Ibn KathirAl-'Ankabut · 29:56–60

Ibn Kathir · Tafsir · in Arabic

Al-'Ankabut 29:56–60

29:56Page 403

يَٰعِبَادِيَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ أَرۡضِي وَٰسِعَةٞ فَإِيَّٰيَ فَٱعۡبُدُونِ ٥٦

O My servants who have believed, indeed My earth is spacious, so worship only Me.

هذا أمر من الله لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الذي لا يقدرون فيه على إقامة الدين ، إلى أرض الله الواسعة ، حيث يمكن إقامة الدين ، بأن يوحدوا الله ويعبدوه كما أمرهم ; ولهذا قال : ( ياعبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون ) .

قال الإمام أحمد : حدثنا يزيد بن عبد ربه ، حدثنا بقية بن الوليد ، حدثني جبير بن عمرو القرشي ، حدثني أبو سعد الأنصاري ، عن أبي يحيى مولى الزبير بن العوام قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " البلاد بلاد الله ، والعباد عباد الله ، فحيثما أصبت خيرا فأقم " .

ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكة مقامهم بها ، خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة ، ليأمنوا على دينهم هناك ، فوجدوا هناك خير المنزلين ، أصحمة النجاشي ملك الحبشة ، رحمه الله ، آواهم وأيدهم بنصره ، وجعلهم سيوما ببلاده . ثم بعد ذلك هاجر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه الباقون إلى المدينة النبوية يثرب المطهرة

29:57Page 403

كُلُّ نَفۡسٖ ذَآئِقَةُ ٱلۡمَوۡتِۖ ثُمَّ إِلَيۡنَا تُرۡجَعُونَ ٥٧

Every soul will taste death. Then to Us will you be returned.

ثم قال : ( كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون ) أي : أينما كنتم يدرككم الموت ، فكونوا في طاعة الله وحيث أمركم الله ، فهو خير لكم ، فإن الموت لا بد منه ، ولا محيد عنه ، ثم إلى الله المرجع [ والمآب ] ، فمن كان مطيعا له جازاه أفضل الجزاء ، ووافاه أتم الثواب

29:58Page 403

وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ لَنُبَوِّئَنَّهُم مِّنَ ٱلۡجَنَّةِ غُرَفٗا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَاۚ نِعۡمَ أَجۡرُ ٱلۡعَٰمِلِينَ ٥٨

And those who have believed and done righteous deeds - We will surely assign to them of Paradise [elevated] chambers beneath which rivers flow, wherein they abide eternally. Excellent is the reward of the [righteous] workers

ولهذا قال : ( والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوئنهم من الجنة غرفا تجري من تحتها الأنهار ) أي : لنسكننهم منازل عالية في الجنة تجري من تحتها الأنهار ، على اختلاف أصنافها ، من ماء وخمر ، وعسل ولبن ، يصرفونها ويجرونها حيث شاءوا ، ( خالدين فيها ) أي : ماكثين فيها أبدا لا يبغون عنها حولا ( نعم أجر العاملين ) : نعمت هذه الغرف أجرا على أعمال المؤمنين .

29:59Page 403

ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٥٩

Who have been patient and upon their Lord rely.

( الذين صبروا ) أي : على دينهم ، وهاجروا إلى الله ، ونابذوا الأعداء ، وفارقوا الأهل والأقرباء ، ابتغاء وجه الله ، ورجاء ما عنده وتصديق موعوده .

قال ابن أبي حاتم رحمه الله : حدثني أبي ، حدثنا صفوان المؤذن ، حدثنا الوليد بن مسلم ، حدثنا معاوية بن سلام ، عن أخيه زيد بن سلام ، عن جده أبي سلام الأسود ، حدثني أبو معاتق الأشعري ، أن أبا مالك الأشعري حدثه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حدثه : أن في الجنة غرفا يرى ظاهرها من باطنها ، وباطنها من ظاهرها ، أعدها الله لمن أطعم الطعام ، وأطاب الكلام ، وأباح الصيام ، وأقام الصلاة والناس نيام .

[ وقوله ] : ( وعلى ربهم يتوكلون ) في أحوالهم كلها ، في دينهم ودنياهم .

29:60Page 403

وَكَأَيِّن مِّن دَآبَّةٖ لَّا تَحۡمِلُ رِزۡقَهَا ٱللَّهُ يَرۡزُقُهَا وَإِيَّاكُمۡۚ وَهُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٠

And how many a creature carries not its [own] provision. Allāh provides for it and for you. And He is the Hearing, the Knowing.

ثم أخبرهم تعالى أن الرزق لا يختص ببقعة ، بل رزقه تعالى عام لخلقه حيث كانوا وأين كانوا ، بل كانت أرزاق المهاجرين حيث هاجروا أكثر وأوسع وأطيب ، فإنهم بعد قليل صاروا حكام البلاد في سائر الأقطار والأمصار ; ولهذا قال : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها ) أي : لا تطيق جمعه وتحصيله ولا تؤخر شيئا لغد ، ( الله يرزقها وإياكم ) أي : الله يقيض لها رزقها على ضعفها ، وييسره عليها ، فيبعث إلى كل مخلوق من الرزق ما يصلحه ، حتى الذر في قرار الأرض ، والطير في الهواء والحيتان في الماء ، قال الله تعالى : ( وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ويعلم مستقرها ومستودعها كل في كتاب مبين ) [ هود : 6 ] .

وقال ابن أبي حاتم : حدثنا محمد بن عبد الرحمن الهروي ، حدثنا يزيد - يعني ابن هارون - حدثنا الجراح بن منهال الجزري - هو أبو العطوف - عن الزهري ، عن رجل ، عن ابن عمر قال : خرجت مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حتى دخل بعض حيطان المدينة ، فجعل يلتقط من التمر ويأكل ، فقال لي : " يا ابن عمر ، ما لك لا تأكل ؟ " قال : قلت : لا أشتهيه يا رسول الله ، قال : " لكني أشتهيه ، وهذه صبح رابعة منذ لم أذق طعاما ولم أجده ، ولو شئت لدعوت ربي فأعطاني مثل ملك قيصر وكسرى فكيف بك يا ابن عمر إذا بقيت في قوم يخبئون رزق سنتهم بضعف اليقين ؟ " . قال : فوالله ما برحنا ولا رمنا حتى نزلت : ( وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم ) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " إن الله لم يأمرني بكنز الدنيا ، ولا باتباع الشهوات ، فمن كنز دنياه يريد بها حياة باقية فإن الحياة بيد الله ، ألا وإني لا أكنز دينارا ولا درهما ، ولا أخبئ رزقا لغد " .

وهذا حديث غريب ، وأبو العطوف الجزري ضعيف .

وقد ذكروا أن الغراب إذا فقس عن فراخه البيض ، خرجوا وهم بيض فإذا رآهم أبواهم كذلك ، نفرا عنهم أياما حتى يسود الريش ، فيظل الفرخ فاتحا فاه يتفقد أبويه ، فيقيض الله له طيرا صغارا كالبرغش فيغشاه فيتقوت منه تلك الأيام حتى يسود ريشه ، والأبوان يتفقدانه كل وقت ، فكلما رأوه أبيض الريش نفرا عنه ، فإذا رأوه قد اسود ريشه عطفا عليه بالحضانة والرزق ، ولهذا قال الشاعر :

يا رازق النعاب في عشه وجابر العظم الكسير المهيض

وقد قال الشافعي في جملة كلام له في الأوامر كقول النبي - صلى الله عليه وسلم - " سافروا تصحوا وترزقوا " .

قال البيهقي أخبرنا إملاء أبو الحسن علي بن عبدان ، أخبرنا أحمد بن عبيد ، أخبرنا محمد بن غالب ، حدثني محمد بن سنان ، حدثنا محمد بن عبد الرحمن بن رداد - شيخ من أهل المدينة - حدثنا عبد الله بن دينار عن ابن عمر قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سافروا تصحوا وتغنموا " . قال : ورويناه عن ابن عباس .

وقال الإمام أحمد : حدثنا قتيبة ، حدثنا ابن لهيعة ، عن دراج ، عن عبد الرحمن بن حجيرة ، عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " سافروا تربحوا ، وصوموا تصحوا ، واغزوا تغنموا " .

وقد ورد مثل حديث ابن عمر عن ابن عباس مرفوعا ، وعن معاذ بن جبل موقوفا . وفي لفظ : " سافروا مع ذوي الجدود والميسرة "

وقوله تعالى : ( وهو السميع العليم ) أي : السميع لأقوال عباده ، العليم بحركاتهم وسكناتهم .

Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском