Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском
Ан-Нур 24:37–48
24:37Страница 355
رِجَالٞ لَّا تُلۡهِيهِمۡ تِجَٰرَةٞ وَلَا بَيۡعٌ عَن ذِكۡرِ ٱللَّهِ وَإِقَامِ ٱلصَّلَوٰةِ وَإِيتَآءِ ٱلزَّكَوٰةِ يَخَافُونَ يَوۡمٗا تَتَقَلَّبُ فِيهِ ٱلۡقُلُوبُ وَٱلۡأَبۡصَٰرُ ٣٧
мужи, которых ни торговля, ни купля-продажа не отвлекают от поминания Аллаха, совершения намаза и выплаты закята. Они боятся дня, когда перевернутся сердца и взоры,
(لا تلهيهم تجارة ولا بيع) هذه صفة لرجال، أي لا يشغلهم التجارة في السفر، والبيع في الحضر، وخص التجارة بالذكر لأنها أعظم ما يشتغل به الإنسان، وقال الفراء، التجارة لأهل الجلب، والبيع ما باعه الرجل على يديه، وخص قوم التجارة هاهنا بالشراء لذكر البيع بعدها، وبمثل قول الفراء، قال الواقدي فقال التجار هم الجلاب المسافرون، والباعة هم المقيمون.
ومعنى (عن ذكر الله) هو ما تقدم في قوله: (يذكر فيها اسمه)، أي باللسان والقلب، وقيل المراد الأذان، وقيل ذكره بأسمائه الحسنى، أي يوحدونه ويمجدونه، وقيل المراد الصلاة، ويرده ذكر الصلاة بعد الذكر هنا.
وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه، عن أبي هريرة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الآية قال: " هم الذين يضربون في الأرض يبتغون من فضل الله " وأخرج ابن مردويه والديلمي، عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: " الذين يبتغون من فضل الله ".
وعن ابن عباس قال: كانوا رجالاً يبتغون من فضل الله يشترون ويبيعون فإذا سمعوا النداء بالصلاة ألقوا ما في أيديهم، وقاموا إلى المسجد فصلوا، وعنه في الآية قال: ضرب الله هذا المثل قوله: (كمشكاة) لأولئك القوم الذين لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله، وكانوا أتجر الناس وأبيعهم ولكن لم تكن تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله وعنه قال: عن ذكر الله عن شهود الصلاة، وعن ابن عمر أنه كان في السوق، فأقيمت الصلاة فأغلقوا حوانيتهم ثم دخلوا المسجد فقال ابن عمر: فيهم نزلت (رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله).
وعن ابن مسعود أنه رأى ناساً من أهل السوق سمعوا الأذان فتركوا أمتعتهم فقال: هؤلاء الذين قال الله فيهم (لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله) وأخرج البيهقي، وابن أبي حاتم وغيرهما، عن أسماء بنت يزيد قالت: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " يجمع الله يوم القيامة الناس في صعيد واحد يسمعهم الداعي وينفذهم البصر، فيقوم مناد فينادي أين الذين كانوا يحمدون الله في السرّاء والضرّاء؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يعود فينادي أين الذين كانت تتجافى جنوبهم عن المضاجع؟ فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب، ثم يعود فينادي ليقم الذين كانوا لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله فيقومون -وهم قليل- فيدخلون الجنة بغير حساب ثم يقوم سائر الناس فيحاسبون " [[الحاكم، كتاب التفسير 2/ 399.]] وأخرجه الحاكم وصححه وابن مردويه عن جمقبة بن عامر مرفوعاً نحوه.
(وإقام الصلاة) أي إقامتها لمواقيتها من غير تأخير، وأدائها في وقتها جماعة لأن مؤخر الصلاة عن وقتها لا يكون من مقيمي الصلاة، وحذفت التاء لأن الإضافة تقوم مقامها في ثلاث كلمات جمعها الشاعر في قوله:
ثلاثة تحذف تاآتها ... مضافة عند جميع النحاة
وهي إذا شئت أبو عذرها ... وليت شعري وإقام الصلاة
وقيل الرابع عد الأمر، أي عدة الأمر، وقيل في توجيه حذفها غير ذلك وقد احتاج من حمل ذكر الله على الصلاة المفروضة أن يحمل إقام الصلاة على تأديتها في أوقاتها فراراً من التكرار ولا ملجئ إلى ذلك؛ بل يحمل الذكر على معناه الحقيقي كما قدمنا.
(وإيتاء الزكاة) المفروضة؛ وقيل المراد طاعة الله والإخلاص إذ ليس لكل مؤمن مال (يخافون يوماً) أي يوم القيامة والنصب على أنه مفعول للفعل لا ظرف له يعني أن هؤلاء الرجال -وإن بالغوا في ذكر الله تعالى والطاعات- فإنهم مع ذلك وجلون خائفون لعلمهم بأنهم ما عبدوا الله حق عبادته، ثم وصف هذا اليوم بقوله:
(تتقلب فيه القلوب) أي تضطرب وتتحول من الهول والفزع. وقيل المراد انتزاعها من أماكنها إلى الحناجر فلا ترجع إلى أماكنها ولا تخرج (و) تشخص (الأبصار) من هول ذلك اليوم، وقيل المراد بتقلبها هو أن تصير عمياً بعد أن كانت مبصرة، وقيل المراد بتقلب القلوب أنها تكون متقلبة بين الطمع في النجاة والخوف من الهلاك؛ وأما تقلب الأبصار فهو نظرها من أي ناحية يؤخذون وإلى أي ناحية يصيرون، وقيل المراد تحول قلوبهم وأبصارهم عما كانت عليه من الشك إلى اليقين ومثله قوله: (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد) فما كان يراه في الدنيا غياً يراه في الآخرة رشداً؛ وقيل المراد التقلب على جمر جهنم وقيل غير ذلك.
24:38Страница 355
لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُم مِّن فَضۡلِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَرۡزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيۡرِ حِسَابٖ ٣٨
чтобы Аллах воздал им за наилучшее из того, что они совершили (или лучшим, чем то, что они совершили; или наилучшим образом за то, что они совершили), и приумножил это по Своей милости. Аллах наделяет, кого пожелает, без счета.
(ليجزيهم الله أحسن ما عملوا) اللام لام العاقبة والصيرورة لا لام العلة الباعثة أي يفعلون ما يفعلون من التسبيح، والذكر وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة ليجزيهم الله أحسن جزاء أعمالهم حسبما وعدهم، من تضعيف ذلك إلى عشرة أمثاله وإلى سبعمائة ضعف، وقيل: المراد بما في هذه الآية ما يتفضل به سبحانه عليهم، زيادة على ما يستحقونه، والأول أولى لقوله:
(ويزيدهم من فضله) فإن المراد به التفضل عليهم بما فوق الجزاء الموعود به، أي يتفضل بأشياء لم توعد لهم بخصوصياتها أو بمقاديرها، ولم يخطر ببالهم كيفياتها، ولا كمياتها، بل إنما وعدت بطريق الإجمال في مثل قوله تعالى: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)، وقوله عليه السلام حكاية عنه عز وجل: " أعددت لعبادي الصالحين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر " [[مسلم 2824 - البخاري 1534.]] غير ذلك من المواعيد الكريمة التي من جملتها قوله تعالى: (والله يرزق من يشاء بغير حساب) فإنه تذييل مقرر للزيادة، ووعد كريم بأنه تعالى يعطيهم غير أجور أعمالهم، من الخيرات بما لا يفي به الحساب والمعنى من غير أن يحاسبه على ما أعطاه، أو أن إعطاءه سبحانه لا نهاية له. قال الكرخي: وضع الموصول موضع ضمير (هم) للتنبيه بما في حيز الصلة على أن مناط الرزق المذكور محض مشيئته تعالى لا أعمالهم المحكية وذلك تنبيه على كمال قدرته، وكمال جوده، وسعة إحسانه، ولما ذكر سبحانه حال المؤمنين، وما يؤول إليه أمرهم ذكر مثلاً للكافرين فقال:
24:39Страница 355
وَٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَعۡمَٰلُهُمۡ كَسَرَابِۭ بِقِيعَةٖ يَحۡسَبُهُ ٱلظَّمۡـَٔانُ مَآءً حَتَّىٰٓ إِذَا جَآءَهُۥ لَمۡ يَجِدۡهُ شَيۡـٔٗا وَوَجَدَ ٱللَّهَ عِندَهُۥ فَوَفَّىٰهُ حِسَابَهُۥۗ وَٱللَّهُ سَرِيعُ ٱلۡحِسَابِ ٣٩
А деяния неверующих подобны мареву в пустыне, которое жаждущий принимает за воду. Когда он подходит к нему, то ничего не находит. Он находит вблизи себя Аллаха, который воздает ему сполна по его счету. Аллах скор в расчете.
(والذين كفروا أعمالهم) التي هي من أعمال الخير، كالصدقة، والعتق والوقف، والصلاة، وفك العاني، وعمارة البيت، وسقاية الحاج (كسراب) هو ما يرى في المفاوز من لمعان الشمس عند اشتداد حر النهار، على صورة الماء في ظن ما يراه، وسمي سراباً لأنه يسرب، أي: يجري كالماء؛ يقال: سرب الفحل، أي مضى، وسار في الأرض ويسمى الآل وقيل الآل هو الذي يكون ضحى، كالماء إلا أنه يرتفع عن الأرض. حتى يصير كأنه بين السماء والأرض (بقيعة) أي فيها فالباء بمعنى في، وهو جمع قاع وهو الموضع المنخفض الذي يستقر فيه الماء مثل جيرة وجار قاله الهروي.
وقال أبو عبيدة: قيعة وقاع واحد، حكاه النحاس قال الجوهري: القاع المستوى من الأرض والجمع أقوع وأقواع وقيعان صارت الواو ياء لكسرة ما قبلها، والقيعة مثل القاع قال: وبعضهم يقول هو جمع والقاع ما انبسط من الأرض واتسع ولم يكن فيه نبت وفيه يكون السراب، وقرئ بقيعاه بهاء مدورة كما يقال رجل عزهاه، وقيعات بتاء مبسوطة وقيل الألف متولدة من إشباع العين على الأولى وجمع قيعة على الثاني.
(يحسبه الظمآن ماء) الظمآن العطشان، وقرئ الظمآن بغير همز،
والمشهور عنهم الهمز، وتخصيص الظمآن بالحسبان مع كون الريان يراه كذلك. لتحقيق التشبيه، المبني على الطمع، ولأنه أحوج إليه من غيره، فالتشبيه به أتم.
(حتى إذا جاءه) أي: إذا جاء العطشان ذلك الذي حسبه ماء، أو جاء موضعه (لم يجده شيئاً) مما قدره، وحسبه، وظنه، ولا من غيره. والمعنى أن الكفار يعولون على أعمالهم، التي يظنونها من الخير، ويطمعون في ثوابها، فإذا قدموا على الله سبحانه، لم يجدوا منها شيئاً، لأن الكفر أحبطها، ومحا أثرها.
عن ابن عباس قال: هو مثل ضربه الله، كرجل عطش، فاشتد عطشه، فرأى سراباً، فحسبه ماء، فطلبه، فظن أنه قدر عليه، حتى أتى، فلما أتاه، لم يجده شيئاً، وقبض عند ذلك، يقول الكافر كذلك، إذا أتاه الموت، لم يجد عمله، يغني عنه شيئاً، ولا ينفعه، إلا كما نفع السراب العطشان.
(ووجد الله عنده) بالمرصاد، وقيل وجد وعد الله بالجزاء، على عمله. وقيل وجد أمر الله عند حشره، وقيل حكمه، وقضاءه، عند المجيء. وقيل قدم على الله. وقيل عند العمل، والمعنى متقارب (فوفاه حسابه) أي أعطاه، وافياً، كاملاً، حساب عمله المذكور، وجزاءه. فإن اعتقاده لنفعه بغير إيمان، وعمله بموجبه، كفر على كفر، موجب للعقاب قطعاً. وإفراد الضميرين الراجعين إلى الذين كفروا، إمّا لإرادة الجنس، كالظمآن الواقع في التمثيل، وإما للحمل على كل واحد منهم، وكذا إفراد ما يرجع إلى أعمالهم.
(والله سريع الحساب) لعباده من آمن منهم، ومن كفر. عن السدي، عن أبيه، عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن الكفار يبعثون يوم القيامة ورداً عطاشاً، فيقولون أين الماء؟ فيمثل لهم السراب، فيحسبونه ماء، فينطلقون إليه فيجدون الله عنده، فيوفيهم حسابهم، والله سريع الحساب. أخرجه ابن أبي حاتم، وعبد بن حميد، وابن المنذر. وفي إسناده السدي عن أبيه، وفيه مقال. معروف.
أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ مَوْجٌ مِنْ فَوْقِهِ سَحَابٌ ظُلُمَاتٌ بَعْضُهَا فَوْقَ بَعْضٍ إِذَا أَخْرَجَ يَدَهُ لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا وَمَنْ لَمْ يَجْعَلِ اللَّهُ لَهُ نُورًا فَمَا لَهُ مِنْ نُورٍ (40) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالطَّيْرُ صَافَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلَاتَهُ وَتَسْبِيحَهُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ (41) وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (42) أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ جِبَالٍ فِيهَا مِنْ بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَنْ مَنْ يَشَاءُ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ (43)
24:40Страница 355
أَوۡ كَظُلُمَٰتٖ فِي بَحۡرٖ لُّجِّيّٖ يَغۡشَىٰهُ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ مَوۡجٞ مِّن فَوۡقِهِۦ سَحَابٞۚ ظُلُمَٰتُۢ بَعۡضُهَا فَوۡقَ بَعۡضٍ إِذَآ أَخۡرَجَ يَدَهُۥ لَمۡ يَكَدۡ يَرَىٰهَاۗ وَمَن لَّمۡ يَجۡعَلِ ٱللَّهُ لَهُۥ نُورٗا فَمَا لَهُۥ مِن نُّورٍ ٤٠
Или же они подобны мраку в глубине морской пучины. Его покрывает волна, над которой находится другая волна, над которой находится облако. Один мрак поверх другого! Если он вытянет свою руку, то не увидит ее. Кому Аллах не даровал света, тому не будет света.
(أو كظلمات) معطوف على (كسراب) ضرب الله سبحانه مثلاً آخر، لأعمال الكفار أي: كما أنها تشبه السراب الموصوف بتلك الصفات، فهي أيضاً تشبه الظلمات. قال الزجاج: أعلم الله سبحانه أن أعمال الكفار إن مثلت بما يوجد، فمثلها كمثل السراب، وإن مثلت بما يرى فهي كهذه الظلمات التي وصفت. وقال أيضاً: إن شئت مثلت بالسراب، وإن شئت مثلت بهذه الظلمات، فـ (أو) للإباحة والتخيير، حسبما تقدم من القول في (أو كصيّب).
قال الجرجاني: الآية الأولى في ذكر أعمال الكفار، والثانية في ذكر كفرهم، ونسق الكفر على أعمالهم، لأنه أيضاً من أعمالهم. قال القشيري: فعند الزجاج التمثيل وقع لأعمال الكفار، وعند الجرجاني لكفر الكفار، وقيل (أو) للتقسيم باعتبار وقتين، فإنها كالسراب في الدنيا، وكالظلمات في الآخرة. وقيل: أو للتنويع، يعني أن أعمالهم إن كانت حسنة فهي كسراب، وإن كانت سيئة فهي كظلمات.
(في بحر لجيّ) معظم الماء، والجمع: لجج، وهو الذي لا يدرك عمقه، ثم وصف سبحانه هذا البحر بصفة أخرى فقال: (يغشاه) أي: يعلو هذا البحر (موج) فيستره، ويغطيه بالكلية، والموج: ما ارتفع من الماء، ثم وصف هذا الموج بقوله: (من فوقه) أي من فوق هذا الموج (موج) ثان متراكم فيه إشارة إلى كثرة الأمواج، وتراكم بعضها فوق بعض، ثم وصف الموج الثاني فقال:
(من فوقه سحاب) فيجتمع حينئذ جوف البحر وأمواجه والسحاب المرتفعة فوقه، وقيل: إن المعنى، يغشاه موج، من بعده موج، فيكون الموج يتبع بعضه بعضاً، حتى كأن بعضه فوق بعض، والبحر أخوف ما يكون إذا توالت أمواجه، فإذا انضم إلى ذلك وجود السحاب من فوقه، زاد الخوف شدة، لأنها تستر النجوم التي يهتدي بها من في البحر، ثم إذا أمطرت تلك السحاب. وهبت الريح المعتادة، في الغالب عند نزول المطر، تكاثفت الهموم، وترادفت الغموم، وبلغ الأمر إلى الغاية التي ليس وراءها غاية، ولهذا قال سبحانه: (ظلمات بعضها فوق بعض) أي هي ظلمات أو هذه ظلمات، متكاثفة، مترادفة. ففي هذه الجملة بيان لشدة الأمر، وتعاظمه، وبلوغه النهاية القصوى. ووجه الشبه أن الله تعالى ذكر ثلاثة أنواع من الظلمات؛ ظلمة البحر، وظلمة الأمواج، وظلمة السحاب. وكذلك الكافر له ثلاث ظلمات؛ ظلمة الاعتقاد، وظلمة القول؛ وظلمة العمل. وقال أبي ابن كعب: الكافر يتقلب في خمس من الظلمات؛ كلامه ظلمة، وعمله ظلمة، ومدخله ظلمة، ومخرجه ظلمة، ومصيره إلى ظلمات يوم القيامة في النار.
قرئ سحابُ ظلماتٍ بالإضافة ووجهها أن السحاب ترتفع وقت هذه الظلمات، فأضيف إليها لهذه الملابسة، وقرئ بالقطع والتنوين، ومن غرائب التفاسير أنه سبحانه أراد بالظلمات أعمال الكافر، وبالبحر اللجي قلبه، وبالموج فوق الموج ما يغشي قلبه، من الجهل، والشك، والحيرة، وبالسحاب الرين، والختم، والطبع، على قلبه. وهذا تفسير هو عن لغة العرب بمكان بعيد وعن ابن عباس قال: يعني بالظلمات الأعمال. وبالبحر اللجى قلب الإنسان؛ يغشاه موج؛ يعني بذلك الغشاوة التي على القلب؛ والسمع، والبصر، ثم بالغ سبحانه في هذه الظلمات المذكورة بقوله:
(إذا أخرج) أي الناظر، أو الحاضر في هذه الظلمات، أو من ابتلى بها (يده) مع أنها أقرب شيء إليه (لم يكد يراها) أي لم يقرب من رؤيتها، قال الزجاج، وأبو عبيدة: المعنى لم يرها ولم يكد. وقال الفراء: إن كاد زائدة، والمعنى إذا أخرج يده لم يرها، كما تقول: ما كدت أعرفه. وقال المبرد: يعني لم يرها إلا من بعد الجهد لشدة الظلمة. قال النحاس؛ أصح الأقوال في هذا أن المعنى لم يقارب رؤيتها، فإذن لم يرها رؤية بعيدة ولا قريبة.
(ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور) مقررة لما قبلها من كون أعمال الكفرة على تلك الصفة. قال الزجاج: ذلك في الدنيا، والمعنى من لم يهده الله لم يهتد. وقيل: إن المعنى من لم يجعل له نوراً، يمشي به يوم القيامة، فما له من نور، يهتدي به إلى الجنة. وقيل: من لم يجعل له ديناً، وإيماناً فلا دين له. وقيل: المعنى من لم يقدر له الهداية، ولم يوفقه لأسبابها فما له من نور، خلاف الموفق، الذي له نور على نور. والآية عامة في حق جميع الكفار، وقيل خاصة فيمن نزلت فيه، وهو عتبة بن ربيعة، كان يلتمس الدين في الجاهلية، ويلبس المسوح، فلما جاء الإسلام كفر، وعاند والأول أولى.
24:41Страница 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُسَبِّحُ لَهُۥ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَٱلطَّيۡرُ صَٰٓفَّٰتٖۖ كُلّٞ قَدۡ عَلِمَ صَلَاتَهُۥ وَتَسۡبِيحَهُۥۗ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِمَا يَفۡعَلُونَ ٤١
Разве ты не видел, что Аллаха славят те, кто на небесах и на земле, а также птицы с распростертыми крыльями? Каждый знает свою молитву и свое славословие. Аллах знает о том, что они совершают.
(ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأرض)؟ قد تقدم تفسير مثل هذه الآية في تفسير سورة سبحان، والخطاب لكل من له أهلية النظر، أو للرسول - صلى الله عليه وسلم -، وقد علمه من جهة الاستدلال، ومعنى (ألم تر) ألم تعلم؟ والهمزة للتقرير، أي قد علمت علماً يقيناً، شبيهاً بالمشاهدة، والوثاقة بالوحي، وظاهره أنه استعارة، ومقتضى كلام النحويين أن رأى العلمية حقيقة، قاله الشهاب والتسبيح التنزيه في ذاته، وأفعاله، وصفاته، عن كل ما لا يليق به.
ومعنى (من في السماوات والأرض) من هو مستقر فيهما من العقلاء وغيرهم، وتسبيح غير العقلاء ما يسمع من أصواتها، ويشاهد من أثر الصنعة البديعة فيها، وقيل إن التسبيح هنا هو الصلاة من العقلاء، والتنزيه من غيرهم، وقد قيل أن هذه الآية تشكل الحيوانات، والجمادات، وأن آثار الصنعة البديعة الإلهية في الجمادات ناطقة، ومخبرة باتصافه سبحانه، بصفات الجلال، والكمال وتنزهه عن سمات النقص والزوال. وفي ذلك تقريع للكفار وتوبيخ لهم حيث جعلوا الجمادات التي من شأنها التسبيح لله سبحانه شركاء له يعبدونها، كعبادته عز وجل، وبالجملة فإنه ينبغي حمل التسبيح على ما يليق، بكل نوع من أنواع المخلوقات، على طريقة عموم المجاز.
(والطير صافّات) أي باسطات أجنحتها في الهواء، وخص الطير بالذكر مع دخولها تحت من في السماوات والأرض، لعدم استمرار استقرارها في الأرض، وكثرة لبثها في الهواء، وهو ليس من السماء، ولا من الأرض، ولما فيها من الصنعة البديعة، التي يقدر بها تارة على الطيران، وتارة على المشي، بخلاف غيرها من الحيوانات. وذكر حالة من حالات الطير، وهي كون صدور التسبيح منها، حال كونها صافات لأجنحتها، لأن هذه الحالة هي أغرب أحوالها، فإن استقرارها في الهواء مسبحة، من دون تحريك لأجنحتها، ولا استقرار على الأرض من أعظم صنع الله الذي أتقن كل شيء، ثم زاد في البيان فقال:
(كل قد علم صلاته وتسبيحه) أي كل واحد من هذه المسبحات لله، قد علم صلاة المصلي، وتسبيح المسبح. وقيل إن المجنى أن كل مصل، ومسبح؛ قد علم صلاة نفسه، وتسبيح نفسه. قال السمين: وهذا أولى لتوافق الضمائر. قيل والصلاة هنا بمعنى التسبيح، وكرر للتأكيد، والصلاة قد تسمى تسبيحاً. وقيل المراد بها هنا الدعاء، أي علم دعاءه.
وفائدة الإخبار بأن كل واحد قد علم ذلك أن صدور هذا التسبيح هو عن علم قد علّمها الله ذلك؛ وألهمها إليه لا أن صدوره منها على طريقة الاتفاق بلا روية، وفي ذلك زيادة دلالة على بديع صنع الله سبحانه؛ وعظم شأنه من كونه جعلها مسبحة له، عالمة بما يصدر منها، غير جاهلة له وقال السدي: الصلاة للإنسان، والتسبيح لما سوى ذلك من خلقه، وقيل إن ضرب أجنحة الطير صلاته، وصوته تسبيحه؛ أو المعنى كل واحد من هذه المسبحة؛ قد علم الله صلاته له؛ وتسبيحه إياه؛ والأول أرجح؛ لاتفاق القراء على رفع (كل) ولو كان الضمير لله لكان نصب كل أولى، وقيل المعنى علم كل صلاة الله وتسبيحه؛ أي اللذين أمر بهما وبأن يفعلا، كإضافة الخلق إلى الخالق، والأول أولى. وقرئ عُلِم على البناء للمفعول.
(والله عليم بما يفعلون) مقررة لما قبلها، أي لا يخفى عليه طاعتهم، ولا تسبيحهم، ولا يعزب عن علمه شيء. ثم بين سبحانه أن المبدأ منه، والمعاد إليه فقال
24:42Страница 355
وَلِلَّهِ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ وَإِلَى ٱللَّهِ ٱلۡمَصِيرُ ٤٢
Аллаху принадлежит власть над небесами и землей, и к Аллаху предстоит прибытие.
(ولله) لا لغيره (ملك السماوات والأرض) أي خزائن المطر، والرزق، والنبات، لأنه خالقهما، ولا يملكهما أحد سواه ومن ملك شيئاً فبتمليكه تعالى إياه.
(وإلى الله) لا إلى غيره (المصير) أي الرجوع بعد الموت، وقد تقدم تفسير مثل هذه الآية في غير موضع، ثم ذكر سبحانه دليلاً آخر، من الآثار العلوية، فقال:
24:43Страница 355
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يُزۡجِي سَحَابٗا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيۡنَهُۥ ثُمَّ يَجۡعَلُهُۥ رُكَامٗا فَتَرَى ٱلۡوَدۡقَ يَخۡرُجُ مِنۡ خِلَٰلِهِۦ وَيُنَزِّلُ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مِن جِبَالٖ فِيهَا مِنۢ بَرَدٖ فَيُصِيبُ بِهِۦ مَن يَشَآءُ وَيَصۡرِفُهُۥ عَن مَّن يَشَآءُۖ يَكَادُ سَنَا بَرۡقِهِۦ يَذۡهَبُ بِٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٣
Разве ты не видишь, что Аллах гонит облака, потом соединяет их, потом превращает их в кучу облаков, и ты видишь, как из расщелин ее изливается ливень. Он низвергает град с гор, которые на небе. Он поражает им, кого пожелает, и отвращает его, от кого пожелает. Блеск их молний готов унести зрение.
(ألم تر أن الله يزجي سحاباً)؟ الإزجاء السوق قليلاً، قليلاً، والمعنى أنه يسوق السحاب سوقاً رفيقاً إلى حيث يشاء، يقال زجى الشيء تزجية، دفعه برفق، وتزجى بكذا اكتفى به، وأزجى الإبل ساقها. والمزجى الشيء القليل، وبضاعة مزجاة، قليلة، والريح تزجي السحاب. والبقرة تزجي ولدها، أي تسوقه.
(ثم يؤلف بينه) أي بين أجزائه فيضم بعضه إلى بعض ويجمعه بعد تفرقه ليقوى، ويتصل، ويكثف، والأصل في التأليف الهمز. وقرئ يؤلف بالواو تخفيفاً والسحاب واحد في اللفظ ولكن معناه جمع ولهذا دخلت (بين) عليه لأن أجزاءه في حكم المفردات له. قال الفراء: إن الضمير في (بينه) راجع إلى جملة السحاب كما تقول الشجر قد جلست بينه لأنه جمع وأفرد الضمير باعتبار اللفظ.
(ثم يجعله ركاماً) أي متراكماً يركب بعضه بعضاً والركم جمع الشيء، يقال ركم الشيء يركمه ركماً، أي جمعه، وألقى بعضه على بعض، وبابه نصر، وارتكم الشيء وتراكم إذا اجتمع والركمة الطين المجموع والركام الرمل المتراكم والسحاب ونحوه (فترى الودق) هو المطر عند جمهور المفسرين يقال ودقت السحاب فهي وادقة، وودق المطر يدق أي قطر يقطر. وقيل إن الودق المطر، ضعيفاً كان، أو شديداً، والرؤية هنا بصرية.
(يخرج من خلاله) أي من فتوقه وفروجه، التي هي مخارج القطر منه، قال كعب [[لقد نبه المؤلف في أكثر من موضع على رفض التلقي عن كعب الأحبار، وهو الحق الذي تجب الصيرورة إليه لأن السحاب هو عين المطر لقوله تعالى: " وهو الذي يرسل الرياح فتثير سحاباً فيرسله إلى بلد ميت " ولا عبرة بما ذهب إليه المصنف في تفسير البقرة من الرد على من قال بأن المطر أبخرة منعقدة من الماء. لأنه مدفوع بالقرآن الكريم وبالحقائق العلمية وهي معجزات التنزيل، المطيعي.]]: إن السحاب غربال المطر، لولا السحاب حين ينزل المطر من السماء، لأفسد ما يقع عليه من الأرض. وقرئ: من خلله على الإفراد، وقد وقع الخلاف في (خلال) هل هو مفرد؟ كحجاب، أو جمع كجبال؟.
(وينزل من السماء) أي: من عال لأن السماء قد يطلق على جهة
العلو (من جبال) أي من قطع عظام تشبه الجبال (فيها من يرد) من
للتبعيض وهو مفعول ينزل قيل: التقدير من برد برداً. وقيل: ينزل من
السماء قدر جبال، أو مثل جبال، من برد إلى الأرض قال الأخفش: إن
(من) زائدة في الموضعين، أي ينزل من السماء برداً، يكون كالجبال.
والحاصل أن من في (من السماء) لابتداء الغاية باتفاق المفسرين، بلا خلاف، وفي من جبال ثلاثة أوجه. الأول: أنها لابتداء الغاية، والثاني: أنها للتبعيض. كأنه قال: وينزل بعض جبال، الثالث: أنها زائدة، أي: ينزل من السماء جبالاً، وأما (من) في من برد ففيها أربعة أوجه الثلاثة المتقدمة، والرابع أنها لبيان الجنس، قاله الحوفي، والزمخشري.
أي وينزل من السماء بعض جبال. التي هي البرد. فالمنزل برد، لأن بعض البرد برد.
قال الزجاج: معنى الآية وينزل من السماء من جبال، برد فيها، وذكر أبو البقاء أن التقدير شيئاً من جبال. قيل أن في السماء جبالاً من برد، كما في الأرض جبال من حجر. وقيل: المراد بذكر الجبال الكثرة كما يقال فلان يملك جبالاً من ذهب وفضة.
(فيصيب به) أي بما ينزل من البرد كما في البيضاوي، والخازن (من يشاء) أن يصيبهم من عباده (ويصرفه عمن يشاء) منهم، أو يصيب به مال من يشاء، ويصرفه عن مال من يشاء، وقد تقدم الكلام على مثل هذا في البقرة (يكاد سنا برقه) العامة على قصر سنا، وهو الضوء، وهو من ذوات الواو، يقال سنا يسنو سناً، أي أضاء يضيء، وبالمدّ الرفعة، كذا قال المبرّد، وغيره. قرئ سناء برقه بالمد على المبالغة، في شدة الضوء، والصفاء، فأطلق عليه اسم الرفعة والشرف وقرئ بضم الباء من بُرَقِه، وفتح الراء. وهي على هذه جمع برق. وقال النحاس: البرقة المقدار من البرق. والبرقة الواحدة، والمعنى: يكاد ضوء البرق الذي في السحاب.
(يذهب بالأبصار) من شدة بريقه، وزيادة لمعانه. وهو كقوله: (يكاد البرق يخطف أبصارهم) وقرئ: يذهب، من الإذهاب، ويذهب من الذهاب، والأبصار جمع بصر، أي الناظرة، والباء للإلصاق. وقيل: للتعدية وقيل: هي بمعنى: من، والمفعول محذوف تقديره: يذهب النور من الأبصار، فسبحان من يخرج الماء، والنار، والنور، والظلمة من شيء واحد وقيل: زائدة.
يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ (44) وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ فَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى بَطْنِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى رِجْلَيْنِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَمْشِي عَلَى أَرْبَعٍ يَخْلُقُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (45) لَقَدْ أَنْزَلْنَا آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48)
24:44Страница 356
يُقَلِّبُ ٱللَّهُ ٱلَّيۡلَ وَٱلنَّهَارَۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَعِبۡرَةٗ لِّأُوْلِي ٱلۡأَبۡصَٰرِ ٤٤
Аллах чередует день и ночь. Воистину, в этом - назидание для обладающих зрением.
(يقلب الله الليل والنهار) أي: يعاقب بينهما، فيأتي بالليل، ويذهب بالنهار، ويأتي بالنهار، ويذهب بالليل. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: قال الله تعالى: " يؤذيني ابن آدم يسب الدهر، وأنا الدهر، بيدي الأمر أقلب الليل والنهار " أخرجه البخاري ومسلم [[مسلم 3346 - البخاري 2042.]].
وقيل يزيد في أحدهما، وينقص الآخر. وقيل يقلبهما باختلاف ما يقدره فيهما من خير وشر، ونفع وضر. وقيل بالحر والبرد، وقيل المراد بذلك تغيير النهار بظلمة السحاب مرة، وبضوء الشمس أخرى. تغيير الليل بظلمة السحاب تارة، وبضوء القمر أخرى.
(إن في ذلك) إشارة إلى ما تقدم من إزاء السحاب، وإنزال الودق والبرد، وتقليب الجديدين (لعبرة) أي لدلالة واضحة يكون بها الاعتبار (لأولي الأبصار) أي لكل من له بصر يبصر به، فهي براهين لائحة على جوده، ودلائل واضحة على صفاته، لمن نظر وتدبر، ثم ذكر سبحانه دليلاً ثالثاً من عجائب خلق الحيوان، وبديع صنعته فقال:
24:45Страница 356
وَٱللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَآبَّةٖ مِّن مَّآءٖۖ فَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ بَطۡنِهِۦ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰ رِجۡلَيۡنِ وَمِنۡهُم مَّن يَمۡشِي عَلَىٰٓ أَرۡبَعٖۚ يَخۡلُقُ ٱللَّهُ مَا يَشَآءُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٤٥
Аллах сотворил все живые существа из воды. Среди них есть такие, которые ползают на брюхе, такие, которые ходят на двух ногах, и такие, которые ходят на четырех. Аллах творит то, что пожелает. Воистину, Аллах способен на всякую вещь.
(والله خلق كل دابّة) وقرئ: خالق، والمعنيان صحيحان، والدابة كل ما دب على الأرض من الحيوان. يقال دب يدب فهو دابّ، والهاء للمبالغة، ومعنى (من ماء) من نطفة، وهي المني، كذا قال الجمهور، ثم خالف بين المخلوقات من النطفة فمنها هوام، ومنها بهائم، وقال جماعة: إن المراد الماء المعروف لأن آدم خلق من الماء والطين. قيل وخلق كل دابة من نطفة، إنما هو بحسب الأغلب في خلق حيوانات الأرض المشاهدة، وإلا فالملائكة خلقوا من نور، وهم أكثر المخلوقات عدداً، والجانّ خلقوا من نار، وهم بقدر تسعة أعشار الإنس. كما قيل، وآدم خلق من الطين، وعيسى من الريح، التي نفخها جبريل، في جيب مريم، وخلق الدود من نحو الفاكهة، والعفونات، ثم فصل سبحانه أحوال كل دابة فقال:
(فمنهم من يمشي على بطنه) وهي الحيات، والهوام، والحوت والدود، ونحو ذلك، وسمي الزحف على البطن مشياً، استعارة، كما استعير المشفر للشفة، وبالعكس. كما يقال في الأمر المستمر قد مشى هذا الأمر، وفلان ما يمشي له أمر، أو على طريق المشاكلة لذكر الزاحف مع الماشين (ومنهم من يمشي على رجلين) وهم الإنسان والطير والنعام.
(ومنهم من يمشي على أربع) كالبهائم، وسائر الحيوانات، وقدم ما هو أعرف في القدرة، وهو الماشي بغير آلة المشي من أرجل أو غيرها ثم الماشي على رجلين ثم الماشي على أربع وقال: (من) ولم يقل (ما) تغليباً لمن يعقل، على ما لا يعقل لأن جعل النفيس أصلاً، والخسيس تبعاً أولى. قال ابن عباس: كل شيء يمشي على أربع إلا الإنسان، وأقول هذه الطيور على اختلاف أنواعها، تمشي على رجلين، وهكذا غيرها، كالمنعامة فإنها تمشي على رجلين، وليست من الطير، فهذه الكلية المروية عنه رضي الله تعالى عنه لا تصح، ولم يتعرض سبحانه لما يمشي على أكثر من أربع لقلته. وقيل: لأن المشي على أربع فقط، وإن كانت القوائم كثيرة وقيل: لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع، ولا وجه يكون لهذا، فإن المراد التنبيه على بديع الصنع، وكمال القدرة، فكيف يقال، لعدم الاعتداد بما يمشي على أكثر من أربع.
وقيل: ليس في القرآن ما يدل على عدم المشي على أكثر من أربع لأنه لم ينف ذلك، ولا جاء بما يقتضي الحصر، وفي مصحف أبيّ: ومنهم من يمشي على أكثر، فعم بهذه الزيادة جميع ما يمشي على أكثر من أربع، كالسرطان، والعناكب، والحيوان المعروف بأم أربع وأربعين، وكثير من خشاش الأرض كالعقارب. وقيل: إنما لم يتعرض لهذا القسم لدخوله في قوله:
(يخلق الله ما يشاء) أي: مما ذكر هنا، ومما لم يذكره، كالجمادات مركبها وبسيطها، ناميها وغير ناميها، على اختلاف الصور والأعضاء، والهيئات، والحركات، والطبائع، والقوى، والأفعال، مع اتحاد العنصر بمقتضى مشيئته (إن الله على كل شيء قدير) لا يعجزه شيء، ولا يمنعه مانع، بل الكل من مخلوقاته، داخل تحت قدرته سبحانه.
24:46Страница 356
لَّقَدۡ أَنزَلۡنَآ ءَايَٰتٖ مُّبَيِّنَٰتٖۚ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٤٦
Мы уже ниспослали ясные знамения, и Аллах наставляет на прямой путь, кого пожелает.
(لقد أنزلنا آيات مبينات) بكسر الياء وفتحها سبعيتان وكذلك في كل ما جاء في هذا الجمع في القرآن، والمراد بها القرآن، فإنه قد اشتمل على بيان كل شيء، ما فرطنا في الكتاب من شيء، وفيه التفات قد تقدم مثل هذا في غير موضع (والله يهدي من يشاء) بتوفيقه للنظر الصحيح وإرشاده إلى التأمل الصادق (إلى صراط مستقيم) أي طريق مستو لا عوج فيه، فيتوصل بذلك إلى الخير التام، وهو نعيم الجنة، ثم شرع سبحانه في بيان أحوال من لم تحصل له الهداية إلى الصراط المستقيم فقال:
24:47Страница 356
وَيَقُولُونَ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَبِٱلرَّسُولِ وَأَطَعۡنَا ثُمَّ يَتَوَلَّىٰ فَرِيقٞ مِّنۡهُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۚ وَمَآ أُوْلَٰٓئِكَ بِٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٤٧
Они (лицемеры) говорят: «Мы уверовали в Аллаха и Посланника и повинуемся». Но после этого часть их отворачивается, и они не являются верующими.
(ويقولون آمنا بالله وبالرسول وأطعنا) وهؤلاء هم المنافقون، الذين يظهرون الإيمان ويبطنون الكفر، ويقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم، فإنهم كما حكى الله عنهم هاهنا، ينسبون إلى أنفسهم الإيمان بالله وبالرسول، والطاعة لله ولرسوله نسبة بمجرد اللسان لا عن اعتقاد صحيح. وعن قتادة قال: أناس من المنافقين أظهروا الإيمان والطاعة، وهم في ذلك يصدون عن سبيل الله وطاعته وجهاده مع رسوله.
(ثم يتولى) أي يعرض (فريق منهم) أي من هؤلاء المنافقين القائلين هذه المقالة (من بعد ذلك) أي من بعد ما صدر عنهم مما نسبوه إلى أنفسهم من دعوى الإيمان والطاعة ثم حكم عليهم سبحانه وتعالى بعدم الإيمان فقال (وما أولئك) القائلون بهذه المقالة (بالمؤمنين) على الحقيقة الموافق قلوبهم لألسنتهم فيشمل الحكم بنفي الإيمان جميع القائلين. ويندرج تحتهم من تولى اندراجاً أولياً.
وقيل إن الإشارة بقوله (أولئك) راجع إلى من تولى، والأول أولى والكلام مشتمل على حكمين، الحكم الأول على بعضهم بالتولي، والحكم الثاني على جميعهم بعدم الإيمان، وقيل أراد بمن تولى من تولى عن قبول حكمه صلى الله عليه وآله وسلم، وقيل أراد بذلك رؤساء المنافقين، وقيل أراد بتولي هذا الفريق رجوعهم إلى الباقين، ولا ينافي ما تحتمله هذه الآية باعتبار لفظها ورودها على سبب خاص، ثم وصف هؤلاء المنافقين بأن فريقاً منهم يعرضون عن إجابة الدعوة إلى الله وإلى رسوله في خصومتهم فقال:
24:48Страница 356
وَإِذَا دُعُوٓاْ إِلَى ٱللَّهِ وَرَسُولِهِۦ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَهُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنۡهُم مُّعۡرِضُونَ ٤٨
Когда их зовут к Аллаху и Его Посланнику, чтобы он рассудил их, часть из них отворачивается.
(وإذا دعوا إلى الله ورسوله) المبلغ عنه (ليحكم بينهم) أي الرسول فالضمير راجع إليه. لأنه المباشر للحكم. وإن كان الحكم في الحقيقة لله سبحانه ومثل ذلك قوله تعالى: والله ورسوله أحق أن يرضوه (إذا فريق منهم معرضون) إذا هي الفجائية، أي فاجأ فريق منهم الإعراض عن المحاكمة إلى الله والرسول، أو عن الإجابة، والمجيء إليه. وهذا هو شأن مقلدة المذاهب بعينه اليوم [[قياس مع الفارق ولا يجوز تشبيه المؤمنين بالمنافقين.]]، يعرضون عن إجابة الداعي إلى الله ورسوله، وعن التحاكم إليهما، أي إلى كتابه وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.
ثم ذكر سبحانه أن إعراضهم إنما هو إذا كان الحق عليهم، وأما إذا كان لهم فإنهم يذعنون لعلمهم بأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يحكم إلا بالحق فقال: وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُلْ لَا تُقْسِمُوا طَاعَةٌ مَعْرُوفَةٌ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (53)
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии