Ibn Juzayy · Tafsir · in Arabic
ص
Sad
The Letter "Saad" · Meccan · 88 ayahs
﴿صۤ﴾ تكلمنا على حروف الهجاء في البقرة، ويختص بهذا أنه قال فيه: معناه صدق محمد، وقيل: هو حرف من اسم الله الصمد أو صادق الوعد، أو صانع المصنوعات ﴿وَٱلْقُرْآنِ ذِي ٱلذِّكْرِ﴾ هذا قسم جوابه محذوف تقديره: إن القرآن من عند الله، وإن محمداً لصادق وشبه ذلك. وقيل: جوابه في قوله ﴿صۤ﴾ إذ هو بمعنى صدق محمد، وقيل: جوابه [الآتي] ﴿إِن كُلٌّ إِلاَّ كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ﴾ [ص: ١٤] وهذا بعيد، وقيل: جوابه ﴿إِنَّ ذَلِكَ لَحَقٌّ تَخَاصُمُ أَهْلِ ٱلنَّارِ﴾ [ص: ٦٤] وهذا أبعد، ومعنى ذي الذكر: الشرف، والذكر بمعنى الموعظة، أو ذكر الله وما يحتاج إليه من الشريعة.
38:2Page 453
بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٖ وَشِقَاقٖ ٢
But those who disbelieve are in pride and dissension.
﴿بَلِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ﴾ الذين كفروا يعني قريشاً، وبل للإضراب عن كلام محذوف، وهو جواب القسم أي: إن كفرهم ليس ببرهان بل هو بسبب العزة والشقاق، والعزة التكبر، والشقاق: العداوة وقصد المخالفة، وتنكيرهما للدلالة على شدتهما، وتفاخم الكفار فيهما.
38:3Page 453
كَمۡ أَهۡلَكۡنَا مِن قَبۡلِهِم مِّن قَرۡنٖ فَنَادَواْ وَّلَاتَ حِينَ مَنَاصٖ ٣
How many a generation have We destroyed before them, and they [then] called out; but it was not a time for escape.
﴿كَمْ أَهْلَكْنَا مِن قَبْلِهِم مِّن قَرْنٍ﴾ إخبار يتضمن تهديداً لقريش ﴿فَنَادَواْ وَّلاَتَ حِينَ مَنَاصٍ﴾ المعنى أن القرون الذين هلكوا دعوا واستغاثوا حين لم ينفعهم ذلك، ولات بمعنى: ليس وهي لا النافية زيدت عليها علامة التأنيث، كما زيدت في رُبَّتَ وثمة، ولا تدخل لات إلا على زمان، واسمها مضمر، وحين مناص خبرها، والتقدير: ليس الحين الذين دعوا فيه حين مناص، والمناص المفرّ والنجاة من قولك: ناص ينوص إذا فرّ.
38:4–5Page 453
وَعَجِبُوٓاْ أَن جَآءَهُم مُّنذِرٞ مِّنۡهُمۡۖ وَقَالَ ٱلۡكَٰفِرُونَ هَٰذَا سَٰحِرٞ كَذَّابٌ ٤
And they wonder that there has come to them a warner [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)] from among themselves. And the disbelievers say, "This is a magician and a liar.
أَجَعَلَ ٱلۡأٓلِهَةَ إِلَٰهٗا وَٰحِدًاۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٌ عُجَابٞ ٥
Has he made the gods [only] one God? Indeed, this is a curious thing."
﴿وَعَجِبُوۤاْ أَن جَآءَهُم مٌّنذِرٌ مِّنْهُمْ﴾ الضمير لقريش، والمنذر سيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أي استبعدوا أن يبعث الله رسولاً منهم، ويحتمل أن يريد من قبيلتهم، أو يريد من البشر مثلهم ﴿وَقَالَ ٱلْكَافِرُونَ﴾ كان الأصل وقالوا؛ ولكن وضع الظاهر موضع المضمر قصداً لوصفهم بالكفر ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾ هذا إنكار منهم للتوحيد، وسبب نزول هذه الآيات أن قريشاً اجتمعوا وقالوا لأبي طالب: كُفَّ ابن أخيك عنا، فإنه يعيب ديننا ويذم آلهتنا ويسفه أحلامنا. فكلمه أبو طالب في ذلك، فقال: ﷺ: إنما أريد منهم كلمة واحدة يملكون بها العجم، وتدين لهم بها العرب، فقالوا: نعم وعشر كلمات معها. فقال: قولوا لا إلٰه إلا الله، فقاموا وأنكروا ذلك وقالوا: ﴿أَجَعَلَ ٱلآلِهَةَ إِلَـٰهاً وَاحِداً﴾.
38:6Page 453
وَٱنطَلَقَ ٱلۡمَلَأُ مِنۡهُمۡ أَنِ ٱمۡشُواْ وَٱصۡبِرُواْ عَلَىٰٓ ءَالِهَتِكُمۡۖ إِنَّ هَٰذَا لَشَيۡءٞ يُرَادُ ٦
And the eminent among them went forth, [saying], "Continue, and be patient over [the defense of] your gods. Indeed, this is a thing intended.1
﴿وَٱنطَلَقَ ٱلْمَلأُ مِنْهُمْ أَنِ ٱمْشُواْ وَاْصْبِرُواْ﴾ انطلاق الملأ عبارة عن خروجهم عن أبي طالب وقيل: عبارة عن تفرّقهم في طرق مكة وإشاعتهم للكفر، وأن امشوا: معناه يقول بعضهم لبعض: امشوا واصبروا على عبادة آلهتكم، ولا تطيعوا محمداً فيما يدعو إليه من عبادة الله وحده ﴿إِنَّ هَـٰذَا لَشَيْءٌ يُرَادُ﴾ هذا أيضاً مما حكى الله من كلام قريش، وفي معناه وجهان: أحدهما إن الإشارة إلى الإسلام والتوحيد، أي إن هذا التوحيد شيء يراد منا الإنقياد إليه، والآخر أن الإشارة إلى الشرك والصبر على آلهتهم، أي إن هذا الشيء ينبغي أن يراد ويتمسك به، أو أن هذا شيء يريده الله منا لما قضى علينا به والأول أرجح، لأن الإشارة فيما بعد إليه فيكون الكلام على نسق واحد.
38:7Page 453
مَا سَمِعۡنَا بِهَٰذَا فِي ٱلۡمِلَّةِ ٱلۡأٓخِرَةِ إِنۡ هَٰذَآ إِلَّا ٱخۡتِلَٰقٌ ٧
We have not heard of this in the latest religion.1 This is not but a fabrication.
﴿مَا سَمِعْنَا بِهَـٰذَا فِى ٱلْمِلَّةِ ٱلآخِرَةِ﴾ هذا أيضاً مما حكى الله عنهم من كلامهم، أي ما سمعنا بالتوحيد في الملة الآخرة، والمراد بالملة الآخرة ملة النصارى، لأنها بعد ذلك ملة موسى وغيره وهم يقولون بالتثليث لا بالتوحيد، وقيل: المراد ملة قريش أي ما سمعنا بهذا في الملة التي أدركنا عليها آباءنا، وقيل: المراد الملة المنتظرة إذ كانوا يسمعون من الأحبار والكهان أن رسولاً يبعث يكون آخر الأنبياء ﴿إِنْ هَـٰذَا إِلاَّ ٱخْتِلاَقٌ﴾ هذا ايضاً مما حُكى من كلامهم، والإشارة إلى التوحيد والإسلام، ومعنى الاختلاق الكذب.
38:8Page 453
أَءُنزِلَ عَلَيۡهِ ٱلذِّكۡرُ مِنۢ بَيۡنِنَاۚ بَلۡ هُمۡ فِي شَكّٖ مِّن ذِكۡرِيۚ بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ ٨
Has the message been revealed to him out of [all of] us?" Rather, they are in doubt about My message. Rather, they have not yet tasted My punishment.
﴿أَءُنزِلَ عَلَيْهِ ٱلذِّكْرُ مِن بَيْنِنَا﴾ الهمزة للإنكار، والمعنى أنهم أنكروا أن يخص الله محمداً ﷺ بإنزال القرآن عليه دونهم ﴿بَلْ هُمْ فَي شَكٍّ مِّن ذِكْرِي﴾ هذا ردّ عليهم، والمعنى أنهم ليست لهم حجة ولا برهان، بل هم في شك من معرفة الله وتوحيده، فلذلك كفروا، ويحتمل أن يريد بالذكر القرآن ﴿بَل لَّمَّا يَذُوقُواْ عَذَابِ﴾ هذا وعيد لهم وتهديد، والمعنى أنهم إنما حملهم على الكفر كونهم لم يذوقوا العذاب، فإذا ذاقوه زال عنهم الشك وأذعنوا للحق.
38:9Page 453
أَمۡ عِندَهُمۡ خَزَآئِنُ رَحۡمَةِ رَبِّكَ ٱلۡعَزِيزِ ٱلۡوَهَّابِ ٩
Or do they have the depositories of the mercy of your Lord, the Exalted in Might, the Bestower?1
﴿أَمْ عِندَهُمْ خَزَآئِنُ رَحْمَةِ رَبِّكَ ٱلْعَزِيزِ ٱلْوَهَّابِ﴾ هذا ردّ عليهم فيما أنكروا من اختصاص محمد ﷺ بالنبوة، والمعنى أنهم ليس عندهم خزائن رحمة الله، حتى يعطوا النبوة من شاؤوا ويمنعوا من شاؤوا، بل يعطيها الله لمن يشاء، ثم وصف نفسه بالعزيز يفعل ما يشاء والوهاب ينعم على من يشاء فلا حجة لهم فيما أنكروا.
38:10Page 453
أَمۡ لَهُم مُّلۡكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَمَا بَيۡنَهُمَاۖ فَلۡيَرۡتَقُواْ فِي ٱلۡأَسۡبَٰبِ ١٠
Or is theirs the dominion of the heavens and the earth and what is between them? Then let them ascend through [any] ways of access.1
﴿أَمْ لَهُم مُّلْكُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا﴾ هذا أيضاً ردّ عليهم، والمعنى: أم لهم الملك فيتصرفون فيه كيف شاؤوا، بل مالك الملك يفعل في ملكه ما يشاء، وأم الأولى منقطعة بمعنى بل وهمزة الإنكار، وأما أم الثانية فيحتمل أن تكون كذلك، أو تكون عاطفة معادلة لما قبلها ﴿فَلْيَرْتَقُواْ فِى ٱلأَسْبَابِ﴾ هذا تعجيز لهم، وتهكم بهم، ومعنى يرتقوا يصعدوا، والأسباب هنا السلالم الطرق، وشبه ذلك ما يوصل به إلى العلو، وقيل: هي أبواب السماء، والمعنى إن كان لهم ملك السمٰوات والأرض فليصعدوا إلى العرش ويدبروا الملك.
38:11Page 453
جُندٞ مَّا هُنَالِكَ مَهۡزُومٞ مِّنَ ٱلۡأَحۡزَابِ ١١
[They are but] soldiers [who will be] defeated there among the companies [of disbelievers].
﴿جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّن ٱلأَحَزَابِ﴾ هذا وعيد بهزيمتهم في القتال، وقد هزموا يوم بدر وغيره، و﴿مَّا هُنَالِكَ﴾ صفة لجند، وفيها معنى التحقير لهم، والإشارة بهنالك إلى حيث وصفوا أنفسهم من الكفر والاستهزاء، وقيل: الإشارة إلى الارتقاء في الأسباب وهذا بعيد؛ وقيل الإشارة إلى موضع بدر، ومن الأحزاب معناه من جملة الأحزاب الذين تعصبوا للباطل فهلكوا.
38:12–13Page 453
كَذَّبَتۡ قَبۡلَهُمۡ قَوۡمُ نُوحٖ وَعَادٞ وَفِرۡعَوۡنُ ذُو ٱلۡأَوۡتَادِ ١٢
The people of Noah denied before them, and [the tribe of] ʿAad and Pharaoh, the owner of stakes,1
وَثَمُودُ وَقَوۡمُ لُوطٖ وَأَصۡحَٰبُ لۡـَٔيۡكَةِۚ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلۡأَحۡزَابُ ١٣
And [the tribe of] Thamūd and the people of Lot and the companions of the thicket [i.e., people of Madyan]. Those are the companies.1
﴿وفِرْعَوْنُ ذُو ٱلأَوْتَادِ﴾ قال ابن عباس: كانت له أوتاد وخشب يلعب بها وعليها، وقيل: كانت له أوتاد يسمرها في الناس لقتلهم، وقيل: أراد المباني العظام الثابتة، ورجحه ابن عطية، وقال الزمخشري: إن ذلك استعارة في ثبات الملك كقول القائل: في ظل ملك ثابت الأوتاد ﴿وَأَصْحَابُ لْئَيْكَةِ﴾ قد ذكر الحجر [٧٨، والشعراء: ١٧٦].
38:14Page 453
إِن كُلٌّ إِلَّا كَذَّبَ ٱلرُّسُلَ فَحَقَّ عِقَابِ ١٤
Each of them denied the messengers, so My penalty was justified.
No commentary for this ayah
38:15Page 453
وَمَا يَنظُرُ هَٰٓؤُلَآءِ إِلَّا صَيۡحَةٗ وَٰحِدَةٗ مَّا لَهَا مِن فَوَاقٖ ١٥
And these [disbelievers] await not but one blast [of the Horn]; for it there will be no delay.1
﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً﴾ ينظر هنا بمعنى ينتظر، وهؤلاء يعني قريشاً، والصيحة الواحدة النفخة في الصور وهي نفخة الصعق، وقيل: الصيحة عبارة عما أصابهم من قتل أو شدة، والأول أظهر، وقد روي تفسيرها بذلك عن النبي ﷺ ﴿مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ فيه ثلاثة أقوال: الأول مالها رجوع أي لا يرجعون بعدها إلى الدنيا، وهو على هذا مشتق من الإفاقة، الثاني ما لها من ترداد: أي إنما هي واحدة لا ثانية لها: الثالث مالها من تأخير ولا توقف مقدار فواق ناقة وهي ما بين حلبتي اللبن، وهذا القول الثالث إنما يجري على قراءة فُواق بالضم لأن فواق الناقة بالضم، والقولان الأولان على الفتح والضم.
38:16Page 453
وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا قَبۡلَ يَوۡمِ ٱلۡحِسَابِ ١٦
And they say, "Our Lord, hasten for us our share [of the punishment] before the Day of Account."
﴿وَقَالُواْ رَبَّنَا عَجِّل لَّنَا قِطَّنَا﴾ القط في اللغة له معنيان: أحدها: الكتاب، والآخر: النصيب، وفي معناه هنا ثلاثة أقوال: أحدهما نصيبنا من الخير: أي دعوا أن يعجله الله لهم في الدنيا والآخر: نصيبهم من العذاب، فهو كقولهم: ﴿فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ ٱلسَّمَآءِ﴾ [الأنفال: ٣٢]. الثالث: صحائف أعمالنا.
38:17–18Page 454
ٱصۡبِرۡ عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذۡكُرۡ عَبۡدَنَا دَاوُۥدَ ذَا ٱلۡأَيۡدِۖ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ١٧
Be patient over what they say and remember Our servant, David, the possessor of strength; indeed, he was one who repeatedly turned back [to Allāh].
إِنَّا سَخَّرۡنَا ٱلۡجِبَالَ مَعَهُۥ يُسَبِّحۡنَ بِٱلۡعَشِيِّ وَٱلۡإِشۡرَاقِ ١٨
Indeed, We subjected the mountains [to praise] with him, exalting [Allāh] in the [late] afternoon and [after] sunrise.
﴿ٱصْبِر عَلَىٰ مَا يَقُولُونَ وَٱذْكُرْ عَبْدَنَا دَاوُودَ ذَا ٱلأَيْدِ إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ الأيد القوة، وكان داود جمع قوة البدن وقوة الدين والملك والجنود، والأواب: الرجاع إلى الله، فإن قيل: ما المناسبة بين أمر الله لسيدنا محمد صلى الله عليه وآله وسلم بالصبر على أقوال الكفار وبين أمره له بذكر داود؟ فالجواب عندي أن ذكر داود ومن بعده من الأنبياء في هذه السورة فيه تسلية للنبي ﷺ، ووعد له بالنصر وتفريج الكرب، وإعانة له على ما أمر به من الصبر، وذلك أن الله ذكر ما أنعم به على داود من تسخير الطير والجبال، وشدّة ملكه، وإعطائه الحكمة وفصل الخطاب، ثم الخاتمة له في الآخرة بالزلفى وحسن المآب، فكأنه يقول: يا محمد كما أنعمنا على داود بهذه النعمم كذلك ننعم عليك، فاصبر ولا تحزن على ما يقولون، ثم ذكر ما أعطى سليمان من الملك العظيم، وتسخير الريح والجن والخاتمة بالزلفى وحسن المآب، ثم ذكر من ذكر بعد ذلك من الأنبياء. والمقصد: ذكر الإنعام عليهم لتقوية قلب النبي ﷺ، وأيضاً فإن داود وسليمان وأيوب أصابتهم شدائد ثم فرّجها الله عنهم، وأعقبها بالخير العظيم، فأمر سيدنا محمداً ﷺ بذكرهم، ليعلمه أنه يفرج عنه ما يلقى من إذاية قومه، ويعقبها بالنصر والظهور عليهم، فالمناسبة في ذلك ظاهرة وقال ابن عطية: المعنى: اذكر داود ذا الأيدي في الدين فتأسَّ به وتأيد كما تأيد، وأجاب الزمخشري: عن السؤال فإنه قال: كأن الله قال لنبيه ﷺ: اصبر على ما يقولون، وعظم أمر المعصية في أعين الكفار بذكر قصة داود، وذلك أنه نبي كريم عند الله ثم زلَّ زلة فوبخه الله عليها فاستغفر وأناب، فما الظن بكم مع كفركم ومعاصيكم؛ وهذا الجواب لا يخفى ما فيه من سوء الأدب مع داود عليه السلام حيث جعله مثالاً يهدد الله به الكفار، وصرح بأنه زل وأن الله وبخه على زلته، ومعاذ الله من ذكر الأنبياء بمثل هذا ﴿وَٱلإِشْرَاقِ﴾ يعني: وقت الإشراق وهو حين تشرق الشمس، أي تضيء ويصفر شعاعها وهو وقت الضحى، وأما شروقها فطلوعها.
38:19Page 454
وَٱلطَّيۡرَ مَحۡشُورَةٗۖ كُلّٞ لَّهُۥٓ أَوَّابٞ ١٩
And the birds were assembled, all with him repeating [praises].
﴿مَحْشُورَةً﴾ أي مجموعة ﴿كُلٌّ لَّهُ أَوَّابٌ﴾ أي كل مسبح لأجل تسبيح داود، ويحتمل أن يكون أوّاب هنا بمعنى رجاع أي ليرجع إلى أمره.
38:20Page 454
وَشَدَدۡنَا مُلۡكَهُۥ وَءَاتَيۡنَٰهُ ٱلۡحِكۡمَةَ وَفَصۡلَ ٱلۡخِطَابِ ٢٠
And We strengthened his kingdom and gave him wisdom and discernment in speech.
﴿وَآتَيْنَاهُ ٱلْحِكْمَةَ﴾ قيل: يعني النبوة، وقيل: العلم والفهم وقيل: الزبور ﴿وَفَصْلَ ٱلْخِطَابِ﴾ قال ابن عباس: هو فصل القضاء بين الناس بالحق، وقال عليّ بن أبي طالب: هو إيجاب اليمين على المدعى عليه، والبينة على المدعى، وقيل: أراد قول: أما بعد فإنه أول من قالها، وقال الزمخشري: معنى فصل الخطاب: البيّن من الكلام الذي يفهمه من يخاطب به، وهذا المعنى اختاره ابن عطية، وجعله من قوله تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ﴾ [الطارق: ١٣].
38:21Page 454
۞ وَهَلۡ أَتَىٰكَ نَبَؤُاْ ٱلۡخَصۡمِ إِذۡ تَسَوَّرُواْ ٱلۡمِحۡرَابَ ٢١
And has there come to you the news of the adversaries, when they climbed over the wall of [his] prayer chamber -
﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ ٱلْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُواْ ٱلْمِحْرَابَ﴾ جاءت هذه القصة بلفظ الاستفهام؛ تنبيهاً للمخاطب ودلالة على أنها من الأخبار العجيبة، التي ينبغي أن يلقى البال لها، والخصم يقع على الواحد والاثنين والجماعة، كقولك: عدل وزور، واتفق الناس على أن هؤلاء الخصم كانوا ملائكة، ورُوي أنهما جبريل وميكائيل بعثهما الله، ليضرب بهما المثل لداود في نازلة وقع هو في مثلها، فأفتى بفتيا هي واقعة عليه في نازلته، ولما شعر وفهم المراد أناب واستغفر، وسنذكر القصة بعد هذا، ومعنى تسوّروا المحراب علَوْا على سوره ودخلوه، والمحراب: الموضع الأرفع من القصر أو المسجد وهو موضع التعبد، ويحتمل أن يكون المتسوّر المحراب اثنين فقط، لأن نفس الخصومة إنما كانت بين اثنين فقط، فتجيء الضمائر في تسوّروا، ودخلوا، وفزع منهم: على وجه التجوز، والعبارة عن الاثنين بلفظ الجماعة، وذلك جائز على مذهب من يرى أن أقل الجمع اثنان، ويحتمل أنه جامع كل واحد من الخصمين جماعة فيقع على تجميعهم خصم، وتجيء الضمائر المجموعة حقيقة، وعلى هذا عوَّل الزمخشري.
38:22Page 454
إِذۡ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُۥدَ فَفَزِعَ مِنۡهُمۡۖ قَالُواْ لَا تَخَفۡۖ خَصۡمَانِ بَغَىٰ بَعۡضُنَا عَلَىٰ بَعۡضٖ فَٱحۡكُم بَيۡنَنَا بِٱلۡحَقِّ وَلَا تُشۡطِطۡ وَٱهۡدِنَآ إِلَىٰ سَوَآءِ ٱلصِّرَٰطِ ٢٢
When they entered upon David and he was alarmed by them? They said, "Fear not. [We are] two adversaries, one of whom has wronged the other, so judge between us with truth and do not exceed [it] and guide us to the sound path.
﴿إِذْ دَخَلُواْ عَلَىٰ دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ﴾ العامل في إذْ هنا تسوروا، وقيل: هي بدل من الأولى، وأما إذ الأولى فالعامل فيها أتاك أو تسوروا وردّ الزمخشري ذلك، وقال: إن العامل فيها محذوف تقديره: هل أتاك نبأ تحاكم الخصم إذ تسوروا، وإنما فزع داود منهم لأنهم دخلوا عليه بغير إذن، ودخلوا من غير الباب، وقيل: إن ذلك كان ليلاً ﴿خَصْمَانِ بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ تقديره نحن خصمان، ومعنى بغى تعدى ﴿وَلاَ تُشْطِطْ﴾ أي لا تَجُرْ علينا في الحكم، يقال: أشط الحاكم إذا جار، وقرئ في الشاذ: لا تشطط بفتح التاء: أي لا تبعد عن الحق، يقال: شط إذا بَعُد ﴿سَوَآءِ ٱلصِّرَاطِ﴾ أي وسط الطريق، ويعني القصد والحق الواضح.
38:23Page 454
إِنَّ هَٰذَآ أَخِي لَهُۥ تِسۡعٞ وَتِسۡعُونَ نَعۡجَةٗ وَلِيَ نَعۡجَةٞ وَٰحِدَةٞ فَقَالَ أَكۡفِلۡنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلۡخِطَابِ ٢٣
Indeed this, my brother, has ninety-nine ewes, and I have one ewe; so he said, 'Entrust her to me,' and he overpowered me in speech."
﴿إِنَّ هَذَآ أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِي نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي ٱلْخِطَابِ﴾ هذه حكاية كلام أحد الخصمين، والأخوة هنا أخوة الدين، والنعجة في اللغة تقع على أثنى بقر الوحش وعلى أنثى الضأن، وهي هنا عبارة عن المرأة، ومعنى أكفلنيها: أملكها لي وأصله اجعلها في كفالتي، وقيل: اجعلها كفلي أي نصيبي، ومعنى عزّني في الخطاب أي: غلبني في الكلام والمحاورة يقال: عز فلان فلاناً إذا غلبه، وهذا الكلام تمثيل للقصة التي وقع داود فيها. وقد اختلف الناس فيها وأكثروا القول فيها قديماً وحديثاً حتى قال عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه: من حدّث بما يقول هؤلاء القصاص في أمر داود عليه السلام جلدته حَدَّين لما ارتكب من حرمة من رفع الله محله، ونحن نذكر من ذلك ما هو أشهر وأقرب إلى تنزيه داود عليه السلام: روي أن أهل زمان داود عليه السلام كان يسأل بعضهم بعضاً أن ينزل له عن امرأته فيتزوجها إذا أعجبته، وكانت لهم عادة في ذلك لا ينكرونها، وقد جاء عن الأنصار في أول الإسلام شيء من ذلك، فاتفق أن وقعت عين داود على امرأة رجل فأعجبته، فسأله النزول عنها ففعل، وتزوّجها داود عليه السلام فولد له منها سليمان عليه السلام، وكان لداود تسع وتسعون امرأة، فبعث الله إليه ملائكة مثالاً لقصته، فقال أحدهما إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة إشارة إلى أن ذلك الرجل لم تكن له إلا تلك المرأة الواحدة، فقال أكفلنيها إشارة إلى سؤال داود من الرجل النزول عن امرأته فأجابه داود عليه السلام بقوله: لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فقامت الحجة عليه بذلك، فتبسم الملكان عند ذلك وذهبا ولم يرهما، فشعر داود أن ذلك عتاب من الله، على ما وقع فيه.
38:24–25Page 454
قَالَ لَقَدۡ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعۡجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِۦۖ وَإِنَّ كَثِيرٗا مِّنَ ٱلۡخُلَطَآءِ لَيَبۡغِي بَعۡضُهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٍ إِلَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَقَلِيلٞ مَّا هُمۡۗ وَظَنَّ دَاوُۥدُ أَنَّمَا فَتَنَّٰهُ فَٱسۡتَغۡفَرَ رَبَّهُۥ وَخَرَّۤ رَاكِعٗاۤ وَأَنَابَ۩ ٢٤
[David] said, "He has certainly wronged you in demanding your ewe [in addition] to his ewes. And indeed, many associates oppress one another, except for those who believe and do righteous deeds - and few are they." And David became certain that We had tried him, and he asked forgiveness of his Lord1 and fell down bowing [in prostration] and turned in repentance [to Allāh].
فَغَفَرۡنَا لَهُۥ ذَٰلِكَۖ وَإِنَّ لَهُۥ عِندَنَا لَزُلۡفَىٰ وَحُسۡنَ مَـَٔابٖ ٢٥
So We forgave him that; and indeed, for him is nearness to Us and a good place of return.
﴿فَٱسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ ولا تقتضي هذه القصة على هذه الرواية أن داود عليه السلام وقع فيما لا يجوز شرعاً، وإنما عوتب على أمر جائز، كان ينبغي له أن يتنزه عنه لعلوّ مرتبته ومتانة دينه، فإنه قد يعاتب الفضلاء على ما لا يعاتب عليه غيرهم، كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين، وأيضاً فإنه كان له تسع وتسعون امرأة، فكان غنياً عن هذه المرأة فوقع العتاب على الاستكثار من النساء، وإن كان جائزاً، ورُوي هذا الخبر على وجه آخر، وهو أن داود انفرد يوماً في محرابه للتعبد، فدخل عليه طائر من كوة فوقع بين يديه فأعجبه، فمد يده ليأخذه فطار على الكوة فصعد داود ليأخذه، فرأى من الكوة امراة تغتسل عريانة فأعجبته، ثم انصرف فسأل عنها فأخبر أنها امرأة رجل من جنده، وأنه خرج للجهاد مع الجند، فكتب داود إلى أمير تلك الحرب أن يقدم ذلك الرجل يقاتل عند التابوت، وهو موضع قل ما تخلص أحد منه، فقدم ذلك الرجل فقاتل حتى قتل شهيداً، فتزوج داود امرأته فعوتب على تعريضه ذلك الرجل للقتل، وتزوجه امرأته بعده مع أنه كان له تسع وتسعون امرأة سواها، وقيل: إن داود همَّ بذلك كله ولم يفعله، وإنما وقعت المعاتبة على همه بذلك، ورُوي أن السبب فيما جرى له مثل ذلك أنه أعجب بعلمه، وظهر منه ما يقتضي أنه لا يخاف الفتنة على نفسه ففتن بتلك القصة، ورُوي أيضاً أن السبب في ذلك أنه تمنى منزلة آبائه إبراهيم وإسحاق ويعقوب، والتزم أن يبتلى كما ابتلوا فابتلاه الله بما جرى له في تلك القصة ﴿قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَىٰ نِعَاجِهِ﴾ سؤال مصدر مضاف إلى المفعول، وإنما تعدى بإلى لأنه تضمن معنى الإضافة كأنه قال: بسؤال نعجتك مضافة أو مضمومة إلى نعاجه، فإن قيل: كيف قال له داود: ﴿لَقَدْ ظَلَمَكَ﴾ قبل أن يثبت عنده ذلك؟ فالجواب أنه رُوي أن الآخر اعترف بذلك وحذف ذكر اعترافه اختصاراً، ويحتمل أن يكون قوله: لقد ظلمك على تقدير صحة قوله، وقد قيل: إن قوله لأحد الخصمين: لقد ظلمك قبل أن يسمع حجة الآخر كانت خطيئته التي استغفر منها وأناب ﴿وَإِنَّ كَثِيراً مِّنَ ٱلْخُلَطَآءِ لَيَبْغِيۤ بَعْضُهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ الخلطاء هم الشركاء في الأموال، ولكن الخلطة أعم من الشركة، ألا ترى أن الخلطة في المواشي ليست بشركة في رقابها، وقصد داود بهذا الكلام الوعظ للخصم الذي بغى، والتسلية بالتأسي للخصم الذي بُغيَ عليه ﴿وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ﴾ ما زائدة للتأكيد.
﴿وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ﴾ ظن هنا بمعنى شعر بالأمر، وقيل: بمعنى أيقن، وفتناه معناه اختبرناه ﴿وَخَرَّ رَاكِعاً وَأَنَابَ﴾ معنى خرَّ: ألقى بنفسه إلى الأرض، وإنما حقيقة ذلك في السجود، فقيل: إن الركوع هنا بمعنى السجود، وقيل: خرَّ من ركوعه ساجداً بعد أن ركع، ومعنى أناب: تاب، ورُوي أنه بقي ساجداً أربعين يوماً يبكي حتى نبت البقل من دموعه، وهذا الموضع فيه سجدة عند مالك خلافاً للشافعي، إلا أنه اختلف في مذهب مالك هل يسجد عند قوله: ﴿وَأَنَابَ﴾، أو عند قوله: ﴿لَزُلْفَىٰ .. مَـآبٍ﴾ ﴿وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَىٰ وَحُسْنَ مَـآبٍ﴾ الزلفى القُربة والمكانة الرفيعة، والمآب المرجع في الآخرة.
38:26Page 454
يَٰدَاوُۥدُ إِنَّا جَعَلۡنَٰكَ خَلِيفَةٗ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱحۡكُم بَيۡنَ ٱلنَّاسِ بِٱلۡحَقِّ وَلَا تَتَّبِعِ ٱلۡهَوَىٰ فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ لَهُمۡ عَذَابٞ شَدِيدُۢ بِمَا نَسُواْ يَوۡمَ ٱلۡحِسَابِ ٢٦
[We said], "O David, indeed We have made you a successor upon the earth, so judge between the people in truth and do not follow [your own] desire, as it will lead you astray from the way of Allāh." Indeed, those who go astray from the way of Allāh will have a severe punishment for having forgotten the Day of Account.
﴿يٰدَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي ٱلأَرْضِ﴾ تقديره قال الله يا داود، وخلافة داود بالنبوة والملك، قال ابن عطية: لا يقال خليفة الله إلا لنبيّ، وأما الملوك والخلفاء فكل واحد منهم خليفة الذي قبله، وقول الناس فيهم خليفة الله تجوّز.
38:27Page 455
وَمَا خَلَقۡنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلۡأَرۡضَ وَمَا بَيۡنَهُمَا بَٰطِلٗاۚ ذَٰلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْۚ فَوَيۡلٞ لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنَ ٱلنَّارِ ٢٧
And We did not create the heaven and the earth and that between them aimlessly. That is the assumption of those who disbelieve, so woe to those who disbelieve from the Fire.
﴿وَمَا خَلَقْنَا ٱلسَّمَآءَ وَٱلأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً﴾ أي عبثاً بل خلقهما الله بالحق للاعتبار بهما والاستدلال على خالقهما ﴿ذَلِكَ ظَنُّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ المعنى أن الكفار لما أنكروا الحشر والجزاء كانت خلقة السمٰوات والأرض عندهم باطلاً بغير الحكمة، فإن الحكمة في ذلك إنما تظهر في الجزاء الأخروي.
38:28Page 455
أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ كَٱلۡمُفۡسِدِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَمۡ نَجۡعَلُ ٱلۡمُتَّقِينَ كَٱلۡفُجَّارِ ٢٨
Or should We treat those who believe and do righteous deeds like corrupters in the land? Or should We treat those who fear Allāh like the wicked?
﴿أَمْ نَجْعَلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ كَٱلْمُفْسِدِينَ فِي ٱلأَرْضِ﴾ أم هنا استفهامية يراد بها الإنكار: أي أن الله لا يجعل المؤمنين والمتقين كالمفسدين والفجار، بل يجازي كل واحد بعلمه لتظهر حكمة الله في الجزاء، ففي ذلك استدلال على الحشر والجزاء، وفيه أيضاً وعد ووعيد.
38:29Page 455
كِتَٰبٌ أَنزَلۡنَٰهُ إِلَيۡكَ مُبَٰرَكٞ لِّيَدَّبَّرُوٓاْ ءَايَٰتِهِۦ وَلِيَتَذَكَّرَ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ ٢٩
[This is] a blessed Book which We have revealed to you, [O Muḥammad], that they might reflect upon its verses and that those of understanding would be reminded.
No commentary for this ayah
38:30Page 455
وَوَهَبۡنَا لِدَاوُۥدَ سُلَيۡمَٰنَۚ نِعۡمَ ٱلۡعَبۡدُ إِنَّهُۥٓ أَوَّابٌ ٣٠
And to David We gave Solomon. An excellent servant, indeed he was one repeatedly turning back [to Allāh].
No commentary for this ayah
38:31Page 455
إِذۡ عُرِضَ عَلَيۡهِ بِٱلۡعَشِيِّ ٱلصَّٰفِنَٰتُ ٱلۡجِيَادُ ٣١
[Mention] when there were exhibited before him in the afternoon the poised [standing] racehorses.
﴿إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِٱلْعَشِيِّ ٱلصَّافِنَاتُ ٱلْجِيَادُ﴾ الصافنات جمع صافن، وهو الفرس الذي يرفع إحدى رجليه أو يديه ويقف على طرف الأخرى، وقيل: الصافن هو الذي يسوّي يديه، والصفن علامة على فراهة الفرس، والجياد السريعة الجري واختلف الناس في قصص هذه الآية، فقال الجمهور: إن سليمان عليه السلام عرضت عليه خيل كان ورثها عن أبيه وقيل: أخرجتها له الشياطين من البحر، وكانت ذوات أجنحة، وكانت ألف فرس، وقيل: أكثر فتشاغل بالنظر إليها حتى غربت الشمس وفاتته صلاة العشي "العصر"، فأسف لذلك، وقال: ردوا عليّ الخيل وطفق يضرب أعناقها وعراقيبها بالسيف حتى عقرها؛ لما كانت سبب فوات الصلاة، ولم يترك منها إلا اليسير، فأبدله الله أسرع منها وهي الريح، وأنكر بعض العلماء هذه الرواية، وقال: تفويت الصلاة ذنب لا يفعله سليمان وعقر الخير لغير فائدة لا يجوز، فكيف يفعله سليمان عليه السلام؟ وأي ذنب للخيل في تفويت الصلاة فقال بعضهم: إنما عقرها ليأكلها الناس، وكان زمانهم زمان مجاعة فعقرها تقرباً إلى الله، وقال بعضهم، لم تفته الصلاة ولا عقر الخيل، بل كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار إليهم فأزالوها حتى دخلت اصطبلاتها فلما فرغ من صلاته قال ردّوها عليّ فطفق يمسح عليها بيده كرامة لها ومحبة، وقيل إن المسح عليها كان وسماً في سوقها وأعناقها بوسم حبس في سبيل الله.
38:32Page 455
فَقَالَ إِنِّيٓ أَحۡبَبۡتُ حُبَّ ٱلۡخَيۡرِ عَن ذِكۡرِ رَبِّي حَتَّىٰ تَوَارَتۡ بِٱلۡحِجَابِ ٣٢
And he said, "Indeed, I gave preference to the love of good [things] over the remembrance of my Lord until it [i.e., the sun] disappeared into the curtain [of darkness]."
ِ﴿فَقَالَ إِنِّيۤ أَحْبَبْتُ حُبَّ ٱلْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي﴾ معنى هذا يختلف على حسب الاختلاف في القصة، فأما الذين قالوا إن سليمان عقر الخيل لما اشتغل بها حتى فاتته الصلاة فاختلفوا في هذا على ثلاثة أقوال: أحدها أن الخير هنا يراد به الخيل، وزعموا أن الخيل يقال لها خير، وأحببت بمعنى: آثرت أو بمعنى فعل يتعدى بمن قال: آثرت حب الخيل فشغلني عن ذكر ربي، والآخر: أن الخير هنا يراد به المال، لأن الخيل وغيرها مال فهو كقوله تعالى: ﴿إِن تَرَكَ خَيْراً﴾ [البقرة: ١٨٠] أي مالاً، والثالث: أن المفعول محذوف، وحب الخير مصدر والتقدير: أحببت هذه الخيل مثل حب الخير، فشغلني عن ذكر ربي، وأما الذين قالوا: كان يصلي فعرضت عليه الخيل فأشار بإزالتها؛ فالمعنى أنه قال: إني أحببت حب الخير الذي عند الله في الآخرة بسبب ذكر ربي، وشغلني ذلك عن النظر إلى الخيل ﴿حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ الضمير للشمس وإن لم يتقدم ذكرها، ولكنها تفهم من سياق الكلام وذكر العشي يقتضيها، والمعنى حتى غابت الشمس، وقيل: إن الضمير للخيل، ومعنى ﴿تَوَارَتْ بِٱلْحِجَابِ﴾ دخلت اصطبلاتها والأول أشهر وأظهر.
38:33Page 455
رُدُّوهَا عَلَيَّۖ فَطَفِقَ مَسۡحَۢا بِٱلسُّوقِ وَٱلۡأَعۡنَاقِ ٣٣
[He said], "Return them to me," and set about striking1 [their] legs and necks.
﴿رُدُّوهَا عَلَيَّ﴾ أي قال سليمان: ردوا الخيل عليّ ﴿فَطَفِقَ مَسْحاً بِٱلسُّوقِ وَٱلأَعْنَاقِ﴾ السوق جمع ساق يعني سوق الخيل وأعناقهم: أي جعل يمسحها مسحاً، وهذا المسح يختلف على حسب الاختلاف المتقدم، هل هو قطعها وعقرها أو مسحها باليد محبة لها، أو وسمها للتحبيس.
38:34Page 455
وَلَقَدۡ فَتَنَّا سُلَيۡمَٰنَ وَأَلۡقَيۡنَا عَلَىٰ كُرۡسِيِّهِۦ جَسَدٗا ثُمَّ أَنَابَ ٣٤
And We certainly tried Solomon and placed on his throne a body;1 then he returned.2
﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَىٰ كُرْسِيِّهِ جَسَداً ثُمَّ أَنَابَ﴾ تفسير هذه الآية يختلف على حسب الاختلاف في قصتها، وفي ذلك أربعة أقوال: الأول أن سليمان كان له خاتم ملكه وكان فيه اسم الله، فكان ينزعه إذا دخل الخلاء توقيراً لاسم الله تعالى، فنزعه يوماً ودفعه إلى جارية فتمثل لها جني في صورة سليمان وطلب منها الخاتم فدفعته له، روي أن اسمه صخر، فقعد على كرسيّ سليمان يأمر وينهي الناس يظنون أنه سليمان، وخرج سليمان فارّاً بنفسه فأصابه الجوع فطلب حوتاً ففتح بطنه فوجد فيه خاتمه، وكان الجني قد رماه في البحر فلبس سليمان الخاتم وعاد إلى ملكه، ففتنة سليمان على هذا هي ما جرى له من سلب ملكه، والجسد الذي ألقي على كرسيه هو الجنيّ الذي قعد عليه وسماه جسداً، لأنه تصور في صورة إنسان، ومعنى أناب رجع إلى الله بالاستغفار والدعاء، أو رجع إلى ملكه والقول الثاني أن سليمان كان له امرأة يحبها وكان أبوها ملكاً كافراً قد قتله سليمان فسألته أن يضع لها صورة أبيها فأطاعها في ذلك فكانت تسجد للصورة ويسجد معها جواريها، وصار صنماً معبوداً في داره، وسليمان لا يعلم حتى مضت أربعون يوماً، فلما علم به كسره فالفتنة على هذا عمل الصورة، والجسد هو الصورة والقول الثالث أن سليمان كان له ولد وكان يحبه حباً شديداً، فقالت الجن إن عاش هذا الولد ورث ملك أبيه فبقينا في السخرة أبداً فلم يشعر إلا وولده ميت على كرسيه، فالفتنة على هذا حبه الولد، والجسد هو الولد لما مات وسمي جسداً لأنه جسد بلا روح، القول الرابع أنه قال: لأطوفن الليلة على مائة امرأة تأتي كل واحدة منهن بفارس يجاهد في سبيل الله، ولم يقل إن شاء الله، فلم تحمل إلا واحدة بشق إنسان فالفتنة على هذا كونه لم يقل إن شاء الله، والجسد هو شق الإنسان الذي ولد له، فأما القول الأول فضعيف من طريق النقل مع أنه يبعد ما ذكر فيه من سلب ملك سليمان وتسليط الشياطين عليه، وأما القول الثاني فضعيف أيضاً مع أنه يبعد أن يعبد صنم في بيت نبي، أو يأمر نبي بعمل صنم، وأما القول الثالث فضعيف أيضاً، وأما القول الرابع فقد روي في الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ لكنه لم يذكر في الحديث أن ذلك تفسير الآية.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences