Ibn Kathir · Tafsir · in Arabic
Al-Hajj 22:46–50
22:46Page 337
أَفَلَمۡ يَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَتَكُونَ لَهُمۡ قُلُوبٞ يَعۡقِلُونَ بِهَآ أَوۡ ءَاذَانٞ يَسۡمَعُونَ بِهَاۖ فَإِنَّهَا لَا تَعۡمَى ٱلۡأَبۡصَٰرُ وَلَٰكِن تَعۡمَى ٱلۡقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ ٤٦
So have they not traveled through the earth and have hearts by which to reason and ears by which to hear? For indeed, it is not eyes that are blinded, but blinded are the hearts which are within the breasts.
وقوله : ( أفلم يسيروا في الأرض ) أي : بأبدانهم وبفكرهم أيضا ، وذلك كاف ، كما قال ابن أبي الدنيا في كتاب " التفكر والاعتبار " :
حدثنا هارون بن عبد الله ، حدثنا سيار ، حدثنا جعفر ، حدثنا مالك بن دينار قال : أوحى الله تعالى إلى موسى ، عليه السلام ، أن يا موسى ، اتخذ نعلين من حديد وعصا ، ثم سح في الأرض ، واطلب الآثار والعبر ، حتى تتخرق النعلان وتكسر العصا .
وقال ابن أبي الدنيا : قال بعض الحكماء : أحي قلبك بالمواعظ ، ونوره بالفكر ، وموته بالزهد ، وقوه باليقين ، وذلله بالموت ، وقرره بالفناء ، وبصره فجائع الدنيا ، وحذره صولة الدهر وفحش تقلب الأيام ، واعرض عليه أخبار الماضين ، وذكره ما أصاب من كان قبله ، وسر في ديارهم وآثارهم ، وانظر ما فعلوا ، وأين حلوا ، وعم انقلبوا .
أي : فانظروا ما حل بالأمم المكذبة من النقم والنكال ( فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها ) أي : فيعتبرون بها ، ( فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ) أي : ليس العمى عمى البصر ، وإنما العمى عمى البصيرة ، وإن كانت القوة الباصرة سليمة فإنها لا تنفذ إلى العبر ، ولا تدري ما الخبر . وما أحسن ما قاله بعض الشعراء في هذا المعنى وهو أبو محمد عبد الله بن محمد ابن سارة الأندلسي الشنتريني ، وقد كانت وفاته سنة سبع عشرة وخمسمائة :
يا من يصيخ إلى داعي الشقاء وقد نادى به الناعيان : الشيب والكبر إن كنت لا تسمع الذكرى ، ففيم ترى
في رأسك الواعيان : السمع والبصر؟ ليس الأصم ولا الأعمى سوى رجل
لم يهده الهاديان : العين والأثر لا الدهر يبقى ولا الدنيا ، ولا الفلك ال
أعلى ولا النيران : الشمس والقمر ليرحلن عن الدنيا ، وإن كرها
فراقها الثاويان : البدو والحضر
22:47Page 338
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلۡعَذَابِ وَلَن يُخۡلِفَ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥۚ وَإِنَّ يَوۡمًا عِندَ رَبِّكَ كَأَلۡفِ سَنَةٖ مِّمَّا تَعُدُّونَ ٤٧
And they urge you to hasten the punishment. But Allāh will never fail in His promise. And indeed, a day with your Lord is like a thousand years of those which you count.
يقول تعالى لنبيه ، صلوات الله وسلامه عليه : ( ويستعجلونك بالعذاب ) أي : هؤلاء الكفار الملحدون المكذبون بالله وكتابه ورسوله واليوم الآخر ، كما قال [ الله ] تعالى : ( وإذ قالوا اللهم إن كان هذا هو الحق من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء أو ائتنا بعذاب أليم ) [ الأنفال : 32 ] ، ( وقالوا ربنا عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ) .
وقوله : ( ولن يخلف الله وعده ) أي : الذي قد وعد ، من إقامة الساعة والانتقام من أعدائه ، والإكرام لأوليائه .
قال الأصمعي : كنت عند أبي عمرو بن العلاء ، فجاء عمرو بن عبيد ، فقال : يا أبا عمرو ، وهل يخلف الله الميعاد؟ فقال : لا . فذكر آية وعيد ، فقال له : أمن العجم أنت؟ إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما ، وعن الإيعاد كرما ، أوما سمعت قول الشاعر :
لا يرهب ابن العم مني سطوتي ولا أختتي من سطوة المتهدد فإني وإن أوعدته أو وعدته
لمخلف إيعادي ومنجز موعدي
وقوله : ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) أي : هو تعالى لا يعجل ، فإن مقدار ألف سنة عند خلقه كيوم واحد عنده بالنسبة إلى حكمه ، لعلمه بأنه على الانتقام قادر ، وأنه لا يفوته شيء ، وإن أجل وأنظر وأملى; ولهذا قال بعد هذا :
22:48Page 338
وَكَأَيِّن مِّن قَرۡيَةٍ أَمۡلَيۡتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٞ ثُمَّ أَخَذۡتُهَا وَإِلَيَّ ٱلۡمَصِيرُ ٤٨
And for how many a city did I prolong enjoyment while it was committing wrong. Then I seized it, and to Me is the [final] destination.
( وكأين من قرية أمليت لها وهي ظالمة ثم أخذتها وإلي المصير )
قال ابن أبي حاتم : حدثنا الحسن بن عرفة ، حدثني عبدة بن سليمان ، عن محمد بن عمرو ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بنصف يوم ، خمسمائة عام " .
ورواه الترمذي والنسائي ، من حديث الثوري ، عن محمد بن عمرو ، به . وقال الترمذي : حسن صحيح . وقد رواه ابن جرير ، عن أبي هريرة موقوفا ، فقال :
حدثني يعقوب ، حدثنا ابن علية ، حدثنا سعيد الجريري ، عن أبي نضرة ، عن سمير بن نهار قال : قال أبو هريرة : يدخل فقراء المسلمين الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم . قلت : وما نصف يوم؟ قال : أوما تقرأ القرآن؟ . قلت : بلى . قال : ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) .
وقال أبو داود في آخر كتاب الملاحم من سننه : حدثنا عمرو بن عثمان ، حدثنا أبو المغيرة ، حدثنا صفوان ، عن شريح بن عبيد ، عن سعد بن أبي وقاص ، عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : " إني لأرجو ألا تعجز أمتي عند ربها ، أن يؤخرهم نصف يوم " . قيل لسعد : وما نصف يوم؟ قال : خمسمائة سنة .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أحمد بن سنان ، حدثنا عبد الرحمن بن مهدي ، عن إسرائيل ، عن سماك ، عن عكرمة ، عن ابن عباس : ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) قال : من الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض .
رواه ابن جرير ، عن ابن بشار ، عن ابن مهدي . وبه قال مجاهد ، وعكرمة ، ونص عليه أحمد بن حنبل في كتاب " الرد على الجهمية " .
وقال مجاهد : هذه الآية كقوله : ( يدبر الأمر من السماء إلى الأرض ثم يعرج إليه في يوم كان مقداره ألف سنة مما تعدون ) [ السجدة : 5 ] .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عارم محمد بن الفضل حدثنا حماد بن زيد ، عن يحيى بن عتيق ، عن محمد بن سيرين ، عن رجل من أهل الكتاب أسلم قال : إن الله تعالى خلق السماوات والأرض في ستة أيام ، ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) وجعل أجل الدنيا ستة أيام ، وجعل الساعة في اليوم السابع ، ( وإن يوما عند ربك كألف سنة مما تعدون ) ، فقد مضت الستة الأيام ، وأنتم في اليوم السابع . فمثل ذلك كمثل الحامل إذا دخلت شهرها ، في أية لحظة ولدت كان تماما .
22:49Page 338
قُلۡ يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَا۠ لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٞ ٤٩
Say, "O people, I am only to you a clear warner."
يقول تعالى لنبيه صلى الله عليه وسلم حين طلب منه الكفار وقوع العذاب ، واستعجلوه به : ( قل يا أيها الناس إنما أنا لكم نذير مبين ) أي : إنما أرسلني الله إليكم نذيرا لكم بين يدي عذاب شديد ، وليس إلي من حسابكم من شيء ، أمركم إلى الله ، إن شاء عجل لكم العذاب ، وإن شاء أخره عنكم ، وإن شاء تاب على من يتوب إليه ، وإن شاء أضل من كتب عليه الشقاوة ، وهو الفعال لما يشاء ويريد ويختار ، [ و ] ( لا معقب لحكمه وهو سريع الحساب ) [ الرعد : 41 ] و ( إنما أنا لكم نذير مبين )
22:50Page 338
فَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَهُم مَّغۡفِرَةٞ وَرِزۡقٞ كَرِيمٞ ٥٠
And those who have believed and done righteous deeds - for them is forgiveness and noble provision.
( فالذين آمنوا وعملوا الصالحات ) أي : آمنت قلوبهم وصدقوا إيمانهم بأعمالهم ، ( لهم مغفرة ورزق كريم ) أي : مغفرة لما سلف من سيئاتهم ، ومجازاة حسنة على القليل من حسناتهم .
[ و ] قال محمد بن كعب القرظي : إذا سمعت الله تعالى يقول : ( ورزق كريم ) فهو الجنة .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences