Ас-Самин аль-ХалябиАль Имран · 3:156–164

Ас-Самин аль-Халяби · Тафсир · на арабском

Аль Имран 3:156–164

3:156Страница 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

О те, которые уверовали! Не будьте похожи на неверующих, которые сказали о своих братьях, когда они странствовали по земле или участвовали в походе: «Если бы они были рядом с нами, то не умерли бы и не были бы убиты», - дабы Аллах сделал это причиной скорби в их сердцах. Аллах оживляет и умерщвляет, и Аллах видит то, что вы совершаете.

قولُه تعالى: {إِذَا ضَرَبُواْ} : «إذا» ظرفٌ مستقبل فلذلك اضطربت أقوالُ المُعْرِبين هنا من حيث إنَّ العاملَ فيها: «قالوا» وهو ماضٍ، فقال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف قيل:» إذا ضَرَبوا «مع» قالوا «؟ قلت: هو حكايةٌ حالٍ ماضيةٍ كقولك» حين يضربون في الأرض «. وقال أبو البقاء بعد قوله قريباً من قول الزمخشري:» ويجوز أن يكونَ «كفروا» و «قالوا» ماضيين، ويرادُ بهما المستقبلُ المحكيُّ به الحالُ، فعلى هذا يكون التقديرُ: يكفرون ويقولون «انتهى. ففي كِلا الوجهين حكايةٌ حالٍ، لكنْ في الأولِ حكايةٌ حالٍ ماضيةٍ، وفي الثاني مستقبلةٌ، وهو من هذه الحيثيَّةِ كقوله تعالى: {حتى يَقُولَ الرسول والذين آمَنُواْ} [البقرة: 214] وقد تقدَّم. ويجوزُ أَنْ يُراد ب» قال «الاستقبالُ لا على سبيلِ الحكاية، بل لوقوعِه صلةً لموصولٍ، وقد نَصَّ بعضُهم على أنَّ الماضيَ إذا وقَع صلةً لموصولٍ صَلَح للاستقبال نحو: {إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ} [المائدة: 34] ، وإلى هذا نحا ابن عطية، قال:» ودخلت إذا وهي حرف استقبال من حيث «الذين» اسمٌ مُبْهَمٌ يَعُمُّ مَنْ قَال في الماضي ومَنْ يقول في الاستقبال، ومِنْ حيث هذه النازلةُ تُتَصَوَّرُ في مستقبلِ الزمان «يعني فتكون حكايةَ حالٍ مستقبلة.

وقيل:» إذا «بمعنى» إذْ «وليس بشيء. وقَدَّرَ الشيخ مضافاً محذوفاً هو عاملٌ في» إذا «تقديرُه:» وقالوا لهلاكِ إخوانهم «أي مخافةَ أن يَهْلَكَ إخوانُهم إذا سافروا أو غزَوا، فقدَّر العاملَ مصدراً مُنْحَلاًّ ل» أَنْ «والمضارع حتى يكونَ مستقبلاً قال:» ولكنْ يصيرُ الضميرُ في قوله: {لَّوْ كَانُواْ عِنْدَنَا} عائداً على «إخوانهم» في اللفظ وهو لغيرهم في المعنى أي: يعودُ على إخوانٍ آخرين وهم الذي تقدَّمَ موتُهم بسببِ سفرٍ أو غزو، وقَصْدُهم بذلك تثبيطُ الباقين، وهو نظيرُ: «درهمٌ ونصفه» ، {وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلاَ يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ} [فاطر: 11] وقول النابغة: 1477 - قالَتْ: ألا ليتما هذا الحمامُ لنا ... إلى حمامتِنا ونصفُه فَقَدِ

أي. نصفُ درهمٍ آخرَ، ومُعَمَّرٍ أخرَ، وحمامٍ آخرَ «.

واللامُ في» لإِخوانهم «للعلةِ، وليسَتْ هنا للتبليغ كالتي في قولِك:» قلت لزيدٍ: افعل كذا «.

والجمهورُ على» غُزَّى «بالتشديد جمع» غازٍ «وقياسُه: غُزَاة كرام ورُماة، ولكنهم حَمَلوا المعتلَّ على الصحيح في نحو: ضارِب وضُرَّب، وصائم وصُوَّم. والزهري والحسن:» غُزَى «بتخفيفها، وفيه وجهان: أنه خَفَّف الزايَ كراهيةَ التثقيلِ في الجمعِ. والثاني: أنَّ أصلَه» غُزاة «كقُضاة ورُماة، ولكنه حَذَفَ تاءَ التأنيث، لأنَّ نفسَ الصيغةِ دالَّة على الجمعِ، فالتاءُ مستغنىً عنها.

وقال ابن عطية: وهذا الحذف كثيرٌ في كلامهم، ومنه قول الشاعر يمدح الكسائي:

1478 - أبى الذَّمُّ أخلاقَ الكسائي وانْتَحى ... به المجدُ أخلاقَ الأُبُوِّ السَّوابقِ

يريد: «الأبوة» جمع أب، كما ان «العمومة» جمع عَمّ «، و» البُنُوَّة «جمعُ ابن، وقد قالوا: ابن وبُنُوّ. وقد رَدَّ عليه الشيخ هذا: بأنَّ الحَذْفَ ليس بكثيرٍ، وأنَّ قوله:» حُذِفَت التاءُ من «عُمومة» ليس كذلك، بل الأصل «عُموم» من غير تاء/، ثم أَدخلوا عليها التاء لتأكيد الجمع، فما جاء على «فُعول» من غير تاءٍ فهو الأصلُ نحو: عُموم وفُحول، وما جاءَ فيه التاءُ فهو الذي يَحْتاج إلَى تأويِلِه بالجمعِ، لم يُبْنَ على هذه التاءِ حتى يُدَّعى حَذْفُها، وهذا بخلاف «قُضاة» وبابِه بُني عليها فيمكنُ ادِّعاءُ الحَذْفِ فيه، وأما «أُبُوّة» و «بُنُوّة» فليسا جَمْعَيْن بل مصدَرَيْن وأمَّا «أُبُوّ» في البيت فهو شاذ عند النحاةِ من جهةِ أنه كان مِنْ حَقِّه أَنْ يُعِلَّه فيقول: «أُبِيّ» بقلبِ الواوين ياءين نحو: عُصِيّ.

ويُقال: غُزَّاء بالمدِّ أيضاً وهو شاذٌّ، وتَحَصَّل في «غازٍ» ثلاثةُ جموعٍ في التكسير: غُزاة كقُضاة، وغُزَّى كصُوَّم، وغُزَّاء كصُوّام، وجمعٌ رابع جمعُ سلامة، والجملةُ كلها في محل نصب بالقول.

قوله: {لِيَجْعَلَ الله} في هذه اللام قولان، أحدهما: أنها لام «كي» والثاني: أنها لام العاقبة والصيرورة، وعلى القول الأول فبِمَ تتعلَّق هذه اللام؟ وفيه وجهان، فقيل: التقدير: أَوْقَعَ ذلك أي القول أو المُعْتَقَد ليجعلَه حسرةً، أو نَدَمُهم، كذا قَدَّره أبو البقاء، وأجاز الزمخشري: أن تتعلَّقَ بجملة النهي، وذلك على معنيين باعتبارِ ما يرُاد باسمِ الإِشارة على ما سيأتي بيانُه في كلامِه: أمَّا الاعتبارُ الأول فإنه قال: «يعني: لا تكونوا مثلَهم في النطق بذلك القول واعتقادِه ليجعله اللهُ حسرةً في قلوبِهم خاصة، ويصونَ منها قلوبَكم» فجعل «ذلك» إشارةً إلى القولِ والاعتقادِ. وأمَّا الاعتبارُ الثاني فإنه قال: «ويجوزُ أَنْ يكونَ» ذلك «إشارةً إلى ما دَلَّ عليه النهيُ أي: لا تكونوا مثلَهم ليجعلَ اللهُ انتفاءَ كونكم مثلَهم حسرةً في قلوبهم، لأنَّ مخالَفَتهم فيما يقولون، ويعتقدون مِمَّا يَغُمُّهُمْ ويَغيظهم» .

وقد رَدَّ عليه الشيخ المعنى الأولَ بالمعنى الثاني الذي ذكره هو، ولا بد من إيراده ليتبيَّنَ لك. قال بعد ما حكى عنه ما نقلْتُه في المعنى الأول: «وهذا كلام مثبج لا تحقيقَ [فيه] لأَنَّ جَعْلَ الحسرة لا يكون سبباً للنهي كما قلنا. إنما يكونُ سبباً لحصولِ امتثالِ النهي، وهو انتفاء المماثلةِ، فحصولُ ذلك الانتفاء والمخالفةِ فيما يقولون ويعتقدون يَحْصُل عنه ما يَغيظهم ويَغُمُّهُمْ إذ لم يُوافِقُوهم فيما قالوه واعتَقَدُوه فلا تَضْرِبوا ولا تَغْزوا، فالتبس على الزمخشري استدعاءُ انتقاءِ المماثلةِ بحصولِ الانتفاء، وفَهْمُ هذا فيه خَفاءٌ ودِقَّةٌ» انتهى.

ولا أدري ما وجهُ تثبيجِ كلام أبي القاسم، وكيفَ ردَّ عليه على زعمه بكلامه؟

وقال الشيخ أيضاً: «وقال ابنُ عيسى يعني الرماني وغيرُه اللامُ متعلقةٌ بالكون، أي لا تكونوا كهؤلاءِ ليجعلَ اللهُ ذلك حسرة في قلوبهم دونَكم، ومنه أخَذَ الزمخشري في قولِه، لكنَّ ابن عيسى نَصَّ على ما تتعلق به اللام، وذاك لم ينص، وقد بَيَّنَّا فسادَ هذا القول» . انتهى. وقوله: «وذلك لم ينصَّ» بل قد نَصَّ، وقال: «فإنْ قلت ما متعلَّقُ ليجعلَ؟ قلت:» قالوا «إلى آخره، أو بقوله:» لا تكونوا «، وأيُّ نصٍ أظهرُ من هذا؟ ولا يجوزُ تَعَلُّق هذه اللامِ ومعناها التعليل ب» قالوا «لفساد المعنى، لأنهم لم يقولوه لذلك بل لتثبيطِ المؤمنينِ عن الجهاد.

وعلى القولِ الثاني أعني كونَها للعاقبةِ تتعلَّقُ ب» قالوا «والمعنى: أنَّهم قالوا ذلك لغرضٍ من أغراضِهم، فكانَ عاقبةُ قولِهم ومصيرُه إلى الحسرةِ والنَّدامَةِ كقولِه: {فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً} [القصص: 8] ، لم يلتِقطوه لذلك، لكنْ كان مآلُه لذلك، ولكنَّ كونَها للصيرورةِ لم يَعْرِفْه أكثرُ النحويين، وإنما هو شيء يَنْسِبونَه للأخفش، وما وَرَدَ من ذلك يؤولونه عَلى العكسِ من الكلام نحو: {فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ} [آل عمران: 21] ، وهذا رأي الزمخشري، فإنه شَبَّه هذه اللام باللام في {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} ، ومذهبُه في تَيْكَ أنها للعلة بالتأويل المذكور. والجَعْلُ هنا بمعنى التصيير، و» حسرةً «مفعولٌ ثانٍ، و» في قلوبهم «يجوزُ أن يتعلَّق بالجَعْل وهو أبلغُ أو بمحذوفٍ على أنه صفةٌ للنكرة قبله.

واختُلف في المُشار إليه بذلك: فعن الزجاج: هو الظن، ظنوا أنهم لو لم يَحْضُروا لم يُقْتَلوا. وقال الزمخشري:» هو النطق بالقول والاعتقاد «. وقريبٌ منه قول ابن عطية، وأجاز ابن عطية أيضاً أن يكونَ للنهي والانتهاء معاً. وقيل هو مصدرُ» قال «المدلولِ عليه به.

{والله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي:» يَعْملون «بالغيبةَ ردَّاً على الذين كفروا، والباقون بالخطابَ ردَّاً على قوله: {لاَ تَكُونُواْ} فهو خطابٌ للمؤمنين. وجاء هنا بصفة البصر، قال الراغب:» عَلَّق ذلك بالبصر لا بالسمعِ، وإنْ كان الصادرُ منهم قولاً مسموعاً لا فعلاً مرئياً، لمَّا كان ذلك القولُ من الكافر قصداً منه إلى عمل يُحاوِلُه، فَخَصَّ البصرَ بذلك، كقولك لمَنْ يقولُ شيئاً وهو يَقْصِدُ فِعْلاً يُحاوله: أنا أرى ما تفعله «.

3:157Страница 70

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

Если вы будете убиты на пути Аллаха или умрете, то прощение от Аллаха и милость окажутся лучше того, что они накапливают.

قوله تعالى: {وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ} : اللامُ هي الموطِّئةُ لقسمٍ محذوف، وجوابُه قولُه: {لَمَغْفِرَةٌ} وحُذِفَ جوابُ الشرطِ لسدِّ جوابِ القسمِ مَسَدَّه لكونِه دالاًّ عليه، وهو الذي عَنَاه الزمخشري بقوله: «وهو سادٌّ مسدَّ جوابِ الشرط» ولا يعني بذلك أنَّه من غيرِ حذفٍ. واللام لام الابتداء، وهي وما بعدها جواب القسم كما تقدم.

و «مغفرةٌ» فيها وجهان، أظهرهُما: أنها مرفوعةٌ بالابتداء، والمسوِّغات هنا كثيرة: لام الابتداء والعطف عليها في قوله: {وَرَحْمَةٌ} ووصفُها، فإنَّ قوله: {مِّنَ الله} صفةٌ لها، ويتعلق حينئذٍ بمحذوف، و {خَيْرٌ} خبرٌ عنها. والثاني: أن تكونَ مرفوعة على خبر ابتداء مضمر، إذا أُريد بالمغفرةِ والرحمةِ القتلُ أو الموتُ في سبيل الله، لأنهما مقترنان بالموتِ في سبيلِ الله، فيكونُ التقدير: فذلك أي الموتُ أو القتلُ في سبيلِ الله مغفرةٌ ورحمةٌ خير، ويكون «خير» صفةً لا خبراً، وإلى هذا نحا ابن عطية فإنه قال: «وتحتمل الآية أن يكونَ قولُه: {لَمَغْفِرَةٌ} إشارةً إلى الموت أو القتل في سبيل الله، فَسَمَّى ذلك مغفرةً ورحمة، إذ هما مقترنان به، ويجيء التقدير: فذلك مغفرةٌ ورحمة، وترتفعُ المغفرةُ على خبر الابتداء المقدر، وقوله:» خير «صفةٌ لا خبرٌ ابتداء» انتهى. ولكنَّ الوجهَ الأولَ أظهرُ، و «خير» هنا على بابِها من كونِها للتفضيلِ، وعن ابن عباس: «خيرٌ من طِلاع الأرض ذهبةً حمراءَ» .

وقوله: {وَرَحْمَةٌ} أي: ورحمةٌ من الله، فَحُذِفَتْ صفتُها لدلالة الأولى عليها، ولا بُدَّ من حَذْفٍ آخر مُصَحِّحٍ للمعنى، تقديرُه: لمغفرة من الله لكم ورحمةً منه لكم. وجاء بالمغفرةِ والرحمةِ نكرتين إيذاناً بأنَّ أَدنى خيرٍ وأقلَّ شيء خيرٌ من الدنيا وما فيها الذي يجمعونه، وهو نظير {وَرِضْوَانٌ مِّنَ الله أَكْبَرُ} [التوبة: 72] ، والتنكيرُ قد يُشْعِرُ بالتقليل، و «ما» في قولِه {مِّمَّا يَجْمَعُونَ} موصولةٌ اسميةٌ والعائدُ محذوفٌ، ويجوز أن تكونَ مصدريةً، وعلى هذا فالمفعولُ محذوفٌ أي: مِنْ جَمْعِكم المالَ ونحوه.

3:158Страница 71

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

Если вы умрете или будете убиты, то вы непременно будете собраны к Аллаху.

وقرأ أبو عمرو وابن كثير وابن عامر وأبو بكر عن عاصم: {مُتُّم} و {مُتُّ} : وبابه بضم الميم، ووافقهم حفص هنا خاصة في الموضعين، والباقون بالكسر. فأمّا الضم فلأنه فَعَل بفتح العين من ذوات الواو، وكل ما كان كذلك فقياسه إذا أسند إلى ياء المتكلم وأخواتها أن تضم فاؤه: إمَّا من أول وهلة، وإمَّا بأن نبدلَ الفتحةَ ضمةً ثم نَنْقُلَها إلى الفاء على اختلاف بين التصريفيين، فيقال في «قام» وقال وطال: قُمت وقُمنا وقُمن وطُلت وطُلن وما أشبه، ولهذا جاء مضارعُه على يَفْعُل نحو: يَمُوت. وأما الكسر فالصحيح من قول أهل العربية أنه من لغة مَنْ يقول: مات يمات كخاف يخاف، والأصلُ: مَوِت بكسر العين كَخوِف فجاء مضارعه على يَفْعَل بفتح العين. قال الشاعر:

1479 - بُنَيَّتي سيدةَ البنات ... عِيشي ولا يُؤْمَنُ أَنْ تَماتي

فجاء بمضارعه على يَفْعَل بالفتح، فعلى هذه/ اللغة يَلْزَم أن يقال في الماضي المسند إلى التاءِ وإحدى أخواتها: «مِتُّ» بالكسرِ ليس إلا، وهو أنَّا نَقَلْنا حركةَ الواو إلى الفاء بعد سَلْبِ حركتِها دلالةً على بنيةِ الكلمة في الأصلِ. وهذا أَوْلى مِنْ قولِ مَنْ يقولُ: إنَّ «مِتَّ» بالكسر مأخوذٌ من لغة من يقول: «يَمُوت» بالضم في المضارع، وجعلوا ذلك شاذاً في القياس كثيراً في الاستعمال كالمازني وأبي علي الفارسي، ونقله بعضهم عن سيبويه صريحاً، وإذا ثَبَتَ ذلك لغةً فلا معنى إلى ادِّعاء الشذوذ فيه. وأمَّا حفص فجمع بين اللغتين.

وقرأ الجماعة: «تَجْمَعُون» بالخطاب جرياً على قوله: «ولئن قُتِلتم» ، وحفص بالغيبة: إمَّا على الرجوع على الكفار المتقدمين، وإما على الالتفات من خطاب المؤمنين.

وهذه ثلاثة مواضع: تقدَّم الموتُ على القتل في الأول منها وفي الأخير، والقتلُ على الموت في المتوسط، وذلك أنَّ الأول لمناسبةِ ما قبله من قوله: {إِذَا ضَرَبُواْ فِي الأرض أَوْ كَانُواْ غُزًّى} فرجعَ الموتُ لِمَنْ ضَرَب في الأرض، والقتلُ لِمَنْ غزا، وأما الثاني فلأنه مَحَلُّ تحريضٍ على الجهاد فَقَدَّم الأهمَّ الأعرفَ، وأمَّا الآخرُ فلأنَّ الموتَ أغلبُ.

وقوله: {لإِلَى الله} اللامُ جوابُ القسم فهي داخلةٌ على {تُحْشَرُونَ} ، و «إلى الله» متعلقٌ به، وإنما قُدِّم للاختصاصِ أي: إلى الله لا إلى غيره يكونُ حشرُكُم، أو للاهتمام، وحَسَّنَه كونُه فاصلةً، ولولا الفصلُ لوجب توكيدُ الفعل بنونٍ، لأنَّ المضارعَ المثبت إذا كانَ مستقبلاً وَجَبَ توكيدُه مع اللام خلافاً للكوفيين، حيثُ يجيزون التعاقبَ بينهما، كقوله: 1480 - وقتيلِ مُرَّةَ أَثْأَرَنَّ فإنه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

فجاءَ بالنونِ دونَ اللامِ، وقوله:

1481 - لِئَنْ تكُ قد ضَاقَتْ عليكم بيوتُكم ... لَيَعْلَمُ ربي أنَّ بيتيَ واسِعُ

فجاء باللامِ دون النون، والبصريون يجعلونه ضرورةَ. فإنْ فُصِل بين اللام بالمعمول كهذه الآية أو ب «قد» نحو: «والله قد أقوم» وقوله:

1482 - كَذَبْتِ لقد أُصْبي على المَرْء عِرْسَه ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

أو بحرفِ تنفيس نحو: {وَلَسَوْفَ يُعْطِيكَ} [الضحى: 4] فلا يجوزُ توكيده حينئذ بالنون. قال الفارسي: «دخلتِ النونُ فرقاً بين لام اليمين ولام الابتداء، ولامُ الابتداء لا تدخل على الفَضْلة، فبدخول لام اليمين على الفَضْلة حَصَلَ الفرقُ فلم يُحْتَجْ إلى النون، وبدخولِها على» سوف «حَصَل الفرقُ أيضاً فلا حاجةً إلى النونِ، ولامُ الابتداء لا تَدْخُل على الفعلِ إلا إذا كان حالاً، أمَّا مستقبلاً فلا» .

3:159Страница 71

فَبِمَا رَحۡمَةٖ مِّنَ ٱللَّهِ لِنتَ لَهُمۡۖ وَلَوۡ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ ٱلۡقَلۡبِ لَٱنفَضُّواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ فَٱعۡفُ عَنۡهُمۡ وَٱسۡتَغۡفِرۡ لَهُمۡ وَشَاوِرۡهُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِۖ فَإِذَا عَزَمۡتَ فَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلۡمُتَوَكِّلِينَ ١٥٩

По милости Аллаха ты был мягок по отношению к ним. А ведь если бы ты был грубым и жестокосердным, то они непременно покинули бы тебя. Прости же их, попроси для них прощения и советуйся с ними о делах. Когда же ты примешь решение, то уповай на Аллаха, ведь Аллах любит уповающих.

قوله تعالى: {فَبِمَا} : في «ما» وجهان، أحدهُما: أنها زائدةٌ للتوكيدِ والدلالةِ على أن لِينَه لهم ما كان إلا برحمةٍ من الله، ونظيرُه: {فَبِمَا نَقْضِهِمْ مَّيثَاقَهُمْ} [النساء: 155] . والثاني: أنها غيرُ مزيدةٍ، بل هي نكرة وفيها وجهان، أحدهُما: أنها موصوفةٌ برحمة، أي: فبشيء رحمةٍ والثاني: أنها غيرُ موصوفة، و «رحمةٍ» بدلٌ منها، نقله مكي عن ابن كيسان. ونقل أبو البقاء عن الأخفش وغيره أنها نكرةٌ غيرُ موصوفةٍ، و «رحمةٍ» بدلٌ منها، كأنه أَبْهم ثم بَيَّن بالإِبدال. وجَوَّز بعضُ الناس وعَزاه الشيخ لابن خطيب الريّ أنَّ «ما» استفهاميةٌ للتعجب تقديرُه: فبأي رحمةٍ لِنْتَ لهم، وذلك فإنَّ جنايتَهم لَمَّا كانت عظيمة ثم إنه ما أظهر تغليظاً في القول ولا خشونةً في الكلام علموا أنَّ ذلك لا يتأتَّى إلا بتأييد ربَّاني قبلَ ذلك. وردَّ عليه الشيخ هذا بأنه لا يَخْلُو: إمَّا أَنْ تُجْعَلَ «ما» مضافةً إلى «رحمة» ، وهو ظاهرُ تقديرِه كما حكاه عنه، فيَلْزَمُ إضافةُ «ما» الاستفهاميةِ، وقد نَصُّوا على أنه لا يُضاف من أسماءِ الاستفهام إلا «أيّ» اتفاقاً، و «كم» عند الزجاج، وإمَّا أَنْ لا تجعلَها مضافةً، فتكونُ «رحمةٍ» بدلاً منها، وحينئذ يلزمُ إعادةُ حرف الاستفهام في البدل كما تقرَّر في علم النحو، وأنحى عليه في كلامه فقال: «وليته كان يُغْنيه عن هذا الارتباكِ والتسلُّقِ إلى ما لا يُحْسِنُه قولُ الزجاج في» ما «هذه إنها صلةٌ فيها معنى التوكيد بإجماع النحويين» انتهى.

وليس لقائلٍ أن يقولَ له: أَنْ يجعلَها غيرَ مضافةٍ ولا يجعلَ «رحمة» بدلاً حتى يلزمَ إعادةُ حرفِ الاستفهامِ بل يَجْعَلُها صفةً؛ لأنَّ «ما» الاستفهامية لا تُوصف، وكأنَّ مَنْ يَدَّعي فيها أنها غيرُ مزيدةً يَفِرُّ من هذه العبارة في كلام الله تعالى، وإليه ذهب أبو بكر الزبيدي، كان لا يُجَوِّزُ أن يقال في القرآن: «هذا زائدٌ» أصلاً. وهذا فيه نظرٌ، لأنَّ القائلين بكون هذا زائداً لا يَعْنُون أنه يجوزُ سقوطُه ولا أنه مهمل لا معنى له، بل يقولون: زائدٌ للتوكيد، فله أُسْوَةٌ بسائر ألفاظ التوكيد الواقعة في القرآن، و «ما» كما تزاد بين الباءِ ومجرورِها تزاد أيضاً بين «عَنْ» و «مِنْ» والكاف ومجرورها كما سيأتي.

وقال مكي: «ويجوز أن ترتفعَ» رحمةٍ «على أَنْ تَجْعَلَ» ما «بمعنى الذي، وتُضْمِرَ» هو «في الصلة وتَحْذِفَها كما قرىء: {تَمَاماً عَلَى الذي أَحْسَنُ} .

وقولُه: «ويجوزُ» يعني من حيث الصناعةُ، وأمَّا كونُها قراءةً فلا أحفظها.

والفَظَاظَة: الجَفْوَةَ في المُعاشرة قولاً وفعلاً. قال:

1483 - أَخْشَى فَظاظَة عَمٍّ أو جفاءَ أخٍ ... وكنتُ أَخْشَى عليها مِنْ أَذَى الكَلِمِ

والغُِلْظُ: تكثير الأجزاء، ثم تُجُوِّز به في عدمِ الشفقةِ وكثرةِ القسوة في القلب قال: 1484 - يُبْكَى علينا ولا نَبْكي على أحدٍ ... لنحنُ أغلظُ أكباداً من الإِبلِ

وقال الراغب: الفظُّ كريه الخُلُق وذلك مستعارٌ من الفَظِّ وهو ماءٌ الكَرِش، وذلك مكروه شربُه إلا في ضرورةٍ «، قال:» الغِلْظَةُ: ضدُّ الرِّقة، ويقال: غُلْظة وغِلْظة أي بالكسر والضم «وعن الغِلْظَة تنشأ الفظاظةُ فَلِمَ قُدِّمَتْ؟ فقيل: قُدِّم ما هو ظاهرٌ للحِسِّ على ما هو خافٍ في القلب، لأنه كما تقدَّم أنَّ الفَظاظةَ: الجَفْوَةُ في العِشْرَةِ قولاً وفِعْلاً، والغِلْظُ: قساوةُ القلب، وهذا أحسنُ مِنْ قولِ مَنْ جعلهما بمعنىً، وجُمِع بينهما تأكيداً.

والانفضاضُ: التفرُّق في الأجزاءِ وانتشارُها ومنه:» فُضَّ خَتْمُ الكتابِ «ثم استُعير عنه» انفضاضُ الناسِ «ونحوِهم.

وقوله: {فاعف عَنْهُمْ} إلى أخره جاء على أحسنِ النسق، وذلك أنه أَمَر أولاً بالعفوِ عنهم فيما يتعلَّقُ بخاصةِ نفسِه، فإذا انتهَوا إلى هذا المقام أُمِرَ أن يَسْتغفِرَ لهم ما بينهم وبين الله تعالى لتنزاحَ عنهم التَّبِعَتان، فلمَّا صاروا إلى هذا أُمِر بأنْ يُشاوِرَهم في الأمر إذا صاروا خالصين من التَّبِعَتَيْن مُصَفَّيْن منهما، والأمرُ هنا وإنْ كان عاماً فالمرادُ به الخصوص، قال أبو البقاء:» إذ لم يُؤْمَرْ بمشاورتِهم في الفرائضِ، ولذلك قرأ ابن عباس: «في بعضِ الأمر» . وهذا تفسيرٌ لا تلاوة.

وقوله: {فَإِذَا عَزَمْتَ} الجمهورُ على فتح التاء خطاباً له عليه السلام. وقرأ عكرمة وجعفر الصادق بضمها، على أنها لله تعالى على معنى: فإذا أرشَدْتُك إليه وجَعَلْتُكَ تَقْصِدُه، وجاء قوله: {عَلَى الله} من الالتفات، إذ لو جاء على نَسَقِ هذا الكلامِ لقيل: فتوكَّلْ عليَّ، وقد نُسِبَ العزمُ إليه تعالى في قول أم سلمة: «ثم عَزَمَ الله لي» وذلك على سبيل المجاز.

وقوله: {إِنَّ الله يُحِبُّ المتوكلين} جارٍ مَجْرى العلةِ الباعثةِ على التوكيلِ عند الأخْذِ في كلِّ الأمر/.

3:160Страница 71

إِن يَنصُرۡكُمُ ٱللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمۡۖ وَإِن يَخۡذُلۡكُمۡ فَمَن ذَا ٱلَّذِي يَنصُرُكُم مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَعَلَى ٱللَّهِ فَلۡيَتَوَكَّلِ ٱلۡمُؤۡمِنُونَ ١٦٠

Если Аллах окажет вам поддержку, то никто не одолеет вас. Если же Он лишит вас поддержки, то кто же поможет вам вместо Него? Пусть же на Аллаха уповают верующие.

قوله تعالى: {إِن يَنصُرْكُمُ الله فَلاَ غَالِبَ} : شرطٌ وجوابُه. وقوله: {وَإِن يَخْذُلْكُمْ} مثلُه، وهذا التفاتٌ من الغَيْبة إلى الخطاب، كذا قاله الشيخ، يعني من الغَيْبة في قوله: {لِنتَ لَهُمْ} و {لاَنْفَضُّواْ} و {فاعف عَنْهُمْ واستغفر لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ} . وفيه نظرٌ. وجاء قولُه: {فَلاَ غَالِبَ} جواباً للشرط وهو نفيٌ صريح، وقولُه {فَمَن ذَا الذي} وهو متضمِّنٌ للنفي جواباً للشرط الثاني تلَطُّفاً بالمؤمنين حيث صَرَّح لهم بعدم الغَلَبةِ في الأولِ، ولم يُصَرِّحْ لهم بأنه لا ناصِرَ لهم في الثاني، بل أتى في صورةِ الاستفهامِ وإنْ كان معناه نفياً.

وقوله: {فَمَن ذَا الذي} قد تقدَّم مثلُه في البقرة وأقوالُ الناس فيه. والهاءُ في «مِنْ بعدِه» فيها وجهان، أحدُهما وهو الأظهر أنها تعودُ على اللهِ تعالى، وفيه احتمالان، أحدُهما: أَنْ يكونَ ذلك على حَذْفِ مضافٍ أي: مِنْ بعدِ خِذْلانِه. والثاني: أنه لا يُحتاج إلى ذلك، ويكون معنى الكلام: إنكم إذا جَوَّزْتموه إلى غيرِه وقد خَذَلكم فَمَنْ تجاوزون إليه وينصُركم؟ والوجه الثاني: أن تعودَ على الخِذْلان المفهوم من الفعلِ وهو نظيرُ: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8] .

وقوله: {وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون} إنَّما قَدَّم الجارَّ ليؤذن بالاختصاص أي: ليخُصَّ المؤمنون ربَّهم بالتوكُّل عليه والتفويضِ لعلمهم أنه لا ناصرَ لهم سواه، وهو معنىً حسن ذكره الزمخشري. وقرأ الجمهور: «ويَخْذُلْكم» بفتح الياء مِنْ «خَذَله» ثلاثياً، وقرأ عبيد بن عمير: «يُخْذِلْكم» بضمها مِنْ أخذل رباعياً، والهمزةُ فيه لجَعْل الشيءِ، أي: يَجْعَلْكم مخذولين.

3:161Страница 71

وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَغُلَّۚ وَمَن يَغۡلُلۡ يَأۡتِ بِمَا غَلَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ ثُمَّ تُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا كَسَبَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١٦١

Пророку не подобает незаконно присваивать трофеи. Тот, кто незаконно присваивает трофеи, придет в День воскресения с тем, что он присвоил. Затем каждая душа сполна получит то, что она заработала, и с ними не поступят несправедливо.

قوله تعالى: {وَمَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَغُلَّ} : [ «أَنْ يَغُلًّ» في محلِّ رفعٍ اسمَ كان، و «لنبي» خبرٌ مقدم] أي: ما كان له غُلول أو إغْلال على حَسَبِ القراءتين. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو وعاصم بفتح الياء وضم الغين مِنْ «غَلَّ» مبنياً للفاعل، ومعناه: أنه لا يَصِحُّ أن يقع من النبي غُلول لتنافِيهما، فلا يجوزُ أن يُتَوَهَّمَ ذلك فيه البتة. وقرأ الباقون «يُغَلَّ» مبنِيّاً للمفعول. وهذه القراءةُ فيها احتمالان، أحدُهما: أن يكونَ من «غَلَّ» ثلاثياً، والمعنى: ما صَحَّ لنبيٍّ أَنْ يَخُونَه غيرُه ويَغُلَّه، فهو نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَغُلُّه أحدٌ. والاحتمال الثاني: أَنْ يكونَ مِنْ أغلَّ رباعياً، وفيها وجهان، أحدُهما: أَنْ يكونَ من أَغَلَّه: أي نَسَبه إلى الغُلول كقولِهم: أَكْذَبْتُه أي: نَسَبْتُه إلى الكذب، وهذا في المعنى كالذي قبله أي: نفيٌ في معنى النهي أي: لا يَنْسِبه أحدٌ إلى الغُلول. والثاني: أن يكونَ مِنْ أَغَلَّه أي وجده غالاًّ كقولهِم: أَحْمَدْتُ الرجلَ وأَبْخَلْتُه وأجبنتُه أي: وجدته محموداً وبخيلاً وجباناً. والظاهر أن قراءة «يَغُلَّ» بالياء للفاعل لا يُقَدَّر فيها مفعولٌ محذوفٌ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفيُ هذه الصفة عن النبي من غيرِ نظرٍ إلى تَعَلُّقٍ بمفعولٍ كقولك: «هو يعطي ويمنع» تريدُ إثباتَ هاتَين الصفتين. وقَدَّر له أبو البقاء مفعولاً فقال: «تقديرُه: أَنْ يَغُلَّ المالَ أو الغنيمةَ» .

واختار أبو عبيد والفارسي قراءةَ البناء للفاعل قالا: لأنَّ الفعلَ الواردَ بعدُ «ما كان لكذا أن يفعل» أكثرُ ما يَجِيءُ منسوباً إلى الفاعل نحو: {وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ} [آل عمران: 145] {مَّا كَانَ الله لِيَذَرَ} [آل عمران: 179] وبابه ورجَّحها بعضُهم بقولِه: {وَمَن يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ} فهذا يُوافِقُ هذه القراءةَ، ولا حُجَّة في ذلك لأنها موافقةٌ للأخرى.

والخَذْلِ والخِذْلاَنِ ضد النصر، وهو تَرْكُ مَنْ تَظُنُّ به النُّصْرة. وأصلُه منْ «خَذَلَتِ الظَّبْيَةُ ولدَها» أي: تركَتْه منفرداً، ولهذا قيل لها: خاذِل. ويقال للولدِ المتروك أيضاً: خاذِل، وهذا على النسب، والمعنى أنها مخذولةٌ، قال بُجَيْر:

1485 - بجيدِ مُغْزِلَةٍ أَدْماءَ خاذِلَةٍ ... من الظِّباءِ تُراعي منزلاً زِيَمَا ويُقال له أيضاً: خَذول، فَعُول بمعنى مَفْعول. قال:

1486 - خَذُولٌ تُراعِي رَبْرَباً بخميلةٍ ... تَنَاولُ أطرافَ البَريرِ وترْتَدي

ومنه يُقال: تَخاذَلَتْ رِجْلا فلانٍ «قال الأعشى:

1487 - بينَ مَغْلوبٍ تليلٍ خَدُّهُ ... وخذولِ الرِّجْلِ من غيرِ كَسَحْ

ومعنى المادة: هذا الترك الخاص.

والغُلول في الأصلِ: تَدَرُّع الخِيانَةِ وتوسُّطها، والغَلَلُ: تَدَرُّعُ الشيء وتوسُّطه، ومنه:» الغَلَلُ «للماءِ الجاري بين الشجرِ، والغِلُّ: الحِقْدُ لكُمونه في الصدر، وتَغَلْغَلَ في كذا: إذا دخَل فيه وتوسَّط، قال:

1488 - تَغَلْغَلَ حيث لم يَبْلُغْ شَرابٌ ... ولا حُزْنٌ ولم يَبْلُغْ سُرورُ

فالغُلولُ الذي هو الأخْذُ في خُفْيَةٍ مأخوذٌ من هذا المعنى، ومنه: «أَغَلَّ الجازِرُ» إذا سرق أو ترك في الإِهاب شيئاً من اللحم. وفَرَّقت العربُ بين الأفعالِ والمصادرِ فقالوا: غَلَّ يَغُلُّ غُلولاً بالضَّمِّ في المصدر والمضارع إذا خان، وغل يَغِلُّ غِلاًَّ بالكسر فيهما. قال تعالى: {وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ} [الأعراف: 43] أي حِقد.

قوله: {وَمَن يَغْلُلْ} الظاهرُ أنَّ هذه الجملةَ الشرطيةَ مستأنفةٌ لا محلَّ لها من الإِعراب، وإنما جِيء بها للرَّدْع عن الإِغلالِ. وزعم أبو البقاء أنها يجوزُ أَنْ تكونَ حالاً، ويكونُ التقديرُ: في حال علم الغَالِّ بعقوبةِ الغُلول، وهذا وإنْ كان محتَمَلاً ولكنه بعيدٌ. و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي، فالعائدُ محذوفٌ أي: غِلُّه، ويَدُلُّ على ذلك الحديثُ: «إنَّ أحدَهم يأتي بالشيء الذي أخذَه على رقبتِه» . ويجوزُ أَنْ تكونَ مصدريةً، وتكونُ على حَذْفِ مضاف أي: بإثمِ غلولِه.

وقولُه: {ثُمَّ توفى} هذه الجملةُ معطوفةٌ على الجملة الشرطية، وفيها إعلامٌ أنَّ الغالَّ وغيرَه مِنْ جميعِ الكاسبين لا بُدَّ وأن يُجازوا فيندرجَ الغالُّ تحت هذا العموم أيضاً فكأنه ذُكِر مرتين. قال الزمخشري: «فإنْ قلت: هَلاَّ قيل:» ثم يُوَفَّى ما كسَب «ليتصلَ به. قلت: جِيء بعامٍّ دخَل تحتَه كلُّ كاسبٍ من الغالِّ وغيرِه فاتَّصل به من حيثُ المعنى، وهو أثبتُ وأبلغُ» .

3:162Страница 71

أَفَمَنِ ٱتَّبَعَ رِضۡوَٰنَ ٱللَّهِ كَمَنۢ بَآءَ بِسَخَطٖ مِّنَ ٱللَّهِ وَمَأۡوَىٰهُ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمَصِيرُ ١٦٢

Разве тот, кто последовал за довольством Аллаха, подобен тому, кто привел в ярость Аллаха и чьим пристанищем будет Геенна?! Как же скверно это место прибытия!

قوله تعالى: {أَفَمَنِ اتبع رِضْوَانَ الله} : الكلامُ على مثلِه قد تقدَّم مِنْ أنَّ الفاءَ النيةُ بها التقديمُ على الهمزةِ، وأن مذهبَ الزمخشري تقديرُ فعلٍ بينهما. قال الشيخ: «وتقديرُه في مثلِ هذا التركيبِ متكلَّفٌ جداً» . انتهى. والذي يَظْهَرُ من التقديرات: «أحَصَل لكم تمييزٌ بين الضالِّ والمُهْتدي، فَمَنِ اتَّبع رضوانَ اللهِ واهتدى ليس كَمَنْ باءَ بسخطِه وغلَّ» . لأنَّ الاستفهامَ هنا للنفي. و «مَنْ» هنا موصولةٌ بمعنى الذي في محلِّ رفع بالابتداء، والجارُّ والمجرورُ الخبرُ. قال أبو البقاء: «ولا يجوزُ أَنْ تكونَ شرطاً، لأنَّ» كَمَنْ «لا يصلُح أن يكونَ جواباً» يعني لأنَّه كان يَجِبُ اقترانُه بالفاءِ، ولأنَّ المعنى يأْباه.

و «بسَخَطٍ» يجوزُ أَنْ يتعلَّقَ بنفسِ الفعلِ أي: رَجَع بسَخَطِه، ويجوزُ أَنْ يكونَ حالاً فيتعلَّقَ بمحذوفٍ أي: رجَع مصاحباً لسَخَطه أو ملتبساً به. و «مِنَ الله» صفتُه. والسَّخَط: الغضبُ الشديد، ويقال: «سَخَط» بفتحتين وهو مصدرٌ قياسي، ويقال: «سُخط» بضمِّ السين وسكونِ الخاء، وهو غيرُ مقيسٍ، ويقال: «هو في سُخْطَةِ المَلِك» بالتاءِ أي: في كراهةٍ منه له.

قوله: {وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ} في هذه الجملةِ احتمالان: أن تكون مستأنفةً، أخبر أنَّ مَنْ باءَ بسَخَطِه أَوَى إلى جهنَّم. ويُفْهَمُ منه مقابله وهو: أنَّ مَنِ اتَّبع الرضوانَ كان مأواه الجنة، وإنما سَكَتَ عن هذا ونَصَّ على ذلك ليكونَ أبلغَ في الزجر، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفٍ في هذه الجمل تقديرُه: أفَمَنْ اتبع ما يؤولُ به إلى رضا الله فباء برِضاه كَمَنِ اتَّبع ما يَؤُول به إلى سَخَطه.

والثاني: أنها داخلةٌ في حَيِّز الموصولِ، فتكونُ معطوفةً على «باء بسخط» ، فيكونُ قد وَصَل الموصولَ بجملتين اسميةٍ وفعلية، وعلى كلا الاحتمالَيْن لا محلَّ لها من الإِعراب. والمخصوصُ بالذمِّ محذوف أي: وبئس المصيرُ جهنمُ. واشتملت هذه الآياتُ على الطباق في قوله: «يَنْصُرْكم ويَخْذُلْكم» ، وفي قولِه: «رضوان الله وسخطه» ، والتجنيسُ المماثِلُ في قولِه: «يَغْلُلْ» و «بما غلَّ» .

3:163Страница 71

هُمۡ دَرَجَٰتٌ عِندَ ٱللَّهِۗ وَٱللَّهُ بَصِيرُۢ بِمَا يَعۡمَلُونَ ١٦٣

Они займут разные ступени перед Аллахом, ведь Аллах видит то, что они совершают.

К этому аяту нет толкования

3:164Страница 71

لَقَدۡ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ إِذۡ بَعَثَ فِيهِمۡ رَسُولٗا مِّنۡ أَنفُسِهِمۡ يَتۡلُواْ عَلَيۡهِمۡ ءَايَٰتِهِۦ وَيُزَكِّيهِمۡ وَيُعَلِّمُهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَإِن كَانُواْ مِن قَبۡلُ لَفِي ضَلَٰلٖ مُّبِينٍ ١٦٤

Аллах уже оказал милость верующим, когда отправил к ним Пророка из них самих, который читает им Его аяты, очищает их и обучает их Писанию и мудрости, хотя прежде они находились в очевидном заблуждении.

قوله تعالى: {لَقَدْ مَنَّ الله} : جوابٌ لقسم محذوف.

وقرىء «لِمنْ مَنِّ الله» ب «مِنْ» الجارة، و «مَنِّ» بالتشديدِ مجرورٌ بها. وخَرَّجه الزمخشري على وجهين، أحدُهما: أَن يكونَ هذا الجارُّ خبراً مقدماً والمبتدأ محذوف تقديرُه: «لِمنْ مَنِّ الله على المؤمنين مَنُّه أو بَعْثُه إذ بعث، فحُذِف لقيام الدلالة، والثاني: أنه جُعِل المبتدأُ نفسَ» إذ «بمعنى وقت، وخبرُها الجارُّ قبلَها تقديرُه: لِمْن مَنِّ اللهِ على المؤمنين وقتُ بعثه، ونَظَّره بقولِهم:» أَخْطَبُ ما يكونُ الأميرُ إذا كان قائماً «. وهذان الوجهانِ في هذه القراءةِ مِمَّا يَدُلاَّن على رسوخِ قدمِه في هذا العلمِ.

إلاَّ أنَّ الشيخَ قد رَدَّ عليه الوجَه الثاني بأنَّ» إذ «غيرُ متصرفةٍ، لا تكونُ إلا ظرفاً، أو مضافاً إليها اسمُ زمان، أو مفعولةً باذكر على قولٍ. ونَقَل قولَ أبي علي فيها وفي» إذا «أنهما لا تكونان فاعلين ولا مفعولين ولا مبتدأين. قال:» ولا يُحْفَظُ مِنْ كلامِهم: «إذ قام زيدٌ طويلٌ» يريد: وقتُ قيامِه طويلٌ، وبأنَّ تنظيرَه القراءةَ بقولِهم: «أخطبُ» إلى آخره خطأ، من حيث إنَّ المشبه مبتدأٌ والمُشَبَّه [به] ظرفٌ في موضعِ الخبرِ عند مَنْ يُعْرِبُ هذا الإِعرابَ، ومِنْ حيث إنَّ هذا الخبرَ الذي قد أبْرزه ظاهراً واجبُ الحذفِ لسدِّ الحالِ مسدَّه، نصَّ عليه النحويون الذين يُعْرِبونه هكذا فكيف يُبْرِزُه في اللفظِ «. وجوابُ هذا الردِّ واضحٌ، وليت أبا القاسم لم يَذْكُرْ تخريجَ هذه القراءةِ حتى كنا نسمع.

والجمهورُ على ضَمِّ السين من» أنفسهم «أي: مِنْ جملتهم وجنسهم. وقرأت عائشة وفاطمة والضحاك ورواها أنس عنه صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بفتح الفاء من النَّفاسة، وهي الشرف أي: أشرفِهم نسباً وخَلْقاً وخُلُقاً. وعن علي عنه عليه السلام:» أنا أَنْفَسُكم نَسَباً وحَسَباً وصِهْراً «.

وهذا الجارُّ يَحْتمل وجهين أحدُهما: أَنْ يتعلَّق بنفس» بعث «. والثاني: أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه وصفٌ ل» رسولاً «فيكونُ منصوبَ المحلِّ، ويَقْوى هذا الوجهُ على قراءةِ فتح الفاء وقوله: {يَتْلُواْ عَلَيْهِمْ} في محل حال أو مستأنف، وقد تقدَّم نظيرُها في البقرة.

وقوله: {وَإِن كَانُواْ مِن قَبْلُ لَفِي} هي» إنْ «المخففةُ واللام فارقة، وقد تقدَّم الكلامُ على تحقيق هذا والخلافِ فيه. إلاَّ أنَّ الزمخشري ومكيّاً هنا حين جعلاها مخففةً قدَّرا لها اسماً محذوفاً، فقال الزمخشري:» تقديرُه: وإنَّ الشأنَ والحديثَ كانوا من قبل «. وقال مكي:» وأمَّا سيبويهِ فإنه يقول إنَّها محففةٌ واسمُها مضمرٌ «، والتقديرُ: على قولِه:» وإنهم كانوا «. وهذا ليس بجيد، لأنَّ» إنْ «المخففةَ إنما تعمل في الظاهرِ على غير الأفصحِ، ولا عمل لها في المضمر، ولا يُقَدَّرُ لها اسمٌ محذوفٌ البتَّةَ، بل تُهْمَلُ أو تعمل على ما تقدَّم، مع أنَّ الزمخشري لم يُصَرِّحْ بأنَّ اسمَها محذوفٌ، بل قال:» إنْ هي المخففةُ واللامُ فارقةٌ، وتقديرُه: وإنَّ الشأن والحديثَ كانوا «فقد يكونُ هذه تفسيرَ معنىً لا إعرابٍ.

وفي هذه الجملةِ وجهان، أحدُهما: أنها استئنافيةٌ لا محلَّ لها من الإِعرابِ والثاني: في محلِّ نصبٍ على الحالِ من المفعولِ في» يُعَلِّمُهم «وهو الأظهرُ.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English