Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском
Аль-Маида 5:101–106
5:101Страница 124
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَسۡـَٔلُواْ عَنۡ أَشۡيَآءَ إِن تُبۡدَ لَكُمۡ تَسُؤۡكُمۡ وَإِن تَسۡـَٔلُواْ عَنۡهَا حِينَ يُنَزَّلُ ٱلۡقُرۡءَانُ تُبۡدَ لَكُمۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهَاۗ وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٠١
О те, которые уверовали! Не спрашивайте о вещах, которые огорчат вас, если станут вам известны. А ведь они станут вам известны, если вы спросите о них, когда ниспосылается Коран. Аллах простил вам это, ибо Аллах - Прощающий, Выдержанный.
(يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء) لا حاجة لكم بالسؤال عنها ولا هي مما يعنيكم في أمر دينكم، وفي أشياء مذاهب للنحاة.
(أحدها) أنه اسم جمع من لفظ شيء فهو مفرد لفظاً جمع معنى، وهو رأي الخليل وسيبويه.
(الثاني) وبه قال الفراء أنها جمع شيء كهين.
(الثالث) وبه قال الأخفش أنهما جمع شيء بِزِنَة فلس.
(الرابع) وهو قول الكسائي وأبى حاتم أنه جمع شيء كبيت، واعترض الناس عليه.
(الخامس) أن وزنه أفعلاء أيضاً جمع لشيء بزنة ظريف.
(إن تبد) أي إذا بدت وظهرت (لكم) وكلفتم بها (تسؤكم) أي ساءتكم لما فيها من المشقة، نهاهم الله تعالى عن كثرة مسائلهم لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإن السؤال عما لا يعني ولا تدعو إليه حاجة قد يكون سبباً لإيجابه على السائل وعلى غيره.
وقد أخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن أنس قال: خطب النبي صلى الله عليه وسلم خطبة ما سمعت مثلها قط فقال رجل: من أبي! فقال: فلان فنزلت هذه الآية لا تسألوا عن أشياء، وأخرج البخاري وغيره نحوه عن ابن عباس.
وقد بين هذا السائل في روايات أخر أنه عبد الله بن حذافة، وأنه قال: من أبي؟ فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - أبوك حذافة.
وأخرج ابن حبان عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطب فقال: " يا أيها الناس إن الله قد افترض عليكم الحج، فقام رجل فقال أكل عام يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فسكت عنه فأعادها ثلاث مرات فقال لو قلت نعم لوجبت ولو وجبت ما قمتم بها، ذروني ما تركتكم فإنما هلك الذين قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه وإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم " [[الترمذي كتاب التفسير سورة 5 - 15 - النسائي كتاب المناسك الجزء1.]] وذلك أن هذه الآية أعني لا تسألوا عن أشياء نزلت في ذلك، وأخرجه أيضاً جماعة من أهل الحديث، وكل هؤلاء صرحوا في أحاديثهم أن الآية نزلت في ذلك.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعد بن أبي وقاص قال: كانوا يسألون عن الشيء وهو لهم حلال فما زالوا يسألون حتى يحرم عليهم وإذا حرم عليهم وقعوا فيه.
وأخرج ابن المنذر وهو في مسلم عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فيحرم من أجل مسألته " [[البخاري كتاب الاعتصام الباب 2 - مسلم كتاب الفضائل 132 - 133.]].
وأخرج ابن جرير وابن المنذر والحاكم وصححه عن أبي ثعلبة الخشني قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " إن الله حد حدوداً فلا تعتدوها. وفرض لكم فرائض فلا تضيعوها، وحرم أشياء فلا تنتهكوها، وترك أشياء في غير نسيان ولكن رحمة لكم فاقبلوها ولا تبحثوا عنها " [[المستدرك كتاب الأطعمة 4/ 115.]]، وعن ابن عباس قال: لا تسألوا عن أشياء قال البحيرة والسائبة والوصيلة والحام.
(وإن تسألوا عنها) الضمير يعود على نوع الأشياء المنهيّ عنها لا عليها أنفسها قاله ابن عطية ونقله الواحدي عن صاحب النظم ويحتمل أن يعود عليها أنفسها قاله الزمخشري بمعناه (حين ينزل القرآن) أي مع وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أظهركم ونزول الوحي عليه (تبد) أي تظهر (لكم) بما يجيب به عليكم النبي - صلى الله عليه وسلم - أو ينزل به الوحي فيكون ذلك سبباً للتكاليف الشاقة، وإيجاب ما لم يكن واجباً، وتحريم ما لم يكن محرماً بخلاف السؤال عنها بعد انقطاع الوحي عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فإنه لا إيجاب ولا تحريم يتسبب عن السؤال.
وقد ظن بعض أهل التفسير أن الشرطية الثانية فيها إباحة السؤال مع وجود رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ونزول الوحي عليه فقال: إن الشرطية الأولى أفادت عدم جوازه فقال إن المعنى وإن تسألوا عن غيرها مما مست إليه الحاجة تبدو لكم بجواب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عنها وجعل الضمير في عنها راجعاً إلى أشياء غير الأشياء المذكورة، وجعل ذلك كقوله: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين) وهو آدم ثم قال: (ثم جعلناه نطفة) أي ابن آدم، وقد أطال سليمان الجمل الكلام على هذه الآية بذكر أقوال الكرخي والخازن والقرطبي والجرجاني لا نطول بذكرها.
(عفا الله عنها) أي عن ما سلف من مسألتكم فلا تعودوا إلى ذلك، وقيل المعنى أن تلك الأشياء التي سألتم عنها هي مما عفا عنه ولم يوجبه عليكم فكيف تتسببون بالسؤال لإيجاب ما هو عفو من الله غير لازم، وضمير عنها عائد إلى المسألة على الأول وإلى أشياء على الثاني، على أن تكون جملة عفا الله عنها صفة ثالثة لأشياء والأول أولى، لأن الثاني يستلزم أن يكون ذلك المسؤول عنه قد شرعه الله ثم عفا عنه.
وممكن أن يقال: إن العفو بمعنى الترك أي تركها الله ولم يذكرها بشيء فلا تبحثوا عنها، وهذا معنى صحيح لا يستلزم ذلك اللازم الباطل (والله غفور حليم) جاء سبحانه بصيغة المبالغة ليدل ذلك على أنه لا يعاجل من عصاه بالعقوبة لكثرة مغفرته وسعة حلمه.
قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ (102) مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (103)
5:102Страница 124
قَدۡ سَأَلَهَا قَوۡمٞ مِّن قَبۡلِكُمۡ ثُمَّ أَصۡبَحُواْ بِهَا كَٰفِرِينَ ١٠٢
Люди до вас спрашивали о них и по этой причине стали неверующими (или затем стали неверующими в них).
(قد سألها) الضمير يرجع إلى المسألة المفهومة من (لا تسألوا) لكن ليست هذه المسألة بعينها بل مثلها في كونها لا حاجة إليها ولا توجبها الضرورة الدينية قاله الزمخشري، ونحا ابن عطية منحاه، قال الشيخ ولا يتجه قولهما إلا على حذف مضاف، وقد صرح به بعض المفسرين أي سأل أمثالها أو أمثال هذه السؤالات.
(قوم من قبلكم) كما سأل قوم صالح الناقة وسأل قوم عيسى المائدة وسأل قوم موسى رؤية الله جهرة (ثم) لم يعملوا بها بل (أصبحوا بها كافرين) أي ساترين لها تاركين للعمل بها فإن بني إسرائيل كانوا يستفتون أنبياءهم في أشياء فإذا أمروا بها تركوها فهلكوا.
ولا بد من تقييد النهي في هذه بما لا تدعو إليه حاجة كما قدمنا لأن الأمر الذي تدعو إليه الحاجة في أمور الدين والدنيا قد أذن الله بالسؤال عنه فقال فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون وقال صلى الله عليه وسلم: " قاتلهم الله ألا سألوا فإنما شفاء العي السؤال " [[أبو داود كتاب الطهارة الباب 125 - أحمد بن حنبل 1/ 280.]].
5:103Страница 124
مَا جَعَلَ ٱللَّهُ مِنۢ بَحِيرَةٖ وَلَا سَآئِبَةٖ وَلَا وَصِيلَةٖ وَلَا حَامٖ وَلَٰكِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۖ وَأَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡقِلُونَ ١٠٣
Аллах не распоряжался относительно бахиры, саибы, васыли и хами. Но неверующие возводят навет на Аллаха, и большая часть их не разумеет.
(ما جعل الله من بحيرة) هذا كلام مبتدأ يتضمن الرد على أهل الجاهلية فيما ابتدعوه وجعل ههنا بمعنى سمي كما قال تعالى: (إنا جعلناه قرآناً عربياً) ويتعدى لمفعولين أحدهما محذوف والتقدير ما سمى الله حيواناً بحيرة قاله أبو البقاء، وقال ابن عطية والزمخشري وأبو البقاء: إنها تكون بمعنى شرع ووضع أي ما شرع الله ولا أمر بها، وقال ابن عطية، وجعل في هذه الآية لا تكون بمعنى خلق لأن الله خلق هذه الأشياء كلها، ولا بمعنى صير لأن التصيير لا بد له من مفعول ثان فمعناه ما بين الله ولا شرع.
ومنع الشيخ هذه التقولات كلها بأن جعل لم يعد اللغويون من معانيها شرع وخرج الآية على التصيير ويكون المفعول الثاني محذوفاً أي ما صير الله بحيرة مشروعة، وقال أبو السعود: معنى ما جعل ما شرع وما وضع ولذلك عدي إلى مفعول واحد هو بحيرة وما عطف عليها، ومن مزيدة لتأكيد النفي فإن الجعل التكويني كما يجيء تارة متعدياً إلى مفعولين وأخرى إلى واحد كذلك الجعل التشريعي يجيء مرة متعدياً إلى مفعولين كما في قوله تعالى: (جعل الله الكعبة البيت الحرام قياماً للناس) وأخرى إلى واحد كما في الآية الكريمة انتهى.
وبحيرة فعيلة بمعنى مفعولة كالنطيحة والذبيحة مأخوذة من البحر وهو شق الأذن،، قال ابن سيد الناس: البحيرة هي التي خليت بلا راع قيل هي التي يجعل درها للطّواغيت فلا يحتلبها أحد من الناس وجعل شق أذنها علامة لذلك، قاله سعيد بن المسيب.
قال الشافعي: كانوا إذا نتجت الناقة خمسة أبطن إناثا بحرت أذنها فحرمت، وبه قال أبو عبيدة زاد: فلا تركب ولا تحلب ولا تطرد عن مرعى ولا ماء، وإذا لقيها الضعيف لم يركبها، وقيل إن الناقة إذا نتجت خمسة أبطن فإن كان الخامس ذكراً بحروا أذنه فأكله الرجال والنساء، وإن كان الخامس أنثى بحروا أذنها وكانت حراماً على النساء لحمها ولبنها.
وقيل إذا نتجت خمسة أبطن من غير تقييد بالإناث شقوا أذنها وحرموا ركوبها ودرها وقيل غير ذلك، ووجه الجمع بين هذه الأقوال أن العرب كانت تختلف أفعالها في البحيرة.
(ولا) أي وما جعل من (سائبة) أى مسيبة مخلاة وهي الناقة تسيب أو البعير يسيب نذر على الرجل إن سلمه الله من مرض أو بلغه منزله فلا يحبس عن رعي ولا ماء ولا يركبه أحد، قاله أبو عبيدة، وقيل هي التي تسيب لله فلا قيد عليها ولا راعي لها، وقيل هي التي تابعت بين عشر إناث ليس بينهن ذكر فعند ذلك لا يركب ظهرها، ولا يجز وبرها ولا يشرب لبنها إلا الضيف قاله الفراء، وقيل كانوا يسيبون العبد فيذهب حيث يشاء لا يد عليه لأحد.
(ولا) أي وما جعل من (وصيلة) قيل هي ناقة ولدت أنثى بعد أنثى، وقيل هي الشاة كانت إذا ولدت أنثى فهي لهم وإن ولدت ذكراً فهو لآلهتهم، وإن ولدت ذكراً وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبحوا الذكر لآلهتهم، وقيل كانوا إذا ولدت الشاة سبعة أبطن نظروا فإن كان السابع ذكراً ذبح فأكل منه الرجال والنساء، وإن كانت أنثى تركت في الغنم، وإن كان ذكرا وأنثى قالوا وصلت أخاها فلم يذبح لمكانها وكان لحمها حراماً على النساء إلا أن تموت فيأكلها الرجال والنساء.
وقيل: هي الناقة تبكر فتلد أنثى ثم تثنى أخرى ليس بينهما ذكر فيتركونها لآلهتهم ويقولون قد وصلت أنثى بأنثى.
(ولا) جعل من (حام) هو الفحل الحامي ظهره عن أن يركب وينتفع به، وكانوا إذا ركب ولد ولد الفحل قالوا حمى ظهره فلا يركب، وقيل هو الفحل إذا نتج من صلبه عشرة قالوا حمى ظهره فلا يركب ولا يمنع من كلأ ولا ماء، وقيل هو الفحل ينتج من بين أولاده عشر إناث رواه ابن عطية وقيل هو الفحل يولد من صلبه عشرة أبطن، وهو قول ابن عباس وابن مسعود وإليه مال أبو عبيدة والزجاج.
وقال الشافعي: إنه الفحل يضرب في مال صاحبه عشر سنين، وقال ابن دريد: هو الفحل ينتج له سبع إناث متواليات فيحمي ظهره فيفعل به ما تقدم.
وقد عرفت منشأ خلاف أهل اللغة في هذه الأشياء وإنه باعتبار اختلاف مذاهب العرب وآرائهم الفاسدة فيها.
وأخرج البخاري ومسلم وغيرهما عن سعيد بن المسيب قال: البحيرة التي يمنع درها للطواغيت ولا يحلبها أحد من الناس، والسائبة كانوا يسيبونها لآلهتهم لا يحمل عليها شيء، والوصيلة الناقة البكر تبكر في أول نتاج الإبل بأنثى ثم تثنى بعد بالأنثى وكانوا يسيبونها لطواغيتهم إن وصلت إحداهما بالأخرى ليس بينهما ذكر، والحامي فحل الإبل يضرب الضراب المعدود فإذا قضى ضرابه ودعوه للطواغيت وأعفوه من الحمل فلم يحمل عليه شيء وسموه الحامي.
وعن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: " رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً ورأيت عمراً يعني عمرو بن لحي يجر قصبه أي أمعاءه وهو أول من سيب السوائب " أخرجه الشيخان [[مسلم 901 - البخاري 584.]].
(ولكن الذين كفروا يفترون على الله الكذب) وصفهم الله سبحانه بأنهم ما قالوا ذلك إلا افتراء على الله وكذباً لا لشرع شرعه الله لهم، ولا لعقل دلهم الله عليه، وسبحان الله العظيم ما أرك عقول هؤلاء وأضعفها يفعلون هذه الأفاعيل التي هي محض الرقاعة ونفس الحمق، وهذا شأن علمائهم ورؤسائهم وكبرائهم.
(وأكثرهم) أي أراذلهم وعوامهم الذين يتبعونهم من معاصري رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كما يشهد به سياق النظم (لا يعقلون) إن هذا كذب باطل وافتراء من الرؤساء على الله سبحانه حتى يخالفوهم ويهتدوا إلى الحق بأنفسهم فاستمروا في أشد التقليد، وهذا بيان لقصور عقولهم وعجزهم عن الاهتداء بأنفسهم.
5:104Страница 125
وَإِذَا قِيلَ لَهُمۡ تَعَالَوۡاْ إِلَىٰ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ وَإِلَى ٱلرَّسُولِ قَالُواْ حَسۡبُنَا مَا وَجَدۡنَا عَلَيۡهِ ءَابَآءَنَآۚ أَوَلَوۡ كَانَ ءَابَآؤُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَلَا يَهۡتَدُونَ ١٠٤
Когда им говорят: «Придите к тому, что ниспослал Аллах, и к Посланнику», - они отвечают: «Нам достаточно того, на чем мы застали наших отцов». Неужели они поступят так, даже если их отцы ничего не знали и не следовали прямым путем?
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ (104)
(وإذا قيل لهم) أي لعوامهم المعبر عنهم بالأكثر (تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) أي إلى كتاب الله وسنة رسوله وحكمهما (قالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا) وهذه أفعال آبائهم وسننهم التي سنوها لهم، وصدق الله سبحانه حيث يقول (أو) الواو للحال دخلت عليها همزة الاستفهام للإنكار والتعجيب، وقيل للعطف على جملة مقدرة وهو الأظهر أي أحسبهم ذلك و (لو كان آباؤهم) جهلة ضالين (لا يعلمون شيئاً ولا يهتدون) وقد تقدم الكلام على مثل هذه الآية في البقرة، وقال هنا: (ما وجدنا) وهناك ما ألفينا، ولا يعلمون هنا ولا يعقلون هناك للتفنن وأساليب من التعبير، وهذا مما
استحسنه أبو حيان والسمين.
والمعنى أن الاقتداء إنما يصح بالعالم المهتدى الذي يبنى قوله على الحجة والبرهان والدليل وأن آباءهم ما كانوا كذلك فكيف يصح الاقتداء بهم.
وقد صارت هذه المقالة التي قالتها الجاهلية نصب أعين المقلدة وعصاهم التي يتوكؤون عليها إن دعاهم داعي الحق وصرخ بهم صارخ الكتاب والسنة، فاحتجاجهم بمن قلدوه ممن هو مثلهم في التعبد بشرع الله مع مخالفة قوله لكتاب الله أو لسنة رسوله هو كقول هؤلاء، وليس الفرق إلا في مجرد العبارة اللفظية لا في المعنى الذي عليه تدور الإفادة والاستفادة، اللهم غفراً.
وكثيراً ما نسمع من أسراء التقليد الذين يعرفون الحق بالرجال لا بالاستدلال إذا قال لهم القائل الحق في هذه المسألة كذا أو الراجح قول فلان قالوا لست أعلم من فلان يعنون القائل من العلماء بخلاف الراجح في تلك المسألة فنقول لهم نعم لست أعلم من فلان ولكن هل يجب علي اتباعه والأخذ بقوله فيقولون لا ولكن الحق لا يفوته، فنقول لهم لا يفوته وحده بخصوصية فيه أم لا يفوته ومن يشابهه من العلماء ممن بلغ إلى الرتبة التي بلغ إليها في العلم، فيقولون نعم لا يفوته هو وأشباهه ممن هو كذلك.
فيقال لهم: له من الأشباه والأنظار في علماء السلف والخلف آلاف مؤلفة بل فيهم أعداد متعددة يفضلونه ولهم في المسألة الواحدة الأقوال المتقابلة فربما كانت العين الواحدة عند بعضهم حلالاً وعند الآخر حراماً فهل تكون العين حلالاً وحراماً لكون كل واحد منهم لا يفوته الحق كما زعمتم، فإن قلتم نعم فهذا باطل ومن قال بتصويب المجتهدين إنما يجعل قول كل واحد منهم صواباً لا إصابة، وفرق بين المعنيين.
أو يقول القائل في جواب مقالتهم: فلان أعرف منك بالحق لكونه أعلم إذا كان الأسعد بالحق الأعلم، فما أحد إلا وغيره أعلم منه ففلان الذي يعنون غيره أعلم منه فهو أسعد منه بالحق فلم يكن الحق حينئذ بيده ولا بيد أتباعه.
وهذه المحاورات إنما يحتاج إليها من ابتلى بمحاورة المقصرين الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون أسرار الأدلة، ولا يفهمون الحقائق، فيحتاج من ابتلي بهم وبما يرد عليه من قبلهم إلى هذه المناظرات التي لا يحتاج إلى مثلها من له أدنى تمسك بأذيال العلم، فإن كل عارف يعرف أن وظيفة المجتهد ليست قبول قول العالم المختص بمرتبة من العلم فوق مرتبته، إنما وظيفته قبول حجته فإذا لم تبرز الحجة لم يحل للمجتهد الأخذ بذلك القول الخالي عن الحجة في علمه وإن كان في الواقع وربما له حجة لم يطلع عليها العالم الآخر إلا أن مجرد هذا التجويز يجوز التمسك به في إحسان الظن بالعالم الأول وحمله على السلامة لا أنه يجوز التمسك به في أن المقالة حق يجوز التمسك بها كما يجوز التمسك بالدليل، فهو لا يقوله إلا من لا حظ له من العلم ولا نصيب له من العقل.
5:105Страница 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ عَلَيۡكُمۡ أَنفُسَكُمۡۖ لَا يَضُرُّكُم مَّن ضَلَّ إِذَا ٱهۡتَدَيۡتُمۡۚ إِلَى ٱللَّهِ مَرۡجِعُكُمۡ جَمِيعٗا فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ١٠٥
О те, которые уверовали! Позаботьтесь о себе. Если вы последовали прямым путем, то вам не причинит вреда тот, кто впал в заблуждение. Всем вам предстоит вернуться к Аллаху, и тогда Он поведает вам о том, что вы совершали.
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (105)
(يا أيها الذين آمنوا عليكم) أي الزموا (أنفسكم) واحفظوها من ملابسة الذنوب والإصرار على المعاصي وقوموا بصلاحها، يقال عليك زيداً أي الزم زيداً فالنصب على الإغراء، واختلف النحاة في الضمير المتصل بها وبأخواتها نحو إليك ولديك ومكانك، والصحيح أنه في موضع جر، كما كان قبل أن تنقل الكلمة إلى الإغراء، وهذا مذهب سيبويه.
وذهب الكسائي إلى أنه منصوب المحل وفيه بعد لنصب ما بعده، وذهب الفراء إلى أنه مرفوع، وقد حققت هذه المسائل بدلائلها مبسوطة في شرح التسهيل.
(لا يضركم) ضلال (من ضل) من الناس أي أهل الكتاب وغيرهم (إذا اهتديتم) للحق أنتم في أنفسكم، وليس في الآية ما يدل على سقوط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فإن من تركه مع كونه من أعظم الفروض الدينية فليس بمهتد، وقد قال سبحانه: (إذا اهتديتم).
وقد دلت الآيات القرآنية والأحاديث المتكاثرة على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وجوباً مضيقاً متحتماً، فتحمل هذه الآية على من لا يقدر على القيام بواجب الأمر والنهي أو لا يظن التأثير بحال من الأحوال أو يخشى على نفسه أن يحل به ما يضره وضرراً يسوغ له معه الترك.
أخرج الترمذي وصححه وابن ماجه وابن جرير والبغوي وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه والبيهقي عن أبي أمية الشعباني قال: أتيت أبا ثعلبة الخشني فقلت له: كيف تصنع في هذه الآية قال أية آية؟ قلت قوله: (يا أيها الذين آمنوا) الخ قال أما والله لقد سألت عنها خبيراً، سألت عنها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: " بل ائتمروا بالمعروف وتناهوا عن المنكر حتى إذا رأيت شحاً مطاعاً وهوى متبعاً ودنيا مؤثرة وإعجاب كل ذي رأي برأيه فعليك بخاصة نفسك ودع عنك أمر العوام، فإن من ورائكم أياماً الصبر فيهن مثل القبض على الجمر للعامل فيهن أجر خمسين رجلاً يعملون مثل عملكم، وفي لفظ قيل يا رسول الله منا أو منهم، قال بل أجر خمسين منكم " [[الترمذي كتاب التفسير سورة 5 - 18 - ابن ماجه كتاب الفتن الباب 21.]].
وأخرج أحمد وابن أبي حاتم والطبراني وابن مردويه عن عامر الأشعري أنه كان فيهم أعمى فاحتبس على رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتاه فقال له: " ما حبسك؟ قال يا رسول الله قرأت هذه الآية (يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم) الآية، قال فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: أين ذهبتم، إنما هي لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم ".
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه والنسائي وابن ماجه وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وابن حبان والدارقطني وأحمد وغيرهم عن قيس ابن أبي حازم قال: قام أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه وقال يا أيها الناس إنكم تقرؤون هذه الآية وإنكم تضعونها على غير مواضعها، وإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: " إن الناس إذا رأوا المنكر ولم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب، وفي لفظ لابن جرير عنه والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليعمنكم الله منه بعقاب " [[أحمد بن حنبل 1/ 5 - 7.]].
وعن ابن مسعود وسأله رجل عن قوله عليكم أنفسكم قال: إنه ليس بزمانها إنها اليوم مقبولة ولكنه قد أوشك أن يأتي زمان تأمرون بالمعروف فيصنع بكم كذا وكذا أو قال فلا يقبل منكم، فحينئذ عليكم أنفسكم، وعن ابن عمر أنها لأقوام يجيئون من بعدنا إن قالوا لم يقبل منهم، وعن أبي بن كعب إنما تأويلها في آخر الزمان.
وأخرج ابن مردويه عن أبي سعيد الخدري قال ذكرت هذه الآية عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقال: " لم يجئ تأويلها لا يجىء تأويلها، حتى يهبط عيسى بن مريم عليه السلام ".
قال الطبري: وأولى هذه الأقوال وأوضح التأويلات عندنا في هذه الآية ما روي عن أبي بكر الصديق وهو العمل بطاعة الله وأداء ما لزم من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والأخذ على يد الظالم والله ما نزل آية أشد منها.
وعن ابن المبارك هذه الآية أوكد آية في وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لأن الله تعالى قال عليكم أنفسكم يعني أهل دينكم بأن يعظ بعضكم بعضاً ويرغبه في الخيرات وينفره عن القبائح والمكروهات.
وقال مجاهد وابن جبير: هي في اليهود والنصارى خذوا منهم الجزية واتركوهم.
وقال أبو السعود: ولا يتوهم أن في هذه الآية رخصة في ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر مع استطاعتهما، كيف لا ومن جملة الاهتداء أن ينكر على المنكر حسبما تفي به الطاقة انتهى.
والأقوال والروايات في هذا الباب كثيرة وفيما ذكرناه كفاية، ففيه ما يرشد إلى ما قدمنا من الجمع بين هذه الآية وبين الآيات والأحاديث الواردة في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(إلى الله مرجعكم جميعاً) أي إليه في الآخرة رجوع الطائع والعاصي والضال والمهتدي، ففي الآية اكتفاء (فينبئكم بما كنتم تعملون) أي فيخبركم بأعمالكم ويجزيكم عليها، وفي هذا وعد ووعيد للفريقين وتنبيه على أن أحداً لا يؤاخذ بعمل غيره.
5:106Страница 125
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ شَهَٰدَةُ بَيۡنِكُمۡ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ ٱلۡمَوۡتُ حِينَ ٱلۡوَصِيَّةِ ٱثۡنَانِ ذَوَا عَدۡلٖ مِّنكُمۡ أَوۡ ءَاخَرَانِ مِنۡ غَيۡرِكُمۡ إِنۡ أَنتُمۡ ضَرَبۡتُمۡ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَأَصَٰبَتۡكُم مُّصِيبَةُ ٱلۡمَوۡتِۚ تَحۡبِسُونَهُمَا مِنۢ بَعۡدِ ٱلصَّلَوٰةِ فَيُقۡسِمَانِ بِٱللَّهِ إِنِ ٱرۡتَبۡتُمۡ لَا نَشۡتَرِي بِهِۦ ثَمَنٗا وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰ وَلَا نَكۡتُمُ شَهَٰدَةَ ٱللَّهِ إِنَّآ إِذٗا لَّمِنَ ٱلۡأٓثِمِينَ ١٠٦
О те, которые уверовали! Если к кому-нибудь из вас явится смерть, и он оставит завещание, то его свидетельствуют двое справедливых мужей из вас или двое других не из вас, если смерть постигнет вас, когда вы странствуете по земле. Задержите их обоих после намаза, и если вы усомнитесь, то они должны поклясться Аллахом: «Мы не покупаем за них мирскую выгоду, даже если он является нашим близким родственником, и не скрываем свидетельства Аллаха. В противном же случае мы принадлежим к числу грешников».
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إِنَّا إِذًا لَمِنَ الْآثِمِينَ (106)
(يا أيها الذين آمنوا) استئناف مسوق لبيان الأحكام المتعلقة بأمور دنياهم أثر بيان الأحوال المتعلقة بأمور دينهم (شهادة بينكم) قال مكي في كتابه المسمى بالكشف: هذه الآيات الثلاث يعني هذه واللتان بعدها عند أهل المعاني من أشكل ما في القرآن إعراباً ومعنى وحكماً وتفسيراً ولم يزل العلماء يستشكلونها ويكفون عنها. قال ويحتمل أن يبسط ما فيها من العلوم في ثلاثين ورقة أو أكثر وقد ذكرناها مشروحة في كتاب مفرد.
قال ابن عطية: هذا كلام من لم يقع له النتاج في تفسيرها وذلك بين من كتابه رحمه الله تعالى يعني من كتاب مكي، قال القرطبي: ما ذكره مكي ذكره أبو جعفر النحاس قبله أيضاً، قال السعد في حاشيته على الكشاف: واتفقوا على أنها أصعب ما في القرآن إعراباً ونظماً وحكماً انتهى.
قال السخاوي: لم أر أحداً من العلماء تخلص كلامه من أولها إلا آخرها قلت وأنا أستعين الله تعالى في توجيه إعرابها واشتقاق مفرداتها وتصريف كلماتها وقراآتها ومعرفة تأليفها، وأما بقية علومها فنسأل الله العون في تهذيبها إلا آخر ما في عبارة السمين، فارجع إليه إن شئت.
وأضاف الشهادة إلا البين توسعاً لأنها جارية بينهم، وقيل أصله شهادة ما بينكم فحذفت (ما) وأضيفت إلا الظرف كقوله تعالى: (بل مكر الليل والنهار) ومنه قوله تعالى: (هذا فراق بيني وبينك) واختلف في هذه الشهادة فقيل هي هنا بمعنى الوصية، وقيل بمعنى الحضور للوصية.
وقال ابن جرير الطبري: هي هنا بمعنى اليمن أي يمين ما بينكم أن يحلف اثنان، واستدل على ما قاله بأنه لا يعلم لله حكماً يجب فيه على الشاهد يمين، واختار هذا القول القفال، وضعف ذلك ابن عطية واختار أنها هنا هي الشهادة التي تؤدى من الشهود أي الأخبار بحق للغير على الغير.
(إذا حضر أحدكم الموت) المراد بحضور الموت حضور علاماته لأن من مات لا يمكنه الإشهاد، وتقديم المفعول للإهتمام ولإفادة كمال تمكن الفاعل عند النفس وقت وروده عليها فإنه أدخل في تهوين أمر الموت.
(حين الوصية) بدل منه لا ظرف للموت كما توهم ولا لحضوره كما قيل، فإن في الإبدال تنبيهاً على أن الوصية من المهمات المقررة التي لا ينبغي أن يتهاون بها المسلم ويذهل عنها.
(اثنان ذوا عدل منكم) أي من أقاربكم لأنهم أعلم بأحوال الميت وأنصح له وأقرب إلى تحري ما هو أصلح له (أو آخران) كائنان (من غيركم) أي من الأجانب وقيل إن الضمير في (منكم) للمسلمين والمراد بقوله (غيركم) الكفار وهو الأنسب بسياق الآية وبه قال أبو موسى الأشعري وابن عباس وغيرهما: فيكون في الآية دليل على جواز شهادة أهل الذمة على المسلمين في السفر في خصوص الوصايا كما يفيده النظم القرآني، ويشهد له السبب للنزول وسيأتي.
فإذا لم يكن مع الموصي من يشهد على وصيته من المسلمين فليشهد رجلان من أهل الكفر فإذا قدما وأديا الشهادة على وصيته حلفا بعد الصلاة أنهما ما كذبا ولا بدلا، وإن ما شهدا به حق فيحكم حينئذ بشهادتهما فإن عثر بعد ذلك على أنهما كذبا أو خانا حلف رجلان من أولياء الموصي وغرم الشاهدان الكافران ما ظهر عليهما من خيانة أو نحوها.
هذا معنى الآية عند من تقدم ذكره، وبه قال سعيد بن المسيب ويحيى ابن يعمر وسعيد بن جبير وأبو مجلز والنخعي وشريح وعبيدة السلماني وابن سيرين ومجاهد وقتادة والسدي والثوري وأبو عبيد وأحمد بن حنبل، وذهب إلى الأول أعني تفسير ضمير منكم بالقرابة أو العشيرة وتفسير غيركم بالأجانب: الزهري والحسن وعكرمة، وذهب مالك والشافعي وأبو حنيفة وغيرهم من الفقهاء إلى أن الآية منسوخة، واحتجوا بقوله: (ممن ترضون من الشهداء) وقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) والكفار ليسوا بمرضيين ولا عدول.
وخالفهم الجمهور فقالوا: الآية محكمة وهو الحق لعدم وجود دليل صحيح يدل على النسخ، وأما قوله تعالى: (ممن ترضون من الشهداء) وقوله: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فهما علمان في الأشخاص والأزمان والأحوال، وهذه الآية خاصة بحالة الضرب في الأرض وبالوصية وبحالة عدم الشهود المسلمين، ولا تعارض بين خاص وعام.
(إن أنتم ضربتم في الأرض) الضرب في الأرض هو السفر أي إن سافرتم فيها، قال السمين قوله: إن أنتم قيد في قوله: (أو آخران) وفيه التفات من الغيبة إلى الخطاب ولو جرى على لفظ إذا حضر أحدكم الموت لكان التركيب هكذا إن هو ضرب في الأرض فأصابته.
(فأصابتكم مصيبة الموت) أي فنزل بكم أسباب الموت وقاربكم الأجل وأردتم الوصية حينئذ ولم تجدوا شهوداً عليها من المسلمين فأوصيتم إليهما ودفعتم مالكم إليها ثم ذهبا إلى ورثتكم بوصيتكم وبما تركتم فارتابوا في أمرهما وادعوا عليهما خيانة فالحكم فيه أنكم (تحسبونهما) وتوقفونهما، ويجوز أن يكون استئنافاً كأنهم قالوا فكيف نصنع إن ارتبنا في الشهادة فقال تحبسونهما.
(من بعد الصلاة) إن ارتبتم في شهادتهما وهي صلاة العصر، قاله الأكثر، لكونه الوقت الذي يغضب الله على من حلف فيه فاجراً كما في الحديث الصحيح، وعدم تعيينها في الآية لتعينها عندهم للتحليف بعدها قيل وجميع أهل الأديان يعظمون ذلك الوقت ويجتنبون فيه الحلف الكاذب، وقيل لكونه وقت اجتماع الناس وقعود الحكام للحكومة، وقيل لأنه وقت تصادم ملائكة الليل وملائكة النهار، وقيل صلاة أهل دينهما وقيل صلاة الظهر، قاله الحسن وقيل أي صلاة كانت، قاله القرطبي.
والمراد بالحبس توقيف الشاهدين في ذلك الوقت لتحليفهما، وفيه دليل على جواز الحبس بالمعنى العام، وعلى جواز التغليظ على الحالف بالزمان والمكان ونحوهما.
(فيقسمان) أي الشاهدان على الوصية أو الوصيان (بالله) وقد استدل بذلك ابن أبي ليلى على تحليف الشاهدين مطلقاً إذا حصلت الريبة في شهادتهما وفيه نظر، لأن تحليف الشاهدين هنا إنما هو بوقوع الدعوى عليهما بالخيانة أو نحوها.
قال الشافعي: الأيمان تغلظ في الدماء والطلاق والعتاق والمال إذا بلغ مائتي درهم، فيحلف بعد صلاة العصر إن كان بمكة بين الركن والمقام، وإن كان بالمدينة فعند المنبر، وإن كان في بيت المقدس فعند الصخرة، وفي سائر البلاد في أشرف المساجد وأعظمها بها.
(إن ارتبتم) أي شككتم أيها الورثة في قول الشاهدين وصدقهما فحلفوهما وهذا إذا كانا كافرين أما إذا كانا مسلمين فلا يمين عليهما لأن تحليف الشاهد المسلم غير مشروع.
(لا تشتري به ثمناً) الضمير راجع إلى الله تعالى، والمعنى لا نبيع حظنا من الله تعالى وعهده بهذا العرض النذر من الدنيا فنحلف به كاذبين لأجل مال ادعيتموه علينا وعوض نأخذه أو حق نجحده، وقيل يعود إلى القسم أي لا نستبدل لصحة القسم بالله عرضاً من أعراض الدنيا وقيل يعود إلى تحريف الشهادة قاله أبو علي.
وإنما ذكر الضمير لأنها بمعنى القول أي لا نستبدل بشهادتنا ثمناً، وهذا أقوى من حيث المعنى، قال الكوفيون: المعنى ذا ثمن وهذا مبني على أن العروض لا تسمى ثمناً، وعند الأكثر أنها تسمى ثمناً كما تسمى مبيعاً.
(ولو كان ذا قربى) أي ولو كان المشهود له أو المقسم له ذا قرابة منا، وإنما خص القربى بالذكر لأن الميل إليهم أكثر من غيرهم، والمعنى لا نؤثر العرض الدنيوى ولا القرابة، وجواب لو محذوف لدلالة ما قبلها عليه أي ولو كان ذا قربى لا نشتري به ثمناً.
(ولا نكتم شهادة الله) معطوف على (لا نشتري) داخل معه في حكم القسم، وأصاف الشهادة إلى الله سبحانه لكونه الآمر بإقامتها والناهي عن كتمها، قال ابن زيد: لا نأخذ به رشوة (إنا إذاً) إن كتمنا الشهادة (لمن الآثمين).
أخرج البخاري في تاريخه والترمذي وحسنه وابن جرير وابن المنذر والنحاس والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه والبيهقي في سننه عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداري وعدي بن بدا فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم فأوصى إليهما فلما قدما بتركته فقدوا جاماً من فضة مخوصاً بالذهب فأحلفهما رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالله ما كتمتماها ولا اطلعتما ثم وجدوا الجام بمكة فقيل اشتريناه من تميم وعدي. وقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما وأن الجام لصاحبهم وأخذوا الجام وفيهم نزلت هذه الآية، وفي إسناده محمد بن أبي القاسم الكوفي قال الترمذي: قيل إنه صالح الحديث، وقد روى ذلك أبو داود من طريقه.
وقد روى جماعة من التابعين أن هذه القصة هي السبب في نزول الآية، وذكرها المفسرون مختصرة ومطولة في تفاسيرهم، وقال القرطبي: إنه أجمع أهل التفسير على أن هذه القصة هي سبب نزول الآية.
فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ (107) ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (108)
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии