Ат-ТабариАль‑Анфаль · 8:25–27

Ат-Табари · Тафсир · на арабском

Аль-Анфаль 8:25–27

8:25Страница 179

وَٱتَّقُواْ فِتۡنَةٗ لَّا تُصِيبَنَّ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمۡ خَآصَّةٗۖ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّ ٱللَّهَ شَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٢٥

Бойтесь искушения, которое поразит не только тех из вас, кто был несправедлив. И знайте, что Аллах суров в наказании.

القول في تأويل قوله : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (25)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين به وبرسوله: " اتقوا "، أيها المؤمنون= " فتنة ", يقول: اختبارًا من الله يختبركم, وبلاء يبتليكم (64) = " لا تصيبن "، هذه الفتنة التي حذرتكموها (65) " الذين ظلموا ", وهم الذين فعلوا ما ليس لهم فعله, إما أجْرام أصابوها، وذنوب بينهم وبين الله ركبوها. يحذرهم جل ثناؤه أن يركبوا له معصية، أو يأتوا مأثمًا يستحقون بذلك منه عقوبة. (66)

* * *

وقيل: إن هذه الآية نـزلت في قوم من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهم الذين عُنوا بها.

* ذكر من قال ذلك:

15903- حدثنا محمد بن المثنى قال، حدثنا محمد بن إبراهيم قال، حدثنا الحسن بن أبي جعفر قال، حدثنا داود بن أبي هند, عن الحسن في قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال: نـزلت في علي، وعثمان، وطلحة، والزبير, رحمة الله عليهم.

15904- حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال قتادة: قال الزبير بن العوام: لقد نـزلت وما نرى أحدًا منا يقع بها. ثم خُلِّفْنا في إصابتنا خاصة. (67)

15905 - حدثني المثنى قال، حدثنا زيد بن عوف أبو ربيعة قال، حدثنا حماد, عن حميد, عن الحسن: أن الزبير بن العوام قال: نـزلت هذه الآية: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، وما نظننا أهلها, ونحن عُنِينا بها. (68)

15906 - . . . . قال، حدثنا قبيصة, عن سفيان, عن الصلت بن دينار, عن ابن صبهان قال: سمعت الزبير بن العوام يقول: قرأت هذه الآية زمانًا، وما أرانا من أهلها, فإذا نحن المعنيون بها: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب). (69)

15907- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) ، قال: هذه نـزلت في أهل بدر خاصة, وأصابتهم يوم الجمل، فاقتتلوا.

15908- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن ابن أبي خالد, عن السدي: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة واعلموا أن الله شديد العقاب)، قال: أصحاب الجمل.

15909- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثنا معاوية, عن علي, عن ابن عباس: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال: أمر الله المؤمنين أن لا يقرُّوا المنكر بين أظهرهم، فيعمَّهم الله بالعذاب.

15910- . . . . قال، حدثنا أبو حذيفة قال، حدثنا شبل, عن ابن أبي نجيح, عن مجاهد: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال: هى أيضًا لكم.

15911- حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد في قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال: " الفتنة "، الضلالة.

15912- حدثنا ابن وكيع قال، حدثنا أبي, عن المسعودي, عن القاسم قال: قال عبد الله: ما منكم من أحد إلا وهو مشتمل على فتنة, إن الله يقول: أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ [سورة الأنفال: 28]، فليستعذ بالله من مُضِلات الفتن. (70)

15913- حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا مبارك بن فضالة, عن الحسن قال: قال الزبير: لقد خُوِّفنا بها= يعني قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة) .

* * *

واختلف أهل العربية في تأويل ذلك.

فقال بعض نحويي البصرة: (اتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا)، قوله: " لا تصيبن ", ليس بجواب, ولكنه نهي بعد أمر, ولو كان جوابًا ما دخلت " النون ".

* * *

وقال بعض نحويي الكوفة قوله: (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا)، أمرهم ثم نهاهم. وفيه طرَفٌ من الجزاء، (71) وإن كان نهيًا. قال: ومثله قوله: يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ ، [سورة النمل: 18]، أمرهم ثم نهاهم, وفيه تأويل الجزاء. (72)

وكأن معنى الكلام عنده: اتقوا فتنة، إن لم تتقوها أصابتكم.

* * *

وأما قوله: (واعلموا أن الله شديد العقاب)، فإنه تحذير من الله، ووعيد لمن واقع الفتنة التي حذره إياها بقوله: (واتقوا فتنة) , يقول: اعلموا، أيها المؤمنون، أن ربكم شديد عقابه لمن افتُتن بظلم نفسه، وخالف أمره, فأثم به. (73)

------------------------

الهوامش:

(64) انظر تفسير " الفتنة " فيما سلف ص : 151 ، تعليق : 1 ، والمراجع هناك .

(65) انظر تفسير " الإصابة " فيما سلف 2 : 96 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(66) انظر تفسير " الخصوص " فيما سلف 2 : 471 6 : 517 .

(67) في المطبوعة : " ثم خصتنا في إصابتنا خاصة " ، وأثبت ما في المخطوطة ، وهو فيها غير منقوط ، وظننت أن صواب نقطها ما أثبت . يعني : أنهم بقوا بعد الذين مضوا ، فإذا هي في إصابتهم خاصة .

(68) الأثر : 15905 - " زيد بن عوف القطعي " ، " أبو ربيعة " . ولقبه " فهد " ، متكلم فيه ، ضعيف ، مضى برقم : 5623 ، 14215 ، 14218 .

(69) الأثر : 15906 - " الصلت بن دينار الأزدي " " أبو شعيب " ، " المجنون " . متروك لا يحتج بحديثه . مترجم في التهذيب . والكبير 2 / 2 / 305 ، وابن أبي حاتم 2 / 1 / 437 . وميزان الاعتدال 1: 468 .

وابن صهبان" هو "عقبة بن صهبان الحداني الأزدي " تابعي ثقة ، مترجم في التهذيب ، وابن أبي حاتم 113/ 312 ، ولم أجدهم ذكروا له رواية عن الزبير بن العوام ، ولكنه روى عن عثمان ، وعياض بن حمار ، وعبد الله بن مغفل ، وأبي بكرة الثقفي وعائشة .

(70) الأثر : 15912 - انظر الأثر التالي رقم : 15934 ، ونصه : " فمن استعاذ منكم ، فليستعذ ... " ، وكأنه الصواب .

(71) في المطبوعة : " ومنكم ظرف من الجزاء " ، فجاء الناشر بكلام غث لا معنى له وفي المخطوطة : " ومنه طرف " ، وصواب قراءته ما أثبت ، مطابقًا لما في معاني القرآن للفراء .

(72) هذه مقالة الفراء في معاني القرآن 1 : 407 .

(73) انظر تفسير " شديد العقاب " فيما سلف من فهارس اللغة ( شدد ) ، ( عقب ) .

8:26Страница 180

وَٱذۡكُرُوٓاْ إِذۡ أَنتُمۡ قَلِيلٞ مُّسۡتَضۡعَفُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ تَخَافُونَ أَن يَتَخَطَّفَكُمُ ٱلنَّاسُ فَـَٔاوَىٰكُمۡ وَأَيَّدَكُم بِنَصۡرِهِۦ وَرَزَقَكُم مِّنَ ٱلطَّيِّبَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٢٦

Помните, что вы были малочисленны и считались слабыми на земле. Вы опасались, что люди схватят вас, но Он дал вам убежище, подкрепил вас Своей помощью и наделил вас благами, чтобы вы были благодарны.

القول في تأويل قوله : وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (26)

قال أبو جعفر: وهذا تذكيرٌ من الله عز وجل أصحابَ رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومناصحة. يقول: أطيعوا الله ورسوله، أيها المؤمنون, واستجيبوا له إذا دعاكم لما يحييكم، ولا تخالفوا أمرَه وإن أمركم بما فيه عليكم المشقة والشدة, فإن الله يهوِّنه عليكم بطاعتكم إياه، ويعجِّل لكم منه ما تحبون, كما فعل بكم إذ آمنتم به واتبعتموه وأنتم قليلٌ يستضعفكم الكفار فيفتنونكم عن دينكم، (1) وينالونكم بالمكروه في أنفسكم وأعراضكم، (2) تخافون منهم أن يتخطفوكم فيقتلوكم ويصطلموا جميعكم (3) =(فآواكم)، يقول: فجعل لكم مأوى تأوون إليه منهم (4) =(وأيدكم بنصره)، يقول: وقواكم بنصره عليهم حتى قتلتم منهم من قتلتم ببدر (5) =(ورزقكم من الطيبات)، يقول: وأطعمكم غنيمتهم حلالا طيبًا (6) =(لعلكم تشكرون)، يقول: لكي تشكروه على ما رزقكم وأنعم به عليكم من ذلك وغيره من نعمه عندكم. (7)

* * *

واختلف أهل التأويل في " الناس " الذين عنوا بقوله: (أن يتخطفكم الناس).

فقال بعضهم: كفار قريش.

* ذكر من قال ذلك.

15914- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)، قال: يعني بمكة، مع النبي صلى الله عليه وسلم ومن تبعه من قريش وحلفائها ومواليها قبل الهجرة.

15915- حدثنا ابن عبد الأعلى قال، حدثنا محمد بن ثور, عن معمر, عن الكلبي= أو قتادة أو كلاهما (8) =(واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون) أنها نـزلت في يوم بدر, كانوا يومئذ يخافون أن يتخطفهم الناس, فآواهم الله وأيدهم بنصره.

15916- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق, عن معمر, عن قتادة, بنحوه.

* * *

وقال آخرون: بل عُني به غيرُ قريش.

* ذكر من قال ذلك.

15917- حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الرزاق قال، أخبرني أبي قال، سمعت وهب بن منبه يقول في قوله عز وجل: (تخافون أن يتخطفكم الناس)، قال: فارس.

15918- . . . . قال ، حدثنا إسحاق قال، حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم قال، حدثني عبد الصمد: أنه سمع وهب بن منبه يقول, وقرأ: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض تخافون أن يتخطفكم الناس)، و " الناس " إذ ذاك، فارس والروم.

15919- . . . . قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد, عن قتادة قوله: (واذكروا إذ أنتم قليل مستضعفون في الأرض)، قال: كان هذا الحي من العرب أذلَّ الناس ذلا وأشقاهُ عيشًا, وأجوعَه بطونًا, (9) وأعراه جلودًا, وأبينَه ضلالا [مكعومين، على رأس حجر، بين الأسدين فارس والروم، ولا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه]. (10) من عاش منهم عاش شقيًّا, ومن مات منهم رُدِّي في النار, يوكلون ولا يأكلون, والله ما نعلم قبيلا من حاضر أهل الأرض يومئذ كانوا أشرَّ منهم منـزلا (11) حتى جاء الله بالإسلام, فمكن به في البلاد, ووسَّع به في الرزق, وجعلكم به ملوكًا على رقاب الناس. فبالإسلام أعطى الله ما رأيتم, فاشكروا الله على نعمه, فإن ربكم منعمٌ يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله تبارك وتعالى. (12)

* * *

قال أبو جعفر: وأولى القولين في ذلك عندي بالصواب, قولُ من قال: " عُني بذلك مشركو قريش "، لأن المسلمين لم يكونوا يخافون على أنفسهم قبل الهجرة من غيرهم, لأنهم كانوا أدنى الكفار منهم إليهم, وأشدَّهم عليهم يومئذ، مع كثرة عددهم، وقلة عدد المسلمين.

* * *

وأما قوله: (فآواكم)، فإنه يعني: آواكم المدينة,

وكذلك قوله: (وأيدكم بنصره)، بالأنصار.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15920- حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: (فآواكم)، قال: إلى الأنصار بالمدينة=(وأيدكم بنصره)، وهؤلاء أصحابُ محمد صلى الله عليه وسلم، أيدهم بنصره يوم بدر.

15921- حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني حجاج, عن ابن جريج, عن عكرمة: (فآواكم وأيدكم بنصره ورزقكم من الطيبات)، يعني بالمدينة.

---------------------

الهوامش :

(1) انظر تفسير " القليل " فيما سلف 1 : 329 8 : 439 ، 577 9 : 331 .

(2) انظر تفسير " المستضعف " فيما سلف 12 : 542 13 : 76 ، 131 .

(3) انظر تفسير " الخطف " فيما سلف 1 : 357 .

(4) وانظر تفسير " المأوى " فيما سلف ص : 441 ، تعليق : 3 ، والمراجع هناك .

(5) انظر تفسير " أيد " فيما سلف 2 : 319 ، 320 5 : 379 6 : 242 11 : 213 ، 214 .

(6) انظر تفسير " الرزق " فيما سلف من فهارس اللغة ( رزق ) .

= و " الطيبات " فيما سلف منها ( طيب ) .

(7) في المطبوعة : " لكي تشكروا " ، وفي المخطوطة : " لكي تشكرون " ، ورجحت ما أثبت .

(8) هكذا في المخطوطة والمطبوعة : " أو كلاهما " ، وهو جائز .

(9) في المطبوعة : " بطونًا " وأثبت ما في المخطوطة .

(10) هذه الجملة بين القوسين لا بد منها ، فإن الترجمة أن فارس والروم هما المعنيان بهذا. وقد أثبتها من رواية الطبري قبل ، كما سيأتي في التخريج . وإغفال ذكرها في الخبر ، يوقع في اللبس والغموض .

(11) قوله : " أشر منهم منزلا " لم ترد في الخبر الماضي ، وكان مكانها : " والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كانوا أصغر حظًا ، وأدق فيها شأنًا ، منهم " .

(12) الأثر : 15919 - مضى هذا الخبر بإسناده مطولا فيما سلف رقم : 7591 ، ومنه اجتلبت الزيادة والتصحيح .

8:27Страница 180

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَخُونُواْ ٱللَّهَ وَٱلرَّسُولَ وَتَخُونُوٓاْ أَمَٰنَٰتِكُمۡ وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٧

О те, которые уверовали! Не предавайте Аллаха и Посланника и не покушайтесь на то, что вверено вам, сознательно.

القول في تأويل قوله : يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (27)

قال أبو جعفر: يقول تعالى ذكره للمؤمنين بالله ورسوله من أصحاب نبيه صلى الله عليه وسلم: يا أيها الذين صدقوا الله ورسوله=(لا تخونوا الله) ، وخيانتهم الله ورسوله، كانت بإظهار من أظهر منهم لرسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين الإيمانَ في الظاهر والنصيحةَ, وهو يستسرُّ الكفر والغش لهم في الباطن, يدلُّون المشركين على عورتهم, ويخبرونهم بما خفى عنهم من خبرهم. (13)

* * *

وقد اختلف أهل التأويل فيمن نـزلت هذه الآية, وفي السبب الذي نـزلت فيه.

فقال بعضهم: نـزلت في منافق كتب إلى أبي سفيان يطلعه على سرِّ المسلمين.

* ذكر من قال ذلك.

15922- حدثنا القاسم بن بشر بن معروف قال، حدثنا شبابة بن سوار قال، حدثنا محمد بن المُحْرِم قال، لقيت عطاء بن أبي رباح فحدثني قال، حدثني جابر بن عبد الله: أن أبا سفيان خرج من مكة, فأتى جبريلُ النبيَّ صلى الله عليه وسلم فقال: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا! فقال النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه: إن أبا سفيان في مكان كذا وكذا، فاخرجوا إليه واكتموا!" قال: فكتب رجل من المنافقين إلى أبي سفيان: " إن محمدًا يريدكم, فخذوا حذركم "! فأنـزل الله عز وحل: (لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم). (14)

وقال آخرون: بل نـزلت في أبي لبابة، في الذي كان من أمره وأمر بني قريظة. (15)

* ذكر من قال ذلك.

15923 - حدثنا القاسم قال، حدثنا الحسين قال، حدثني أبو سفيان, عن معمر, عن الزهري, قوله: " لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم "، قال: نـزلت في أبي لبابة, بعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأشار إلى حلقه: إنه الذَّبح= قال الزهري: فقال، أبو لبابة: لا والله، لا أذوق طعامًا ولا شرابًا حتى أموتَ أو يتوب الله عليَّ! فمكث سبعة أيام لا يذوق طعامًا ولا شرابًا حتى خر مغشيًّا عليه, ثم تاب الله عليه. فقيل له: يا أبا لبابة، قد تِيبَ عليك! قال: والله لا أحُلُّ نفسي حتى يكون رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي يَحُلّني. فجاءه فحله بيده. ثم قال أبو لبابة: إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت بها الذنب، وأن أنخلع من مالي! قال: " يجزيك الثلث أن تصدَّق به. (16)

15924 - حدثني المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا عبد الله بن الزبير, عن ابن عيينة قال، حدثنا إسماعيل بن أبي خالد قال: سمعت عبد الله بن أبي قتادة يقول: نـزلت: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون " في أبي لبابة. (17)

* * *

وقال آخرون: بل نـزلت في شأن عثمان رحمة الله عليه.

* ذكر من قال ذلك.

15925 - حدثني الحارث قال، حدثنا عبد العزيز قال، حدثنا يونس بن الحارث الطائفي (18) قال، حدثنا محمد بن عبيد الله بن عون الثقفي, عن المغيرة بن شعبة قال: نـزلت هذه الآية في قتل عثمان رحمة الله عليه: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول " الآية.

* * *

قال أبو جعفر: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله نهى المؤمنين عن خيانته وخيانة رسوله، وخيانة أمانته= وجائز أن تكون نـزلت في أبي لبابة= وجائز أن تكون نـزلت في غيره, ولا خبر عندنا بأيِّ ذلك كان يجب التسليم له بصحته.

فمعنى الآية وتأويلها ما قدمنا ذكره.

* * *

وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.

* ذكر من قال ذلك:

15926 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول " قال: نهاكم أن تخونوا الله والرسول, كما صنع المنافقون.

15927 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط. عن السدي: " لا تخونوا الله والرسول " الآية، قال: كانوا يسمعون من النبي صلى الله عليه وسلم الحديث فيفشونه حتى يبلغ المشركين.

* * *

واختلفوا في تأويل قوله: " وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون ".

فقال بعضهم: لا تخونوا الله والرسول, فإن ذلك خيانة لأمانتكم وهلاك لها.

* ذكر من قال ذلك.

15928 - حدثني محمد بن الحسين قال، حدثنا أحمد بن مفضل قال، حدثنا أسباط, عن السدي: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم "، فإنهم إذا خانوا الله والرسول فقد خانوا أماناتهم.

15929 - حدثنا ابن حميد قال، حدثنا سلمة, عن ابن إسحاق: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون "، أي لا تظهروا لله من الحق ما يرضى به منكم، ثم تخالفوه في السرِّ إلى غيره, فإن ذلك هلاك لأماناتكم، وخيانة لأنفسكم. (19)

* * *

قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويل قوله: " وتخونوا أماناتكم "، في موضع نصب على الصرف (20)

كما قال الشاعر: (21)

لا تَنْــهَ عَـنْ خُـلُقٍ وَتَـأْتِيَ مِثْلَـهُ

عــارٌ عَلَيْــكَ إِذَا فَعَلْــتَ عَظِيـمُ (22)

ويروى: " وتأتي مثله ". (23)

* * *

وقال آخرون: معناه: لا تخونوا الله والرسول, ولا تخونوا أماناتكم وأنتم تعلمون.

* ذكر من قال ذلك.

15930 - حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم "، يقول: " لا تخونوا ": يعني لا تنقصُوها.

* * *

قال أبو جعفر: فعلى هذا التأويلُ: لا تخونوا الله والرسول, ولا تخونوا أماناتكم.

واختلف أهل التأويل في معنى: الأمانة، التي ذكرها الله في قوله: " وتخونوا أماناتكم ".

فقال بعضهم: هي ما يخفى عن أعين الناس من فرائض الله.

* ذكر من قال ذلك.

15931- حدثني المثنى قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: " وتخونوا أماناتكم "، و " الأمانة ": الأعمال التي أمِن الله عليها العباد= يعني: الفريضة. يقول: " لا تخونوا "، يعني: لا تنقصوها.

15932 - حدثنا علي بن داود قال، حدثنا أبو صالح قال، حدثني معاوية, عن علي, عن ابن عباس, قوله: " يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله "، يقول: بترك فرائضه= " والرسول "، يقول: بترك سننه، وارتكاب معصيته= قال: وقال مرة أخرى: " لا تخونوا الله والرسول وتخونوا أماناتكم "، والأمانة: الأعمال، ثم ذكر نحو حديث المثنى.

* * *

وقال آخرون: معنى " الأمانات "، ههنا، الدِّين.

* ذكر من قال ذلك.

15933 - حدثني يونس قال، أخبرنا ابن وهب قال، قال ابن زيد, في قوله: " وتخونوا أماناتكم " دينكم= " وأنتم تعلمون "، قال: قد فعل ذلك المنافقون، وهم يعلمون أنهم كفار, يظهرون الإيمان. وقرأ: وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى [سورة النساء: 142]. قال: هؤلاء المنافقون، أمنهم الله ورسوله على دينه، فخانوا, أظهروا الإيمان وأسرُّوا الكفر.

* * *

قال أبو جعفر: فتأويل الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا، لا تنقصوا الله حقوقه عليكم من فرائضه، ولا رسوله من واجب طاعته عليكم, ولكن أطيعوهما فيما أمراكم به ونهياكم عنه, لا تنقصوهما= " وتخونوا أماناتكم ", وتنقصوا أديانكم, وواجب أعمالكم, ولازمَها لكم= " وأنتم تعلمون "، أنها لازمة عليكم، وواجبة بالحجج التي قد ثبتت لله عليكم.

------------------

الهوامش :

(13) انظر تفسير " الخيانة " فيما سلف 9 : 190 .

(14) الأثر : 15922 - " القاسم بن بشر بن معروف " ، شيخ الطبري ، مضى برقم 10509 ، 10531 .

و " شبابة بن سوار الفزاري " ، ثقة ، مضى مرارًا : 37 ، 6701 ، 10051 ، وغيرها .

و " محمد المحرم " ، هو : " محمد بن عمر المحرم " ، وقد ترجم صاحب لسان الميزان لثلاثة : " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير المكي " ( ج 5 : 216 ) ، و " محمد بن عمر المحرم " ج ( 5 : 320 ، ) و " محمد المحرم " ( ج 5 : 439 ) ، وقال هم واحد ، وأن " محمد بن عمر " صوابه : " محمد ابن عمير " منسوبًا إلى جده . و " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي " ، مضى برقم : 7484 .

وترجم البخاري في الكبير 1 1 142 " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي المكي " ، عن عطاء ، وليس بذاك الثقة . ولم يذكر أنه " محمد المحرم " .

ثم ترجم أيضًا في الكبير 1 1 248 " محمد المحرم " ، عن عطاء والحسن ، منكر الحديث . فكأنهما عنده رجلان .

وترجم ابن أبي حاتم 3 2 300 " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي " ، وضعفه ، ولم يذكر أنه " محمد المحرم " .

ثم ترجم " محمد بن عمر المحرم " ، روى عن عطاء ، روى عنه شبابة ، وقال : " ضعيف الحديث ، واهي الحديث " ، ولم يذكر أنه الذي قبله .

وترجم الذهبي في ميزان الاعتدال 3 : 77 " محمد بن عبد الله بن عبيد بن عمير الليثي " ، ويقال له : " محمد المحرم " .

ثم ترجم في الميزان 3 : 113 " محمد بن عمر المحرم " عن عطاء ، وعنه شبابة ، وضعفه ، ولم يذكر أنه الذي قبله .

وترجم عبد الغني بن سعيد في والمؤتلف والمختلف : 117 ، " محمد بن عبيد بن عمير المحرم " ، عن : " عطاء بن أبي رباح " .

والظاهر أن الذي قاله الحافظ في لسان الميزان ، من أن هؤلاء جميعًا واحد ، هو الصواب إن شاء الله ، من أنهم جميعًا رجل واحد .

وكان في المطبوعة : " محمد بن المحرم " ، غير ما كان في المخطوطة بزيادة " بن " بينهما .

وهذا خبر ضعيف جدًا ، لضعف " محمد المحرم " ، وهو متروك الحديث . وقد ذكر الخبر ابن كثير في تفسيره 4 : 43 ، 44 ، ثم قال : " هذا الحديث غريب جدًا ، وفي سنده وسياقه نظر " .

(15) في المطبوعة والمخطوطة : " في أبي لبابة ، الذي كان من أمره " ، والسياق يقتضي زيادة " في " كما أثبتها .

(16) الأثر : 15923 - خبر أبي لبابة بن عبد المنذر الأنصاري ، حين فعل ذلك يوم بنى قريظة ، وعرف أنه خان الله ورسوله ، في سيرة ابن هشام 3 : 247 ، 248 ، وفي غيره . ثم إنه لما عرف ذلك ارتبط في سارية المسجد ، وقال : " لا أبرح مكاني هذا حتى يتوب الله علي مما صنعت " .

ورواه الواحدي في أسباب النزول : 175 ، وروى بعضه مالك في الموطأ : 481 .

(17) الأثر : 15924 - " عبد الله بن أبي قتادة الأنصاري " . تابعي ثقة ، روى له الجماعة ، مترجم في التهذيب .

(18) الأثر : 15925 - " يونس بن الحارث الطائفي الثقفي " ، ضعيف ، إلا أنه لا يتهم بالكذب ، وقال ابن معين : " كنا نضعفه ضعفًا شديدًا " . وقال أحمد : " أحاديثه مضطربة " .

مترجم في التهذيب ، والكبير 4 2 409 ، ولم يذكر فيه جرحًا ، وابن أبي حاتم 4 2 237 ، وضعفه .

و " محمد بن عبيد الله بن سعيد " ، " أبو عون الثقفي " ثقة ، مضى برقم : 7595 ، 13965 ، 15659 .

وكان في المطبوعة : " محمد بن عبد الله بن عون الثقفي " ، ومثله في المخطوطة . إلا أنه قد يقرأ " محمد بن عبيد الله " ، والصواب ما أثبت ، لأن يونس بن الحارث الطائفي ، يروي عن أبي عون الثقفي ، و " أبو عون " اسم جده " سعيد " لا " عون " .

و " أبو عون الثقفي " ، لا أظنه روى عن المغيرة بن شعبة ، فالمغيرة مات سنة خمسين ، ويقال قبلها . والمذكور في ترجمته أنه يروي عن " عفان بن المغيرة بن شعبة " ، فهذا إسناد منقطع على الأرجح عندي .

وقوله : " نزلت في قتل عثمان " ، يعني أن حكمها يشمل فعل عثمان رضي الله عنه، فإنه قتل خيانة لله ولرسوله ، وخيانة للأمانة ، إذ نقض القتلة بيعة له في أعناقهم ، رحم الله عثمان وغفر له .

(19) الأثر : 15929 - سيرة ابن هشام 2 : 325 ، وهو تابع الأثر السالف رقم : 15873.

(20) في المطبوعة : " على الظرف " ، وفي المخطوطة : " على الطرف " ، والصواب ما أثبت . وانظر معنى " الصرف " فيما سلف من فهارس المصطلحات .

وانظر معاني القرآن للفراء 1 : 408 .

(21) هو المتوكل الليثي ، وينسب لغيره .

(22) سلف البيت ، وتخريجه 1 : 569 3 : 552 .

(23) يعني على غير النصب .

Текст: через Quran Foundation. Аяты: Quran Foundation. Источники и лицензии

Содержание

Аят аль-Курси36Аль-Кахфстр. 42джуз 15Бухари 1Муслим 2999

Вид

Тема
Размер текста
Вид

Read in English