Аль-Каннауджи · Тафсир · на арабском
Ат-Тавба 9:113–125
9:113Страница 205
مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ أَن يَسۡتَغۡفِرُواْ لِلۡمُشۡرِكِينَ وَلَوۡ كَانُوٓاْ أُوْلِي قُرۡبَىٰ مِنۢ بَعۡدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمۡ أَنَّهُمۡ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَحِيمِ ١١٣
Пророку и верующим не подобает просить прощения для многобожников, даже если они являются родственниками, после того, как им стало ясно, что они будут обитателями Ада.
(ما كان) أي لا يصح ولا ينبغي ولا يجوز (للنبي والذين آمنوا أن يستغفروا للمشركين) لما بين الله سبحانه في أول السورة وما بعده أن البراءة من المشركين والمنافقين واجبة، بين سبحانه هنا ما يزيد ذلك تأكيداً وصرح بأن ذلك متحتم (ولو كانوا أولي قربى) فإن القرابة في مثل هذا الحكم لا تأثير لها.
وقد ذكر أهل التفسير أن (ما كان) في القرآن يأتي على وجهين (الأول) على النفي نحو ما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله، والآخر على النهي نحو ما كان لكم أن تؤذوا رسول الله.
(من بعد ما تبين لهم أنهم أصحاب الجحيم) هذه الجملة تتضمن التعليل للنهي عن الاستغفار، والمعنى أن هذا التبين موجب لقطع الموالاة لمن كان هكذا، وعدم الاعتداد بالقرابة لأنهم ماتوا على الشرك، وقد قال سبحانه (إن الله لا يغفر أن يشرك به) فطلب المغفرة لهم في حكم المخالفة لوعد الله ووعيده.
عن عليّ قال: أخبرت النبي صلى الله عليه وسلم بموت أبي طالب فبكى فقال: اذهب فغسله وكفنه وواره غفر الله له ورحمه، ففعلت وجعل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يستغفر له أياماً ولا يخرج من بيته حتى نزل عليه (ما كان للنبي) الآية.
وقد روى في سبب نزول الآية استغفار النبي - صلى الله عليه وسلم - لأبي طالب من طرق كثيرة وأصله في الصحيحين، وما فيهما مقدم على ما لم يكن فيهما على فرض أنه صحيح فكيف وهو ضعيف غالبه، وقيل إن أريد بطلب المغفرة للكافر هدايته للإسلام قبل الموت جاز الاستغفار له، وإن أريد به أن يغفر ذنبه مع بقائه على الكفر لم يجز فمفهوم هذه الآية فيه تفصيل.
وهذه الآية متضمنة لقطع الموالاة للكفار وتحريم الاستغفار لهم والدعاء بما لا يجوز لمن كان كافراً، ولا ينافي هذا ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم في الصحيح أنه قال يوم أحد حين كسر المشركون ربامحيته وشجوا وجهه " اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " لأنه يمكن أن يكون ذلك قبل أن يبلغه تحريم الاستغفار لهم.
وعلى فرض أنه قد كان بلغه كما يفيده سبب النزول فإنه قبل يوم أحد بمدة طويلة فصدور هذا الاستغفار منه لقومه إنما كان على سبيل الحكاية عمن تقدمه من الأنبياء كما في صحيح مسلم عن عبد الله قال: كأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يحكي نبياً من الأنبياء ضربه قومه ويمسح الدم عن وجهه ويقول: " رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون " [[مسلم 1792 - البخاري 1633.]].
9:114Страница 205
وَمَا كَانَ ٱسۡتِغۡفَارُ إِبۡرَٰهِيمَ لِأَبِيهِ إِلَّا عَن مَّوۡعِدَةٖ وَعَدَهَآ إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُۥٓ أَنَّهُۥ عَدُوّٞ لِّلَّهِ تَبَرَّأَ مِنۡهُۚ إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَأَوَّٰهٌ حَلِيمٞ ١١٤
А молитва Ибрахима (Авраама) о прощении для его отца была всего лишь исполнением обещания, которое он ему дал. Когда же ему стало ясно, что его отец является врагом Аллаха, он отрекся от него. Воистину, Ибрахим (Авраам) был смиренным, выдержанным.
(وما كان استغفار إبراهيم لأبيه) بقوله واغفر لأبي أي بأن توفقه للإيمان وتهديه إليه، وجه تعلق هذه الآية بما قبلها أنه تعالى لما بالغ في وجوب الانقطاع عن المشركين الأحياء منهم والأموات بين أن هذا الحكم غير مختص بدين محمد صلى الله عليه وسلم بل هو مشروع أيضاً في دين إبراهيم فتكون المبالغة في وجوب الانقطاع أكمل وأقوى.
(إلا عن موعدة وعدها إياه) ذكر سبحانه السبب في استغفار إبراهيم لأبيه أنه كان لأجل وعد تقدم من إبراهيم لأبيه بالاستغفار له، والاستثناء مفرغ من أعم العلل أي لم يكن استغفاره لأبيه ناشئاً عن شيء ولأجل شيء إلا عن موعدة مبنية على عدم تبين أمره وعدها إياه أي لأجلها.
(فلما تبين له أنه عدو لله) مصر على العداوة والكفر ومستمر عليه، وأنه غير مستحق للاستغفار بموته على الكفر (تبرأ منه) وترك الاستغفار له، وهذا يدل على أنه إنما وعده قبل أن يتبين له أنه من أهل النار ومن أعداء الله، فلا حاجة إلى السؤال الذي يورده كثير من المفسرين أنه كيف خفي ذلك على إبراهيم فإنه لم يخف عليه تحريم الاستغفار لمن أصر على الكفر ومات عليه وهو لم يعلم ذلك إلا بإخبار الله سبحانه له بأنه عدو لله، فإن ثبوت هذه العداوة يدل على الموت على الكفر، وكذلك لم يعلم نبينا صلى الله عليه وآله وسلم بتحريم ذلك إلا بعد أن أخبره الله بهذه الآية، وهذا حكم إنما يثبت بالسمع لا بالعقل.
وقيل المراد من استغفار إبراهيم لأبيه دعاؤه إلى الإسلام وهو ضعيف جداً وقيل المراد به هنا النهي عن الصلاة على جنائز الكفار فهو كقوله تعالى: (ولا تصل على أحد منهم مات أبداً) ولا حاجة إلى تفسير الاستغفار بالصلاة ولا ملجئ إلى ذلك.
ثم ختم الله سبحانه هذه الآية بالثناء العظيم على إبراهيم فقال: (إن إبراهيم) استئناف مسوق لبيان الحامل له علي الاستغفار قبل التبين فليس لغيره أن يقتدي به فيه إذ ليس لغيره ما له من الرأفة والرقة، فلا بد من أن يكون غيره أكثر اجتناباً وتبرياً (لأوّاه) هو كثير التأوه كما تدل على ذلك صيغة المبالغة، وبه قال كعب الأحبار، وهو كناية عن فرط ترحمه ورقة قلبه، والتأوّه أن يقول الرجل عند الشكاية والتوجع آه، وقد أوَّه الرجل تأويها، وتأوه تأوها إذا قال: أوَّه أي أتوجع.
وحكى قطرب: يقال آه يؤه كقام يقوم أوهاً، وأنكر النحويون هذا القول عليه، وقالوا: لا يقال من أوه فعل ثلاثي.
وقد اختلف أهل العلم في معنى الأواه، فقال ابن مسعود وعبيد بن عمير أنه الذي يكثر الدعاء وقال الحسن وقتادة: أنه الرحيم بعباد الله. وروي عن ابن عباس: أنه المؤمن التواب بلغة الحبش، وقال الكلبى: أنه الذي يذكر الله في الأرض القفر، وروي مثله عن ابن المسيب، وقيل الذي يكثر الذكر من غير تقييد، روي ذلك عن عقبة بن عامر.
وقيل هو الذي يكثر التلاوة؛ وقيل أنه الفقيه، قاله مجاهد والنخعي، وقيل المتضرع الخاضع روي ذلك عن عبد الله بن شداد، وقيل الموقن قاله مجاهد، وقيل هو الذي إذا ذكر خطاياه استغفر لها روي ذلك عن أبي أيوب، وقيل هو الشفيق قاله عبد العزيز بن يحيى، وقيل هو المسيح قاله سعيد بن جبير، وقال أبو عبيدة هو المتأوه شفقاً وفرقاً المتضرع إيقاناً ولزوماً للطاعة.
قال الزجاج: انتظم في قول أبي عبيدة جميع ما قيل في الأواه، وقيل أنه المعلم للخير؛ وقيل أنه الراجع عن كل ما يكرهه الله الخائف من النار، قاله عطاء، والمطابق لمعنى الأواه لغة أن يقال إنه الذي يكثر التأوه من ذنوبه فيقول مثلا آه من ذنوبي، آه مما أعاقب به بسببها ونحو ذلك، وبه قال الفراء: وهو مروى عن أبي ذر.
وكان إبراهيم عليه السلام يكثر أن يقول أوّه من النار قبل أن لا ينفع أوه، وأصله من التأوه وهو أن يسمع للصدر صوت من تنفس الصعداء والفعل منه أوه قال في الصحاح وقد أوه الرجل تأويهاً وتأوه تأوها والاسم منه الآهة بالمد، قال المثقب العبدي:
إذا ما قمت أرحلها بليل ... تأوه آهة الرجل الحزين
وعن ابن شداد بن الهاد قال: قال رجل يا رسول الله ما الأواه قال: الخاشع المتضرع في الدعاء، أخرجه ابن جرير وأبو الشيخ وابن أبي حاتم، وفيه شهر بن حوشب فيه الخلاف وهذا إن ثبت وجب المصير إليه وتقديمه على ما ذكره أهل اللغة في معنى الأواه.
(حليم) الكثير الحلم كما تفيده صيغة المبالغة، وهو الذي يصفح عن الذنوب ويصبر على الأذى ثم يقابله بالإحسان واللطف كما فعل إبراهيم مع أبيه حين قال له لئن لم تنته لأرجمنك فأجابه بقوله: (سلام عليك سأستغفر لك ربي) وقيل الذي لا يعاقب أحداً قط إلا لله، قال ابن عباس: كان من حلمه إذا آذاه الرجل من قومه قال له هداك الله، وقيل الحليم السيد.
وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ
9:115Страница 205
وَمَا كَانَ ٱللَّهُ لِيُضِلَّ قَوۡمَۢا بَعۡدَ إِذۡ هَدَىٰهُمۡ حَتَّىٰ يُبَيِّنَ لَهُم مَّا يَتَّقُونَۚ إِنَّ ٱللَّهَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٌ ١١٥
Аллах не вводит в заблуждение людей, которым Он указал прямой путь, пока Он не разъяснит им, чего они должны опасаться. Воистину, Аллах знает о всякой вещи.
(وما كان الله ليضل قوماً بعد إذ هداهم) لما نزلت الآية المتقدمة في النهي عن الاستغفار للمشركين خاف جماعة ممن كان يستغفر لهم العقوبة من الله بسبب ذلك الاستغفار فأنزل الله الآية أي أن الله سبحانه لا يوقع الضلال على قوم ولا يسميهم ضلالاً بعد أن هداهم إلى الإسلام والقيام بشرائعه ما لم يقدموا على شيء من المحرمات بعد أن تبين لهم أنه محرم، وأما قبل أن يتبين لهم ذلك فلا إثم عليهم ولا يؤاخذون به؛ وهذا مثل قوله في آل عمران [بعد إذ هديتنا] وفيه وجهان أي بعد أن هداهم أو بعد وقت هداهم فيه يعني إذ بمعنى أن أو أنها ظرف بمعنى وقت.
(حتى يبين لهم ما يتقون) أي ما يجب عليهم اتقاؤه من محرمات الشرع وقال الضحاك: ما يأتون وما يذرون، وقال مقاتل والكلبي: هذا قي المنسوخ أي ما كان الله ليبطل عمل قوم قد عملوا بالمنسوخ حتى يبين الناسخ، قال ابن عباس: نزلت حين أخذوا الفداء من المشركين يوم الأسارى قال: لم يكن لكم أن تأخذوه حتى يؤذن لكم ولكن ما كان الله ليعذب قوماً بذنب أذنبوه حتى يبين لهم ما يتقون أي ينهاهم قبل ذلك.
وقال مجاهد: بيان الله للمؤمنين في ترك الاستغفار للمشركين خاصة وبيانه لهم في طاعته ومعصيته عامة فافعلوا أو اتركوا (إن الله بكل شيء عليم) مما يحل لعباده ويحرم عليهم ومن سائر الأشياء التي خلقها ومنه مستحق الإضلال والهداية.
إِنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (116) لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ
ثم بين لهم
9:116Страница 205
إِنَّ ٱللَّهَ لَهُۥ مُلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۖ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۚ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِن وَلِيّٖ وَلَا نَصِيرٖ ١١٦
Воистину, Аллаху принадлежит власть над небесами и землей. Он дарует жизнь и умерщвляет. Нет у вас, кроме Аллаха, ни покровителя, ни помощника.
(إن الله) سبحانه (له ملك السموات والأرض) لا يشاركه في ذلك مشارك، ولا ينازعه منازع يتصرف في ملكه بما يشاء من التصرفات التي من جملتها أنه (يحي ويميت) ومن قضت مشيئته بإحيائه وبإماتته (وما لكم) أي لعباده (من دون الله من ولي) يواليهم (ولا نصير) ينصرهم فلا يستغفروا للمشركين ولو كانوا أولي قرب، فإن القرابة لا تنفع شيئاً ولا تؤثر أثراً بل التصرف في جميع الأشياء لله وحده.
9:117Страница 205
لَّقَد تَّابَ ٱللَّهُ عَلَى ٱلنَّبِيِّ وَٱلۡمُهَٰجِرِينَ وَٱلۡأَنصَارِ ٱلَّذِينَ ٱتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ ٱلۡعُسۡرَةِ مِنۢ بَعۡدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٖ مِّنۡهُمۡ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡۚ إِنَّهُۥ بِهِمۡ رَءُوفٞ رَّحِيمٞ ١١٧
Аллах принял покаяния Пророка, мухаджиров и ансаров, которые последовали за ним в трудный час, после того, как сердца некоторых из них чуть было не уклонились в сторону. Он принял их покаяния, ибо Он - Сострадательный, Милосердный.
(لقد تاب الله) أي أدام توبته (على النبي) فيما وقع منه صلى الله عليه وسلم من الإذن في التخلف أو فيما وقع منه من الاستغفار للمشركين، وليس من لازم التوبة أن يسبق الذنب ممن وقعت منه أو له لأن كل العباد محتاج إلى التوبة والاستغفار، وقد يكون التوبة منه على النبي من باب أنه ترك ما هو الأولى والأليق كما في قوله عفا الله عنك لم أذنت لهم.
ويجوز أن يكون ذكر النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التعريض للمذنبين بأن يتجنبوا الذنوب ويتوبوا عما قد لابسوه منها، قال أهل المعاني: هو مفتاح كلام للتبرك وفيه تشريف لهم في ضم توبتهم إلى توبة النبي صلى الله عليه وسلم كما ضم اسم الرسول إلى اسم الله في قوله: (فإن لله خمسه وللرسول) فهو تشريف له.
(و) كذلك تاب الله سبحانه على (المهاجرين والأنصار) فيما قد اقترفوه من الذنوب، ومن هذا القبيل ما صح عنه صلى الله عليه وآله وسلم من قوله أن الله اطلع على أهل بدر فقال اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم، والإنسان لا يخلو من زلات وتبعات في مدة عمره إما من باب الصغائر وإما من باب ترك الأفضل.
ثم وصف سبحانه المهاجرين والأنصار بأنهم (الذين اتبعوه) أي النبي صلى الله عليه وسلم فلم يتخلفوا عنه (في ساعة العسرة) هي غزوة تبوك فإنهم كانوا فيها في عسرة شديدة، وقد ذكر بعض العلماء أن النبي صلى الله عليه وسلم سار إلى تبوك في سبعين ألفاً ما بين راكب وماش من المهاجرين والأنصار وغيرهم من سائر القبائل، فالمراد بالساعة أوقات جميع تلك الغزاة ولم يرد ساعة بعينها، والعسرة صعوبة الأمر والشدة والضيق.
وقد وقع الاتفاق بين الرواة أن ساعة العسرة هي غزوة تبوك وتسمى غزوة العسرة، والجيش الذي سار يسمى جيش العسرة لأنه كان عليهم عسرة في الزاد والظهر والماء.
وأخرج ابن حبان والحاكم وصححه والبيهقي وغيرهم عن ابن عباس أنه قال لعمر بن الخطاب: حدثنا من شأن ساعة العسرة فقال: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك في قيظ شديد فنزلنا منزلاً فأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستنقطع حتى أن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيراً فادع لنا فرفع يديه فلم يرجعهما حتى قالت السماء؛ فأهطلت ثم سكبت فملؤوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
(من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم) في كاد ضمير الشأن بيان لتناهي الشدة وبلوغها النهاية، ومعنى يزيغ يتلف بالجهد والمشقة والشدة، وقيل معناه يميل عن الحق ويترك المناصرة والممانعة، وقيل معناه يهم بالتخلف عن الغزو لما هم فيه من الشدة العظيمة، وفي قراءة ابن مسعود من بعد ما زاغت وهم المتخلفون على هذه القراءة.
وفي تكرير التوبة عليهم بقوله: (ثم تاب عليهم) تأكيد ظاهر واعتناء بشأنها، هذا إن كان الضمير راجعاً إلى من تقدم ذكر التوبة عنهم وإن كان الضمير إلى الفريق الثاني فلا تكرار، وذكر التوبة أولاً قبل ذكر الذنب تفضلاً منه وتطييباً لقلوبهم، ثم ذكر الذنب بعد ذلك وأردفه بذكر التوبة مرة أخرى تعظيماً لشأنهم، وليعلموا أنه تعالى قد قبل توبتهم وعفا عنهم.
ثم أتبعه بقوله: (إنه بهم رؤوف رحيم) تأكيداً لذلك أي رفيق بعباده لأنه لم يحملهم ما لا يطيقون من العبادات، وبين الرؤوف والرحيم فرق لطيف وإن تقاربا في المعنى، قال الخطابي: قد تكون الرحمة مع الكراهة ولا تكاد الرأفة تكون معها، وقيل الرأفة عبارة عن السعي في إزالة الضرر، والرحمة عبارة عن السعي في إيصال النفع.
وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (118) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ
9:118Страница 206
وَعَلَى ٱلثَّلَٰثَةِ ٱلَّذِينَ خُلِّفُواْ حَتَّىٰٓ إِذَا ضَاقَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلۡأَرۡضُ بِمَا رَحُبَتۡ وَضَاقَتۡ عَلَيۡهِمۡ أَنفُسُهُمۡ وَظَنُّوٓاْ أَن لَّا مَلۡجَأَ مِنَ ٱللَّهِ إِلَّآ إِلَيۡهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيۡهِمۡ لِيَتُوبُوٓاْۚ إِنَّ ٱللَّهَ هُوَ ٱلتَّوَّابُ ٱلرَّحِيمُ ١١٨
Аллах простил и тех троих, которым было отсрочено до тех пор, пока земля не стала тесной для них, несмотря на ее просторы. Их души сжались, и они поняли, что им негде укрыться от Аллаха, кроме как у Него. Затем Он простил их, чтобы они могли раскаяться. Воистину, Аллах - Принимающий покаяния, Милосердный.
(و) تاب (على الثلاثة الذين خُلفوا) أي أخروا ولم تقبل توبتهم في الحال كما قبلت توبة أولئك المتخلفين المتقدم ذكرهم، قال ابن جرير معنى خلفوا تركوا يقال خلفت فلاناً فارقته، وقرئ خلفوا بالتخفيف أي أقاموا بعد نهوض رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين إلى الغزو، وقرئ خالفوا، وقيل معنى خلفوا فسدوا مأخوذ من خلوف الفم، وهؤلاء الثلاثة هم كعب بن مالك ومرارة بن الربيع أو ابن ربيعة العامري وهلال بن أمية الواقفي، وكلهم من الأنصار لم يقبل النبي صلى الله عليه وآله وسلم توبتهم حتى نزل القرآن بأن الله قد تاب عليهم.
(حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت) كناية عن شدة التحير وعدم الاطمئنان، يعني أخروا عن قبول التوبة إلى هذه الغاية وهي وقت أن ضاقت عليهم الأرض برحبها لإعراض الناس عنهم وعدم مكالمتهم من كل أحد لأن النبي صلى الله عليه وسلم نهى الناس أن يكالموهم، والرحب الواسع يقال منزل رحب ورحيب وراحب والمضموم مصدر والمفتوح مكان، وفي هذه الآية دليل على جواز هجران أهل المعاصي تأديباً لهم لينزجروا عن المعاصي.
(وضاقت عليهم أنفسهم) أي أنها ضاقت صدورهم بما نالهم من الوحشة وبما حصل لهم من الجفوة وشدة الغم والحزن ومجانبة الناس إياهم وترك كلامهم فلا يسعها سرور ولا أنس، وعبر بالظن في قوله: (وظنوا) عن العلم أي علموا وأيقنوا (أن لا ملجأ) يلجؤون إليه قط (من الله) أي من عذابه أو من سخطه (إلا إليه) سبحانه بالتوبة والاستغفار.
(ثم تاب) أي رجع (عليهم) بالقبول والرحمة وأنزل في القرآن التوبة عليهم ليستقيموا أو وفقهم للتوبة فيما يستقبل من الزمان إن فرطت منهم خطيئة (ليتوبوا) عنها ويرجعوا فيها إلى الله ويندموا على ما وقع منهم ويحصلوا التوبة وينشؤوها فحصل التغاير وصح التعليل (إن الله هو التواب) أي الكثير القبول لتوبة التائبين (الرحيم) أي الكثير الرحمة لمن طلبها من عباده.
قال أبو بكر الوراق: التوبة النصوح أن تضيق على التائب الأرض بما رحبت وتضيق عليه نفسه كتوبة هؤلاء الثلاثة، وفيه دليل على أن قبول التوبة بمحض الرحمة والكرم والرأفة والإحسان من الله تعالى، وأنه لا يجب عليه شيء.
9:119Страница 206
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ ٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَكُونُواْ مَعَ ٱلصَّٰدِقِينَ ١١٩
О те, которые уверовали! Бойтесь Аллаха и будьте с правдивыми.
(يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله) في مخالفة أمر الرسول صلى الله عليه وسلم (وكونوا مع الصادقين) هذا الأمر بالكون مع الصادقين بعد قصة الثلاثة يفيد الإشارة إلى أن هؤلاء الثلاثة حصل لهم بالصدق ما حصل من توبة الله، وظاهر الآية الأمر للعباد على العموم، قال نافع: قيل للثلاثة كونوا مع محمد وأصحابه. وقال سعيد بن جبير: كونوا مع أبي بكر وعمر وزاد الضحاك وأصحابهما وعن ابن عباس مع علي بن أبي طالب، وعن جعفر قال: مع الثلاثة الذين خلفوا.
قال ابن جرير: مع المهاجرين وقيل مع الذين خرجوا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى تبوك، وقيل مع الذين صدقوا في الاعتراف بالذنب ولم يعتذروا بالأعذار الباطلة، وهذه الآية تدل على فضيلة الصدق.
روي أن أبا بكر احتج بهذه الآية على الأنصار في يوم السقيفة حين قال الأنصار منا أمير ومنكم أمير، فقال: إن الله يقول في كتابه (للفقراء المهاجرين) إلى قوله: (أولئك هم الصادقون) فمن هؤلاء قال الأنصار أنتم هم؛ فقال إن الله يقول: (اتقوا الله وكونوا مع الصادقين) فأمركم أن تكونوا معنا ولم يأمرنا أن نكون معكم.
9:120Страница 206
مَا كَانَ لِأَهۡلِ ٱلۡمَدِينَةِ وَمَنۡ حَوۡلَهُم مِّنَ ٱلۡأَعۡرَابِ أَن يَتَخَلَّفُواْ عَن رَّسُولِ ٱللَّهِ وَلَا يَرۡغَبُواْ بِأَنفُسِهِمۡ عَن نَّفۡسِهِۦۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ لَا يُصِيبُهُمۡ ظَمَأٞ وَلَا نَصَبٞ وَلَا مَخۡمَصَةٞ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ وَلَا يَطَـُٔونَ مَوۡطِئٗا يَغِيظُ ٱلۡكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنۡ عَدُوّٖ نَّيۡلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُم بِهِۦ عَمَلٞ صَٰلِحٌۚ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجۡرَ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ١٢٠
Не следовало жителям Медины и бедуинам из окрестностей оставаться позади Посланника Аллаха и отдавать предпочтение собственным жизням перед его жизнью. Это потому, что жажда, усталость и голод, постигающие их на пути Аллаха, и каждый шаг, вызывающий гнев неверующих, и каждое поражение, нанесенное врагу, непременно запишутся им как добрые дела. Воистину, Аллах не теряет вознаграждения творящих добро.
مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلَّفُوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَيْلًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ
قيل والآية تدل على أن الإجماع حجة لأنه أمر بالكون مع الصادقين فلزم قبول قولهم، وقيل مع بمعنى من، أي كونوا منهم والله أعلم.
(ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله) زيادة تأكيد لوجوب الغزو مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وتحريم التخلف عنه أي ما صح وما استقام لهم ولمن حولهم كمزينة وجهينة وأشجع وأسلم وغفار أن يتخلفوا عنه صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك، وقيل هو عام في كل الأعراب لأن اللفظ عام وحمله على العموم أولى، وإنما خصهم الله سبحانه لأنهم قد استنفروا فلم ينفروا بخلاف غيرهم من العرب فإنهم لم يستنفروا مع كون هؤلاء لقربهم وجوارهم أحق بالنصرة والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
قال ابن زيد: هذا حين كان الإسلام قليلاً لم يكن لأحد أن يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلما كثر الإسلام وفشا قال الله: (وما كان المؤمنون لينفروا كافة).
(ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه) أي وما كان لهم ذلك فيشحون بها ويصونونها ولا يشحون بنفس رسول الله صلى الله عليه وسلم ويصونونها كما شحوا بأنفسهم وصانوها، يقال رغبت عن كذا أي ترفعت عنه وأعرضت.
والمعنى ولا يجعلوا أنفسهم راغبة معرضة عما ألقى فيه نفسه الكريمة، بل واجب عليهم أن يكابدوا معه المشاق ويجاهدوا بين يديه أهل الشقاء، ويبذلوا أنفسهم دون نفسه بأن يصحبوه على البأساء والضراء علما بأنها أعز نفس عند الله وأكرمها عليه، فإذا تعرضت مع عزتها وكرامتها للخوض في شدة وهول، وجب على سائر الأنفس أن تتهافت فيما تعرضت له ولا يكترث بها أصحابها ولا يقيموا لها وزناً وتكون أخف شيء عليهم وأهونه.
وفي هذا الإخبار معنى الأمر لهم مع ما يفيده إيراده على هذه الصيغة من التوبيخ لهم والتقريع الشديد والتهييج لهم والإزراء عليهم.
والإشارة بقوله: (ذلك) إلى ما يفيده السياق من وجوب المتابعة لرسول الله صل الله عليه وسلم أي ذلك الوجوب (بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة) أي بسبب أنهم مثابون على أنواع المتاعب وأصناف الشدائد، والظمأ العطش والنصب التعب، والمخمصة الجاعة الشديدة التي يظهر عندها ضمور البطن، وتوسيط كلمة لا هاهنا للدلالة على استقلال كل واحد منها بالفضيلة والاعتداد به.
ومعنى (في سبيل الله) في طاعة الله (ولا يطأون موطئاً يغيظ) بفتح الياء باتفاق السبعة وإن كان يجوز لغة ضمها إذ يقال لغة غاظه وأغاظه بمعنى واحد، أي يغضب والكفار أي لا يدوسون مكاناً من أمكنة الكفار بأقدامهم، أو بحوافر خيولهم أو بأخفاف رواحلهم، فيحصل بسبب ذلك الغيظ والغم والحزن للكفار، والمَوْطِئ اسم مكان ويجوز أن يكون مصدراً، وفيه أن المدد يشارك الجيش في الغنيمة بعد انقضاء الحرب لأن وطء ديارهم مما يغيظهم.
(ولا ينالون) أي لا يصيون (من عدو نيلاً) أي قتلاً وأسراً أو هزيمة أو غنيمة وأصله من نلت الشيء أنال أي أصبت، قال الكسائي: هو من قولهم أمر منيل منه، وليس هو من التناول إنما التناول من نلته بالعطية، قال غيره نلت أنول من العطية ونلته أناله أدركته.
(إلا كتب لهم به) أي بكل واحد من الأمور الخمسة (عمل صالح) حسنة مقبولة يجازيهم بها وثواب عمل صالح قد ارتضاه لهم وقبله منهم بحكم الوعد الكريم للثواب الجميل ونيل الزلفى.
قال الأوزاعي وجماعة من الأئمة: هذه الآية للمسلمين إلى أن تقوم الساعة، وقال قتادة: هذا الحكم خاص برسول الله صلى الله عليه وسلم والأول أولى، وفي الآية دليل على أن من قصد طاعة الله كان قيامه وقعوده ومشيه وحركته وسكونه كلها حسنات مكتوبة عند الله وكان سعيه مشكوراً.
(إن الله لا يضيع أجر المحسنين) جملة في حكم التعليل لما سبق مع كونه يشمل كل محسن ويصدق على المذكورين هنا صدقاً أولياً، والعدول من الإضمار إلى الإظهار لأجل مدحهم.
وَلَا يُنْفِقُونَ نَفَقَةً صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ لِيَجْزِيَهُمُ اللَّهُ أَحْسَنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (121) وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ
9:121Страница 206
وَلَا يُنفِقُونَ نَفَقَةٗ صَغِيرَةٗ وَلَا كَبِيرَةٗ وَلَا يَقۡطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمۡ لِيَجۡزِيَهُمُ ٱللَّهُ أَحۡسَنَ مَا كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ١٢١
Какое бы большое или скудное пожертвование они ни делали, какую бы долину они ни пересекали, это записывается им, дабы Аллах воздал им большим, чем то, что они совершили.
(ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة) أي ولا يقع منهم الإنفاق في الحرب أو في سبيل الله، وإن كان شيئاً حقيراً صغيراً يسيراً، كتمرة فما دونها أو أكثر منها حتى علاقة سوط (ولا يقطعون وادياً) مقبلين أو مدبرين فيه، وهو في الأصل كل منفرج بين جبال وآكام يكون منفذاً للسيل؛ والعرب تقول واد وأودية على غير قياس، قال النحاس: ولا يعرف فيما علمت فاعل وأفعلة، والمراد هنا مطلق الأرض، قاله الحفناوي.
(إلا كتب لهم) ذلك الذي عملوه من النفقة والسفر في الجهاد (ليجزيهم الله) وبه (أحسن) جزاء (ما كانوا يعملون) من الأعمال، وقال الرازي: الأحسن من صفة أفعالهم وفيها الواجب والمندوب والمباح، فالله يجزيهم على الأحسن، وهو الواجب والمندوب دون المباح والأول أولى.
وقيل يجزيهم على كل واحد جزاء أحسن عمل كان لهم فيلحق ما دونه به توفيراً لأجرهم، وفي الآية دليل على فضل الجهاد وأنه من أحسن أعمال العباد.
وقد ذهب جماعة إلى أن هذه الآية منسوخة بالآية المذكورة بعدها وهي قوله
9:122Страница 206
۞ وَمَا كَانَ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ لِيَنفِرُواْ كَآفَّةٗۚ فَلَوۡلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرۡقَةٖ مِّنۡهُمۡ طَآئِفَةٞ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي ٱلدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوۡمَهُمۡ إِذَا رَجَعُوٓاْ إِلَيۡهِمۡ لَعَلَّهُمۡ يَحۡذَرُونَ ١٢٢
Верующим не следует выступать в поход всем вместе. Почему бы не отправить из каждой группы по отряду, чтобы они могли изучить религию и увещевать людей, когда они вернутся к ним? Быть может, они будут остерегаться.
(وما كان المؤمنون لينفروا كافة) فإنها تدل على جواز التخلف من البعض مع القيام بالجهاد من البعض، واختلف المفسرون في معنى هذه الآية؛ فذهب جماعة إلى أنه من بقية أحكام الجهاد، لأنه سبحانه لما بالغ في الأمر بالجهاد والانتداب إلى الغزو وكان المسلمون إذا بعق رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى الكفار ينفرون جميعاً ويتركون المدينة خالية، فأخبرهم الله سبحانه بأنه ما كان لهم ذلك، أي ما صح ولا استقام أن ينفروا جميعاً.
(فلولا) تحضيضية فالمعنى على الطلب أي فهلا (نفر من كل فرقة منهم طائفة) الطائفة في اللغة الجماعة، أي بل ينفر من كل فرقة منهم طائفة من تلك الفرق، ويبقى من عدا هذه الطائفة النافرة، قالوا ويكون الضمير في قوله: (ليتفقهوا في الدين) عائداً إلى الفرقة الباقية، والمعنى أن طائفة من هذه الفرقة تخرج إلى الغزو ومن بقي من الفرقة يقفون لطلب العلم ويعلمون الغزاة أو يذهبون في طلبه إلى المكان الذي يجدون فيه من يتعلمون منه ليأخذوا عنه الفقه في الدين.
(ولينذروا قومهم) عطف علة ففيه إشارة إلى أنه ينبغي أن يكون غرض المتعلم الاستقامة وتبليغ الشريعة لا الترفع على العباد والتبسط في البلاد كما هو دأب أبناء الزمان (إذا رجعوا) أي وقت رجوعهم (إليهم) من الغزو.
وذهب آخرون إلى أن هذه الآية ليست من بقية أحكام الجهاد، وهي حكم مستقل بنفسه في مشروعية الخروج لطلب العلم والتفقه في الدين، جعله الله سبحانه متصلاً بما دل على إيجاب الخروج إلى الجهاد فيكون السفر نوعين (الأول) سفر الجهاد (والثاني) السفر لطلب العلم، ولا شك أن وجوب الخروج لطلب العلم إنما يكون إذا لم يجد الطالب من يتعلم منه في الحضر من غير سفر.
والفقه هو العلم بالأحكام الشرعية وبما يتوصل به إلى العلم بها من لغة ونحو وصرف وبيان وأصول، وقد جعل الله سبحانه الغرض من هذا هو التفقه في الدين وإنذار من لم يتفقه، فجمع بين المقصدين الصالحين والمطلبين الصحيحين، وهما تعلم العلم وتعليمه، فمن كان غرضه بطلب العلم غير هذين فهو طالب لغرض دنيوي لا لغرض ديني.
(لعلهم يحذرون) الترجي لوقوع الحذر منهم عن التفريط فيما يجب يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ
فعله فيترك أو فيما يجب تركه فيفعل، واستدل به على أن أخبار الآحاد حجة لأن عموم كل فرقة يقتضي أن ينفر من كل ثلاثة تفردوا بقرية طائفة إلى التفقه لتنذر فرقتها كي يتذكروا ويحذروا فلو لم تعتبر الأخبار ما لم تتواتر لم يفد ذلك.
9:123Страница 207
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ قَٰتِلُواْ ٱلَّذِينَ يَلُونَكُم مِّنَ ٱلۡكُفَّارِ وَلۡيَجِدُواْ فِيكُمۡ غِلۡظَةٗۚ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ مَعَ ٱلۡمُتَّقِينَ ١٢٣
О те, которые уверовали! Сражайтесь с неверующими, которые находятся вблизи вас. И пусть они убедятся в вашей суровости. И знайте, что Аллах - с богобоязненными.
(يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار) في هذا الفعل لغتان أكثرهما وليه يليه بالكسر فيما والثانية من باب وعد وهي قليلة الاستعمال، وجلست مما يليه أي يقاربه، وكأن الآية جاءت على اللغة الثانية وأصله يليون أي الأقرب فالأقرب منهم.
أمر سبحانه المؤمنين بأن يجتهدوا في مقاتلة من يليهم من الكفار في الدار والبلاد والنسب، قيل مثل قريظة والنضير وخيبر ونحوها، قاله ابن عباس.
وقال ابن عمر: هم الروم لأنهم كانوا سكان الشام والشام أقرب إلى المدينة من العراق، وقيل هم الديلم، وقال ابن زيد: هم العرب فقاتلوهم حتى فرغوا منهم، ثم أمروا بقتال أهل الكتاب وجهادهم حتى يؤمنوا أو يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، وهكذا المفروض على أهل كل ناحية أن يقاتلوا من وليهم وأن يأخذوا في حربهم بالغلظة والشدة كما قال.
(وليجدوا) أي ليدركوا (فيكم غلظة) أي شدة وقوة وشجاعة، قال الخفاجي: قالوا أنها كلمة جامعة للجرأة والصبر على القتال وشدة العدواة والأنف في القتل والأسر، وظاهرها أمر الكفار بأن يجدوا في المؤمنين غلظة، والمقصود أمر المؤمنين بالاتصاف بصفات كالصبر وما معه حتى يجدهم الكفار المتصفين بها فهي على حد قولهم لا أرينك هاهنا، والغلظة بالكسر ضد الرقة وهي لغة أسد، والفتح لغة أهل الحجاز والضم لغة تميم.
حكى أبو عمرو اللغات الثلاث وبها قرئ لكن السبعة على الكسر، والغلظة أصلها في الإجرام فاستعيرت هنا للشدة والتجلد والصبر، وقال الحسن: صبراً على جهادهم والجهاد واجب لكل الكفار وإن كان الابتداء بمن يلي المجاهدين منهم أهم وأقدم ثم الأقرب فالأقرب.
ونقل عن بعض العلماء أنه قال أنزلت هذه الآية قبل الأمر بقتال المشركين كافة فلما نزلت (وقاتلوا المشركين كافة) صارت ناسخة لهذه الآية.
وقال المحققون من العلماء: ولا وجه للنسخ فإنه تعالى أمرهم بقتالهم كافة وأرشدهم الطريق الأصوب الأصلح وهو أن يبدؤوا بقتال الأقرب فالأقرب قرباً مكانياً لا قرباً نسبياً حتى يصلوا إلى الأبعد فالأبعد، وبهذا الطريق يحصل الغرض من قتال المشركين كافة لأن قتالهم في دفعة واحدة لا يتصور، ولهذا السبب قد قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم أولاً قومه، ثم انتقل منهم إلى قتال سائر العرب ثم إلى قتال أهل الكتاب، وهم قريظة والنضير وخيبر وفدك، ثم انتقل إلى غزو الروم والشام فكان فتحه في زمن الصحابة ثم أنهم انتقلوا إلى العراق ثم بعد ذلك إلى سائر الأمصار لأنه إذا قاتل الأقرب أولاً تقوى بما ينال منهم من الغنائم على الأبعد.
ثم أخبرهم الله بما يقوي عزائمهم ويثبت أقدامهم فقال: (واعلموا أن الله مع المتقين) بالنصرة لهم وتأييدهم على عدوهم ومن كان الله معه لم يقم له شيء.
وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (124) وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ
9:124Страница 207
وَإِذَا مَآ أُنزِلَتۡ سُورَةٞ فَمِنۡهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمۡ زَادَتۡهُ هَٰذِهِۦٓ إِيمَٰنٗاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَزَادَتۡهُمۡ إِيمَٰنٗا وَهُمۡ يَسۡتَبۡشِرُونَ ١٢٤
Когда ниспосылается сура, то среди них находится такой, который говорит: «Чья вера от этого стала сильнее?». Что касается тех, кто уверовал, то их вера от этого усиливается, и они радуются.
(وإذا ما أنزلت سورة) حكاية منه سبحانه لبقية فضائح المنافقين أي
والحال إذا ما أنزل الله على رسوله صلى الله عليه وسلم سورة من كتابه العزيز
(فمنهم) أي فمن المنافقين (من يقول) لإخوانه منهم (أيكم زادته هذه) السورة النازلة (إيماناً) يقولون هذا استهزاء بالمؤمنين، ويجوز أن يقولوه لجماعة من المسلمين قاصدين بذلك صرفهم على الإسلام وتزهيدهم فيه، وقد تقدم بيان معنى السورة (فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً) حكى الله سبحانه بعد مقالتهم هذه أن المؤمنين زادتهم إيماناً إلى إيمانهم لتصديقهم بها، والزيادة ضم شيء إلى آخر من جنسه مما هو في صفته، وقد تقدم الكلام على زيادة الإيمان (وهم يستبشرون) أي والحال أنهم يفرحون مع هذه الزيادة بنزول الوحي شيئا بعد شيء وما يشتمل عليه من المنافع الدينية والدنيوية.
9:125Страница 207
وَأَمَّا ٱلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٞ فَزَادَتۡهُمۡ رِجۡسًا إِلَىٰ رِجۡسِهِمۡ وَمَاتُواْ وَهُمۡ كَٰفِرُونَ ١٢٥
А что касается тех, чьи сердца поражены недугом, то это добавляет сомнение к их сомнению, и поэтому они умрут неверующими.
(وأما الذين في قلوبهم مرض) وهم المنافقون، والمراد بالمرض هنا الشرك والنفاق (فزادتهم) السورة المنزلة (رجساً إلى رجسهم) أي خبثاً مضموماً إلى خبثهم الذي هم عليه من الكفر وفساد الاعتقاد، وإظهار غير ما يضمرونه، ولذا عدى بإلى، وقيل أن إلى بمعنى مع، وسمي الكفر رجساً لأنه أقبح الأشياء وأصل الرجس في اللغة الشيء المستقذر (وماتوا وهم كافرون) أي وثبتوا واستمروا عليه إلى أن ماتوا كفاراً منافقين، وقيل المعنى زادتهم إثماً إلى إثمهم.
أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ (126) وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии