Аль-КаннауджиАль‑Анам · 6:150–158

Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:150–158

6:150Страница 148

قُلۡ هَلُمَّ شُهَدَآءَكُمُ ٱلَّذِينَ يَشۡهَدُونَ أَنَّ ٱللَّهَ حَرَّمَ هَٰذَاۖ فَإِن شَهِدُواْ فَلَا تَشۡهَدۡ مَعَهُمۡۚ وَلَا تَتَّبِعۡ أَهۡوَآءَ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا وَٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِٱلۡأٓخِرَةِ وَهُم بِرَبِّهِمۡ يَعۡدِلُونَ ١٥٠

Скажи: «Приведите ваших свидетелей, которые засвидетельствуют, что Аллах запретил это». Если даже они станут свидетельствовать, ты не свидетельствуй вместе с ними и не потакай желаниям тех, которые считали ложью Наши знамения, которые не веруют в Последнюю жизнь и равняют других со своим Господом.

(قل هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا) أمره الله سبحانه أن يقول لهؤلاء المشركين هاتوهم وأحضروهم، قال السدي: أروني شهداءكم وهلم اسم فعل يستوي فيه المذكر والمؤنث والمفرد والمثنى والمجموع عند أهل الحجاز وأهل نجد يقولون هلما هلمي هلموا فينطقون به كما ينطقون بسائر الأفعال وبلغة أهل الحجاز نزل القرآن ومنه قوله تعالى: (والقائلين لإخوانهم هلم إلينا) والأصل عند الخليل ها ضمت إليها لم.

وقال غيره أصلها هل زيدت عليه الميم، وفي كتاب العين للخليل أن أصلها هل أؤم أي هل أقصدك، ثم كثر استعمالهم لها، وهذا أيضاً من باب التبكيت لهم حيث يأمرهم بإحضار الشهود على أن الله حرم تلك الأشياء مع علمه أنه لا شهود لهم لتلزمهم الحجة، ويظهر ضلالهم، وأنه لا متمسك لهم سوى تقليدهم، ولذلك قيد الشهداء بالإضافة إليهم الدالة على أنهم شهداء معروفون بالشهادة لهم وهم قدوتهم الذين ينصرون قولهم.

(فإن شهدوا) لهم بغير علم بل مجازفة وتعصباً (فلا تشهد معهم) أي فلا تصدقهم ولا تسلم لهم (ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا) فإنهم رأس المكذبين بها (و) لا تتبع أهواء (الذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون) أي يجعلون له عدلاً من مخلوقاته كالأوثان ويشركون.

6:151Страница 148

۞ قُلۡ تَعَالَوۡاْ أَتۡلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمۡ عَلَيۡكُمۡۖ أَلَّا تُشۡرِكُواْ بِهِۦ شَيۡـٔٗاۖ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنٗاۖ وَلَا تَقۡتُلُوٓاْ أَوۡلَٰدَكُم مِّنۡ إِمۡلَٰقٖ نَّحۡنُ نَرۡزُقُكُمۡ وَإِيَّاهُمۡۖ وَلَا تَقۡرَبُواْ ٱلۡفَوَٰحِشَ مَا ظَهَرَ مِنۡهَا وَمَا بَطَنَۖ وَلَا تَقۡتُلُواْ ٱلنَّفۡسَ ٱلَّتِي حَرَّمَ ٱللَّهُ إِلَّا بِٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَعۡقِلُونَ ١٥١

Скажи: «Придите, и я прочту то, что запретил вам ваш Господь». Никого не приобщайте к Нему в сотоварищи и делайте добро родителям. И не убивайте своих детей, опасаясь нищеты, ведь Мы обеспечиваем пропитанием вас вместе с ними. И не приближайтесь к мерзким поступкам, явным или сокрытым. Не убивайте душу, которую Аллах запретил убивать, если только у вас нет на это права. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы уразумеете.

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151)

(قل تعالوا) أي تقدموا، قال ابن الشجري: إن المأمور بالتقدم في أصل وضع هذا الفعل كأنه كان قاعداً فقيل له: تعال أي ارفع شخصك بالقيام وتقدم، واتسعوا فيه حتى جعلوه للواقف والماشي، وهكذا، قال الزمخشري في الكشاف إنه من الخاص الذي صار عاماً وأصله أن يقوله من كان في مكان عال لمن هو أسفل منه ثم كثر واتسع فيه حتى عم.

(أتل ما حرم ربكم) أتل جواب الأمر، وما موصولة في محل نصب به والمراد من تلاوة ما حرم الله تلاوة الآيات المشتملة عليه، ويجوز أن يكون (ما) مصدرية أي أتل تحريم ربكم والمعنى ما اشتمل على التحريم، قيل ويجوز أن تكون (ما) استفهامية أي أتل أي شيء حرم ربكم؟ على جعل التلاوة بمعنى القول وهو ضعيف جداً، (عليكم) إن تعلق بأتل فالمعنى أتل عليكم الذي حرم ربكم وهو اختيار الكوفيين، وإن تعلق بحرم فالمعنى أتل الذي حرم ربكم عليكم وهو اختيار البصريين، وهذا أولى لأن المقام مقام بيان ما هو محرم عليهم لا مقام بيان ما هو محرم مطلقاً.

(أن لا تشركوا به شيئاً) إن مفسرة لفعل التلاوة المعلق بما حرم ولا ناهية وهذا وجه ظاهر لأمور من جملتها أن في إخراج المفسر على صورة النهي مبالغة في بيان التحريم وهو اختيار الفراء، وقيل (أن) ناصبة ومحلها النصب بعليكم على أنه للإغراء، وقيل النصب على البدلية مما حرم، والمعنى على الإغراء الزموا نفي الإشراك وعدمه.

وهذا وإن كان ذكره جماعة كما نقله ابن الأنباري ضعيف لتفكيك التركيب عن ظاهره ولأنه لا يتبادر إلى الذهن، وقيل التقدير لئلا تشركوا وهذا منقول عن أبي اسحق وقيل تقديره أوصيكم أن لا تشركوا وهو أيضاً مذهب أبي اسحق، وقيل (إن) في محل رفع أي المحرم أن لا تشركوا وهذا يحوج إلى زيادة لا لئلا يفسد المعنى، وقيل تقديره عليكم عدم الإشراك وهو مذهب أبي بكر بن الأنباري، وقيل استقر عليكم عدم الإشراك وهو ظاهر قول ابن الأنباري.

وقد أخرج الترمذي وحسنه وابن المنذر وابن أبي حاتم والطبراني وأبو الشيخ وابن مردويه عن عبادة بن الصامت قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " أيكم يبايعني على هؤلاء الآيات الثلاث، ثم تلا (قل تعالوا) إلى ثلاث آيات، ثم قال فمن وفى بهن فأجره على الله ومن انتقص منهم شيئاً فأدركه الله في الدنيا كانت عقوبته، ومن أخره إلى الآخرة كان أمره إلى الله إن شاء أخذه وإن شاء عفا عنه " [[ابن كثير، 2/ 187.]].

وأخرج ابن أبي شيبة وابن الضريس وابن المنذر عن كعب الأحبار قال: أول ما أنزل في التوراة عشر آيات وهي العشر التي أنزلت من آخر الأنعام (قل تعالوا) إلى آخرها.

وأخرج أبو الشيخ عن عبيد الله بن عبد الله ابن عدي بن الخيار قال: سمع كعب رجلاً يقرأ (قل تعالوا) الخ فقال كعب والذي نفس كعب بيده إنها لأول آية في التوراة بسم الله الرحمن الرحيم قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم إلى آخر الآيات انتهى.

قلت هي الوصايا العشر التي في التوراة، أولها أنا الرب إلهك الذي أخرجك من أرض مصر من بيت العبودية لا يكن لك إله غيري، ومنها أكرم أباك وأمك ليطول عمرك في الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور، ولا تشته بنت قريبك ولا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيء مما لقريبك.

فلعل مراد كعب الأحبار هذا، ولليهود بهذه الوصايا عناية عظيمة، وقد كتبها أهل الزبور في آخر زبورهم، وأهل الإنجيل في أول إنجيلهم، وهي مكتوبة في لوحين وقد تركنا منها ما يتعلق بالسبت، قال أبو السعود: وهذه الأحكام العشرة لا تختلف باختلاف الأمم والأعصار.

(و) أحسنوا (بالوالدين إحساناً) هو البر بهما وامتثال أمرهما ونهيهما، وقد تقدم الكلام على هذا، ولما كان إيجاب الإحسان تحريماً لترك الإحسان ذكر في المحرمات وكذا حكم ما بعده من الأوامر.

(ولا تقتلوا أولادكم) لما ذكر حق الوالدين على الأولاد، ذكر حق الأولاد عليهما وهو أن لا يقتلوهم (من) أجل (إملاق) هو الفقر فقد كانت الجاهلية تفعل ذلك بالذكور والإناث خشية الإملاق، وتفعله بالإناث خاصة خشية العار، وحكى النقاش عن مؤرخ أن الإملاق الجوع بلغة لخم.

وذكر منذر بن سعيد البلوطي أن الإملاق الإنفاق يقال أملق ماله بمعنى أنفقه، وقيل الإملاق الإسراف يقال أملق أي أسرف في نفسه، قاله محمد بن نعيم اليزيدي، والإملاق الإفساد أيضاً قاله شمر، يقال أملق ما عنده الدهر أي أفسده، وقال قتادة: الإملاق الفاقة، يقال أملق افتقر واحتاج، وهو الذي أطبق عليه أئمة اللغة والتفسير ههنا.

وقال هنا من " إملاق " وفي الإسراء " خشية إملاق " قال بعضهم لأن هذا في الفقر الناجز فيكون خطاباً للآباء الفقراء، وما في الإسراء في المتوقع فيكون خطاباً للآباء الأغنياء فلعلهم كان فقراؤهم يقتلون أولادهم وأغنياؤهم كذلك، وقيل هذا التقديم للتفنن في البلاغة والأول أولى لأن إفادة معنى جديد أولى من إدعاء كون الآيتين بمعنى واحد للتأكيد.

(نحن نرزقكم وإياهم) هذا تعليل للنهي قبله، وكان ظاهر السياق أن يقدم ويقال نحن نرزقهم وإياكم كما في آية الإسراء لأن الكلام في الأولاد، ولكن قدم هنا خطاب الآباء ليكون كالدليل على ما بعده.

وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)

(ولا تقربوا الفواحش) أي المعاصي ومنه ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشة، والأولى حمل لفظ الفواحش على العموم في جميع المحرمات والمنهيات فيدخل فيه الزنا وغيره، ولا وجه لتخصيصه بنوع من الفواحش وإن كان السبي خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

(ما ظهر) أي ما أعلن به (منها) واطلع عليه الناس (وما بطن) ما أسر ولم يطلع عليه إلا الله أي علانيتها وسرها، قال ابن عباس: كانوا في الجاهلية لا يرون بالزنا بأساً في السر ويستقبحونه بالعلانية فحرم الله الزنا في السر والعلانية.

(ولا تقتلوا النفس) اللام للجنس أي لا تقتلوا شيئاً من الأنفس (التي حرم الله) قتلها (إلا بالحق) أي إلا بما يوجبه الحق والاستثناء مفرغ أي لا تقتلوها في حال من الأحوال إلا في حال الحق أو لا تقتلوها بسبب من الأسباب إلا بسبب الحق، ومن الحق قتلها قصاصاً وقتلها بسبب زنا المحصن، وقتلها بسبب الردة ونحو ذلك من الأسباب التي ورد الشرع بها، وإنما أفرد قتل النفس بالذكر تعظيماً لأمر القتل وأنه من أعظم الفواحش والكبائر.

(ذلكم) إشارة إلى جميع ما تقدم مما تلاه عليهم قاله أبو حيان.

إلى الأمور الخمسة (وصاكم) أي أمركم (به) وأوجبه عليكم وفيه من اللطف والرأفة وجعلهم أوصياء له تعالى ما لا يخفى من الإحسان.

ولما كان العقل هو مناط التكليف قال: (لعلكم تعقلون) أي لكي تفهموا ما في هذه التكاليف من الفوائد النافعة في الدين والدنيا فتعملوا بها.

6:152Страница 149

وَلَا تَقۡرَبُواْ مَالَ ٱلۡيَتِيمِ إِلَّا بِٱلَّتِي هِيَ أَحۡسَنُ حَتَّىٰ يَبۡلُغَ أَشُدَّهُۥۚ وَأَوۡفُواْ ٱلۡكَيۡلَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ لَا نُكَلِّفُ نَفۡسًا إِلَّا وُسۡعَهَاۖ وَإِذَا قُلۡتُمۡ فَٱعۡدِلُواْ وَلَوۡ كَانَ ذَا قُرۡبَىٰۖ وَبِعَهۡدِ ٱللَّهِ أَوۡفُواْۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَذَكَّرُونَ ١٥٢

Не приближайтесь к имуществу сироты, кроме как во благо ему, пока он не достигнет зрелого возраста. Наполняйте меру и весы по справедливости. Мы не возлагаем на человека сверх его возможностей. Когда вы произносите слово, будьте справедливы, даже если это касается родственника. Будьте верны договору с Аллахом. Это заповедал вам Аллах, - быть может, вы помяните назидание.

(ولا تقربوا مال الميتيم) أي لا تتعرضوا له بوجه من الوجوه (إلا بالتي) أي الخصلة التي (هي أحسن) من غيرها وهي ما فيه صلاحه وحفظه وتنميته وتثميره وتحصيل الربح له فيشمل كل وجه من الوجوه التي فيها نفع لليتيم وزيادة في ماله، والاستثناء مفرغ، وقيل المراد بالتي هي أحسن التجارة.

(حتى) أي إلى غاية هي أن (يبلغ) اليتيم (أشده) فإن بلغ ذلك فادفعوا إليه ماله وهو اسم جمع لا واحد له من لفظه وقيل بالعكس وقيل هو اسم مفرد لفظاً ومعنى، وقيل هو جمع، وعلى هذا فمفرده شدة كنعمة أو شد كفلس وأفلس أو شد كصر وأصر، أقوال ثلاثة في مفرده وأصله من شد النهار أي ارتفع قال سيبويه واحده شدة.

قال الجوهري: وهو حسن في المعنى لأنه يقال أبلغ الكلام شدته، ولكن لا تجمع فعلة على أفعل، وقيل الأشد استحكام قوة الشباب والسن حتى يتناهى في الشباب إلى حد الرجال.

واختلف أهل العلم في الأشد فقال أهل المدينة بلوغه وإيناس رشده، وقال عبد الرحمن بن زيد: هو البلوغ، وقيل إنه انتهاء الكهولة، والأولى في تحقيقه أنه البلوغ إلى سن التكليف مع إيناس الرشد، وهو أن يكون في تصرفاته بماله سالكاً مسلك العقلاء لا مسلك أهل السفه والتبذير، ويدل على هذا قوله تعالى في سورة النساء (وابتلوا اليتامى حتى إذا بلغوا النكاح فإن آنستم منهم رشداً فادفعوا إليهم أموالهم) فجعل بلوغ النكاح وهو بلوغ سن التكليف مقيداً بإيناس الرشد، ولعله قد سبق هنالك كلام في هذا.

قال الشعبي ومالك: الأشد الحلم حين تكتب له الحسنات وعليه السيآت وقال أبو العالية: حتى يعقل وتجتمع قوته، وقال أبو حنيفة: خمس وعشرون سنة، وقال الكلبي: هو ما بين ثمان عشرة سنة إلى ثلاثين سنة، وقيل: إلى أربعين وقيل إلى ستين، وقال الضحاك: عشرون سنة، وقال السدي: ثلاثون سنة، وقال مجاهد: ثلاث وثلاثون سنة، وهذه الأقوال إنما هي في نهاية الأشد لا في ابتدائه والمختار في تفسيره ما ذكرناه.

(وأوفوا الكيل والميزان) وهما الآلة التي يكال بها ويوزن، وأصل الكيل مصدر ثم أطلق على الآلة، والميزان في الأصل مفعال من الوزن، ثم نقل لهذه الآلة كالمصباح والمقياس لما يستصبح به ويقاس (بالقسط) أي بالعدل في الأخذ والإعطاء عند البيع والشراء وترك البخس.

(لا نكلف نفساً إلا وسعها) أي طاقتها في كل تكليف من التكاليف ومنه التكليف بإيفاء الكيل والوزن فلا يخاطب المتولي لهما بما لا يمكن الاحتراز عنه في الزيادة والنقصان فإن أخطأ في الكيل والوزن والله يعلم صحة نيته فلا مؤاخذة عليه كما ورد في الحديث ومع ذلك يضمن ما أخطأ فيه كما في كتب الفروع.

(وإذا قلتم) بقول في خبر أو شهادة أو جرح أو تعديل (فاعدلوا) فيه وتحروا الصواب ولا تتعصبوا في ذلك لقريب ولا على بعيد، ولا تميلوا إلى صديق ولا على عدو، بل سووا بين الناس فإن ذلك من العدل الذي أمر الله به (ولو كان) الضمير راجع إلى ما يفيده (وإذا قلتم) فإنه لا بد للقول من مقول فيه أو مقول له أو مقول عليه أي ولو كان المقول فيه أو له أو عليه (ذا قربى) أي صاحب قرابة لكم، وقيل إن المعنى ولو كان الحق على مثل قراباتكم، والأول أولى، ومثل هذه الآية قوله: (ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين).

(وبعهد الله) أي بكل عهد عهده الله إليكم (أوفوا) ومن جملة ما عهده إليكم ما تلاه عليكم رسوله بأمره في هذا المقام، ويجوز أن يراد به كل عهد ولو كان بين المخلوقين لأن الله سبحانه لما أمر بالوفاء به في كثير من الآيات القرآنية كان ذلك مسوغاً لإضافته إليه.

(ذلكم) إشارة إلى ما تقدم ذكره من الأمور الأربعة (وصاكم) أي أمركم (به) أمراً مؤكداً (لعلكم تذكرون) أي تتعظون بذلك فتأخذون ما أمركم به.

ولما كانت الخمسة المذكورة قبل قوله: (لعلكم تعقلون) من الأمور الظاهرة الجلية مما يجب تعقلها وتفهمها ختمت بقوله لعلكم تعقلون، ولما كانت هذه الأربعة خفية غامضة لا بد فيها من الاجتهاد والذكر الكثير حتى يقف على موضع الاعتدال ختمت بقوله: (لعلكم تذكرون) قاله أبو حيان.

6:153Страница 149

وَأَنَّ هَٰذَا صِرَٰطِي مُسۡتَقِيمٗا فَٱتَّبِعُوهُۖ وَلَا تَتَّبِعُواْ ٱلسُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمۡ عَن سَبِيلِهِۦۚ ذَٰلِكُمۡ وَصَّىٰكُم بِهِۦ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ١٥٣

Таков Мой прямой путь. Следуйте по нему и не следуйте другими путями, поскольку они собьют вас с Его пути. Он заповедал вам это, - быть может, вы устрашитесь.

(وأن) بالفتح على تقدير (اتل) قاله الفراء والكسائي، وقيل على تقدير الباء وقيل على تقدير اللام، قاله الخليل وسيبويه كما في قوله سبحانه (وأن المساجد لله) وبالكسر استئنافاً (هذا) أي الذي ذكر في هذه الآيات من الأوامر والنواهي، قاله مقاتل، وقيل الإشارة إلى ما ذكر في السورة فإنها بأسرها في إثبات التوحيد والنبوة وبيان الشريعة.

(صراطي) وفي مصحف ابن مسعود وهذا صراط ربكم وفي مصحف أُبيّ ربك، والصراط الطريق وهو طريق دين الإسلام (مستقيماً) مستوياً لا اعوجاج فيه، وقد تشعبت منه طرق فمن سلك الجادة نجا، ومن خرج إلى تلك الطرق أفضت به إلى النار (فاتبعوه) أمرهم باتباع جملته وتفصيله.

(ولا تتبعوا السبل) نهاهم عن اتباع سائر السبل أي الأديان المتباينة طرقها والأهواء المضلة، والبدع المختلدة (فتفرق بكم عن سبيله) أي فتميل بكم عن سبيل الله المستقيم الذي هو دين الإسلام، قال ابن عطية: وهذه السبل تعم اليهودية والنصرانية والمجوسية وسائر أهل الملل وأهل البدع والضلالات من أهل الأهواء والشذوذ في الفروع وغير ذلك من أهل التعمق في الجدل والخوض في الكلام، وهذه كلها عرضة للزلل ومظنة لسوء المعتقد.

قال قتادة: اعلموا أن السبيل سبيل واحد جماعة الهدى ومصيره الجنة، وأن إبليس استبدع سبلاً متفرقة جماعة الضلالة ومصيرها إلا النار.

وأخرج أحمد وابن حميد والبزار والنسائي وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ والحاكم وصححه وابن مردويه عن ابن مسعود قال: خط رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خطاً بيده ثم قال: " هذا سبيل الله مستقيماً، ثم خط خطوطاً عن يمين ذلك الخط وعن شماله ثم قال وهذه السبل ليس منها سبيل إلا عليه شيطان يدعو إليه ثم قرأ هذه الآية " [[المستدرك كتاب التفسير 2/ 239.]].

وقال ابن عباس: السبل الضلالات [[رواه الإمام أحمد 4/ 182 و 4/ 183 والحاكم 1/ 73.]] وعنه هذه الآيات محكمات في جميع الكتب لم ينسخهن شيء وهن محرمات على بني آدم كلهم، وهن أم الكتاب، ومن عمل بهن دخل الجنة ومن تركهن دخل النار، وقال ابن مسعود: من سره أن ينظر إلى الصحيفة التي عليها خاتم محمد - صلى الله عليه وسلم - فليقرأ هؤلاء الآيات، أخرجه الترمذي وحسنه.

(ذلكم) أي ما تقدم ذكره (وصاكم) أكد عليكم الوصية (به لعلكم تتقون) ما نهاكم عنه من الطرق المختلفة والسبل المضلة.

ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلاً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَعَلَّهُمْ بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ (154) وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (155) أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَيْنِ مِنْ قَبْلِنَا وَإِنْ كُنَّا عَنْ دِرَاسَتِهِمْ لَغَافِلِينَ (156)

6:154Страница 149

ثُمَّ ءَاتَيۡنَا مُوسَى ٱلۡكِتَٰبَ تَمَامًا عَلَى ٱلَّذِيٓ أَحۡسَنَ وَتَفۡصِيلٗا لِّكُلِّ شَيۡءٖ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٗ لَّعَلَّهُم بِلِقَآءِ رَبِّهِمۡ يُؤۡمِنُونَ ١٥٤

Мы также даровали Мусе (Моисею) Писание в завершение милости к тому, кто был добродетелен, как разъяснение всякой вещи, верное руководство и милость, дабы они уверовали во встречу со своим Господом.

(ثم آتينا موسى الكتاب) أي التوراة وهذا كلام مسوق لتقرير الوصية التي وصى الله بها عباده، وقد استشكل العطف بثم مع كون قصة موسى وإيتاء الكتاب قبل المعطوف عليه وهو ذلك وصاكم به، فقيل " ثم " هنا بمعنى الواو من غير اعتبار مهلة ولا ترتيب، وبذلك قال بعض النحويين.

قلت وهذه استراحة، وقيل تقديره ثم كنا قد آتينا قبل إنزالنا القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم، قاله ابن القشيري، وقيل المعنى (قل تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم) ثم أتل إيتاء موسى الكتاب، قاله الزجاج: وقيل إن التوصية المعطوف عليها قديمة لم يزل كل نبي يوصي بها أمته، وقيل: إن ثم للتراخي في الأخبار وقيل غير ذلك.

(تماماً) النصب على الحال أو المصدر أو على أنه مفعول لأجله (على الذي أحسن) قبوله والقيام به كائناً من كان، وقال الحسن ومجاهد: كان فيهم محسن وغير محسن، فأنزل الله الكتاب تماماً على المحسنين المؤمنين، وقيل المعنى أعطينا موسى التوراة زيادة على ما كان يحسنه موسى مما علمه الله قبل نزولها عليه، وقيل تماماً على الذي أحسن به الله عز وجل إلى موسى من الرسالة وغيرها، وقيل تماماً على إحسان موسى بطاعة الله عز وجل قاله الفراء، وقال أبو صخر: تماماً لا كان قد أحسن إليه، وقال ابن زيد: تماماً لنعمته عليهم وإحسانه إليهم.

(وتفصيلاً) أي لأجل تفصيل (لكل شيء) يحتاج إليه من شرائع الدين وأحكامه (وهدى) من الضلالة (ورحمة) منا عليهم وضمير (لعلهم) راجع إلى بني إسرائيل المدلول عليهم بذكر موسى (بلقاء ربهم يؤمنون) قال ابن عباس: لكي يؤمنوا بالبعث ويصدقوا بالثواب والعقاب.

6:155Страница 149

وَهَٰذَا كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ مُبَارَكٞ فَٱتَّبِعُوهُ وَٱتَّقُواْ لَعَلَّكُمۡ تُرۡحَمُونَ ١٥٥

Это - благословенное Писание, которое Мы ниспослали. Следуйте же ему и будьте богобоязненны, - быть может, вы будете помилованы.

(وهذا) القرآن (كتاب أنزلناه) قدم صفة الإنزال لكون الإنكار متعلقاً بها (مبارك) كثير البركة لما هو مشتمل عليه من المنافع الدنيوية والدينية (فاتبعوه) يا أهل مكة بالعمل بما فيه فإنه لما كان من عند الله وكان مشتملاً على البركة كان اتباعه متحتماً عليكم (واتقوا) مخالفته والتكذيب بما فيه (لعلكم) إن قبلتموه ولم تخالفوه (ترحمون) برحمة الله سبحانه.

6:156Страница 149

أَن تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أُنزِلَ ٱلۡكِتَٰبُ عَلَىٰ طَآئِفَتَيۡنِ مِن قَبۡلِنَا وَإِن كُنَّا عَن دِرَاسَتِهِمۡ لَغَٰفِلِينَ ١٥٦

Мы ниспослали его, чтобы вы не говорили: «Писание было ниспослано только двум общинам до нас, и мы ничего не знали о том, что они изучали».

(أن تقولوا) قال الكوفيون: أنزلناه لئلا تقولوا، وقال البصريون كراهة أن تقولوا، وقال الفراء والكسائي: واتقوا أن تقولوا يا أهل مكة (إنما أنزل الكتاب) أي التوراة والإنجيل.

(على طائفتين من قبلنا) هم اليهود والنصارى ولم ينزل علينا كتاب، وتخصيص الإنزال بكتابيهما لأنهما اللذان اشتهرا من بين الكتب السماوية بالاشتمال على الأحكام، وفيه دليل على أن المجوس ليسوا بأهل كتاب إذ لو كانوا منهم لكانوا ثلاث طوائف، قاله ابن الكمال.

(وإن) مخففه واسمها محذوف أي إنا (كنا عن دراستهم) أي تلاوة كتبهم بلغاتهم (لغافلين) أي لا ندري ما فيها ومرادهم إثبات نزول الكتابين مع الاعتذار عن اتباع ما فيهما بعدم الدراية منهم والغفلة عن معناهما.

6:157Страница 149

أَوۡ تَقُولُواْ لَوۡ أَنَّآ أُنزِلَ عَلَيۡنَا ٱلۡكِتَٰبُ لَكُنَّآ أَهۡدَىٰ مِنۡهُمۡۚ فَقَدۡ جَآءَكُم بَيِّنَةٞ مِّن رَّبِّكُمۡ وَهُدٗى وَرَحۡمَةٞۚ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّن كَذَّبَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَصَدَفَ عَنۡهَاۗ سَنَجۡزِي ٱلَّذِينَ يَصۡدِفُونَ عَنۡ ءَايَٰتِنَا سُوٓءَ ٱلۡعَذَابِ بِمَا كَانُواْ يَصۡدِفُونَ ١٥٧

Или чтобы вы не говорили: «Если бы нам было ниспослано Писание, то мы придерживались бы прямого пути лучше, чем они». К вам уже явилось ясное знамение от вашего Господа, верное руководство и милость. Кто же несправедливее того, кто считает ложью знамения Аллаха и отворачивается от них? Мы воздадим тем, кто отворачивается от Наших знамений, тяжкими мучениями за то, что они отворачивались.

أَوْ تَقُولُوا لَوْ أَنَّا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْكِتَابُ لَكُنَّا أَهْدَى مِنْهُمْ فَقَدْ جَاءَكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَّبَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَصَدَفَ عَنْهَا سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ (157)

(أو تقولوا لو أنا أنزل علينا الكتاب) كما أنزل على الطائفتين من قبلنا (لكنا أهدى منهم) إلى الحق الذي طلبه الله أو إلى ما فيه من الأحكام التي هي المقصد الأقصى، فإن هذه المقالة من كفار العرب والمعذرة منهم مندفعة بإرسال محمد - صلى الله عليه وسلم - إليهم وإنزال القرآن عليه، ولهذا قال: (فقد جاءكم بينة من ربكم) أي كتاب بلسان عربي مبين حين لم تعرفوا دراسة الطائفتين وأنزله الله على نبيكم وهو منكم يا معشر العرب فلا تعتذروا بالأعذار الباطلة ولا تعللوا أنفسكم بالعلل الساقطة فقد أسفر الصبح لذي عينين.

(وهدى ورحمة) أي جاءكم البينة الواضحة والهدى الذي يهتدى به كل من له رغبة في الاهتداء ورحمة من الله يدخل فيها كل من يطلبها ويريد حصولها، ولكنكم ظلمتم أنفسكم بالتكذيب بآيات الله والصدوف والإنصراف عنها وصرف من أراد الإقبال إليها.

(فمن) الاستفهام للإنكار أي لا أحد (أظلم ممن كذب بآيات الله) التي هي رحمة وهدى للناس (وصدف) أي صرف الناس (عنها) فضل بإنصرافه عنها وأضل بصرف غيره عن الإقبال إليها، وصدف لازم وقد يستعمل متعدياً كما هنا، في القاموس صدف عنه يصدف أعرض وصدف فلاناً صرفه كأصدفه عن كذا أماله عنه.

(سنجزي الذين يصدفون) ينصرفون (عن آياتنا سوء العذاب) أي العذاب السيء من إضافة الصفة إلى الموصوف (بما كانوا يصدفون) أي بسبب إعراضهم أو صدهم أو تكذيبهم بآيات الله ومعنى يصدفون يعرضون، قاله

6:158Страница 150

هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ رَبُّكَ أَوۡ يَأۡتِيَ بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَۗ يَوۡمَ يَأۡتِي بَعۡضُ ءَايَٰتِ رَبِّكَ لَا يَنفَعُ نَفۡسًا إِيمَٰنُهَا لَمۡ تَكُنۡ ءَامَنَتۡ مِن قَبۡلُ أَوۡ كَسَبَتۡ فِيٓ إِيمَٰنِهَا خَيۡرٗاۗ قُلِ ٱنتَظِرُوٓاْ إِنَّا مُنتَظِرُونَ ١٥٨

Неужели они ожидают чего-либо помимо того, что к ним явятся ангелы, или явится твой Господь, или явятся некоторые из знамений твоего Господа? В тот день, когда явятся некоторые знамения твоего Господа, вера не принесет пользы душе, если та не уверовала прежде или не приобрела благодаря своей вере добро. Скажи: «Ждите, и мы тоже подождем».

هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ (158)

ابن عباس وهو مقارب لمعنى الصرف، وقد تقدم تحقيق معنى هذا اللفظ وفي هذه الآية تبكيت لهم عظيم.

(هل ينظرون) أي لما أقمنا عليهم الحجة وأنزلنا الكتاب على رسولنا المرسل إليهم فلم ينفعهم ذلك ولم يرجعوا به عن غوايتهم فما بقي بعد هذا (إلا) أنهم ينتظرون (أن تأتيهم الملائكة) لقبض أرواحهم وعند ذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو أن تأتيها الملائكة بالعذاب (أو يأتي ربك) يا محمد كما اقترحوه بقولهم: (لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا) وقيل معناه يأتي أمر ربك بإهلاكهم، وقد جاء في القرآن حذف المضاف كثيراً كقوله: (واسأل القرية) وقوله: (وأشربوا في قلوبهم العجل) أي حب العجل.

وقيل إتيان الله مجيئه يوم القيامة لفصل القضاء بين خلقه كقوله: وجاء ربك والملك صفاً صفاً قاله ابن مسعود وقتادة ومقاتل، وقال: يأتي في ظلل من الغمام وقيل كيفية الإتيان من التشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله فيجب إمرارها بلا تكييف ولا تعطيل.

(أو يأتي بعض آيات ربك) الدالة على الساعة قال جمهور المفسرين هو طلوع الشمس من مغربها ويدل عليه ما أخرج أحمد وعبد بن حميد في مسنده والترمذي وأبو يعلى وابن أبي حاتم وأبو الشيخ وابن مردويه عن أبي سعيد الخدري عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في قوله بعض آيات ربك قال: " طلوع الشمس من مغربها " [[البخاري كتاب الفتن الباب 25 - أبو داود كتاب الجهاد الباب 2.]] قال الترمذي غريب، وروي موقوفاً.

فإذا ثبت رفع هذا التفسير النبوي من وجه صحيح لا قادح فيه فهو واجب التقديم له متحتم الأخذ به، ويؤيده ما ثبت في الصحيحين وغيرهما عن أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: " لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، فذلك حين لا ينفع نفسها إيمانها، ثم قرأ الآية " [[مسلم 157 - بخاري 73.]]، وأخرج مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وغيرهم عن أبي ذر مرفوعاً نحوه، وأخرج ابن أبي حاتم وابن مردويه عن ابن عباس مرفوعاً نحوه أيضاً.

(يوم يأتي بعض آيات ربك) التي اقترحوها وهي التي تضطرهم إلى الإيمان، أو ما هو أعم من ذلك فيدخل فيه ما ينتظرونه، وقيل الآيات هي علامات القيامة المذكورة في الأحاديث الثابتة عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فهي التي إذا جاءت (لا ينفع نفسها إيمانها).

والكبرى منها عشرة وهي: الدجال والدابة وخسف بالمشرق وخسف بالمغرب وخسف بجزيرة العرب، والدخان وطلوع الشمس من مغربها ويأجوج ومأجوج ونزول عيسى، ونار تخرج من عدن تسوق الناس إلى المحشر، والبحث مستوفى في كتابنا حجج الكرامة في آثار يوم القيامة.

(لم تكن آمنت من قبل) أي قبل إتيان بعض الآيات، فأما التي قد كانت آمنت من قبل مجيء بعضها فإيمانها ينفعها (أو كسبت في إيمانها خيراً) أي لا ينفع نفساً إيمانها عند حضور الآيات متصفة بأنها لم تكن آمنت من قبل أو آمنت من قبل ولكن لم تكسب في إيمانها خيراً، فحصل من هذا أنه لا ينفع إلا الجمع بين الإيمان من قبل مجيء بعض الآيات مع كسب الخير في الإيمان، فمن آمن من قبل فقط ولم يكسب خيراً في إيمانه أو كسب خيراً ولم يؤمن فإن ذلك غير نافع.

قال السدى: يقول كسبت في تصديقها عملاً صالحاً فهؤلاء أهل القبلة، وإن كانت مصدقة لم تعمل قبل ذلك خيراً فعملت بعد أن رأت الآية لم يقبل منها وإن عملت قبل الآية خيراً ثم عملت بعد الآية خيراً قبل منها، وقال مقاتل: يعني المسلم الذي يعمل في إيمانه خيراً وكان قبل الآية مقيماً على الكبائر.

أقول ووجه الإشكال في هذه الآية الكريمة هو أن عدم الإيمان السابق يستلزم عدم كسب الخير فيه بلا شك ولا شبهة إذ لا خير لمن لا إيمان له، فيكون على هذا ذكره تكراراً إن كان حرف التخيير على بابه من دون تأويل، وأيضاً عدم الإيمان مستقل في إيجابه للخلود في النار فيكون ذكر عدم الثاني لغواً، وكذلك وجود الإيمان مع كسب الخير فيه مستقل في إيجابه للخلوص عن النار وعدم الخلود فيها فيكون ذكر الأول أعني الإيمان بمجرده لغواً.

فهذا وجه الإشكال في الآية باعتبار حرف التخيير المقتضى لكفاية أحد الأمرين على إنفراده وقد ذكروا في التخلص عن هذا الإشكال وجوها.

أحدها: أنه يتحقق النفع بأيهما كان، ولا يخفاك أن هذا تدفعه الأدلة الواردة بعدم الانتفاع بالإيمان من دون عمل.

والوجه الثاني: أنه لا ينفع إلا تحقق الأمرين جميعاً الإيمان وكسب الخير فيه، وهذا أيضاً يدفعه المعنى العربي والإعرابي فإنه لو كان هو المراد لقال: لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً.

الوجه الثالث: أن ذكر الشق الثاني من شقي الترديد لقصد بيان النفع الزائد وتحرّي الأفضل والأكمل، وهذا أيضاً فيه خروج عما يوجبه معنى الترديد الذي يقتضيه حرفه الموضوع له.

الوجه الرابع: أن يراد الكلام مردداً على هذه الصفة المقصود به التعريض بحال الكفار المفرطين في الأمرين جميعاً، وهذا أيضاً خروج عن مقصود الآية بتأويل بعيد جداً لم يدل عليه دليل.

الوجه الخامس: أن الآية من باب اللف التقديري أي لا ينفع نفساً إيمانها ولا كسبها في الإيمان لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً. ورد بأن معنى اللف التقديري على أن يكون المقدر من مهمات الكلام ومقتضيات المقام فترك ذكره تعويلاً على دلالة الملفوظ عليه واقتضائه إياه، وليس هذا من ذاك.

الوجه السادس: أنهما معاً شرطان في النفع وأن العدول إلى هذه العبارة لقصد المبالغة في شأن كل واحد منهما بأنه صالح للاستقلال بالنفع في الجملة، ولا يخفي أن هذا مجرد دعوى لا دليل عليها، وإخراج للترديد عن مفاده الذي تقتضيه لغة.

الوجه السابع: أن ظاهر الآية المقتضى لمجرد نفع الإيمان يعارض بالأدلة الصحيحة الثابتة كتاباً وسنة أنه لا ينفع الإيمان إلا مع العمل وهذا هو الوجه القوي، والتقرير السوي، والاستدلال الواضح، والترجيح الراجح لسلامته عن التكلفات والتعسفات في معنى الآية وعن الإهمال لما فيها من الترديد الواضح بين شِقَّي الإيمان المجرد والإيمان مع العمل.

ولا ينافي هذا ما ورد من الأدلة على نفع الإيمان المجرد فإنها مقيدة بالأدلة الدالة على وجوب العمل بما شرعه الله لعباده من أصول الشرائع وفروعها، فاشدد يديك على هذا ولا تلتفت إلى ما وقع من التدقيقات الزائفة والدعاوي الداحضة، فإن ذلك لا حامل عليه ولا موجب له إلا المحاماة على المذهب وتقويمها، وجعل نصوص الله سبحانه تابعة لها، وتأويل ما خالفها حتى كأنها هي الشريعة المحكمة التي يرد إليها كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

ومن العجب أن محققي المفسرين وكبارهم مع ما في هذه الآية الكريمة من الإشكال المقتضى لتوسيع دائرة المقال اكتفوا في الكلام عليها بالنزر الحقير والبحث اليسير، حتى إن الرازي مع تطويله للمباحث في غالب تفسيره، اقتصر في تفسيره على قوله. والمعنى أن أشراط الساعة إذا ظهرت ذهب أوان التكليف فلم ينفع الإيمان نفساً ما آمنت وما كسبت في إيمانها خيراً قبل ذلك انتهى بحروفه.

فانظر هذا الذي اقتصر عليه واجعله موعظة لك فإنه إنما يكون تفسير الآية لو كانت هكذا: لم تكن آمنت من قبل وكسبت في إيمانها خيراً، من دون حرف التخيير، وهكذا الزمخشري قبله فإنه اقتصر في تفسير الآية على ما لا يسمن ولا يغني من جوع، وفي هذا المقدار كفاية لمن له هداية والله ولي التوفيق.

(قل) أمره الله سبحانه أن يقول لهم (انتظروا) ما تريدون إتيانه وما وعدتم به من مجيء الآيات، وهذا أمر تهديد على حد (اعملوا ما شئتم) وذلك أنهم لا ينتظرون ما ذكر لإنكارهم للبعث وما بعده (إنا منتظرون) وهو يقوي ما قيل في تفسير (يوم يأتي بعض آيات ربك) إنها الآيات التي اقترحوها من إتيان الملائكة أو إتيان العذاب لهم من قبل كما تقدم بيانه.

قال بعض المفسرين: وهذا إنما ينتظره من تأخر في الوجود من المشركين المكذبين بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى ذلك الوقت، والمراد بهذا أن المشركين إنما يمهلون قدر مدة الدنيا فإذا ماتوا أو ظهرت الآيات لم ينفعهم الإيمان وحلت بهم العقوبة اللازمة أبداً، وقيل المراد بهذه الآية الكف عن القتال فتكون الآية منسوخة بآية القتال. وعلى القول الأول تكون محمكة.

إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ إِنَّمَا أَمْرُهُمْ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (159) مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (160) قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (161)

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English