه بعد والأول أولى والمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم وألزموا الذل والهوان بسبب قتلهم عيسى في زعمهم، والذلة بالكسر الصغار والحقارة والذلة بالضم ضد العجز.
(والمسكنة) أي الفقر والفاقة وسمى الفقير مسكيناً لأن الفقر أسكنه وأقعده عن الحركة، ومعنى ضرب الذلة والمسكنة إلزامهم بذلك والقضاء به عليهم قضاء مستمراً لا يفارقهم ولا ينفصل عنهم مع دلالته على أن ذلك مشتمل عليهم اشتمال القباب على من فيها، أو لازم لهم لزوم الدرهم المضرب لسكته.
وهذا الخبر الذي أخبر الله تعالى به وهو معلوم في جميع الأزمنة فإن اليهود أقمأهم الله أذل الفرق وأشدهم مسكنة وأكثرهم تصاغراً، لم ينتظم لهم جمع ولا خفقت على رؤسهم راية، ولا ثبتت لهم ولاية بل ما زالوا عبيد العصى في كل زمن، وطروقة كل فحل في كل عصر، ومن تمسك منهم بنصيب من المال وإن بلغ في الكثرة أي مبلغ فهو متظاهر بالفقر مرتد بأثواب المسكنة ليدفع عن نفسه أطماع الطامعين في ماله، إما بحق كتوفير ما عليه من الجزية أو بباطل كما يفعله كثير من الظلمة من التجارىء على الله بظلم من لا يستطيع الدفع عن نفسه، فلا ترى أحداً من أهل الملل أذل ولا أحرص على المال من اليهود كأنهم فقراء وإن كانوا أغنياء مياسير.
(وباءوا) رجعوا يقال باء بكذا أي رجع والمراد أنهم رجعوا (بغضب من الله) أو صاروا أحقاء بغضبه، وقال أبو عبيدة والزجاج احتملوه وقيل أقروا به وقيل استحقوه وقيل لازموه، وهو الأوجه يقال بوأته منزلاً فتبوأ أي ألزمته فلزمه (ذلك) أي ما تقدم من ضرب الذلة وما بعده.
(بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله ويقتلون النبيين بغير الحق) أي بسبب كفرهم بالله وقتلهم الأنبياء بغير حق يحق عليهم اتباعه والعمل به ولم يخرج هذا مخرج التقييد حتى يقال أنه لا يكون قتل الأنبياء بحق في حال من الأحوال لمكان العصمة، بل المراد نعي هذا الأمر عليهم وتعظيمه وأنه ظلم بحت في نفس الأمر، وممكن أن يقال أنه ليس بحق في اعتقادهم الباطل لأن الأنبياء لم يعارضوهم في مال ولا جاه بل أرشدوهم إلى مصالح الدين والدنيا كما كان من شعيا وزكريا ويحيى فإنهم قتلوهم وهم يعلمون ويعتقدون أنهم ظالمون وإنما حملهم على ذلك حب الدنيا واتباع الهوى، عن ابن مسعود قال كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلثمائة نبي ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
(ذلك) تكرير الإشارة لقصد التأكيد وتعظيم الأمر عليهم وتهويله، ومجموع ما بعد الإشارة الأولى والإشارة الثانية هو السبب لضرب الذلة وما بعده، وقيل يجوز أن يكون الإشارة الثانية إلى الكفر والقتل فيكون ما بعدها سبباً للسبب قاله الزمخشري وهو بعيد جداً (بما عصوا) أمري (وكانوا يعتدون) الاعتداء تجاوز الحد في كل شيء أي يتجاوزون أمري ويرتكبون محارمي.
إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آَمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآَخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (62)
2:62Страница 10
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Воистину, верующим, а также иудеям, христианам и сабиям, которые уверовали в Аллаха и в Последний день и поступали праведно, уготована награда у их Господа. Они не познают страха и не будут опечалены.
(إن الذين آمنوا) قيل أن المراد بهم المنافقون بدلالة جعلهم مقترنين باليهود والنصارى والصابئين أي آمنوا في الظاهر، والأولى أن يقال أن المراد الذين صدقوا النبي - صلى الله عليه وسلم - وصاروا من جملة أتباعه، وكأنه سبحانه أراد أن يبين أن حال هذه الملة الإسلامية وحال من قبلها من سائر الملل يرجع إلى شيء واحد وهو أن من آمن منهم بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً استحق ما ذكره الله من الأجر، ومن فاته ذلك فاته الخير كله، والأجر دقه وجله.
بالإيمان ههنا هو ما بينه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من قوله لما سأله جبريل عليه السلام عن الإيمان فقال " أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله والقدر خيره وشره " ولا يتصف بهذا الإيمان إلا من دخل في الملة الإسلامية، فمن لم يؤمن بمحمد - صلى الله عليه وسلم - ولا بالقرآن فليس بمؤمن، ومن آمن بهما صار مسلماً مؤمناً ولم يبق يهودياً ولا نصرانياً ولا مجوسياً.
(والذين هادوا) معناه صاروا يهوداً قيل هو نسبة لهم إلى يهوذا بن يعقوب بالذال المعجمة فقلبتها العرب دالا مهملة، وقيل معنى هادوا تابوا لتوبتهم عن عبادة العجل، ومنه قوله تعالى (إنا هدنا إليك) أي تبنا، وقيل أن معناه السكون والموادعة وقال في الكشاف معناه دخل في اليهودية.
(والنصارى) قال سيبويه مفرده نصران ونصرانة كندمان وندمانة، ولكن لا يستعمل إلا بياء النسب، فيقال رجل نصراني وامرأة نصرانية، وقال الخليل واحد النصارى نصري، وقال الجوهري ونصران قرية بالشام تنسب إليها النصارى، ويقال ناصرة فعلى هذا فالياء للنسب، وقال في الكشاف أن الياء للمبالغة كالتي في أحمري سموا بذلك لأنهم نصروا المسيح.
(والصابئين) جمع صابيء وقيل صاب، والصابيء في اللغة من خرج ومال من دين إلى دين، ولهذا كانت العرب تقول لمن أسلم قد صبأ، سموا هذه الفرقة صابئة لأنها خرجت من دين اليهود والنصارى وعبدوا الملائكة وقيل عبدوا الكواكب، وقال البيضاوي إنهم قوم بين اليهود والمجوس انتهى، ثم جعل هذا اللقب علماً لطائفة من الكفار، وقيل هم يدعون أنهم على دين صابيء بن شيث بن آدم والأول أولى.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية في كتابه في الرد على المنطقيين إن حران كانت دار هؤلاء الصابئة وفيها ولد إبراهيم عليه السلام أو انتقل إليها من العراق على اختلاف القولين، وكان بها هيكل العلة هيكل العقل الأول هيكل النفس الكلية هيكل زحل هيكل المشتري هيكل المريخ هيكل الشمس، وكذلك الزهرة وعطارد والقمر، وكان هذا دينهم قبل ظهور النصرانية فيهم، ثم ظهرت النصرانية فيهم مع بقاء أولئك الصابئة المشركين حتى جاء الإسلام ولم يزل بها الصابئة والفلاسفة في دولة الإسلام إلى آخر وقت، ومنهم الصابئة الذين كانوا ببغداد وغيرها أطباء وكتاباً وبعضهم لم يسلم.
ولما قدم الفارابي حران في أثناء المائة الرابعة دخل عليهم وتعلم منهم وأخذ عنهم ما أخذ من المتفلسفة، وكان ثابت بن قرة الحراني صاحب الزيج قد شرح كلام أرسطو في الإلهيات، وقد رأيته وبينت بعض ما فيه من الفساد، فإن فيه ضلالاً كثيراً، وكذلك كان دين أهل دمشق وغيرها قبل ظهور دين النصرانية وكانوا يصلون إلى القطب الشمالي، ولهذا يوجد في دمشق مساجد قديمة فيها قبلة إلى القطب الشمالي، وتحت جامع دمشق معبد كبير له قبلة إلى القطب الشمالي كان لهؤلاء، فإن الصابئة نوعان صابئة حنفاء موحدون، وصابئة مشركون، فالأول هم الذين أثنى الله عليهم بهذه الآية فأثنى على من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً من هذه الملل الأربع: المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين، فهؤلاء كانوا يدينون بالتوراة قبل النسخ والتبديل، وكذلك الذين دانوا بالإنجيل قبل النسخ والتبديل، والصابئون الذين كانوا قبل هؤلاء كالمتبعين لملة إبراهيم إمام الحنفاء قبل نزول التوراة والإنجيل، وهذا بخلاف المجوس والمشركين فإنه ليس فيهم مؤمن، فلهذا قال تعالى (إن الذين آمنوا والذين هادوا والصابئين والنصارى والمجوس والذين أشركوا إن الله يفصل بينهم يوم القيامة إن الله على كل شي شهيد) فذكر الملل الست هؤلاء، وأخبر أنه يفصل بينهم يوم القيامة لم يذكر في الست من كان مؤمناً، وإنما ذكر ذلك في الأربعة فقط، ثم إن الصابئين ابتدعوا الشرك فصاروا مشركين، والفلاسفة المشركون من هؤلاء المشركين.
وأما قدماء الفلاسفة الذين كانوا يعبدون الله وحده لا يشركون به شيئاً ويؤمنون بأن الله محدث لهذا العالم ويقرون بمعاد الأبدان، فأولئك من الصابئة الحنفاء الذين أثنى الله عليهم، ثم المشركون من الصابئة كانوا يقرون بحدوث هذا العالم كما كان المشركون من العرب يقرون بحدوثه، وكذلك المشركون من الهند، وقد ذكر أهل المقالات أن أول من ظهر عنه القول بقدمه من هؤلاء الفلاسفة المشركين هو أرسطو، انتهى المقصود منه.
(من آمن بالله واليوم الآخر) في زمن نبينا (وعمل صالحاً) بشريعته (فلهم أجرهم) أي ثواب أعمالهم، والأجر في الاصل مصدر يقال أجره الله يأجره أجراً، وقد يعبر به عن نفس الشيء المجازى به، والآية الكريمة تحتمل المعنيين.
(عند ربهم) " عند " ظرف مكان لازم للإضافة لفظاً ومعنى أي لهم أجرهم ثابتاً عند ربهم.
وقد تقدم تفسير قوله تعالى: (ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون) أي في الآخرة حين يخاف الكفار من العذاب ويحزن المقصرون على تضييع العمر، وتفويت الثواب.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии