Ас-Самин аль-ХалябиАль‑Анам · 6:46–54

Ас-Самин аль-Халяби · Тафсир · на арабском

Аль-Анам 6:46–54

6:46Страница 133

قُلۡ أَرَءَيۡتُمۡ إِنۡ أَخَذَ ٱللَّهُ سَمۡعَكُمۡ وَأَبۡصَٰرَكُمۡ وَخَتَمَ عَلَىٰ قُلُوبِكُم مَّنۡ إِلَٰهٌ غَيۡرُ ٱللَّهِ يَأۡتِيكُم بِهِۗ ٱنظُرۡ كَيۡفَ نُصَرِّفُ ٱلۡأٓيَٰتِ ثُمَّ هُمۡ يَصۡدِفُونَ ٤٦

Скажи: «Как вы думаете, если Аллах отнимет ваш слух и ваше зрение и запечатает ваши сердца, какое божество, кроме Аллаха, вернет вам все это?». Посмотри, как Мы разъясняем знамения, однако они все еще отворачиваются.

قوله تعالى: {أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ الله} : المفعول الأول محذوف تقديره: أرأيتم سَمْعَكم وأبصاركم إن أخذها الله، والجملة الاستفهامية في موضع الثاني، وقد تقدم أنَّ الشيخ يجعلُه من التنازع، وجواب الشرط محذوف على نحو ما مرَّ. وقال الحوفي: «وحرفُ الشرط وما اتصل به في موضع نصبٍ على الحال، والعالمُ في الحال» أرأيتم «كقولك:» اضربه إن خرج «أي خارجاً، وجواب الشرط ما تقدَّم مِمَّا دخلَتْ عليه همزة الاستفهام» وهذا إعرابٌ لا يَظْهر. ولم يُؤْتَ هنا بكاف الخطاب وأُتي به هناك؛ لأنَّ التهديدَ هناك أعظم فناسب التأكيد بالإِتيان بكاف الخطاب، ولمَّا لم يُؤْتَ بالكافِ وجب بروزُ علامةِ الجمع في التاء لئلا يلتبسَ، ولو جيء معها بالكاف لا ستُغْنِي بها كما تقدَّم، وتوحيد السمع وجَمْعُ الأبصارِ مفهومٌ ممَّا تقدَّم في البقرة.

قوله: {مَّنْ إله} مبتدأ وخبر، و «مَنْ» استفهامية، «وغيرُ الله» صفةٌ ب «إلهٌ» و «يأتيكم» صفةٌ ثانية، والهاء في «به» على سمعكم. وقيل: تعود على الجميع. وَوُحِّد ذهاباً به مذهب اسم الإِشارة وقيل: تعود على الهَدْي المدلول عليه بالمعنى. وقيل: يَعودُ على المأخوذ والمختوم المدلول عليهما بالأَخْذ والخَتْم. والاستفهام هنا للإِنكار.

قوله: {انظر كَيْفَ نُصَرِّفُ} «كيف» معمولةٌ لنصرِّف، ونصبُها: إمَّا على التشبيه بالحال أو التشبيه بالظرف، وهي مُعَلِّقةٌ ل «انظر» فهي في محل نصب بإسقاط حرف الجر، وهذا كله ظاهر مِمَّا تقدم. «ويَصْدِفون» معناه يُعْرِضُون، يقال: صَدَف عن الشيء صَدْفاً وصُدُوفاً وصدافِيَةً قال عدي بن الرقاع:

192 - 9- إذا ذكرْنَ حديثاً قُلْنَ أحسنَه ... وهُنَّ عن كل سوءٍ يُتَّقى صُدُفُ

«صُدُف» جمع صَدُوف ك صُبُر في جمع صبور، وقيل: معنى صدف: مالَ، مأخوذ من الصَّدَف في البعير وهو أن يَميل خِفُّه من اليد إلى الرِّجْل من الجانب الوحشي. والصَّدَف جمع صَدَفة وهي المَحارة التي تكون فيها الدُّرَّة قال:

193 - 0- وزادَها عَجَباً أَنْ رُحْتُ في سُبُلٍ ... وما دَرَتْ دَوَرَان الدُّرِّ في الصَّدَفِ

والصَّدَف والصُّدُف بفتح الصاد والدال وضمهما، وضم الصاد وسكون الدال ناحية الجبل المرتفع، وسيأتي لهذا مزيدُ بيان.

والجمهور: «به انظر» بكسر الهاءِ على الاصل، وروى المُسَيِّبي عن نافع: «بهُ انظر» بضمها نظراً إلى الأصل: وقرأ الجمهور أيضاً: {نُصَرِّف} مضعَّفاً، وقُرِئ شاذاً: «نَصْرِف» بكسر الراء من صرف ثلاثياً.

قوله: {هَلْ يُهْلَكُ} هذا استفهامٌ بمعنى النفي؛ ولذلك دخلت «إلاَّ» ، وهو استثناءٌ مفرَّغٌ، والتقدير: ما يُهْلك إلا القوم الظالمون. وهذه الجملة الاستفهامية في موضع المفعول الثاني ل «أرأيتكم» والأولُ محذوفٌ، وهذا من التنازع على رأي الشيخ كما تقدَّم تقريره. وقال أبو البقاء: «الاستفهامُ ههنا بمعنى التقرير، فلذلك ناب عن جواب الشرط أي: إن أتاكمْ هَلَكْتم، والظاهرُ ما قَدَّمْتُه، ويجيء هنا قول الحوفي المتقدم في الآية قبلها من كون الشرط حالاً. وقرأ ابن محيصن: {هل يَهْلَكُ} مبنياً للفاعل. وتَقَدَّم الكلام أيضاً على» بَغْتة «اشتقاقاً وإعراباً» .

6:47Страница 133

قُلۡ أَرَءَيۡتَكُمۡ إِنۡ أَتَىٰكُمۡ عَذَابُ ٱللَّهِ بَغۡتَةً أَوۡ جَهۡرَةً هَلۡ يُهۡلَكُ إِلَّا ٱلۡقَوۡمُ ٱلظَّٰلِمُونَ ٤٧

Скажи: «Как вы думаете, если наказание Аллаха поразит вас неожиданно или открыто, разве будет погублен кто-либо, кроме несправедливых людей?».

К этому аяту нет толкования

6:48Страница 133

وَمَا نُرۡسِلُ ٱلۡمُرۡسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَۖ فَمَنۡ ءَامَنَ وَأَصۡلَحَ فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٤٨

Мы отправляем посланников только добрыми вестниками и предостерегающими увещевателями. Те, которые уверовали и совершали праведные деяния, не познают страха и не будут опечалены.

قوله تعالى: {إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ} : حال من «المرسلين» وفي هذه الحال معنى الغَلَبة أي: لم نُرْسِلْهم لأن تُقْتَرَحَ عليهم الآيات، بل لأن يُبَشِّروا ويُنْذِرُوا. وقرأ إبراهيم ويحيى: «مُبْشِرين» بالتخفيف وقد تقدَّم أن «أَبْشَر» لغةٌ في «بَشَّر» .

قوله: {فَمَنْ آمَنَ} يجوز في «مَنْ» أن تكون شرطية، وأن تكونَ موصولةً، وعلى كلا التقديرين فمحلُّها رفعٌ بالابتداء والخبر: «فلا خوف» : فإن كانت شرطية فالفاء جواب الشرط، وإن كانت موصولة فالفاء زائدة لشبه الموصول بالشرط، وعلى الأول يكون محلُّ الجملتين الجزمَ، وعلى الثاني لا محلَّ للأولى، ومحلُّ الثانية الرفع، وحُمِل على اللفظ فأفردَ في «آمن» و «اصلَح» ، وعلى المعنى فجمع في {فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ} ويُقَوِّي كونَها موصولةً مقابلتُها بالموصول بعدها في قوله: {والذين كَذَّبوا} .

6:49Страница 133

وَٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِنَا يَمَسُّهُمُ ٱلۡعَذَابُ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٤٩

А тех, которые считают ложью Наши знамения, коснутся мучения за то, что они были нечестивцами.

وقرأ علقمة: {نُمسُّهم} : بنونٍ مضمومة من «أَمَسَّه كذا» «العذابَ» نصباً، والأعمش ويحيى بن وثاب: «يَفْسِقون» بكسر السين، وقد تقدَّم أنها لغة. و «ما» مصدريةٌ على الأظهر، أي: بفِسْقِهم.

6:50Страница 133

قُل لَّآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ إِنِّي مَلَكٌۖ إِنۡ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰٓ إِلَيَّۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُۚ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ ٥٠

Скажи: «Я не говорю вам, что при мне сокровищницы Аллаха, и я не ведаю сокровенного. Я не говорю вам, что являюсь ангелом. Я следую лишь тому, что ниспосылается мне в откровении». Скажи: «Разве равны слепой и зрячий? Неужели вы не поразмыслите?».

قوله: {ولا أَعْلَمُ الغيب} في محلِّ هذه الجملة وجهان، أحدهما: النصب عطفاً على قوله «عندي خزائنُ الله» لأنه من جملة المقول، كأنه قال: لا أقول لكم هذا القولَ ولا هذا القولَ، قاله الزمشخري، وفيه نظرٌ من حيث إنه يؤدي إلى أنه يصير التقدير: ولا أقول لكم لا أَعْلَمُ الغيب، وليس بصحيحٍ. والثاني: أنه معطوف على «لا أقول» لا معمولٌ له، فهو أمَرَ أن يُخْبِرَ عن نفسه بهذه الجمل الثلاث فهي معمولة للأمر الذي هو «قل» ، وهذا تخريجُ الشيخ، قال بعد أن حكى قول الزمخشري: «ولا يتعيَّنُ ما قاله، بل الظاهرُ أنه معطوفٌ على» ألاَّ أقول «إلى آخره» .

6:51Страница 133

وَأَنذِرۡ بِهِ ٱلَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحۡشَرُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ لَيۡسَ لَهُم مِّن دُونِهِۦ وَلِيّٞ وَلَا شَفِيعٞ لَّعَلَّهُمۡ يَتَّقُونَ ٥١

Предостерегай им тех, которые страшатся того, что они будут собраны перед своим Господом тогда, когда не будет у них, помимо Него, ни покровителя, ни заступника. Быть может, они устрашатся!

К этому аяту нет толкования

6:52Страница 133

وَلَا تَطۡرُدِ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ رَبَّهُم بِٱلۡغَدَوٰةِ وَٱلۡعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجۡهَهُۥۖ مَا عَلَيۡكَ مِنۡ حِسَابِهِم مِّن شَيۡءٖ وَمَا مِنۡ حِسَابِكَ عَلَيۡهِم مِّن شَيۡءٖ فَتَطۡرُدَهُمۡ فَتَكُونَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٥٢

Не прогоняй тех, которые взывают к своему Господу утром и перед закатом, стремясь к Его Лику. Ты нисколько не в ответе за них, и они нисколько не в ответе за тебя. Если же ты прогонишь их, то окажешься одним из беззаконников.

قوله: {بالغداة} : قرأ الجمهور: «بالغداة» هنا وفي الكهف وابن عامر: {بالغُدْوة} بضم الغين وسكون الدال وفتح الواو في الموضعين، وهي قراءة أبي عبد الرحمن السلمي والحسن البصري ومالك بن دينار وأبو رجاء العطاردي ونصر بن عاصم الليثي. والأشهر في «الغُدْوة» أنها معرفة بالعلمية، وهي علميَّة الجنس كأسامة في الأشخاص ولذلك مُنِعت من الصرف قال الفراء: «سمعت أبا الجراح يقول: ما رأيت كغدوة قط، يريد: غداة يومه» قال: «ألا ترى أن العرب لا تضيفها، فكذا لا يدخلها الألف واللام، إنما يقولون: جئتك غداة الخميس» وقال الفراء في كتاب «المعاني» في سورة الكهف: «قرأ عبد الرحمن السلمي: {بالغُدْوَة والعَشِي} ولا أعلم أحداً قرأ بها غيره، والعرب لا تُدْخل الألف واللام في» الغدوة «لأنها معرفة بغير ألف ولام» فذكره إلى آخره.

وقد طعن أبو عبيد القاسم بن سلام على هذه القراءة فقال: «إنما نرى ابن عامر والسلمي قرآ تلك القراءة إتباعاً للخط، وليس في إثبات الواو في الكتاب دليل على القراءة بها، لأنهم كتبوا الصلاة والزكاة بالواو ولفظُهما على تَرْكها، وكذلك الغداة، على هذا وجدنا العرب» . وقال الفارسيُّ: «الوجه قراءة العامة بالغداة، لأنها تستعمل نكرة ومعرفة بالام، فأمَّا» غُدْوَة «فمعرفة وهو عَلَمٌ وُضِع للتعريف، وإذا كان كذلك فلا ينبغي أن تدخل عليه الألف واللام للتعريف، كما لا تَدْخُل على سائر الأعلام، وإن كانت قد كُتِبَتْ بالواو لأنها لا تدلُّ على ذلك. ألا ترى الصلاة والزكاة بالواو ولا تُقرآن بها، فكذلك الغداة. قال سيبويه:» غُدْوة وبُكْرة جُعِل كلُّ واحد منهما اسماً للحين، كما جعلوا «أم حُبَيْن» اسماً لدابَّةٍ معروفة «. إلا أنَّ هذا الطعنَ لا يُلتفت إليه، وكيف يُظَنُّ بمَنْ تَقَدَّم أنهم يَلْحنون، والحسن البصري ممن يُسْتَشْهد بكلامِه فضلاً عن قراءته، نصر بن عاصم شيخ النحاة أخذ هذا العلمَ عن أبي الأسود ينبوعِ الصناعة، وابن عامر لا يَعْرف اللحن لأنه عربي، وقرأ على عثمان بن عفان وغيره من الصحابة، ولكن أبا عبيد - رحمه الله - لم يعرف أن تنكير» غدوة «لغةُ ثانية عن العرب حكاها سيبويه والخليل.

قال سيبويه:» زعم الخيل أنه يجوز أن تقول: «أَتيتُكَ اليوم غُدْوةً وبُكْرة» فجعلها مثل ضَحْوة، قال المهدوي: «حكى سيبويه والخليل أنَّ بعضَهم يُنَكِّر فيقول» غُدْوةً «بالتنوين، وبذلك قرأه ابن عامر، كأنه جعله نكرة، فأدخل عليها الألف واللام» وقال أبو علي الفارسي: «وجه دخول الألف واللام عليها أنه يجوز وإن كانت معرفةً أن تُنَكِّر، كما حكى أبو زيد» لقيته فَيْنَةَ « غير مصروفة» والفَيْنَةَ بعد الفينة «أي: الحين بعد الحين، فألحق لام التعريف ما استعمل معرفة، ووجه ذلك أنه يُقَدَّر فيه التنكير والشيوع كما يُقَدَّر فيه ذلك إذا بني» .

وقال أبو جعفر النحاس: «قرأ أبو عبد الرحمن ومالك بن دينار وابن عامر:» بالغُدْوة «قال:» وباب غُدْوة أن يكون معرفة إلا أنه يجوز تنكيرها كما تُنَكَّر الأسماءُ الأعلام، فإذا نُكِّرَتْ دَخَلَتْها الألف واللام للتعريف «وقال مكي بن أبي طالب:» إنما دَخَلَت الألف واللام على «غداة» لأنها نكرة، وأكثر العرب يَجْعل «غُدوة» معرفةً فلا ينوِّنها، وكلهم يجعل «غداة» نكرةً فينوِّنها، ومنهم مَنْ يجعل «غُدْوة» نكرة وهم الأقل «فثبت بهذه النقولِ التي ذكرْتُها عن هؤلاء الأئمةِ أن قراءة ابن عامر سالمةٌ من طعن أبي عبيد، وكأنه - رحمه الله - لم يحفظها لغةً.

وأما» العَشِيُّ «فنكرةٌ وكذلك» عَشِيَّة «وهل العَشِيُّ مرادِفٌ لعِشِيَّة؟ أي: إن هذا اللفظَ فيه لغتان: التذكير والتأنيث أو أن عَشِيّاً جمعُ عَشِيَّة في المعنى على حدِّ قمح وقمحة وشعير وشعيرة، فيكون اسم جنس، خلاف مشهور، والظاهر الأول لقوله تعالى: {إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بالعشي الصافنات} [ص: 31] ، إذ المرادُ هنا عشيَّة واحدة، واتفقت مصاحف الأمصار على رسم هذه اللفظة» الغدوة «بالواو وقد تقدَّم لك أن قراءة ابن عامر ليست مستندة إلى مجرد الرسم بل إلى النقل، وثَمَّ ألفاظ اتُّفِقَ ايضاً على رسمها بالواو، واتُّفق على قراءتها بالألف وهي: الصلاة والزكاة ومَنَاة ومِشْكاة والربا والنجاة والحياة، وحرفٌ اتٌّفِق على رسمه بالواو واختلف في قراءة بالألف والواو وهو» الغداة «. وأصل غداة: غَدَوَة، تحرَّكَت الواو وانفتح ما قبلها فقُلِبَتْ ألفاً. وقرأ ابن أبي عبلة» بالغَدَوات والعَشِيَّات «جمع غداة وعشية، ورُوي عن أبي عبد الرحمن أيضاً» بالغدوِّ «بتشديد الواو من غير هاء.

قوله: {يُرِيدُونَ} هذه الجملةُ في محلِّ نصب على الحال من فاعل» يَدْعون «أو مِنْ مفعلوله، والأول هو الصحيح، وفي الكلام حَذْفٌ أي: يريدون بدعائهم في هذين الوقتين وجهَه.

قوله: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} » ما «هذه يجوز أن تكونَ الحجازيةَ الناصبة للخبر فيكون» عليك «في محل النصب على أنه خبرها، عند مَنْ يُجَوِّزُ إعمالَها في الخبر المقدَّم إذا كان ظرفاً أو حرف جر، وأمَّا إذا كانت تميميةً أو متعيَّناً إهمالُه في الخبر المقدم مطلقاً كان» عليك «في محل رفع خبراً مقدماً، والمبتدأ هو» مِنْ شيء «زِيْدت فيه» مِنْ «.

وقوله: {مِنْ حِسَابِهِم} قالوا: «مِنْ» بتعيضية وهي في محلِّ نصب على الحال، وصاحبُ الحال هو «مِنْ شيء» لأنها لو تأخرت عنه لكانت صفةً له، وصفةُ النكرة متى قُدِّمَتْ انتصبت على الحال، فعلى هذا تتعلَّق بمحذوفٍ، والعامل في الحال الاستقرار في «عليك» ، ويجوز أن يكون «من شيء» في محلِّ رفعٍ بالفاعلية ورافعُه «عليك» لاعتماده على النفي، و «مِنْ حسابهم» حالٌ أيضاً من «شيء» العمل فيها الاستقرار، والتقدير: ما استقرَّ عليك شيء من حسابهم. وأُجيز أن يكون «من حسابهم» هو الخبر: إمَّا ل «ما» وإمَّا للمبتدأ، «وعليك» حال من «شيء» ، والعامل فيها الاستقرار، وعلى هذا فيجوز أن يكون «من حسابهم» هو الرافع للفاعل على ذاك الوجه، و «عليك» حال أيضاً كما تقدم تقريره، وكون «من حسابهم» هو الخبر، و «عليك» هو الحال غيرُ واضح لأنَّ مَحَطَّ الفائدة إنما هو «عليك» .

وقوله: {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِّن شَيْءٍ} كالذي قبله، إلا أنَّ هنا يمتنع بعض ما كان جائزاً هناك، وذلك أن قوله «من حسابك» لا يجوز أن يُنْصَبَ على الحال لأنه يلزمُ تقدُّمه على عامله المعنوي، وهو ضعيفٌ أو ممتنع، لا سيما وقد تقدَّمَتْ هنا على العامل فيها وعلى صاحبها، وقد تقدَّم لك أن الحال إذا كانت ظرفاً أو حرفَ جر كان تقديمُها على العامل المعنويِّ أحسنَ منه إذا لم يكن كذلك، فحينئذ لك أن تجعل قوله «مِنْ حسابك» بياناً لا حالاً ولا خبراً حتى تخرجَ من هذا المحذورِ، وكَوْنُ «مِنْ» هذه تبعيضيةً غيرُ ظاهر، وقدَّم خطابَه عليه السلام في الجملتين تشريفاً له، ولو جاءت الجملة الثانية على نَمَط الأولى لكان التركيب: «وما عليهم مِنْ حسابك من شيء» فتقدَّم المجرور ب «على» كما قَدَّمه في الأولى، لكنه عَدَل عن ذلك لما تقدم.

وفي هاتين الجملتين ما يُسَمِّيه أهل البديع: ردَّ الأعجاز على الصدور، كقولهم: «عادات السادات سادات العادات» ، ومثله في المعنى قول الشاعر:

193 - 1- وليس الذي حَلَّلْتَه بمُحَلَّلٍ ... وليس الذي حَرَّمْتَه بمُحَرَّم

وقال الزمخشري: - بعد كلامٍ قَدَّمَه في معنى التفسير - «فإن قلت أما كفى قولُه: {مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِم مِّن شَيْءٍ} حتى ضمَّ إليه {وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيءٍ} قلت: قد جُعِلَتِ الجملتان بمنزلة جملة واحدة وقُصِد بهما مُؤدَّىً واحدٌ وهو المَعْنِيُّ بقوله: {وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أخرى} [الأنعام: 164] ، ولا يَسْتَقِلُّ بهذا المعنى إلا الجملتان جميعاً كأنه قيل: لا تُؤاخَدُ أنت ولا هم بحسابِ صاحبه» .

قال الشيخ: «قوله: لا تُؤاخَذُ أنت إلى آخره» تركيبٌ غير عربي، لا يجوزُ عَوْدُ الضمير هنا غائباً ولا مخاطباً، لأنه إنْ عاد غائباً فلم يتقدَّمْ له اسمٌ مفرد غائب يعود عليه، إنما تقدَّم قوله «هم» ولا يمكن العَوْدُ عليه على اعتقادِ الاستغناء بالمفرد عن الجمع، لأنه يصير التركيب بحساب صاحبهم، وإنْ أُعيد مخاطباً فلم يتقدم مخاطب يعود عليه، إنما تقدَّم قولُه «لا تُؤاخذ أنت» ولا يمكن العَوْدُ إليه، فإنه ضميرٌ مخاطب فلا يعودُ عليه غائباً، ولو أَبْرَزْته مخاطباً لم يَصِحَّ التركيب ايضاً، فإصلاحُ التركيبِ أن يقال: «لا يُؤاخذُ كلُّ واحدٍ منك ولا منهم بحسابِ صاحبه، أو لا تؤاخذ أنت بحسابهم ولا هم بحسابك، أو لا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم» فتُغَلِّب الخطابَ على الغيبة كما تقول: «أنت وزيد تضربان» والذي يظهر أن كلامَ الزمخشري صحيحٌ، ولكنْ فيه حذفٌ وتقديره: لا يؤاخذ كل واحد: أنت ولا هم بحساب صاحبه، وتكون «انت ولا هم» بدلاً من كل واحد، والضمير، في «صاحبه» عائد على قوله «كل واحد» ، ثم إنه وقع في محذور آخر مما أَصْلَحَ به كلام أبي القاسم، وذلك أنه قال: «أولا تؤاخذ أنت ولا هم بحسابكم» وهذا التركيبُ يُحتمل أن يكونَ المرادُ - بل هو الظاهر - نفيَ المؤاخذة بحساب كل واحد بالنسبة إلى نفسه هو، لا أن كلَّ واحد غير مؤاخذ بحساب غيره، والمعنى الثاني هو المقصود.

والضمائر الثلاثة، أعني التي في قوله: {مِنْ حِسَابِهِم} و «عليهم» و «فتطردهم» الظاهر عَوْدُها على نوعٍ واحد وهم الذين يَدْعُون ربهم، وبه قال الطبري، إلا أنه فسَّر الحساب بالرزقِ الدنيويِّ. وقال الزمخشريّ وبان عطية: «إن الضميرَيْن الأوَّلَيْن يعودان على المشركين، والثالث يعود على الداعين» . قال الشيخ: «وقيل: الضميرُ في» حسابهم «و» عليهم «عائد على المشركين وتكون الجملتان اعتراضاً بين النهي وجوابه» ، وظاهر عبارته أن الجملتين لا تكونان اعتراضاً إلا على اعتقاد كون الضميرين «في حسابهم» و «عليهم» عائدَيْن على المشركين، وليس الأمرُ كذلك، بل هما اعتراضٌ بين النهي وهو «لا تَطْرُدِ» وبين جوابِه وهو فتكونَ «وإن كانت الضمائر كلها للمؤمنين، ويدل على ذلك أنه قال بعد ذلك في» فتكون «:» وجوَّزوا أن يكون جواباً للنهي في قوله {وَلاَ تَطْرُدِ} وتكون الجملتان وجوابُ الأول اعتراضاً بين النهي وجوابه «فجعلهما اعتراضاً مطلقاً من غير نظر إلى الضميرين.

ويعني بالجملتين «وما عليك من حسابهم مِنْ شيء» و «ما من حسابك عليهم من شيء» وبجواب الأول قوله {فَتَطْرُدَهُمْ} .

قوله تعالى: {فَتَطْرُدَهُمْ} فيه وجهان، أحدهما: منصوب على جواب النهي بأحد معنيين فقط، وهو انتفاءُ الطَّرْدِ لانتفاء كون حسابهم عليه وحسابه عليهم، لأنه ينتفي المُسَبِّب بانتفاء سببه، ويتوضَّح ذلك في مثال وهو «ما تأتينا فتحدِّثنا» بنصب «فتحدِّثَنا» وهو يحتمل معنيين، أحدُهما: انتفاءُ الإِتيان وانتفاء الحديث، كأنه قيل: ما يكون منك إتيانٌ فكيف يقع منك حديث؟ وهذا المعنى هو مقصود الآية الكريمة أي: ما يكون مؤاخذةٌ كلِ واحدٍ بحساب صاحبه فيكف يقع طرد؟ والمعنى الثاني: انتفاء الحديث وثبوت الإِتيان كأنه قيل: ما تأتينا مُحَدِّثاً بل تأتينا غيرَ محدِّث. وهذا المعنى لا يليق بالآية الكريمة، والعلماء - رحمهم الله - وإن أطلقوا قولهم إنه منصوبٌ على جواب النفي، فإنما يريدون المعنى الأول دون الثاني: والثاني: أن يكون منصوباً على جواب النهي.

وأما قوله «فتكونَ» ففي نصبه وجهان، أظهرهما: أنه منصوب عطفاً على «فتطردَهم» والمعنى: الإِخبار بانتفاء حسابهم، والطرد والظلم المسبب عن الطرد. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكون عطفاً على» فتطردَهم «على وجه السبب، لأنَّ كونَه ظالماً مُسَبِّبٌ عن طردهم» .

والثاني من وجهي النصب: أنه منصوب على جواب النهي في قوله: «ولا تَطْرد» ولم يذكر مكي ولا الواحدي ولا أبو البقاء غيره. قال الشيخ: «وجوَّزوا أن يكون» فتكونَ «جواباً للنهي في قوله» لا تَطْرِدِ «كقوله: {لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى الله كَذِباً فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ} [طه: 61] ، وتكون الجملتان وجوابُ الأول اعتراضاً بين النهي وجوابه» قلت: قد تقدَّم أن كونَهما اعتراضاً لا يتوقف على عَوْد الضميرين في قوله «مِنْ حسابهم» و «عليهم» على المشركين كما هو المفهوم من قوله ههنا، وإن كان كلامه قبل ذلك كما حَكَيْتُه عنه يُشْعر بذلك.

6:53Страница 134

وَكَذَٰلِكَ فَتَنَّا بَعۡضَهُم بِبَعۡضٖ لِّيَقُولُوٓاْ أَهَٰٓؤُلَآءِ مَنَّ ٱللَّهُ عَلَيۡهِم مِّنۢ بَيۡنِنَآۗ أَلَيۡسَ ٱللَّهُ بِأَعۡلَمَ بِٱلشَّٰكِرِينَ ٥٣

Так Мы искушали одних из них другими, дабы они сказали: «Неужели среди нас Аллах оказал милость только этим?». Разве Аллах не лучше знает тех, кто благодарен?

قوله تعالى: {وكذلك فَتَنَّا} : الكاف في محصل نصب على أنها نعت لمصدر محذوف والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون المتقدِّم الذي فُهم من سِياق أخبار الأمم الماضية فَتَنَّا بعضَ هذه الأمةِ ببعض، فالإِشارةُ بذلك إلى الفتون المدلول عليه بقوله: {فَتَنَّا} ولذلك قال الزمخشري: «ومِثْل ذلك الفَتْن العظيم فُتِن بعض الناس ببعض» فجعلَ الإِشارة لمصدر «فتنَّا» ، وانظر كيف لم يتلفظ هو بإسناد الفتنة إلى الله تعالى في كلامه، وإن كان الباري تعالى قد أَسْندها، بل قال: «فُتِن بعضُ الناس» فبناه للمفعول على قاعدة المعتزلة.

وجعل ابنُ عطية الإِشارةَ إلى طلب الطرد فإنه قال بعد كلام يتعلق بالتفسير: «والإِشارة بذلك إلا ما ذُكِرَ مِنْ طلبهم أنْ يطرد الضعفة» . قال الشيخ: «ولا ينتظم هذا التشبيه، إذ يصير التقدير: مثل طلب الطرف فتنَّا بعضهم [ببعض] ، والمتبادر إلى الذهن من قولك:» ضربْتُ مثل ذلك «المماثلةُ في الضرب، أي: مثل ذلك الضرب لا أن تقع المماثلة في غير الضرب، وقد تقدم غير مرة أن سيبويه يجعل مثل ذلك حالاً من ضمير المصدر المقدر.

قوله: {ليقولوا} في هذه اللام وجهان، أظهرهما: - وعليه أكثر المعربين والمفسِّرين - أنها لام كي، والتقدير: ومثل ذلك الفُتُون فَتَنَّا ليقولوا هذه المقالة ابتلاءً منا وامتحانا. والثاني: أنها لام الصيرورة أي العاقبة كقوله:

193 - 2- لِدُوا للموتِ وابنُوا للخراب ... . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

{فالتقطه آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً} [القصص: 8] ويكونُ قولهم» أهؤلاء «إلى آخره، صادراً على سبيل الاستخفاف.

قوله: {أهؤلاء} يجوز في وجهان، أظهرهما: أنه منصوب المحل على الاشتغال بفعلٍ محذوفٍ يُفَسِّره الفعل الظاهر، العامل في ضميره بوساطة» على «، ويكون المفسِّر من حيث المعنى لا من حيث اللفظ، والتقدير: أفَضَّلَ الله هؤلاء منَّ عليهم، أو اختار هؤلاء مَنَّ عليهم، ولا محلَّ لقوله: {مَنَّ الله عَلَيْهِم} لكونها مفسرة، وإنما رجَّح هنا إضمار الفعل لأنه وقع بعد أداةٍ يغلب إيلاءُ الفعلِ لها. والثاني: أنَّه مرفوع لامحل على أنه مبتدأ والخبر: مَنَّ الله عليهم، وهذا وإن كان سالماً من الإِضمار الموجود في الوجه الذي قبله، إلا أنه مرجوحٌ لما تقدم، و» عليهم «متعلِّقٌ ب» مَنَّ «.

و {مِّن بَيْنِنَآ} يجوز أن يتعلَّق به أيضاً، قال أبو البقاء:» أي: ميَّزهم علينا، ويجوز أن يكون حالاً «قال أبو البقاء أيضاً:» أي: مَنَّ عليهم منفردين، وهذان التفسيران تفسيرا معنى لا تفسيرا إعراب، إلا أنه لم يَسُقْهما إلا تفسيرَيْ إعراب، والجملة من قوله: {أهؤلاء مَنَّ الله} في محلِّ نصب بالقول.

وقوله: {بِأَعْلَمَ بالشاكرين} الفرق بين التاءين أو الأولى لا تعلُّق لها لكونها زائدةً في خبر ليس، والثانية متعلقة بأعلم، وتَعدِّي العِلْم بها لِما ضُمِّن من معنى الإِحاطة، وكثيراً ما يقع ذلك في عبارة العلماء فيقولون: عَلِم بكذا، والعِلْم بكذا، لما تقدم.

6:54Страница 134

وَإِذَا جَآءَكَ ٱلَّذِينَ يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِنَا فَقُلۡ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمۡۖ كَتَبَ رَبُّكُمۡ عَلَىٰ نَفۡسِهِ ٱلرَّحۡمَةَ أَنَّهُۥ مَنۡ عَمِلَ مِنكُمۡ سُوٓءَۢا بِجَهَٰلَةٖ ثُمَّ تَابَ مِنۢ بَعۡدِهِۦ وَأَصۡلَحَ فَأَنَّهُۥ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ٥٤

Когда к тебе приходят те, которые уверовали в Наши знамения, говори им: «Мир вам! Ваш Господь предписал себе быть Милосердным, и если кто из вас сотворит зло по своему невежеству, а затем раскается и станет совершать праведные деяния, то ведь Он - Прощающий, Милосердный».

قوله تعالى: {وَإِذَا جَآءَكَ} : «إذا» منصوب بجوابه أي: فقلْ: سَلامٌ عليكم وقتَ مجيئهم أي: أوقع هذا القول كلَّه في وقت مجيئهم إليك، وهذا معنى واضح. وقال أبو البقاء: «العامل في» إذا «معنى الجواب أي: إذا جاؤوك سلِّمْ عليهم» ولا حاجةَ تدعو إلى ذلك مع فوات قوة المعنى، لأن كونه يبلَّغهم السلام والإِخبارَ بأنه كتب على نفسه الرحمة، وأنه من عَمِل سوءاً بجهالة غفر له، لا يقوم مقامَه السَّلامُ فقط، وتقديره يُفْضي إلى ذلك.

وقوله: {سَلاَمٌ} مبتدأ وجاز الابتداء به وإن كان نكرةً لأنه دعاءٌ، والدعاء من المسوِّغات. وقال أبو البقاء: «لما فيه من معنى الفعل» وهذا ليس من مذهب جمهور البصريين إنما هو شيء نُقل عن الأخفش: أنه إذا كانت النكرة في معنى الفعل جاز الابتداء بها ورَفْعُها الفاعل وذلك نحو: قائمٌ أبواك، ونَقَل ابن مالك أن سيبويه أومأ إلى جوازه، واستدل الأخفش بقوله:

193 - 3- خبيرٌ بنو لِهْبٍ فلاتك مُلْغِياً ... مقالةَ لِهْبِيِّ إذا الطيرُ مَرَّتِ

ولا دليلَ فيه؛ لأنَّ فَعيلاً يقع بلفظ واحد للمفرد وغيره، ف «خبير» خبرٌ مقدَّمٌ، واستدلَّ له أيضاً بقول الآخر:

193 - 4- فخيرٌ نحنُ عند الناسِ منكمْ ... إذا الداعي المثوِّبُ قال يالا

فخير مبتدأ، و «نحن» فاعل سدَّ مَسَدَّ الخبر،

فإن قيل: لِمَ لا يجوز أن يكون «خير» خبراً مقدماً، «ونحن» مبتدأ مؤخر؟ قيل: لئلا يلزم الفصلُ بين أفعل و «مِنْ» بأجنبي بخلاف جَعْلِه فاعلاً، فإن الفاعلَ كالخبر بخلاف المبتدأ، وهذا القدرُ في هذا الموضع كافٍ والمسألةُ قد قرَّرتُها في غير هذا الموضوع، و «عليكم» خبرُه، و «سلام عليكم» أبلغُ من «سلاماً عليكم» . بالنصب، وقد تقرَّر هذا في أول الفاتحة عند قراءة «الحمدُ» و «الحمدَ» .

وقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ} في محل نصب بالقول لأنه كالتفسير لقوله {سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ} .

قوله {أنَّه، فأنَّه} قرأ ابن عامر وعاصم بالفتح فيهما، وابن كثير وأبو عمرو وحمزة والكسائي بالكسر فيهما، ونافع بفتح الأولى وكسر الثاينة، وهذه القاراءتُ الثلاثُ في المتواتر، والأعرج بكسر الأولى وفتح الثانية عكسَ قراءة نافع، هذه رواية الزهراوي عنه وكذا الداني. وأمَّا سيبويه فروى قراءته كقراءة نافع، فيحتمل أن يكون عن روايتان. فأمَّا القراءة الأولى فَفَتْحُ الأولى فيها مِنْ أربعة أوجه، أحدها: أنها بدل من الرحمة بدل شيء من شيء والتقدير: كتب على نفسه أنه من عمل إلى آخره، فإنَّ نفس هذه الجملِ المتضمنةِ للإِخبار بذلك رحمة. والثاني: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ، والخبر محذوف أي: عليه أنه من عمل إلى آخره.

والثالث: أنها فتحت على تقدير حذف حرف الجر، والتقدير: لأنه مَنْ عمل، فلما حُذِفت اللامُ جرى في محلها الخلاف المشهور. الرابع: أنها مفول ب «كتب» و «الرحمة» مفعول من أجله، أي: كتب أنه مَنْ عَمِل لأجل رحمته إياكم. قال الشيخ: « وينبغي أن لا يجوز لأن فيه تهيئة العامل للعمل وقَطْعَه منه» .

وأمَّا فَتْحُ الثانية فمن خمسة أوجه، أحدها: أنها في محل رفع على أنها مبتدأ والخبر محذوف أي: فغفرانُه ورحمتُه حاصلان أو كائنان، أو فعليه غفرانه ورحمته. وقد أجمع القرَّاء على فتح ما بعد فاء الجزاء في قوله: {أَلَمْ يعلموا أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ الله وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [التوبة: 63] {كُتِبَ عَلَيْهِ أَنَّهُ مَن تَوَلاَّهُ فَأَنَّهُ يُضِلُّه} [الحج: 4] كما أجمعوا على كسرها في قوله: {وَمَن يَعْصِ الله وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ} [الجن: 23] الثاني: أنها في محل رفعٍ على أنها خبر مبتدأ محذوف أي: فأمرُه أو شأنه أنه غفور رحيم. الثالث: أنها تكريرٌ للأولى كُرِّرت لمَّا طال الكلام وعُطِفت عليها بالفاء، وهذا منقولٌ عن أبي جعفر النحاس. وهذا وهمٌ فاحش لأنه يلزم منه أحد محذورين: إمَّا بقاءُ مبتدأ بلا خير أو شرط بلا جواب، وبيان ذلك أن «مِنْ» في قوله: {أَنَّهُ مَن عَمِلَ} لا تخلو: إمَّا أن تكون موصولةً أو شرطية، وعلى كلا التقديرين فهي في محل رفع بالابتداء، فلو جعلنا «أن» الثانية، معطوفة على الأولى لزم عدم خبر المبتدأ وجواب الشرط، وهو لا يجوز.

قد ذكر هذا الاعتراضَ وأجاب عنه الشيخ شهاب الدين أو شامة فقال: «ومنهم مَنْ جعل الثانيةَ تكريراً للأولى لأجل طول الكلام على حد قوله: {أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتٌّمْ وَكُنتُمْ تُرَاباً وَعِظاماً أَنَّكُمْ مُّخْرَجُونَ} [المؤمنون: 35] ودخلت الفاء في» فأنه غفورٌ «على حَدِّ دخولها في {فَلاَ تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ} [آل عمران: 188] على قول مَنْ جعله تكريراً لقولَه: {لاَ تَحْسَبَنَّ الذين يَفْرَحُونَ} [آل عمران: 188] إلا أن هذا ليس مثلَ» أيعدكم أنَّكم «؛ لأنَّ هذه لا شرطَ فيها وهذه فيها شرط، فيبقى بغير جواب. فقيل: الجواب محذوف لدلالة الكلام عليه تقديره: غفر لهم» انتهى. وفيه بُعْدٌ، وسيأتي هذا الجواب أيضاً في القراءة الثانية منقولاً عن أبي البقاء، وكان ينبغي أن يجيب به هنا لكنه لم يفعلْ، ولم يظهرْ فرقٌ في ذلك.

الرابع: أنها بدل من «أنَّ» الأولى، وهو قول الفراء والزجاج وهذا مردودٌ بشيئين، أحدهما: أنَّ البدلَ لا يَدْخُل فيه حرفُ عطف، وهذا مقترنٌ بحرفِ العطف، فامتنع أن يكون بدلاً. فإن قيل: نجعل الفاء زائدةً. فالجواب أن زيادتها غيرُ جائزة، وهي شيء قال به الأخفش، وعلى تقدير التسليم فلا يجوز ذلك من وجهٍ آخر: وهو خلوٌّ المبتدأ أو الشرط عن خبر أو جواب.

والثاني من الشيئين: خلوُّ المبتدأ أو الشرط عن الخبر أو الجواب، كما تقدَّم تقريره: فإن قيل: نجعل الجوابَ محذوفاً - كما تقدَّم نَقْلُه عن أبي شامة - قيل: هذا بعيدٌ عن الفَهْم.

الخامس: أنها مرفوعةٌ بالفاعلية، تقديره: فاستقرَّ له أنه غفورٌ أي: استقرَّ له وثَبَتَ غُفرانه، ويجوز أن نُقَدِّر في هذا الوجه جارَّاً رافعاً لهذا الفاعلِ عند الأخفش تقديره: فعليه أنه غفور، لأنه يُرْفَعُ به وإن لم يَعْتمد، وقد تقدَّم تحقيقهُ غيرَ مرَّة.

وأما القراءة الثانية: فكسْرُ الأولى من ثلاثة أوجه، أحدها: أنها مستأنفة وأن الكلام تام قبلها، وجيء بها وبما بعدها كالتفسير لقوله: {كَتَبَ رَبُّكُمْ على نَفْسِهِ الرحمة} والثاني: أنها كُسِرَتْ بعد قولٍ مقدَّر أي: قال الله ذلك، وهذا في المعنى كالذي قبله. والثالث: أنه أجرى «كتب» مُجْرى «قال» فكُسِرَتْ بعده كما تُكْسرُ بعد القول الصريح، وهذا لا يتمشَّى على أصول البصريين. وأمَّا كَسْرُ الثانية فمن وجهين، أحدهما: أنها على الاستئناف، بمعنى أنها في صدر جملة وقعت خبراً ل «مَنْ» الموصولة، أو جواباً لها إن كانت شرطاً. والثاني: أنها عطفٌ على الأولى وتكرير لها، ويُعْترض على هذا بأنه يلزم بقاءُ المبتدأ بلا خبر أو الشرط بلا جزاء، كما تقدَّم ذلك في المفتوحتين.

وأجاب أبو البقاء هنا عن ذلك بأن خبر «مَنْ» محذوفٌ دلَّ عليه الكلام، وقد قدَّمْتُ لك أنه كان ينبغي أن يُجيب بهذا الجواب في المفتوحتين عند مَنْ جعل الثانية تكريراً للأولى أو بدلاً منها، ثم قال: «ويجوزُ أن يكونَ العائدُ محذوفاً أي: فإنه غفورٌ له» قلت: قوله «ويجوز» ليس بجيدٍ، بل كان ينبغي أن يقول ويجب، لأنه لا بد من ضمير عائد على المبتدأ من الجملة الخبرية، أو ما يقوم مقامه إن لم يكنْ نفسَ المبتدأ.

وأمَّا القراءةُ الثالثة: فيؤخذُ فتحُ الأولى وكَسْرُ الثانية مما تقدَّم مِنْ كسرِها وفتحها بما يليق من ذلك، وهو ظاهر.

وأمَّا القراءة الرابعة فكذلك وقال أبو شامة: «وأجاز الزجاجُ كَسْرَ الأولى وفَتْحَ الثانية وإن لم يُقرأ به» قلت: قد قدَّمْتُ أن هذه قراءةُ الأعرج وأن الزهراوي وأبا عمرو الداني نقلاها، عنه فكأن الشيخ لم يَطِّلِعْ عليها وقَدَّمْتُ لك أيضاً أنَّ سيبويه لم يَرْوِ عن الأعرج إلا كقراءة نافع، فهذا ممَّا يصلح أن يكون عذراً للزجاج، وأما أبو شامة فإنه متأخر، فعدمُ اطِّلاعِه عجيب.

والهاء في «أنَّه» ضمير الأمر والقصة. و «مَنْ» يجوز أن تكون شرطيةً وأن تكون موصولة، وعلى كل تقدير فهي مبتدأَةٌ، والفاءُ وما بعدها في محل جزم جواباً إن كانت شرطاً، وإلاَّ ففي محلِّ رفعٍ خبراً إن كانت موصولة، والعائد محذوف أي: غفول له.

والهاء في «بعده» يجوز أن تعود على «السوء» وأن تعود على العمل المفهوم من الفعل كقوله: {اعدلوا هُوَ أَقْرَبُ} [المائدة: 8] ، والأولى أولى لأنه أصرح، و «منكم» متعلِّقٌ بمحذوف إذ هو حالٌ من فاعل «عمل» ، ويجوز أن تكون «مِنْ» للبيان فيعمل فيها «أعني» مقدراً.

وقوله {بِجَهَالَةٍ} فيه وجهان، أحدهما: أنه يتعلَّق ب «عمل» على أن الباءَ للسببيةِ أي: عملُه بسبب الجهل. وعَبَّر أبو البقاء في هذا الوجه عن ذلك بالمفعول به وليس بواضح. والثاني - وهو الظاهر - أنها للحال أي: عملُه مصاحباً للجهالة. «ومِنْ» في «مِنْ بعده» لابتداء الغاية.

Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English