Аш-Шаукани · Тафсир · на арабском
النجم
Ан-Наджм
Звезда · Мекканская · 62 аята
53:1–26Страница 526
وَٱلنَّجۡمِ إِذَا هَوَىٰ ١
Клянусь звездой, когда она падает (или частью Корана, когда она нисходит)!
مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمۡ وَمَا غَوَىٰ ٢
Не заблудился ваш товарищ и не сошел с пути.
وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلۡهَوَىٰٓ ٣
Он не говорит по прихоти.
إِنۡ هُوَ إِلَّا وَحۡيٞ يُوحَىٰ ٤
Это - всего лишь внушаемое ему откровение.
عَلَّمَهُۥ شَدِيدُ ٱلۡقُوَىٰ ٥
Научил его обладающий могучей силой
ذُو مِرَّةٖ فَٱسۡتَوَىٰ ٦
и прекрасным сложением (или благоразумием). Он вознесся (или выпрямился)
وَهُوَ بِٱلۡأُفُقِ ٱلۡأَعۡلَىٰ ٧
на наивысшем горизонте.
ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّىٰ ٨
Потом он приблизился и спустился.
فَكَانَ قَابَ قَوۡسَيۡنِ أَوۡ أَدۡنَىٰ ٩
Он находился от него (Джибрил от Мухаммада или Мухаммад от Аллаха) на расстоянии двух луков или даже ближе.
فَأَوۡحَىٰٓ إِلَىٰ عَبۡدِهِۦ مَآ أَوۡحَىٰ ١٠
Он внушил Его рабу откровение,
مَا كَذَبَ ٱلۡفُؤَادُ مَا رَأَىٰٓ ١١
и сердце не солгало о том, что он увидел.
أَفَتُمَٰرُونَهُۥ عَلَىٰ مَا يَرَىٰ ١٢
Неужели вы будете препираться с ним о том, что он увидел?
وَلَقَدۡ رَءَاهُ نَزۡلَةً أُخۡرَىٰ ١٣
Он уже видел его другое нисхождение
عِندَ سِدۡرَةِ ٱلۡمُنتَهَىٰ ١٤
у Лотоса крайнего предела,
عِندَهَا جَنَّةُ ٱلۡمَأۡوَىٰٓ ١٥
возле которого находится Сад пристанища.
إِذۡ يَغۡشَى ٱلسِّدۡرَةَ مَا يَغۡشَىٰ ١٦
Тогда Лотос покрыло то, что покрыло (золотая саранча, или группы ангелов, или повеление Аллаха).
مَا زَاغَ ٱلۡبَصَرُ وَمَا طَغَىٰ ١٧
Его же взор не уклонился в сторону и не излишествовал,
لَقَدۡ رَأَىٰ مِنۡ ءَايَٰتِ رَبِّهِ ٱلۡكُبۡرَىٰٓ ١٨
и он увидел величайшие из знамений своего Господа.
أَفَرَءَيۡتُمُ ٱللَّٰتَ وَٱلۡعُزَّىٰ ١٩
Не видели ли вы аль-Лат и аль-Уззу,
وَمَنَوٰةَ ٱلثَّالِثَةَ ٱلۡأُخۡرَىٰٓ ٢٠
и еще третью - Манат?
أَلَكُمُ ٱلذَّكَرُ وَلَهُ ٱلۡأُنثَىٰ ٢١
Неужели у вас - потомки мужского пола, а у Него - женского?
تِلۡكَ إِذٗا قِسۡمَةٞ ضِيزَىٰٓ ٢٢
Это было бы несправедливым распределением.
إِنۡ هِيَ إِلَّآ أَسۡمَآءٞ سَمَّيۡتُمُوهَآ أَنتُمۡ وَءَابَآؤُكُم مَّآ أَنزَلَ ٱللَّهُ بِهَا مِن سُلۡطَٰنٍۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَمَا تَهۡوَى ٱلۡأَنفُسُۖ وَلَقَدۡ جَآءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ ٱلۡهُدَىٰٓ ٢٣
Они - всего лишь имена, которыми нарекли их вы и ваши отцы, относительно которых Аллах не ниспослал никакого доказательства. Они следуют лишь предположениям и тому, чего желают души, хотя верное руководство от их Господа уже явилось к ним.
أَمۡ لِلۡإِنسَٰنِ مَا تَمَنَّىٰ ٢٤
Или же для человека уготовано то, чего он желает?
فَلِلَّهِ ٱلۡأٓخِرَةُ وَٱلۡأُولَىٰ ٢٥
Аллаху принадлежит Последняя жизнь и жизнь первая.
۞ وَكَم مِّن مَّلَكٖ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ لَا تُغۡنِي شَفَٰعَتُهُمۡ شَيۡـًٔا إِلَّا مِنۢ بَعۡدِ أَن يَأۡذَنَ ٱللَّهُ لِمَن يَشَآءُ وَيَرۡضَىٰٓ ٢٦
Сколько же на небесах ангелов, заступничество которых не принесет никакой пользы, пока Аллах не позволит заступиться за тех, за кого Он пожелает и кем Он доволен!
وهي مَكِّيَّةٌ جَمِيعُها في قَوْلِ الجُمْهُورِ.
ورُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةَ أنَّها مَكِّيَّةٌ إلّا آيَةً مِنها.
وهِيَ قَوْلُهُ: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبائِرَ الإثْمِ والفَواحِشَ﴾ الآيَةَ.
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: نَزَلَتْ سُورَةُ النَّجْمِ بِمَكَّةَ، وأخْرَجَ أيْضًا عَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ مِثْلَهُ.
وأخْرَجَ البُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ وغَيْرُهُما عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ أُنْزِلَتْ فِيها سَجْدَةٌ " والنَّجْمِ " فَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وسَجَدَ النّاسُ كُلُّهم، إلّا رَجُلًا رَأيْتُهُ أخَذَ كَفًّا مِن تُرابٍ فَسَجَدَ عَلَيْهِ، فَرَأيْتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ كافِرًا، وهو أُمَيَّةُ بْنُ خَلَفٍ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قالَ: «أوَّلُ سُورَةٍ اسْتَعْلَنَ بِها (p-١٤١٧)النَّبِيُّ ﷺ يَقْرَأُها: " والنَّجْمِ "»
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ، والبَيْهَقِيُّ في سُنَنِهِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قالَ: «صَلّى بِنا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَرَأ النَّجْمَ، فَسَجَدَ بِنا فَأطالَ السُّجُودَ» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ عائِشَةَ «أنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَرَأ النَّجْمَ فَلَمّا بَلَغَ السَّجْدَةَ سَجَدَ فِيها» .
وأخْرَجَ الطَّيالِسِيُّ، وابْنُ أبِي شَيْبَةَ، وأحْمَدُ، والبُخارِيُّ، ومُسْلِمٌ، وأبُو داوُدَ، والتِّرْمِذِيُّ، والنَّسائِيُّ، والطَّبَرانِيُّ، وابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثابِتٍ قالَ: «قَرَأْتُ النَّجْمَ عِنْدَ النَّبِيِّ ﷺ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيها» .
وأخْرَجَ ابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ قالَ: «كانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَسْجُدُ في " النَّجْمِ " بِمَكَّةَ، فَلَمّا هاجَرَ إلى المَدِينَةِ تَرَكَها» .
وأخْرَجَ أيْضًا عَنْهُ «أنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ لَمْ يَسْجُدْ في شَيْءٍ مِنَ المُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلى المَدِينَةِ» .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
قَوْلُهُ ﴿والنَّجْمِ إذا هَوى﴾ التَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ، والمُرادُ جِنْسُ النُّجُومِ، وبِهِ قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ، ومِنهُ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ:
؎أحْسَنُ النَّجْمِ في السَّماءِ الثُّرَيّا والثُّرَيّا في الأرْضِ زَيْنُ النِّساءِ
وقِيلَ: المُرادُ بِهِ الثُّرَيّا.
وهُوَ اسْمٌ غَلَبَ فِيها، تَقُولُ العَرَبُ النَّجْمُ وتُرِيدُ بِهِ الثُّرَيّا، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ وغَيْرُهُ، وقالَ السُّدِّيُّ: النَّجْمُ هُنا هو الزُّهَرَةُ، لِأنَّ قَوْمًا مِنَ العَرَبِ كانُوا يَعْبُدُونَها، وقِيلَ النَّجْمُ هُنا النَّبْتُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿والنَّجْمُ والشَّجَرُ يَسْجُدانِ﴾ [الرحمن: ٦] قالَهُ الأخْفَشُ.
وقِيلَ النَّجْمُ مُحَمَّدٌ ﷺ، وقِيلَ النَّجْمُ القُرْآنُ، وسُمِّيَ نَجْمًا لِكَوْنِهِ نَزَلَ مُنَجَّمًا مُفَرَّقًا، والعَرَبُ تُسَمِّي التَّفْرِيقَ تَنْجِيمًا، والمُفَرِّقَ: المُنَجِّمَ، وبِهِ قالَ مُجاهِدٌ، والفَرّاءُ وغَيْرُهُما، والأوَّلُ أوْلى.
قالَ الحَسَنُ: المُرادُ بِالنَّجْمِ النُّجُومُ إذا سَقَطَتْ يَوْمَ القِيامَةِ.
وقِيلَ المُرادُ بِها النُّجُومُ الَّتِي تُرْجَمُ بِها الشَّياطِينُ، ومَعْنى هُوِيِّهِ: سُقُوطُهُ مِن عُلْوٍ، يُقالُ هَوى النَّجْمُ يَهْوِي هُوِيًّا: إذا سَقَطَ مِن عُلْوٍ إلى سُفْلٍ، وقِيلَ غُرُوبُهُ، وقِيلَ طُلُوعُهُ، والأوَّلُ أوْلى، وبِهِ قالَ الأصْمَعِيُّ وغَيْرُهُ، ومِنهُ قَوْلُ زُهَيْرٍ:
؎تَسِيحُ بِها الأباعِرُ وهي تَهْوِي ∗∗∗ هُوِيَّ الدَّلْوِ أسْلَمَها الرِّشاءُ
ويُقالُ هَوى في السَّيْرِ: إذا مَضى، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎بَيْنَما نَحْنُ بِالبَلاكِثِ فالقا ∗∗∗ عِ سِراعًا والعِيسُ تَهْوِي هُوِيًّا
؎خَطَرَتْ خَطْرَةٌ عَلى القَلْبِ مِن ذِكْ ∗∗∗ راكِ وهْنًا فَما اسْتَطَعْتُ مُضِيّا
ومَعْنى الهُوِيِّ عَلى قَوْلِ مَن فَسَّرَ النَّجْمَ بِالقُرْآنِ: أنَّهُ نَزَلَ مِن أعْلى إلى أسْفَلَ، وأمّا عَلى قَوْلِ مَن قالَ إنَّهُ الشَّجَرُ الَّذِي لا ساقَ لَهُ، أوْ أنَّهُ مُحَمَّدٌ ﷺ فَلا يَظْهَرُ لِلْهُوِيِّ مَعْنًى صَحِيحٌ، والعامِلُ في الظَّرْفِ فِعْلُ القَسَمِ المُقَدَّرِ.
﴿ما ضَلَّ صاحِبُكم وما غَوى﴾ أيْ ما ضَلَّ مُحَمَّدٌ ﷺ عَنِ الحَقِّ والهُدى ولا عَدَلَ عَنْهُ، والغَيُّ: ضِدُّ الرُّشْدِ، أيْ ما صارَ غاوِيًا، ولا تَكَلَّمَ بِالباطِلِ، وقِيلَ ما خابَ فِيما طَلَبَ، والغَيُّ: الخَيْبَةُ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎فَمَن يَلْقَ خَيْرًا يَحْمَدِ النّاسُ أمْرَهُ ∗∗∗ ومَن يَغْوِ لا يَعْدَمْ عَلى الغَيِّ لائِمًا
وفِي قَوْلِهِ: صاحِبُكم إشارَةٌ بِأنَّهُمُ المُطَّلِعُونَ عَلى حَقِيقَةِ حالِهِ، والخِطابُ لِقُرَيْشٍ.
﴿وما يَنْطِقُ عَنِ الهَوى﴾ أيْ ما يَصْدُرُ نُطْقُهُ عَنِ الهَوى لا بِالقُرْآنِ ولا بِغَيْرِهِ، فَعَنْ عَلى بابِها.
وقالَ أبُو عُبَيْدَةَ: إنَّ عَنْ بِمَعْنى الباءِ: أيْ بِالهَوى.
قالَ قَتادَةُ: أيْ ما يَنْطِقُ بِالقِراءَةِ عَنْ هَواهُ.
﴿إنْ هو إلّا وحْيٌ يُوحى﴾ أيْ ما هو الَّذِي يَنْطِقُ بِهِ إلّا وحْيٌ مِنَ اللَّهِ يُوحِيهِ إلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: يُوحى صِفَةٌ لِ وحْيٌ تُفِيدُ الِاسْتِمْرارَ التَّجَدُّدِيَّ، وتُفِيدُ نَفْيَ المَجازِ: أيْ هو وحْيُ حَقِيقَةٍ لا لِمُجَرَّدِ التَّسْمِيَةِ.
﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ القُوى﴾ القُوى جَمْعُ قُوَّةٍ، والمَعْنى: أنَّهُ عَلَّمَهُ جِبْرِيلُ الَّذِي هو شَدِيدٌ قُواهُ هَكَذا قالَ أكْثَرُ المُفَسِّرِينَ إنَّ المُرادَ جِبْرِيلُ.
وقالَ الحَسَنُ: هو اللَّهُ عَزَّ وجَلَّ، والأوَّلُ أوْلى وهو مِن بابِ إضافَةِ الصِّفَةِ إلى المَوْصُوفِ.
﴿ذُو مِرَّةٍ فاسْتَوى﴾ المِرَّةُ: القُوَّةُ والشِّدَّةُ في الخَلْقِ، وقِيلَ ذُو صِحَّةِ جِسْمٍ وسَلامَةٍ مِنَ الآفاتِ، ومِنهُ قَوْلُ النَّبِيِّ ﷺ «لا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ، ولا لِذِي مِرَّةٍ سَوِيٍّ» .
وقِيلَ ذُو حَصافَةِ عَقْلٍ ومَتانَةِ رَأْيٍ.
قالَ قُطْرُبٌ: العَرَبُ تَقُولُ لِكُلِّ مَن هو جَزِلُ الرَّأْيِ حَصِيفُ العَقْلِ ذُو مِرَّةٍ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎قَدْ كُنْتُ قَبْلَ لِقائِكم ذا مِرَّةٍ ∗∗∗ عِنْدِي لِكُلِّ مُخاصِمٍ مِيزانُهُ
والتَّفْسِيرُ لِلْمِرَّةِ بِهَذا أوْلى، لِأنَّ القُوَّةَ والشِّدَّةَ قَدْ أفادَها قَوْلُهُ: ﴿شَدِيدُ القُوى﴾ قالَ الجَوْهَرِيُّ: المِرَّةُ إحْدى الطَّبائِعِ الأرْبَعِ، والمِرَّةُ: القُوَّةُ وشِدَّةُ العَقْلِ، والفاءُ في قَوْلِهِ: فاسْتَوى لِلْعَطْفِ عَلى عَلَّمَهُ، يَعْنِي جِبْرِيلُ: أيِ ارْتَفَعَ وعادَ إلى مَكانِهِ في السَّماءِ بَعْدَ أنْ عَلَّمَ مُحَمَّدًا ﷺ، قالَهُ سَعِيدُ بْنُ المُسَيَّبِ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ.
وقِيلَ مَعْنى اسْتَوى قامَ في صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ عَلَيْها لِأنَّهُ كانَ يَأْتِي النَّبِيَّ ﷺ في صُورَةِ الآدَمِيِّينَ، وقِيلَ: المَعْنى فاسْتَوى القُرْآنُ في صَدْرِهِ ﷺ .
وقالَ الحَسَنُ: فاسْتَوى يَعْنِي اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ عَلى العَرْشِ.
﴿وهُوَ بِالأُفُقِ الأعْلى﴾ هَذِهِ الجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ: أيْ فاسْتَوى جِبْرِيلُ حالَ كَوْنِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى، والمُرادُ بِالأُفُقِ الأعْلى: جانِبُ المَشْرِقِ، وهو فَوْقَ جانِبِ المَغْرِبِ، وقِيلَ المَعْنى: فاسْتَوى عالِيًا.
والأُفُقُ: ناحِيَةُ السَّماءِ وجَمْعُهُ آفاقٌ.
قالَ قَتادَةُ، ومُجاهِدٌ: هو المَوْضِعُ الَّذِي تَطْلُعُ (p-١٤١٨)مِنهُ الشَّمْسُ، وقِيلَ: هو يَعْنِي جِبْرِيلَ والنَّبِيَّ ﷺ بِالأُفُقِ الأعْلى لَيْلَةَ المِعْراجِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ هَذِهِ الجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ.
﴿ثُمَّ دَنا فَتَدَلّى﴾ أيْ دَنا جِبْرِيلُ بَعْدَ اسْتِوائِهِ بِالأُفُقِ الأعْلى: أيْ قَرُبَ مِنَ الأرْضِ، فَتَدَلّى فَنَزَلَ عَلى النَّبِيِّ ﷺ بِالوَحْيِ، وقِيلَ في الكَلامِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ تَدَلّى فَدَنى، قالَ ابْنُ الأنْبارِيِّ وغَيْرُهُ، قالَ الزَّجّاجُ: مَعْنى دَنا فَتَدَلّى واحِدٌ: أيْ قَرُبَ وزادَ في القُرْبِ كَما تَقُولُ فَدَنا مِنِّي فُلانٌ وقَرُبَ، ولَوْ قُلْتَ: قَرُبَ مِنِّي ودَنا جازَ.
قالَ الفَرّاءُ: الفاءُ في ﴿فَتَدَلّى﴾ بِمَعْنى الواوِ، والتَّقْدِيرُ: ثُمَّ تَدَلّى جِبْرِيلُ ودَنا.
ولَكِنَّهُ جائِزٌ إذا كانَ مَعْنى الفِعْلَيْنِ واحِدًا أنْ تُقَدِّمَ أيَّهُما شِئْتَ.
قالَ الجُمْهُورُ: والَّذِي دَنا فَتَدَلّى هو جِبْرِيلُ، وقِيلَ هو النَّبِيُّ ﷺ . المَعْنى: دَنا مِنهُ أمْرُهُ وحُكْمُهُ، والأوَّلُ أوْلى.
قِيلَ ومَن قالَ: إنَّ الَّذِي اسْتَوى هو جِبْرِيلُ ومُحَمَّدٌ، فالمَعْنى عِنْدَهُ: ثُمَّ دَنا مُحَمَّدٌ مِن رَبِّهِ دُنُوَّ كَرامَةٍ فَتَدَلّى: أيْ هَوى لِلسُّجُودِ. وبِهِ قالَ الضَّحّاكُ.
﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنى﴾ أيْ فَكانَ مِقْدارُ ما بَيْنَ جِبْرِيلَ ومُحَمَّدٍ ﷺ .
أوْ ما بَيْنَ مُحَمَّدٍ ورَبِّهِ قابَ قَوْسَيْنِ: أيْ قَدْرَ قَوْسَيْنِ عَرَبِيَّيْنِ.
والقابُ والقِيبُ، والقادُ والقِيدُ: المِقْدارُ، ذُكِرَ مَعْناهُ في الصِّحاحِ.
قالَ الزَّجّاجُ: أيْ فِيما تُقَدِّرُونَ أنْتُمْ، واللَّهُ سُبْحانَهُ عالِمٌ بِمَقادِيرِ الأشْياءِ ولَكِنَّهُ يُخاطِبُنا عَلى ما جَرَتْ بِهِ عادَةُ المُخاطَبَةِ فِيما بَيْنَنا.
وقِيلَ " أوْ " بِمَعْنى الواوِ: أيْ وأدْنى، وقِيلَ بِمَعْنى بَلْ: أيْ بَلْ أدْنى.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وعَطاءُ، وأبُو إسْحاقَ الهَمْدانِيُّ، وأبُو وائِلٍ شَقِيقُ بْنُ سَلَمَةَ ﴿فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ﴾ قَدْرَ ذِراعَيْنِ، والقَوْسُ: الذِّراعُ يُقاسُ بِها كُلُّ شَيْءٍ، وهي لُغَةُ بَعْضِ الحِجازِيِّينَ، وقِيلَ هي لُغَةُ أزْدِ شَنُوءَةَ.
وقالَ الكِسائِيُّ: فَكانَ قابَ قَوْسَيْنِ أرادَ قَوْسًا واحِدَةً.
﴿فَأوْحى إلى عَبْدِهِ ما أوْحى﴾ أيْ فَأوْحى جِبْرِيلُ إلى مُحَمَّدٍ ﷺ ما أوْحى، وفِيهِ تَفْخِيمٌ لِلْوَحْيِ الَّذِي أُوحِيَ إلَيْهِ، والوَحْيُ: إلْقاءُ الشَّيْءِ بِسُرْعَةٍ، ومِنهُ الوَحا وهو السُّرْعَةُ، والضَّمِيرُ في عَبْدِهِ يَرْجِعُ إلى اللَّهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿ما تَرَكَ عَلى ظَهْرِها مِن دابَّةٍ﴾ [فاطر: ٤٥] وقِيلَ المَعْنى: فَأوْحى اللَّهُ إلى عَبْدِهِ جِبْرِيلَ ما أوْحى، وبِالأوَّلِ قالَ الرَّبِيعُ، والحَسَنُ، وابْنُ زَيْدٍ، وقَتادَةُ.
وقِيلَ فَأوْحى اللَّهُ إلى عَبْدِهِ مُحَمَّدٍ.
قِيلَ وقَدْ أبْهَمَ اللَّهُ سُبْحانَهُ ما أوْحاهُ جِبْرِيلُ إلى مُحَمَّدٍ، أوْ ما أوْحاهُ اللَّهُ إلى عَبْدِهِ جِبْرِيلَ أوْ إلى مُحَمَّدٍ ولَمْ يُبَيِّنْهُ لَنا، فَلَيْسَ لَنا أنْ نَتَعَرَّضَ لِتَفْسِيرِهِ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: الَّذِي أوْحى إلَيْهِ هو ﴿ألَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١] إلَخْ، و﴿ألَمْ يَجِدْكَ يَتِيمًا فَآوى﴾ [الضحى: ٦] إلَخْ.
وقِيلَ أوْحى اللَّهُ إلَيْهِ: «إنَّ الجَنَّةَ حَرامٌ عَلى الأنْبِياءِ حَتّى تَدَخُلَها، وعَلى الأُمَمِ حَتّى تَدَخُلَها أُمَّتُكَ» .
وقِيلَ إنَّ " ما " لِلْعُمُومِ لا لِلْإبْهامِ، والمُرادُ كُلُّ ما أوْحى بِهِ إلَيْهِ، والحَمْلُ عَلى الإبْهامِ أوْلى لِما فِيهِ مِنَ التَّعْظِيمِ ﴿ما كَذَبَ الفُؤادُ ما رَأى﴾ أيْ ما كَذَبَ فُؤادُ مُحَمَّدٍ ﷺ ما رَآهُ بَصَرُهُ لَيْلَةَ المِعْراجِ، يُقالُ كَذَبَهُ: إذا قالَ لَهُ الكَذِبَ ولَمْ يَصْدُقْهُ.
قالَ المُبَرِّدُ: مَعْنى الآيَةِ أنَّهُ رَأى شَيْئًا فَصَدَقَ فِيهِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ما كَذَبَ﴾ مُخَفَّفًا، وقَرَأ هِشامٌ، وأبُو جَعْفَرٍ بِالتَّشْدِيدِ، و" ما " في " ما رَأى " مَوْصُولَةٌ أوْ مَصْدَرِيَّةٌ في مَحَلِّ نَصْبٍ بِكَذَبَ مُخَفَّفًا ومُشَدَّدًا.
﴿أفَتُمارُونَهُ عَلى ما يَرى﴾ .
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿أفَتُمارُونَهُ﴾ بِالألِفِ مِنَ المُماراةِ، وهي المُجادَلَةُ والمُلاحاةُ، وقَرَأ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ " أفَتَمْرُونَهُ " بِفَتْحِ التّاءِ وسُكُونِ المِيمِ: أيْ أفَتَجِدُونَهُ، واخْتارَ أبُو عُبَيْدٍ القِراءَةَ الثّانِيَةَ.
قالَ: لِأنَّهم لَمْ يُمارُوهُ وإنَّما جَحَدُوهُ، يُقالُ مَراهُ حَقَّهُ: أيْ جَحَدَهُ.
ومَرَيْتُهُ أنا: جَحَدْتُهُ.
قالَ ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎لَإنْ هَجَوْتَ أخا صِدْقٍ ومَكْرُمَةٍ ∗∗∗ لَقَدْ مَرَيْتَ أخًا ما كانَ يُمْرِيكا
أيْ جَحَدْتَهُ.
قالَ المُبَرِّدُ: يُقالُ أمْرَأهُ عَنْ حَقِّهِ وعَلى حَقِّهِ: إذا مَنَعَهُ مِنهُ ودَفَعَهُ.
وقِيلَ عَلى بِمَعْنى عَنْ.
وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ والشَّعْبِيُّ ومُجاهِدٌ، والأعْرَجُ " أفَتُمْرُونَهُ " بِضَمِّ التّاءِ مَن أمْرَيْتُ: أيْ أتُرِيبُونَهُ وتَشُكُّونَ فِيهِ.
قالَ جَماعَةٌ مِنَ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ أفَتُجادِلُونَهُ، وذَلِكَ أنَّهم جادَلُوهُ حِينَ أُسْرِيَ بِهِ فَقالُوا: صِفْ لَنا مَسْجِدَ بَيْتِ المَقْدِسِ، أيْ أفَتُجادِلُونَهُ جِدالًا تَرُومُونَ بِهِ دَفْعَهُ عَمّا شاهَدَهُ وعَلِمَهُ.
واللّامُ في قَوْلِهِ: ﴿ولَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى﴾ هي المُوطِّئَةُ لِلْقَسَمِ: أيْ واللَّهِ لَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرى، والنَّزْلَةُ المَرَّةُ مِنَ النُّزُولِ، فانْتِصابُها عَلى الظَّرْفِيَّةِ أوْ مُنْتَصِبَةٌ عَلى المَصْدَرِ الواقِعِ مَوْقِعَ الحالِ: أيْ رَأى جِبْرِيلُ نازِلًا نَزْلَةً أُخْرى، أوْ عَلى أنَّهُ صِفَةُ مَصْدَرٍ مُؤَكَّدٍ مَحْذُوفٍ: أيْ رَآهُ رُؤْيَةً أُخْرى.
قالَ جُمْهُورُ المُفَسِّرِينَ: المَعْنى أنَّهُ رَأى مُحَمَّدٌ جِبْرِيلَ مَرَّةً أُخْرى، وقِيلَ رَأى مُحَمَّدٌ رَبَّهُ مَرَّةً أُخْرى بِفُؤادِهِ.
﴿عِنْدَ سِدْرَةِ المُنْتَهى﴾ الظَّرْفُ مُنْتَصِبٌ بَرَآهُ، والسِّدْرُ هو شَجَرُ النَّبْقِ، وهَذِهِ السِّدْرَةُ هي في السَّماءِ السّادِسَةِ كَما في الصَّحِيحِ، ورُوِيَ أنَّها في السَّماءِ السّابِعَةِ.
والمُنْتَهى: مَكانُ الِانْتِهاءِ، أوْ هو مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، والمُرادُ بِهِ الِانْتِهاءُ نَفْسُهُ، قِيلَ إلَيْها يَنْتَهِي عِلْمُ الخَلائِقِ ولا يَعْلَمُ أحَدٌ مِنهم ما وراءَها، وقِيلَ يَنْتَهِي إلَيْها ما يُعْرَجُ بِهِ مِنَ الأرْضِ، وقِيلَ تَنْتَهِي إلَيْها أرْواحُ الشُّهَداءِ، وقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ.
وإضافَةُ الشَّجَرَةِ إلى المُنْتَهى مِن إضافَةِ الشَّيْءِ إلى مَكانِهِ.
﴿عِنْدَها جَنَّةُ المَأْوى﴾ أيْ عِنْدَ تِلْكَ السِّدْرَةِ جَنَّةٌ تُعْرَفُ بِجَنَّةِ المَأْوى، وسُمِّيَتْ جَنَّةَ المَأْوى لِأنَّهُ أوى إلَيْها آدَمُ، وقِيلَ إنَّها أرْواحُ المُؤْمِنِينَ تَأْوِي إلَيْها.
قَرَأ الجُمْهُورُ جَنَّةُ بِرَفْعِ جَنَّةٍ عَلى أنَّها مُبْتَدَأٌ وخَبَرُها الظَّرْفُ المُتَقَدِّمُ.
وقَرَأ عَلِيٌّ، وأبُو الدَّرْداءِ، وأبُو هُرَيْرَةَ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، وأنَسٌ، وزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ، ومُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ، ومُجاهِدٌ، وأبُو سَبْرَةَ الجُهَنِيُّ " جَنَّهُ " فِعْلًا ماضِيًا مِن جَنَّ يَجِنُّ: أيْ ضَمَّهُ المَبِيتُ، أوْ سَتَرَهُ إيواءُ اللَّهِ لَهُ.
قالَ الأخْفَشُ: أدْرَكَهُ. كَما تَقُولُ جَنَّهُ اللَّيْلُ أيْ سَتَرَهُ وأدْرَكَهُ، والجُمْلَةُ في مَحَلِّ نَصْبٍ عَلى الحالِ.
﴿إذْ يَغْشى السِّدْرَةَ ما يَغْشى﴾ العامِلُ في الظَّرْفِ رَآهُ أيْضًا، وهو ظَرْفُ زَمانٍ، والَّذِي قَبْلَهُ ظَرْفُ مَكانٍ، والغَشَيانُ بِمَعْنى التَّغْطِيَةِ والسَّتْرِ، وبِمَعْنى الإتْيانِ يُقالُ: فُلانٌ يَغْشانِي كُلَّ حِينٍ: أيْ يَأْتِينِي، وفي الإبْهامِ في قَوْلِهِ: ﴿ما يَغْشى﴾ مِنَ التَّفْخِيمِ ما لا يَخْفى، وقِيلَ يَغْشاها جَرادٌ مِن ذَهَبٍ، وقِيلَ طَوائِفُ مِنَ المَلائِكَةِ.
وقالَ مُجاهِدٌ: رَفْرَفٌ أخْضَرُ، وقِيلَ رَفْرَفٌ مِن طُيُورٍ خُضْرٍ، وقِيلَ غَشِيَها أمْرُ اللَّهِ، والمَجِيءُ بِالمُضارِعِ لِحِكايَةِ الحالِ الماضِيَةِ اسْتِحْضارًا (p-١٤١٩)لِلصُّورَةِ البَدِيعَةِ، أوْ لِلدَّلالَةِ عَلى الِاسْتِمْرارِ التَّجَدُّدِيِّ.
﴿ما زاغَ البَصَرُ﴾ أيْ ما مالَ بَصَرُ النَّبِيِّ ﷺ عَمّا رَآهُ ﴿وما طَغى﴾ أيْ ما جاوَزَ ما رَأى، وفي هَذا وصْفُ أدَبِ النَّبِيِّ ﷺ في ذَلِكَ المَقامِ حَيْثُ لَمْ يَلْتَفِتْ، ولَمْ يَمِلْ بَصَرُهُ، ولَمْ يَمُدَّهُ إلى غَيْرِ ما رَأى، وقِيلَ ما جاوَزَ ما أُمِرَ بِهِ.
﴿لَقَدْ رَأى مِن آياتِ رَبِّهِ الكُبْرى﴾ أيْ واللَّهِ لَقَدْ رَأى تِلْكَ اللَّيْلَةَ مِن آياتِ رَبِّهِ العِظامِ ما لا يُحِيطُ بِهِ الوَصْفُ، قِيلَ رَأى رَفْرَفًا سَدَّ الأُفُقَ، وقِيلَ رَأى جِبْرِيلَ في حُلَّةٍ خَضْراءَ قَدْ مَلَأ ما بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ لَهُ سِتُّمِائَةِ جَناحٍ، كَذا في صَحِيح مُسْلِمٍ وغَيْرِهِ، وقالَ الضَّحّاكُ: رَأى سِدْرَةَ المُنْتَهى، وقِيلَ هو كُلُّ ما رَآهُ تِلْكَ اللَّيْلَةَ في مَسْراهُ وعَوْدِهِ، و" مِن " لِلتَّبْعِيضِ ومَفْعُولُ " رَأى " الكُبْرى، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَفْعُولُ مَحْذُوفًا أيْ رَأى شَيْئًا عَظِيمًا مِن آياتِ رَبِّهِ، ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ " مِن " زائِدَةً.
﴿أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ لَمّا قَصَّ اللَّهُ سُبْحانَهُ هَذِهِ الأقاصِيصَ قالَ لِلْمُشْرِكِينَ: مُوَبِّخًا لَهم ومُقَرِّعًا أفَرَأيْتُمْ أيْ أخْبِرُونِي عَنِ الآلِهَةِ الَّتِي تَعْبُدُونَها مِن دُونِ اللَّهِ هَلْ لَها قُدْرَةٌ تُوصَفُ بِها، وهَلْ أوْحَتْ إلَيْكم شَيْئًا كَما أوْحى اللَّهُ إلى مُحَمَّدٍ، أمْ هي جَماداتٌ لا تَعْقِلُ ولا تَنْفَعُ.
ثُمَّ ذَكَرَ هَذِهِ الأصْنامَ الثَّلاثَةَ الَّتِي اشْتُهِرَتْ في العَرَبِ وعَظُمَ اعْتِقادُهم فِيها.
قالَ الواحِدِيُّ وغَيْرُهُ: وكانُوا يَشْتَقُّونَ لَها أسْماءً مِن أسْماءِ اللَّهِ تَعالى، فَقالُوا مِنَ اللَّهِ: اللّاتَ، ومِنَ العَزِيزِ: العُزّى، وهي تَأْنِيثُ الأعَزِّ بِمَعْنى العَزِيزَةِ، ومَناةَ: مِن مَنى اللَّهُ الشَّيْءَ إذا قَدَّرَهُ.
قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿اللّاتَ﴾ بِتَخْفِيفِ التّاءِ، فَقِيلَ هو مَأْخُوذٌ مِنِ اسْمِ اللَّهِ سُبْحانَهُ كَما تَقَدَّمَ وقِيلَ أصْلُهُ لاتَ يَلِيتُ، فالتّاءُ أصْلِيَّةٌ، وقِيلَ هي زائِدَةٌ وأصْلُهُ لَوى يَلْوِي لِأنَّهم كانُوا يَلْوُونَ أعْناقَهم إلَيْها أوْ يَلْتَوُونَ عَلَيْها ويَطُوفُونَ بِها.
واخْتَلَفَ القُرّاءُ هَلْ يُوقَفُ عَلَيْها بِالتّاءِ أوْ بِالهاءِ ؟ فَوَقَفَ عَلَيْها الجُمْهُورُ بِالتّاءِ ووَقَفَ عَلَيْها الكِسائِيُّ بِالهاءِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ، والفَرّاءُ الوَقْفَ بِالتّاءِ لِاتِّباعِ رَسْمِ المُصْحَفِ فَإنَّها تُكْتَبُ بِالتّاءِ.
وقَرَأ ابْنُ عَبّاسٍ، وابْنُ الزُّبَيْرِ، ومُجاهِدٌ، ومَنصُورُ بْنُ المُعْتَمِرِ، وأبُو الجَوْزاءِ، وأبُو صالِحٍ، وحُمَيْدٌ " اللّاتَّ " بِتَشْدِيدِ التّاءِ، ورُوِيَتْ هَذِهِ القِراءَةُ عَنِ ابْنِ كَثِيرٍ، فَقِيلَ هو اسْمُ رَجُلٍ كانَ يَلِتُّ السَّوِيقَ ويُطْعِمُهُ الحاجَّ، فَلَمّا ماتَ عَكَفُوا عَلى قَبْرِهِ يَعْبُدُونَهُ، فَهو اسْمُ فاعِلٍ في الأصْلِ غَلَبَ عَلى هَذا الرَّجُلِ. قالَ مُجاهِدٌ: كانَ رَجُلًا في رَأْسِ جَبَلٍ يَتَّخِذُ مِن لَبَنِها وسَمْنِها حَيْسًا ويُطَعِمُ الحاجَّ، وكانَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ، فَلَمّا ماتَ عَبَدُوهُ.
وقالَ الكَلْبِيُّ: كانَ رَجُلًا مِن ثَقِيفٍ لَهُ صِرْمَةُ غَنَمٍ، وقِيلَ إنَّهُ عامِرُ بْنُ الظَّرَبِ العُدْوانِيُّ، وكانَ هَذا الصَّنَمُ لِثَقِيفٍ، وفِيهِ يَقُولُ الشّاعِرُ:
؎لا تَنْصُرُوا اللّاتَ إنَّ اللَّهَ مُهْلِكُها ∗∗∗ وكَيْفَ يَنْصُرُكم مَن لَيْسَ يَنْتَصِرُ
قالَ في الصِّحاحِ: واللّاتُ اسْمُ صَنَمٍ لِثَقِيفٍ، وكانَ بِالطّائِفِ. وبَعْضُ العَرَبِ يَقِفُ عَلَيْها بِالتّاءِ، وبَعْضُهم بِالهاءِ.
﴿والعُزّى﴾ صَنَمُ قُرَيْشٍ وبَنِي كِنانَةَ.
قالَ مُجاهِدٌ: هي شَجَرَةٌ كانَتْ بِغَطَفانَ، وكانُوا يَعْبُدُونَها، فَبَعَثَ إلَيْها النَّبِيُّ ﷺ خالِدَ بْنَ الوَلِيدِ فَقَطَعَها، وقِيلَ كانَتْ شَيْطانَةٌ تَأْتِي ثَلاثَ سَمُراتٍ بِبَطْنِ نَخْلَةَ.
وقالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: العُزّى حَجَرٌ أبْيَضٌ كانُوا يَعْبُدُونَهُ.
وقالَ قَتادَةُ: هي بَيْتٌ كانَ بِبَطْنِ نَخْلَةَ ﴿ومَناةَ﴾ صَنَمُ بَنِي هِلالٍ، وقالَ ابْنُ هِشامٍ: صَنَمُ هُذَيْلٍ وخُزاعَةَ.
وقالَ قَتادَةُ: كانَتْ لِلْأنْصارِ.
قَرَأ الجُمْهُورُ مَناةَ بِألِفٍ مِن دُونِ هَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ، وحُمَيْدٌ، ومُجاهِدٌ، والسُّلَمِيُّ بِالمَدِّ والهَمْزِ.
فَأمّا قِراءَةُ الجُمْهُورِ فاشْتِقاقُها مِن مَنى يَمْنى.
أيْ صَبَّ، لِأنَّ دِماءَ النَّسائِكِ كانَتْ تُصَبُّ عِنْدَها يَتَقَرَّبُونَ بِذَلِكَ إلَيْها.
وأمّا عَلى القِراءَةِ الثّانِيَةِ فاشْتِقاقُها مِنَ النَّوْءِ، وهو المَطَرُ لِأنَّهم كانُوا يَسْتَمْطِرُونَ عِنْدَها الأنْواءَ، وقِيلَ هُما لُغَتانِ لِلْعَرَبِ، ومِمّا جاءَ عَلى القِراءَةِ الأُولى قَوْلُ جَرِيرٍ:
؎أزَيْدَ مَناةَ تُوعِدُ يا ابْنَ تَيْمٍ ∗∗∗ تَأمَّلْ أيْنَ تاهَ بِكَ الوَعِيدُ
ومِمّا جاءَ عَلى القِراءَةِ الأُخْرى قَوْلُ الحارِثِيِّ:
؎ألا هَلْ أتى التَّيْمُ بْنُ عَبْدِ مُناءَةٍ ∗∗∗ عَلى السِّرِّ فِيما بَيْنَنا ابْنُ تَمِيمِ
وقَفَ جُمْهُورُ القُرّاءِ عَلَيْها بِالتّاءِ اتَّباعًا لِرَسْمِ المُصْحَفِ، ووَقَفَ ابْنُ كَثِيرٍ، وابْنُ مُحَيْصِنٍ عَلَيْها بِالهاءِ.
قالَ في الصِّحاحِ: ومَناةُ اسْمُ صَنَمٍ كانَ بَيْنَ مَكَّةَ والمَدِينَةَ، والهاءُ لِلتَّأْنِيثِ ويُسْكَتُ عَلَيْها بِالتّاءِ، وهي لُغَةٌ.
قَوْلُهُ: ﴿الثّالِثَةَ الأُخْرى﴾ هَذا وصْفٌ لِمَناةَ، وصَفَها بِأنَّها ثالِثَةٌ وبِأنَّها أُخْرى، والثّالِثَةُ لا تَكُونُ إلّا أُخْرى.
قالَ أبُو البَقاءِ: فالوَصْفُ بِالأُخْرى لِلتَّأْكِيدِ وقَدِ اسْتَشْكَلَ وصْفُ الثّالِثَةِ بِالأُخْرى، والعَرَبُ إنَّما تَصِفُ بِهِ الثّانِيَةَ، فَقالَ الخَلِيلُ: إنَّما قالَ ذَلِكَ لِوِفاقِ رُؤُوسِ الآيَةِ كَقَوْلِهِ: ﴿مَآرِبُ أُخْرى﴾ [طه: ١٨] وقالَ الحُسَيْنُ بْنُ الفَضْلِ: فِيهِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، والتَّقْدِيرُ: أفَرَأيْتُمُ اللّاتَ والعُزّى الأُخْرى ومَناةَ الثّالِثَةَ.
وقِيلَ إنَّ وصْفَها بِالأُخْرى لِقَصْدِ التَّعْظِيمِ لِأنَّها كانَتْ عِنْدَ المُشْرِكِينَ عَظِيمَةٌ، وقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لِلتَّحْقِيرِ والذَّمِّ، وإنَّ المُرادَ المُتَأخِّرَةُ الوَضِيعَةُ كَما في قَوْلِهِ: ﴿قالَتْ أُخْراهم لِأُولاهُمْ﴾ [الأعراف: ٣٨] أيْ وُضَعاؤُهم لِرُؤَسائِهِمْ.
ثُمَّ كَرَّرَ سُبْحانَهُ تَوْبِيخَهم وتَقْرِيعَهم بِمَقالَةٍ شَنْعاءَ قالُوها فَقالَ: ﴿ألَكُمُ الذَّكَرُ ولَهُ الأُنْثى﴾ أيْ كَيْفَ تَجْعَلُونَ لِلَّهِ ما تَكْرَهُونَ مِنَ الإناثِ وتَجْعَلُونَ لِأنْفُسِكم ما تُحِبُّونَ مِنَ الذُّكُورِ، قِيلَ وذَلِكَ قَوْلُهم: إنَّ المَلائِكَةَ بَناتُ اللَّهِ، وقِيلَ المُرادُ كَيْفَ تَجْعَلُونَ اللّاتَ والعُزّى ومَناةَ وهي إناثٌ في زَعْمِكم شُرَكاءَ لِلَّهِ، ومِن شَأْنِهِمْ أنْ يَحْتَقِرُوا الإناثَ.
ثُمَّ ذَكَرَ سُبْحانَهُ أنَّ هَذِهِ التَّسْمِيَةَ والقِسْمَةَ المَفْهُومَةَ مِنَ الِاسْتِفْهامِ قِسْمَةٌ جائِرَةٌ فَقالَ: ﴿تِلْكَ إذًا قِسْمَةٌ ضِيزى﴾ قَرَأ الجُمْهُورُ ﴿ضِيزى﴾ بِياءٍ ساكِنَةٍ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ، وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ بِهَمْزَةٍ ساكِنَةٍ، والمَعْنى: أنَّها قِسْمَةٌ خارِجَةٌ عَنِ الصَّوابِ جائِرَةٌ عَنِ العَدْلِ مائِلَةٌ عَنِ الحَقِّ.
قالَ الأخْفَشُ: يُقالُ ضازَ في الحُكْمِ: أيْ جارَ، وضازَهُ حَقَّهُ يَضِيزُهُ ضَيْزًا: أيْ نَقَصَهُ وبَخَسَهُ، قالَ: وقَدْ يُهْمَزُ، وأنْشَدَ:
؎فَإنْ تَنْأ عَنّا نَنْتَقِصْكَ وإنْ تَغِبْ ∗∗∗ فَحَقُّكَ مَضْئُوزٌ وأنْفُكَ راغِمُ
وقالَ الكِسائِيُّ: ضازَ يَضِيزُ ضَيْزًا، وضازَ يَضُوزُ ضَوْزًا: إذا تَعَدّى وظَلَمَ وبَخَسَ وانْتَقَصَ، ومِنهُ قَوْلُ الشّاعِرِ:
؎ضازَتْ بَنُو أسَدٍ بِحُكْمِهِمُ ∗∗∗ إذْ يَجْعَلُونَ الرَّأْسَ كالذَّنَبِ
(p-١٤٢٠)قالَ الفَرّاءُ: وبَعْضُ العَرَبِ يَقُولُ: ضِئْزى بِالهَمْزِ، وحَكى أبُو حاتِمٍ عَنْ أبِي زَيْدٍ أنَّهُ سَمِعَ العَرَبَ تَهْمِزُ ضِيزى، قالَ البَغَوِيُّ: لَيْسَ في كَلامِ العَرَبِ فِعْلى بِكَسْرِ الفاءِ في النُّعُوتِ إنَّما تَكُونُ في الأسْماءِ مِثْلَ ذِكْرى.
قالَ المُؤَرِّجُ: كَرِهُوا ضَمَّ الضّادِ في ضِيزى وخافُوا انْقِلابَ الياءِ واوًا وهي مِن بَناتِ الواوِ، فَكَسَرُوا الضّادَ لِهَذِهِ العِلَّةِ كَما قالُوا في جَمْعِ أبْيَضَ بِيضٌ، وكَذا قالَ الزَّجّاجُ.
وقِيلَ هي مَصْدَرٌ كَذِكْرى، فَيَكُونُ المَعْنى: قِسْمَةٌ ذاتُ جَوْرٍ وظُلْمٍ.
ثُمَّ رَدَّ سُبْحانَهُ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ هي إلّا أسْماءٌ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم﴾ أيْ ما الأوْثانُ أوِ الأصْنامُ بِاعْتِبارِ ما تَدَّعُونَهُ مِن كَوْنِها آلِهَةً إلّا أسْماءٌ مَحْضَةٌ، لَيْسَ فِيها شَيْءٌ مِن مَعْنى الأُلُوهِيَّةِ الَّتِي تَدَّعُونَها، لِأنَّها لا تُبْصِرُ ولا تَسْمَعُ ولا تَعْقِلُ ولا تَفْهَمُ ولا تَضُرُّ ولا تَنْفَعُ، فَلَيْسَتْ إلّا مُجَرَّدَ أسْماءٍ سَمَّيْتُمُوها أنْتُمْ وآباؤُكم، قَلَّدَ الآخِرُ فِيها الأوَّلَ، وتَبِعَ في ذَلِكَ الأبْناءُ الآباءَ.
وفِي هَذا مِنَ التَّحْقِيرِ لِشَأْنِها ما لا يَخْفى كَما تَقُولُ في تَحْقِيرِ رَجُلٍ: ما هو إلّا اسْمٌ إذا لَمْ يَكُنْ مُشْتَمِلًا عَلى صِفَةٍ مُعْتَبَرَةٍ، ومِثْلُ هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ما تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إلّا أسْماءً سَمَّيْتُمُوها﴾ [يوسف: ٤٠] يُقالُ: سَمَّيْتُهُ زَيْدًا وسَمَّيْتُهُ بِزَيْدٍ، فَقَوْلُهُ سَمَّيْتُمُوها صِفَةٌ لِأصْنامٍ، والضَّمِيرُ يَرْجِعُ إلى الأسْماءِ لا إلى الأصْنامِ: أيْ جَعَلْتُمُوها أسْماءً لا جَعَلْتُمْ لَها أسْماءً.
وقِيلَ إنَّ قَوْلَهُ هي راجِعٌ إلى الأسْماءِ الثَّلاثَةِ المَذْكُورَةِ، والأوَّلُ أوْلى ما أنْزَلَ اللَّهُ بِها مِن سُلْطانٍ أيْ ما أنْزَلَ بِها مِن حُجَّةٍ ولا بُرْهانٍ.
Текст: Quranic Universal Library (Tarteel) через spa5k/tafsir_api (MIT), в зафиксированной версии. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии