Ас-Самин аль-Халяби · Тафсир · на арабском
Ан-Ниса 4:19–23
4:19Страница 80
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمۡ أَن تَرِثُواْ ٱلنِّسَآءَ كَرۡهٗاۖ وَلَا تَعۡضُلُوهُنَّ لِتَذۡهَبُواْ بِبَعۡضِ مَآ ءَاتَيۡتُمُوهُنَّ إِلَّآ أَن يَأۡتِينَ بِفَٰحِشَةٖ مُّبَيِّنَةٖۚ وَعَاشِرُوهُنَّ بِٱلۡمَعۡرُوفِۚ فَإِن كَرِهۡتُمُوهُنَّ فَعَسَىٰٓ أَن تَكۡرَهُواْ شَيۡـٔٗا وَيَجۡعَلَ ٱللَّهُ فِيهِ خَيۡرٗا كَثِيرٗا ١٩
О те, которые уверовали! Вам не дозволено наследовать женщин против их воли. Не чините им препятствия, чтобы унести часть брачного дара, который вы им дали, если только они не совершили явной мерзости. Живите с ними достойно, и даже если они неприятны вам, то ведь вам может быть неприятно то, в чем Аллах заложил много добра.
قوله تعالى: {أَن تَرِثُواْ} : في محلِّ رفعٍ على الفاعلية ب «يَحِلُّ» أي: لا يَحِلُّ لكم إرثُ النساءِ. وقرىء «لا تَحِلُّ» بالتاء من فوق على تأويل أن ترثوا: بالوراثة، وهي مؤنثةٌ، وهذا كقراءة: {ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ} [الأنعام: 23] بتأنيث «تكن» ونصبِ «فتنتهم» بتأويل «ثم لم تكن فتنتهم إلا مقالتُهم» ، إلا أن في آية الأنعامِ مسوغاً وهو الإِخبار عنه بمؤنث كما سيأتي.
و «النساءَ» مفعول به: إمَّا على حَذْف مضاف أي: أن ترثوا أموال النساء إنْ كان الخطاب للأزواج؛ لأنه رُوي أن الرجل منهم إذا لم يكن له غرض في المرأة أمسكها حتى تموتَ فيرثَها، أو تَفْتَدِيَ منه بمالِها إنْ لم تمت. وإما من غير حذفٍ، على معنى أن يَكُنَّ بمعنى الشيء الموروث إنْ كان الخطابُ للأولياء أو الأقرباء الميت، فقد نُقل أنه إذا مات أحدُهم وتَرَكَ امرأة وابناً من غيرها كان أحقَّ بها مِنْ نفسها. وقيل: كان الوليُّ إنْ سبق وأَلْقى عليها ثوبَه كان أحق بها، وإنْ سَبَقَتْ إلى أهلها كانت أحقَّ بنفسِها، فنُهوا أن يجعلوهُنَّ كالأشياء المواريث، وعلى ما ذكرْتُ فلا يُحتاج إلى حَذْفِ أحدِ المفعولين: إمَّا الأول أو الثاني على جَعْلِ «أن ترثوا» متعدياً لاثنين كما فعل أبو البقاء قال: «والنساءَ فيه وجهان: أحدُهما: هُنَّ المفعول الأول، والنساء على هذا هن الموروثاتُ، وكانت الجاهليةُ تَرِثُ نساء آبائهم وتقول: نحن أحقُّ بنكاحِهِنَّ. والثاني: أنه المفعول الثاني والتقدير: أن ترثوا من النساء المالَ» انتهى. قوله: «هُنَّ المفعول الأول» يعني والثاني محذوف تقديرُه: أَنْ تَرِثوا من آباءكم النساء.
و «كُرْهاً» مصدر في موضع نصب على الحال من النساء أي: أن ترثوهن كارهات أو مكرهات. وقرأ الأخوان «كرهاً» هنا وفي براءة والأحقاف بضم الكاف، وافقهما عاصم وابن عامر من رواية ابن ذكوان عنه على ما في الأحقاف، والباقون بالفتح. وقد تقدَّم الكلام في الكُره والكَره: هل هما بمعنى واحد أم لا؟ في البقرة فأغنى عن إعادته. ولا مفهومَ لقوله «كرهاً» يعني فيجوز أن يرثوهن إذا لم يَكْرَهْن ذلك لخروجه مَخْرج الغالبِ.
قوله: {وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ} فيه وجهان، أظهرُهما: أنه مجزوم ب «لا» الناهية، عَطَفَ جملةَ نهي على جملةٍ خبرية، فإنْ لم تُشْترط المناسبةُ بين الجمل كما مذهبُ سيبويه فواضحٌ، وإن اشترطنا ذلك كما هو رأيُ بعضِهم فلأنَّ الجملةَ قبلَها في معنى النهي، إذ التقديرُ: لا ترثِوا النساءَ كرهاً فإنه غيرُ حلالٍ لكم. وجعله أبو البقاء على هذا الوجهِ مستأنفاً، يعني أنه ليس بمعطوفٍ على الفعل قبله.
والثاني: أجازه ابن عطية وأبو البقاء أن يكون منصوباً عطفاً على الفعل قبله. قال ابن عطية: «ويُحتمل أن يكونَ» تَعْضُلوهن «نصباً عطفاً على» تَرِثوا «، فتكون الواوُ مُشَرِّكةً عاطفة فِعْلاً على فعل» .
وقرأ ابن مسعود: «ولا أَنْ تَعْضُلوهن» فهذه القراءة تُقَوِّي احتمال النصب وأنَّ العَضْل مِمَّا لا يَحِلُّ بالنص. ورَدَّ الشيخ هذا الوجه بأنك إذا عطفت فعلاً منفياً ب «لا» على مثبت وكانا منصوبين فإنَّ الناصب لا يُقَدَّر إلا بعد حرف العطف لا بعد «لا» ، فإذا قلت: «أريدُ أن أتوبَ ولا أدخلَ النار» فإنَّ التقدير: أريد أن أتوبَ وأَنْ لا أدخلَ النار، لأنَّ الفعلَ يطلبُ الأولَ على سبيل الثبوت والثاني على سبيل النفي، فالمعنى: أُريد التوبةَ وانتفاء دخولي النارَ، فو كان الفعلُ المتسلطُ على المتعاطِفَيْنِ منفياً فكذلك، ولو قَدَّرْتَ هذا التقديرَ في الآية لم يَصِحَّ لو قت: «لا يَحِلُّ أن لا تَعْضُلوهُنَّ» لم يَصِحَّ إلا أن تجعل «لا» زائدة لا نافيةً، وهو خلاف الظاهر، وأما أَنْ تقدِّر «أَنْ» بعد «لا» النافية فلا يَصِحُّ، وإذا قَدَّرْتَ «أن» بعد «لا» كان من عطف المصدر المقدر على المصدر المقدر، لا من باب عطف الفعل على الفعل، فالتبس على ابن عطية العطفان، وَظنَّ أنه بصلاحية تقدير «أَنْ» بعد «لا» يكونُ من عطفِ الفعل على الفعلِ، وفَرْقٌ بين قولِك: [لا] أريد أن تقومَ وأن لا تخرج «وقولك:» لا أريدُ أن تقومَ ولا أن تخرج «ففي الأول نفى إرادةَ وجودِ قيامِه، وأراد انتقاءَ خروجهِ فقد أرادَ خروجَه، وفي الثانية نَفَى إرادةَ وجودِ قيامِه ووجودِ خروجِه، فلا يريدُ لا القيامَ ولا الخروج. وهذا في فهمه بعضُ غموضٍ على منْ لم يتمرَّنْ في علم العربية» انتهى ما رَدَّ به.
وفيه نظرٌ: من حيث إنَّ المثال الذي ذكره في قوله: «أريد أن أتوب ولا أدخل النار» فِإنَّ تقديرَ الناصب فيه قبل «لا» واجب من حيث إنه لو قُدِّر بعدها لفسد التركيب، وأمَّا في الآية فتقدير «أن» بعد «لا» صحيحٌ، فإنَّ التقدير يصير: لا يَحِلُّ لكم إرث النساء كَرْهاً ولا عَضْلُهن. [ويؤيد ما قلته وما ذهب إليه ابن عطية قولُ الزمخشري فإنه قال: فإن قلت:] تعضُلوهن ما وجهُ إعرابه؟ قلت: النصبُ عطفاً على «أن ترثوا» و «لا» لتأكيدِ النفي أي: لا يَحِلُّ لكم أن ترثوا النساء ولا أن تعضُلوهن «، فقد صَرَّح الزمخشري بهذا المعنى وصَرَّح بزيادة» لا «التي جَعَلَها الشيخ خلاف الظاهر.
وفي الكلام حذفٌ تقديرُه: «ولا تَعْضُلوهن من النكاح» إنْ كان الخطابُ للأولياء، أو: «ولا تعضُلوهن من الطلاق» إنْ كان الخطاب للأزواجِ. وتقدَّم معنى العَضْل في البقرة.
قوله: {لِتَذْهَبُواْ} اللام متعلقةٌ ب «تَعْضُلوهن» ، والباء في «ببعض» فيها وجهان، أحدُها: أنها باءُ التعديةِ المرادفةُ لهمزتها اي: لِتَذْهَبُوا [بعضَ] ما آتيتموهن. والثاني: أنها للمصاحبةِ، فيكون الجارُّ في محلّ نصبٍ على الحال، ويتعلَّقُ بمحذوفٍ أي: لتذهبوا مصحوبين ببعض، و «ما» موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة، وعلى التقديرين فالعائدُ محذوفٌ، وفي تقديره إشكالٌ تقدَّمَ الكلامُ عليه في البقرة عند قوله: {وَممَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} [الآية: 3] فليلتفت إليه.
قوله: {إِلاَّ أَن يَأْتِينَ} في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ، فيكونُ «أن يأتينَ» في محلِّ نصب والثاني: أنه متصلٌ، وفيه حينئذ ثلاثة أوجه، أحدُها: أنه مستثنى من ظرف زمان عام تقديره: «ولا تعضُلوهنَّ في وقتٍ من الأوقات إلا وقتَ إتيانهنَّ بفاحشة. الثاني: أنه مستثنى من الأحوال العامة تقديره: لا تَعْضُلوهن في حال من الأحوال إلا في حالِ إتيانهن بفاحشة. الثالث: أنه مستثنى من العلة العامة تقديره: لا تعضُلوهن لعلةٍ من العلل إلا لإتيانهن بفاحشة. / وقال أبو البقاء بعد أن حكى فيه وجهَ الانقطاع:» والثاني: هو في موضع الحال تقديرُه: إلاَّ في حالِ إتيانِهِنَّ بفاحشةٍ، وقيل: هو استثناء متصل، تقديرُه: ولا تَعْضُلوهن في حال إلا في حالِ إتيان الفاحشة «انتهى. وهذا الوجهان هما في الحقيقة وجهٌ واحد، لأنَّ القائلَ بكونِه منصوباً على الحال لا بُدَّ أن يقدِّر شيئاً عاماً يجعلُ هذه الحالَ مستثناةً منه.
وقرأ ابنُ كثير وأبو بكر عن عاصم:» مُبَيَّنة «بفتح الياء اسمَ مفعول في جميع القرآن، أي: بَيَّنَها مَنْ يَدَّعيها وأوضحها. والباقون بكسرها اسمَ فاعل وفيه وجهان، أحدهما: أنه من» بيَّن «المتعدي، فعلى هذا يكون المفعول محذوفاً تقديره مبيِّنةً حالَ مرتكبها. والثاني: أنه من بَيَّن اللازم، فإنَّ» بَيَّن «يكون متعدياً ولازماً يقال: بانَ الشيء وأبان واستبان وبَيَّن وتبيَّن بمعنى واحد أي: ظَهَر. وقرأ بعضهم: مُبيِنَة بكسرِ الباءِ وسكونِ الياء اسم فاعل من» أبان «، وفيها الوجهان المتقدمان في المشددة المكسورة، لأنَّ» أبان «أيضاً يكون متعدياً ولازماً، وأمَّا» مُبَيِّنات «فقرأهن الأخَوان وابن عامر وحفص عن عاصم بكسر الياء اسمَ فاعل، والباقون بفتحها اسمَ مفعول، وقد تقدَّم وجهُ ذلك.
قوله: {بالمعروف} في الباء وجهان، أظهرُهما: أنها باءُ الحالِ: إمَّا من الفاعل أي: مصاحبين لهنَّ بالمعروف، أو من المفعول أي: مصحوباتٍ بالمعروف.
والثاني: أنها باءُ التعدية. قال أبو البقاء: «بالمعروفِ» مفعول أو حالٍ «.
قوله: {فعسى} الفاء جواب الشرط، وإنما اقترنت بها» عسى «لكونِها جامدةً. قال الزمخشري:» فإنْ قلت: مِنْ أيِّ وجهٍ صَحَّ أن يكون «فعسى» جزاءً للشرط؟ قلت: من حيث إنَّ المعنى: فإنْ كرهتموهن فاصبروا عليهن مع الكراهة، فلعل لكم فيما تكرهون خيراً كثيراً ليس فيما تحبونه «.
وقرىء» ويَجْعَلُ «برفع اللام. قال الزمخشري:» على أنه حال «، يعني ويكونُ خبراً لمبتدأ محذوف؛ لئلا يلزمَ دخول الواو على مضارع مثبت. و» عسى «هنا تامةٌ لأنها رَفَعَتْ» أنْ «وما بعدها، والتقدير: فقد قَرُبَتْ كراهتكم، فاستغنت عن تقدير خبر، والضمير في» فيه «يعود على» شيء «أي: في ذلك الشيء المكروهِ وقيل: يعودُ على الكره المدلول عليه بالفعل. وقيل: يعود على الصبر وإن لم يَجْرِ له ذكر.
4:20Страница 81
وَإِنۡ أَرَدتُّمُ ٱسۡتِبۡدَالَ زَوۡجٖ مَّكَانَ زَوۡجٖ وَءَاتَيۡتُمۡ إِحۡدَىٰهُنَّ قِنطَارٗا فَلَا تَأۡخُذُواْ مِنۡهُ شَيۡـًٔاۚ أَتَأۡخُذُونَهُۥ بُهۡتَٰنٗا وَإِثۡمٗا مُّبِينٗا ٢٠
Если вы пожелали заменить одну жену другой и если одной из них вы подарили кантар, то ничего не берите себе из этого. Неужели вы станете отбирать это, поступая лживо и совершая очевидный грех?
قوله تعالى: {مَّكَانَ زَوْجٍ} : ظرفٌ منصوبٌ بالاستبدال، والمرادُ بالزوج هنا الجمعُ أي: وإنْ أردتم استبدالَ أزواجٍ مكانَ أزواج، وجاز ذلك لدلالةِ جمعِ المستبدِلين، إذ لا يُتَوَهَّم اشتراك المخاطبين في زوجٍ واحد مكانَ زوجٍ واحد، ولإِرادة معنى الجمع عادَ الضميرُ من قوله: «إحداهُنَّ» على «زوج» جمعاً. والتي نَهَى عن الأخذ منها هي المستبدلُ مكانَها، لأنها آخذةٌ منه بدليل قوله: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} وهذا إنما هو في القديمةِ لا المُسْتحدثةِ.
وقال: {إِحْدَاهُنَّ} ليدلَّ على أن قوله: {وَآتَيْتُمْ} المراد منه: وآتى كلُّ واحد منكم إحداهن، أي: إحدى الأزواج، ولم يقل: «آتيتموهن قنطاراً» لئلا يُتَوَهَّم أن الجميع المخاطبين آتَوا الأزواج قنطاراً، والمراد: آتى كلُّ واحد زوجَه قنطاراً، فدل لفظ «إحداهن» على أن الضمير في «آتيتم» المرادُ منه كلُّ واحدٍ واحدٍ كما دَلَّ لفظ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ استبدال زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ} على أنَّ المرادَ استبدالُ أزواجٍ مكانَ أزواج، فأُريد بالمفرد هنا الجمعُ لدلالةِ {وَإِنْ أَرَدْتُّمُ} .
وأُريد بقوله {وَآتَيْتُمْ} كلُّ واحد واحد، لدلالة «إحداهن» وهي مفردة على ذلك. ولا يُدَلُّ على هذا المعنى البليغ بأوجزَ ولا أفصحَ من هذا التركيب. وتقدَّم معنى القنطار واشتقاقه في آل عمران. والضمير في «منه» عائد على «قنطاراً» .
وقرأ ابن محيصن: «آتيتم احداهن» بوصل ألف «إحدى» كما قرىء: {إِنَّهَا لاحْدَى الكبر} [المدثر: 35] حَذَفَ الهمزة تخفيفاً كقوله:
1560 - إنْ لم أقاتِلْ فالبسوني بُرْقُعاً ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
وبهذا الذي ذكرته يتضح معنى الآية.
وقد طَوَّل أبو البقاء فيها ولم يأت بطائل، ولا بد من التعرُّض لما قاله والتنبيه عليه. قال: «وفي قوله {وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً} إشكالان، أحدهما: أنه جَمَع الضميرَ والمتقدمُ زوجان. والثاني: أن التي يريد أن يُسْتبدل بها هي التي تكون قد أعطاها مالاً فينهاه عن أخذِه، فأما التي يريد أن يستحدِثها فلم يكن أعطاها شيئاً حتى ينهى عن أَخْذِه، ويتأيَّد ذلك بقولِه: {وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أفضى بَعْضُكُمْ إلى بَعْضٍ} . والجوابُ عن الأول: أنَّ المرادَ بالزوجِ الجمعُ، لأنَّ الخطاب لجماعة الرجال، وكلٌّ منهم قد يريد الاستبدالَ، ويجوز أن يكونَ جُمِع لأن التي يريد أن يستحدِثَها يُفْضي حالُها إلى أن تكونَ زوجاً، وأن يريد أن يستبدلَ بها كما استبدل بالأولى فجُمِع على هذا المعنى. وأمَّا الإِشكال الثاني فييه جوابان أحدهما: أَنه وَضَعَ الظاهر مَوْضِعَ المضمر، والأصل: وآتيتموهن. والثاني: أنَّ المستبدلَ بها مبهمةٌ فقال» إحداهن «إذ لم تتعيَّن حتى يَرْجِع الضمير إليها، وقد ذكرنا نحواً مِنْ هذا في قوله: {فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأخرى} [البقرة: 282] انتهى.
وفي قوله: «وََضَع الظاهرَ موضعَ المضمر» نظرٌ، لأنَّه لو كانَ الأصل كذلك لأوهم أنَّ الجميعَ آتوا الأزواج قنطاراً كما تقدَّم، وليس كذلك.
قوله: {أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً} الاستفهام للإِنكار أي: أتفعلونه مع قُبْحِه. وفي نصب «بهتاناً وإثماً» وجهان: أحدهما: أنهما منصوبان على المفعول من أجلِه أي: لِبهتانكم وإثْمِكم. قال الزمخشري: «وإنْ لم يكن غَرَضاً كقولِك: قعدَ عن القتالِ جُنْباً» . والثاني: أنهما مصدران في موضع الحال، وفي صاحبها وجهان: أظهرهما: أنه الفاعل في «أتأخذونه» [أي] باهتين وآثمين. والثاني: أنه المفعول أي: أتأخذونه مُبْهِتاً مُحَيِّراً لشَنْعَتِه وقُبح الأُحدوثة عنه.
وبُهْتان: فُعْلان من البَهْت، وقد تقدَّم معناه في البقرة، وتقدم أيضاً الكلام في «كيف» ومحلِّها من الإِعراب في البقرة أيضاً في قوله: {كَيْفَ تَكْفُرُونَ} [البقرة: 28] .
4:21Страница 81
وَكَيۡفَ تَأۡخُذُونَهُۥ وَقَدۡ أَفۡضَىٰ بَعۡضُكُمۡ إِلَىٰ بَعۡضٖ وَأَخَذۡنَ مِنكُم مِّيثَٰقًا غَلِيظٗا ٢١
Как вы можете отобрать это, если между вами была близость и если они взяли с вас суровый завет?
قوله تعالى: {وَقَدْ أفضى} : الواو للحال، والجملة بعدها في محل نصب، وأتى ب «قد» لِيَقْرُبَ الماضي من الحال، وكذلك «أَخَذْنَ» و «قد» مقدرةٌ معه لتقدُّمِ ذِكْرِها. و «منكم» فيه وجهان، أظهرُهما: أنه متعلقٌ ب «أَخَذْنَ» . وأجاز فيه أبو البقاء أن يكونَ حالاً من «ميثاقاً» قُدِّم عليه، كأنه لَمَّا رأى أنه يجوز أن يكونَ صفةً لو تأخَّر لجاز ذلك وهو ضعيف. و «أفضى» معناه ذهب إلى فضائِه أي: ناحيةٍ سَعَتِه، يقال: فَضَا يفضو، فألف «أَفْضى» عن ياءٍ أصلُها واو.
4:22Страница 81
وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءَابَآؤُكُم مِّنَ ٱلنِّسَآءِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۚ إِنَّهُۥ كَانَ فَٰحِشَةٗ وَمَقۡتٗا وَسَآءَ سَبِيلًا ٢٢
Не женитесь на женщинах, на которых были женаты ваши отцы, если только это не произошло прежде. Воистину, это является мерзким и ненавистным поступком и скверным путем.
قوله تعالى: {مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ} : في «ما» هذه قولان أحدهما: أنها موصولة اسمية واقعة على أنواعِ مَنْ يَعْقِل، كما تقدم ذلك في قوله {مَا طَابَ لَكُمْ} [النساء: 3] ، وهذا عند مَنْ لا يجيز وقوعَها على آحاد العقلاء. فأمَّا مَنْ يُجيز ذلك فيقول: إنها واقعة موقعَ «مَنْ» ، ف «ما» مفعول به بقوله {وَلاَ تَنكِحُواْ} ، والتقدير: ولا تتزوجوا مَنْ تزوج آباؤكم. والثاني: أنها مصدرية ِأي: ولا تَنْكحوا مثلَ نكاح آبائكم الذي كان في الجاهلية وهو النكاح الفاسد كنكاح الشِّغار وغيرِه، واختار هذا القولَ جماعة منهم ابن جرير الطبري قال: «ولو كان معناه: ولا تنكحوا النساء التي نكح آباؤكم لوجب أن يكون موضعُ» ما «» من «. انتهى. وتبيَّن كونُه حراماً أو فاسداً [من] قوله: {إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً} . قوله: {مِّنَ النسآء} : تقدَّم نظيرُه أولَ السورة.
قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} في هذا الاستثناء قولان، أحدهما: أنه منقطعٌ، إذ الماضي لا يُجامع الاستقبال، / والمعنى: أنه لَمَّا حَرَّم عليهم نكاحَ ما نكح آباؤهم تطرَّق الوهمُ إلى ما مضى في الجاهلية ما حكمُه؟ فقيل: إلا ما قد سَلَفَ أي: لكن ما سلف فلا إثمَ فيه. وقال ابن زيد في معنى ذلك أيضاً:» إن المراد بالنكاح العقدُ الصحيح «وحَمَل {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} على ما كا ن يتعاطاه بعضُهم من الزنا فقال:» إلا ما قد سلف من الآباء في الجاهلية من الزنا بالنساء فذلك جائزٌ لكم زواجُهم في الإِسلام، وكأنه قيل: ولا تَعْقِدوا على مَنْ عَقَد عليه آباؤُكم إلا ما قد سلف مِنْ زِناهم، فإنه يجوزُ لكم أن تتزوَّجُوهم فهو استثناءٌ منقطع أيضاً.
والثاني: أنه استثناءٌ متصل وفيه معنيان، أحدهما: أن يُحْمل النِّكاحُ على الوطء، والمعنى: أنه نهى أن يَطَأ الرجلُ امرأةً وَطِئها أبوه إلا ما قد سلف من الأب في الجاهلية من الزنا بالمرأة فإنه يجوز للابن تزويجها. نُقِل هذا المعنى عن ابن زيد أيضاً، إلا أنه لا بد من التخصيص في شيئين: أحدُهما قولُه: {وَلاَ تَنكِحُواْ} أي ولا تَطَؤوا وَطْئاً مباحاً بالتزويج. والثاني: التخصيص في قوله: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} بوطء الزنا، وإلا فالوطء فيما قد سلف قد يكون وَطْئاً غيرَ زنا، وقد يكون زنا، فيصير التقدير: ولا تَطَؤوا ما وطِىء آباؤكم وطئاً مباحاً بالتزويج إلا مَنْ كان وَطْؤُها فيما مضى وطءَ زنا. ويجوز على هذا المعنى الذي ذهب إليه ابن زيد أن يُراد بالنكاحِ الأولِ العقدُ، وبالثاني الوطءُ، اي: ولا تتزوجوا مَنْ وَطِئها آباؤكم إلا من كان وطؤها وطءَ زنا.
والمعنى الثاني: «ولا تَنْكِحوا مثلَ نكاحِ آبائكم في الجاهلية إلا ما تقدَّم منكم مِنْ تلك العقودِ الفاسدةِ فمباحٌ لكم الإِقامةُ عليها في الإِسلام إذا كان مما يقِّرُ الإِسلامُ عليه» وهذا على رأي مَنْ يَجْعَلُ «ما» مصدريةً وقد تقدَّم.
وقال الزمخشري: «فإنْ قلت: كيف استثنى» ما قد سلف «من» ما نكح آباؤكم «؟ قلت: كما استثنى» غيرَ أنَّ سيوفهم «من قوله:» ولا عيبَ فيهم «يعني: إنْ أمكنكم أن تنكحوا ما قد سلف فانكحوه فلا يَحِلُّ لكم غيرُه، وذلك غير ممكن، والغَرضُ المبالغةُ في تحريمه وسَدُّ الطريق إلى إباحته، كما تعلق بالمُحالِ في التأبيد في نحو قولهم:» حتى يَبْيَضَّ القارُّ «و» حتى يَلِجَ الجَمَلُ في سَمِّ الخِياط «. انتهى. أشار رحمه الله إلى بيت النابغة في قوله:
1561 - ولا عيبَ فيهم غيرَ أنَّ سيوفَهم ... بِهِنَّ فُلولٌ من قِراعِ الكتائبِ
يعني إنْ وُجِد فيهم عَيْبٌ فهو هذا، وهذا لا يَعُدُّه أحدٌ عيباً فانتفى العيب عنهم بدليله. ولكن هل الاستثناءُ على هذا المعنى الذي أبداه الزمخشري من قبيلِ المنقطعِ أو المتصل؟ والحقُّ أنه متصلٌ لأنَّ المعنى: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم إلا اللائي مَضَيْنَ وفَنِين، وهذا مُحالٌ، وكونُه مُحالاً لا يُخْرِجُه عن الاتصال. وأمَّا البيتُ ففيه نظرٌ، والظاهر أن الاستثناءَ فيه متصلٌ أيضاً، لأنه جَعَلَ العيبَ شامِلاً لقولِه» غيرَ أنَّ سيوفَهم «بالمعنى الذي أراده. وللبحثِ فيه مجالٌ.
وتَلَخَّص مِمَّا تقدَّم أنَّ المرادَ بالنكاحِ في هذه الآية العقدُ الصحيحُ أو الفاسدُ أو الوطء، أو: يُرادُ بالأول العقدُ وبالثاني الوَطْءُ، وقد تقدَّم القولُ في البقرةِ: هل هو حقيقةٌ فيهما أو في أحدِهما؟ واختلافُ الناسِ في ذلك.
وزعم بعضُهم أنَّ في الآيةِ تقديماً وتأخيراً والأصلُ: ولا تَنْكِحوا ما نكح آباؤكم من النساء، إنه كان فاحشة ومَقْتاً وساء سبيلاً إلا ما قد سلف. وهذا فاسدٌ من حيث الإِعراب ومن حيث المعنى: أمَّا الأولُ فلأنَّ ما في حَيِّز» إنَّ «لا يتقدَّم عليها، وأيضاً فالمستثنى لا يتقدَّمُ على الجملة التي هو من متعلَّقاتها سواءً كان متصلاً أم منقطعاً، وإنْ كان في هذا خلافٌ ضعيفٌ. وأما الثاني فلأنه أَخْبر أنه فاحشةٌ ومَقْت في الزمان الماضي بقوله» كان «فلا يَصِحُّ أن يُسْتثنى منه الماضي، إذ يصير المعنى: هو فاحشةٌ في الزمانِ الماضي إلا ما وقع منه في الزمانِ الماضي فليس بفاحشة.
والمَقْتُ: بُغْضٌ مقرونٌ باستحقارٍ فهو أخصُّ منه. والضمير في قوله» إنه «عائدٌ على النكاح المفهوم من قولِه: {وَلاَ تَنكِحُواْ} ، ويجوز أن يعودَ على الزنى إذا أريد بقوله {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} الزنى و» كان «هنا لا تدل على الماضي فقط لأن معناها هنا معنى لم يَزَلْ، وهذا المعنى هو الذي حَمَل المبردَ على قوله» إنها زائدة «.
ورُدَّ عليه بوجودِ الخبر والزائدةُ لا خبرَ لها، وكأنه يعني بزيادتها ما ذكرته من كونها لا تَدُلُّ على الماضي فقط، فَعَبَّر عن ذلك بالزيادة.
قوله: {وَسَآءَ سَبِيلاً} في «ساء» قولان، أحدهما: أنها جارية مَجْرى «بئس» في الذم والعمل، ففيها ضميرٌ مبهمٌ يُفَسِّره ما بعده وهو «سبيلاً» والمخصوصُ بالذم محذوف تقديره: «وساء سبيلاً سبيلُ هذا النكاحِ» كقوله: «بِئْسَ الشراب» أي: ذلك الماء. والثاني: أنها لا تَجْري مَجْرى «بِئْس» في العمل بل هي كسائر الأفعالِ، فيكونُ فيها ضميرٌ يَعُود على ما عاد عليه الضميرُ في «إنه» ، و «سبيلاً» على كلا التقديرين تمييزٌ.
وفي هذه الجملة وجهان أحدهما: أنه لا محل لها بل هي مستأنفة، ويكون الوقفُ على قوله: «ومقتاً» ثم يستأنف «وساء سبيلاً» أي: وساءَ هذا السبيل منْ نكاح مَنْ نكحهن من الآباء. والثاني: أن يكونَ معطوفاً على خبر «كان» ، على أَنْ يُجْعَلَ محكيّاً بقول مضمر، ذلك القولُ هو المعطوفُ على الخبر، والتقدير: ومَقُولاً فيه: ساء سبيلاً، هكذا قَدَّره أبو البقاء. ولقائلٍ أن يقولَ: يجوز أَنْ يكونَ عطفاً على خبر «كان» مِنْ غيرِ إضمارِ قول، لأنَّ هذه الجملةَ في قوة المفرد، ألا ترى أنه يقعُ خبراً بنفسه تقول: «زيدٌ ساءَ رجلاً» و «كان زيدا ساء رجلاً» ، فغاية ما في الباب أنك أتيت بأخبار «كان» أحدُهما مفردَ والآخرُ جملة، اللهم إلا أَنْ يُقالَ: إن هذه جملةٌ إنشائيةٌ، والإِنشائية لا تقع خبراً ل «كان» ، فاحتاج إلى إضمار القول وفيه بحث.
4:23Страница 81
حُرِّمَتۡ عَلَيۡكُمۡ أُمَّهَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُمۡ وَعَمَّٰتُكُمۡ وَخَٰلَٰتُكُمۡ وَبَنَاتُ ٱلۡأَخِ وَبَنَاتُ ٱلۡأُخۡتِ وَأُمَّهَٰتُكُمُ ٱلَّٰتِيٓ أَرۡضَعۡنَكُمۡ وَأَخَوَٰتُكُم مِّنَ ٱلرَّضَٰعَةِ وَأُمَّهَٰتُ نِسَآئِكُمۡ وَرَبَٰٓئِبُكُمُ ٱلَّٰتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ ٱلَّٰتِي دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمۡ تَكُونُواْ دَخَلۡتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيۡكُمۡ وَحَلَٰٓئِلُ أَبۡنَآئِكُمُ ٱلَّذِينَ مِنۡ أَصۡلَٰبِكُمۡ وَأَن تَجۡمَعُواْ بَيۡنَ ٱلۡأُخۡتَيۡنِ إِلَّا مَا قَدۡ سَلَفَۗ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ غَفُورٗا رَّحِيمٗا ٢٣
Вам запретны ваши матери, ваши дочери, ваши сестры, ваши тетки со стороны отца, ваши тетки со стороны матери, дочери брата, дочери сестры, ваши матери, вскормившие вас молоком, ваши молочные сестры, матери ваших жен, ваши падчерицы, находящиеся под вашим покровительством, с матерями которых вы имели близость, но если вы не имели близости с ними, то на вас не будет греха; а также жены ваших сыновей, которые произошли из ваших чресл. Вам запретно жениться одновременно на двух сестрах, если только это не произошло прежде. Воистину, Аллах - Прощающий, Милосердный.
قوله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ} : «أمهات» جمع «أم» فالهاءُ زائدةٌ في الجمع، فرقاً بين العقلاء وغيرهم. يقال في العقلاء: «أمهات» وفي غيرهم: «أُمَّات» كقوله:
1562 - وأُمَّاتِ أَطْلاءٍ صغارِ. . . . . ... هذا هو المشهور، وقد يقال: «أُمَّات» في العقلاء: و «أمهات» في غيرهم وقد جَمَع الشاعر بين الاستعمالين في العقلاء فقال:
1563 - إذا الأمَّهاتُ قَبُحْنَ الوجوهَ ... فَرَجْتَ الظلامَ بأُمَّاتِكا
وقد سُمع «أُمَّهة» في «أُم» بزيادةِ هاء، بعدَها تاءُ تأنيث قال:
1564 - أُمَّهتي خِنْدِفُ والياسُ أبي ...
فعلى هذا يجوزُ أن تكونَ «أمهات» جمعَ «أُمَّهة» المزيدِ فيها الهاء، والهاءُ قد أتت زائدةً في مواضع/ قالوا: هِبْلَع وهِجْرَع من البَلْعِ والجَرْع.
قوله: {وَبَنَاتُكُمْ} عطفٌ على «أُمَّهاتكم» . وبنات جمع بنت، وبنت تأنيث ابن، وتقدَّم الكلامُ عليه وعلى اشتقاقِه ووزنِه في البقرة في قوله: {يَابَنِي إِسْرَائِيلَ} [الآية: 40] ، إلا أن أبا البقاء حَكَى عن الفراء أنَّ «بنات» ليس جمعاً ل «بنت» يعني بكسرِ الباء بل جمع «بَنة» يعني بفتحِها، قال: وكُسِرت الباء تنبيهاً على المحذوف «. قلت: هذا إنما يجيء على اعتقادِ أنَّ لامها ياء، وقد تقدم لنا خلافٌ في ذلك وأن الصحيحَ أنها واو، وحَكَى عن غيره أن أصلها: بَنوَة، وعلى ذلك جاء جمعُها ومذكرها وهو بنون، قال:» وهو مذهبُ البصريين «قلت: لا خلاف بين القولينِ في التحقيق، لأنَّ مَنْ قال: بنات جمعُ» بَنة «بفتح الباء لا بد وأَنْ يعتقد أنَّ أصلها» بَنَوة «حُذِفَت لامُها وعُوِّض منها تاءُ التأنيث، والذي قال: بنات جمع» بَنَوة «لَفَظَ بالأصل فلا خلاف.
واعلم أنَّ تاء» بنت «و» أخت «تاءُ تعويضٍ عن اللام المحذوفة كما تقدَّم تقريره، وليست للتأنيثِ، ويَدُلُّ على ذلك وجهان، أحدهما: أنَّ تاء التأنيث يلزَمُ فتحُ ما قبلها لفظاً أو تقديراً نحو: ثمرة وفتاة، وهذه ساكنٌ ما قبلَها. والثاني: أنَّ تاءَ التأنيث تُبْدَلُ في الوقفِ هاء، وهذه لا تُبْدَلُ بل تُقَرُّ على حالِها. وقال أبو البقاء:» فإنْ قيل: لِمَ رُدَّ المحذوف في «أخوات» ولم يُرَدَّ في «بنات» ؟ قيل: حُمِل كل واحد من الجمعين على مذكَّرِهِ، فمذكر « بنات» لم يُرَدَّ إليه المحذوف بل قالوا فيه «بنون» ، ومذكر «أخوات» رُدَّ فيه محذوفه قالوا في جمع أخ: إخْوة وإخْوان «.
وهذا الذي قاله ليس بشيء لأنه أَخَذَ جمع التكسير وهو إخوة وإخوان مقابلاً ل» أَخَوات «جمعَ التصحيح، فقال: رُدَّ في أخوات كما رُدَّ في إخوة، وهذا أيضاً موجود في» بنات «؛ لأنَّ مذكره في التكسير رُدَّ إليه المحذوف.
قالوا: ابن وأبناء، ولَمَّا جمعوا أخاً جمع السلامة قالوا فيه «أَخُون» بالحذف، فردُّوا في تكسير ابن وأخ محذوفَهما، ولم يَرُدَّوا في تصحيحهما، فبان فساد ما قال.
قوله: {وَخَالاَتُكُمْ} ألف «خالة» و «خال» منقلبة عن واو، بدليل جمعه على «أخوال» ، قال تعالى: {أَوْ بُيُوتِ أَخْوَالِكُمْ} [النور: 61] .
قوله: {مِّنَ الرضاعة} : في موضعِ نصب على الحال فيتعلق بمحذوف تقديره: وأخواتُكم كائناتٍ من الرضاعة. وقرأ أبو حيوة: «من الرِّضاعة» بكسر الراء. {مِّن نِّسَآئِكُمُ} فيه وجهان، أحدهما: أنه حال من «ربائبكم» تقديره: «وربائبكم كائناتٍ من نسائكم» . والثاني: أنه حالٌ من الضمير المستكنِّ في قوله: {فِي حُجُورِكُمْ} لأنه لَمَّا وقع صلةً تَحَمَّل ضميراً، أي: اللاتي استَقْرَرْنَ في حُجُوركم.
والربائب: جمع «ربيبة» وهي بنت الزوج أو الزوجة، والمذكر: ربيب، سُمِّيا بذلك؛ لأن أحد الزوجين يَرُبُّه كما يَرُبُّ ابنه. وقوله: {اللاتي فِي حُجُورِكُمْ} لا مفهومَ له لخروجه مخرج الغالب. الحُجُور: جمع «حِجْر» بفتحِ الحاءِ وكسرها، وهو مقدَّمُ ثوبِ الإِنسان ثم استعملت اللفظُ في الحِفْظ والستر.
قوله: {اللاتي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ} صفةٌ ل «نسائكم» المجرورِ ب «مِنْ» ، اشترط في تحريم الربيبة أن يُدْخَلَ بأمها.
ولا جائزٌ أن تكونَ صفة ل «نسائكم» الأولى والثانية لوجهين، أحدهما: من جهة الصناعة، وهو أن «نسائكم» الأولى مجرورةٌ بالإِضافة والثانية مجرورة ب «من» فقد اختلف العاملان، وإذا اختلفا امتنع النعت، لا تقول: «رأيت زيداً ومررت بعمرٍو العاقلين» على أن يكون «العاقلين» نعتاً لهما. والثاني من جهة المعنى: وهو أن أم المرأة تَحْرُم بمجردِ العَقْدِ على البنت دَخَلَ بها أو لم يَدْخُل بها عند الجمهور، والربيبةُ لا تَحْرُم إلا بالدخولِ على أمها.
وفي كلام الزمخشري ما يلزم منه أنه يَجوز أَنْ يكونَ هذا الوصفُ راجعاً إلى الأولى في المعنى فإنه قال: {مِّن نِّسَآئِكُمُ} متعلق ب «ربائبكم» ومعناه: أن الربيبة من المرأةِ المدخولِ بها مُحَرَّمةٌ على الرجل حلالٌ له إذا لم يدخل بها. فإن قلت: هل يَصِحُّ أن يتعلق بقوله: {وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ} ؟ قلت: لا يخلو: إمَّا أَنْ يتعلَّقَ بهن وبالربائب فتكون حرمُتهن وحرمةُ الربائب غيرَ مبهمتين جميعاً، وإمَّا أَنْ يتعلَّق بهن دونَ الربائبِ، فتكونُ حرمتُهن غيرَ مبهمة وحرمةُ الربائب مبهمةً، ولا يجوز الأول لأن معنى «من» مع أحد المتعلقين خلافُ معناها مع الآخر، ألا تراك إذا قلت: «وأمهاتُ نسائكم من نسائكم اللاتي دخلتم بهن» فقد جَعَلْتَ «مِنْ» لبيان النساء وتمييزاً للمدخولِ بهنَّ مِنْ غيرِ المدخول بهنَّ، وإذا قلت: «وربائبكم من نسائِكم اللاتي دَخَلْتُم بهن» فإنك جاعلٌ «مِنْ» لابتداءِ الغاية كما تقولُ: «بنات رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من خديجة» ، وليس بصحيحٍ أَنْ يَعْني بالكلمة الواحدة في خطاب واحد معنيين مختلفين، ولا يجوز الثاني لأن الذي يليه هو الذي يستوجبُ التعليقُ به ما لم يَعْرِضْ أمرٌ لا يُرَدُّ، إلا أَنْ تَقول: أُعَلِّقُه بالنساء والربائب، وأجعل «من» للاتصال كقوله تعالى:
{المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مِّن بَعْضٍ} [التوبة: 67] ، [وقال] :
1565 -. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . ... فإني لستُ مِنْكَ ولَسْتَ مِنِّي
[وقوله] :
1566 - ما أنا من ددٍ ولا ددٌ مِنِي ... وأمهاتُ النساء متصلات بالنساء لأنهن أمهاتُهن، كما أن الربائب متصلاتٌ بأمهاتهن لأنهن بناتُهن، هذا وقد اتفقوا على أن التحريم لأمهاتِ النساء مبهمٌ «. انتهى. ثم قال:» إلا ما رُوي عن علي وابن عباس وزيد وابن عمرو وابن الزبير أنهم قرؤوا «وأمهاتُ نسائكم اللاتي دَخَلْتُم بهن» فكان ابن عباس يقول: «واللهِ ما أُنزل إلا هكذا» فقوله: «أعلقه بالنساء والربائب» إلى آخره يقتضي أن القيد الذي في الربائب وهو الدخول في أمهات نسائكم، كما تقدم حكايته عن علي وابن عباس. قال الشيخ: «ولا نعلم أحداً أثبتَ ل» مِنْ «معنى الاتصال، أما الآية والبيت والحديث فمؤولة.
قوله: {وَحَلاَئِلُ} جمع» حليلة «وهي الزوجة، سُمِّيَتْ بذلك لأنها تَحُلُّ مع زوجها حيث كان، فهي فَعِيلة بمعنى فاعلة، والزوج حليل كذلك، قال:
1567 - أغشى فتاةَ الحَيِّ عند حليلِها ... وإذا غَزَا في الجيشِ لا أَغْشاها
وقيل: اشتقاقها من لفظ الحلال؛ إذ كلٌّ منهما حلال لصاحبه، وهو قول الزجاج وجماعة، ف» فَعِيل «بمعنى مفعول أي: مُحَلَّلة له وهو محللٌ لها، إلا أنَّ هذا يُضْعفُه دخولُ التأنيث، اللهم إلا أن يقال إنه جرى مَجْرى الجوامد/ كالنطيحة والذبيحة. وقيل: هما من لفظ» الحَلّ «ضد العَقْد؛ لأنَّ كلاً منهما يَحُلُّ إزارَ صاحبِه.
و {الذين مِنْ أَصْلاَبِكُمْ} صفةٌ مبينة؛ لأنَّ الابن قد يُطْلق على المُتَبَنَّى به وليست امرأتُه حراماً على مَنْ تَبَنَّاه، وأمَّا الابن من الرضاع فإنه وإنْ كان حكمُه حكمَ ابن الصُّلْب في ذلك فمبيَّنٌ بالسنة فلا يَرِد على الآية الكريمة.
وأَصْلاب: جمع» صُلْب «وهو الظهرُ، سُمِّي بذلك لقوته اشتقاقاً من الصَّلابة، وأفصحُ لغتَيْه: صُلْب بضمِ الفاء وسكون العين وهي لغة الحجاز، وبنو تميم وأسد يقولون» صَلَباً بفتحهما، حكى ذلك الفراء عنهم في كتاب «لغات القرآن» له، وأنشد عن بعضهم:
1568 - في صَلَبٍ مثلٍ العِنانِ المُؤْدَمِ ... وحكى عنهم: «إذا أَقُوم اشتكى صَلَبي» .
قوله: {وَأَن تَجْمَعُواْ} في محلِّ رفع عطفاً على مرفوع «حُرِّمت» أي: وحُرِّم عليكم الجمعُ بين الأختين، والمرادُ الجمعُ بينهما في النكاح، أمَّا في الملِْك فجائزٌ اتفاقاً، وأمَّا الوطءُ بمِلكْ اليمين ففيه خلافٌ ليس هذا موضعَه.
قولُه: {إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} استثناءٌ منطقع، فهو منصوبٌ المحل كما تقدَّم في نظيره أي: لكن ما مضى في الجاهلية فإن الله يَغْفِره. وقيل: المعنى إلا ما عَقَد عليه قبل الإِسلام، فإنه بعد الإِسلام يبقى النكاح على صحته، ولكن يَخْتار واحدةً منهما ويفارق الأخرى، وكان قد تقدَّمَ قريبٌ من هذا المعنى في {مَا قَدْ سَلَفَ} الأولِ ويكون الاستثناء عليه متصلاً، وهنا لا يتأتَّى الاتصال البتة لفساد المعنى.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии