Ibn Kathir · Tafsir · in Arabic
Ash-Shuraa 42:41–45
42:41Page 487
وَلَمَنِ ٱنتَصَرَ بَعۡدَ ظُلۡمِهِۦ فَأُوْلَٰٓئِكَ مَا عَلَيۡهِم مِّن سَبِيلٍ ٤١
And whoever retaliates after having been wronged - those have not upon them any cause [for blame].
ثم قال : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) أي : ليس عليهم جناح في الانتصار ممن ظلمهم .
قال ابن جرير حدثنا محمد بن عبد الله بن بزيع حدثنا معاذ بن معاذ ، حدثنا ابن عون قال : كنت أسأل عن الانتصار : ( ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل ) فحدثني علي بن زيد بن جدعان عن أم محمد - امرأة أبيه - قال ابن عون : زعموا أنها كانت تدخل على أم المؤمنين عائشة - قالت : قالت أم المؤمنين : دخل علينا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وعندنا زينب بنت جحش ، فجعل يصنع بيده شيئا فلم يفطن لها ، فقلت بيده حتى فطنته لها ، فأمسك . وأقبلت زينب تقحم لعائشة ، فنهاها ، فأبت أن تنتهي . فقال لعائشة : " سبيها " فسبتها فغلبتها ، وانطلقت زينب فأتت عليا فقالت : إن عائشة تقع بكم ، وتفعل بكم . فجاءت فاطمة فقال لها " إنها حبة أبيك ورب الكعبة " فانصرفت ، وقالت لعلي : إني قلت له كذا وكذا ، فقال لي كذا وكذا . قال : وجاء علي إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - فكلمه في ذلك .
هكذا ورد هذا السياق ، وعلي بن زيد بن جدعان يأتي في رواياته بالمنكرات غالبا ، وهذا فيه نكارة ، والحديث الصحيح خلاف هذا السياق ، كما رواه النسائي وابن ماجه من حديث خالد بن سلمة الفأفاء ، عن عبد الله البهي ، عن عروة قال : قالت عائشة ، رضي الله عنها : ما علمت حتى دخلت علي زينب بغير إذن وهي غضبى ، ثم قالت لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : حسبك إذا قلبت لك ابنة أبي بكر ذريعتيها ثم أقبلت علي فأعرضت عنها ، حتى قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : " دونك فانتصري " فأقبلت عليها حتى رأيتها وقد يبس ريقها في فمها ، ما ترد علي شيئا . فرأيت النبي - صلى الله عليه وسلم - يتهلل وجهه . وهذا لفظ النسائي .
وقال البزار : حدثنا يوسف بن موسى ، حدثنا أبو غسان ، حدثنا أبو الأحوص عن أبي حمزة ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، رضي الله عنها ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " من دعا على من ظلمه فقد انتصر " .
ورواه الترمذي من حديث أبي الأحوص ، عن أبي حمزة - واسمه ميمون - ثم قال : " لا نعرفه إلا من حديثه ، وقد تكلم فيه من قبل حفظه " .
42:42Page 487
إِنَّمَا ٱلسَّبِيلُ عَلَى ٱلَّذِينَ يَظۡلِمُونَ ٱلنَّاسَ وَيَبۡغُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٤٢
The cause is only against the ones who wrong the people and tyrannize upon the earth without right. Those will have a painful punishment.
وقوله : ( إنما السبيل ) أي : إنما الحرج والعنت ( على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق ) أي : يبدؤون الناس بالظلم . كما جاء في الحديث الصحيح : " المستبان ما قالا فعلى البادئ ما لم يعتد المظلوم " .
( أولئك لهم عذاب أليم ) أي : شديد موجع .
قال أبو بكر بن أبي شيبة : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا سعيد بن زيد - أخو حماد بن زيد - حدثنا عثمان الشحام ، حدثنا محمد بن واسع قال : قدمت مكة فإذا على الخندق منظرة ، فأخذت فانطلق بي إلى مروان بن المهلب ، وهو أمير على البصرة ، فقال : حاجتك يا أبا عبد الله . قلت حاجتي إن استطعت أن تكون كما قال أخو بني عدي . قال : ومن أخو بني عدي ؟ قال : العلاء بن زياد ، استعمل صديقا له مرة على عمل ، فكتب إليه : أما بعد فإن استطعت ألا تبيت إلا وظهرك خفيف ، وبطنك خميص ، وكفك نقية من دماء المسلمين وأموالهم ، فإنك إذا فعلت ذلك لم يكن عليك سبيل ، ( إنما السبيل على الذين يظلمون الناس ويبغون في الأرض بغير الحق أولئك لهم عذاب أليم ) فقال صدق والله ونصح ثم قال : ما حاجتك يا أبا عبد الله ؟ قلت : حاجتي أن تلحقني بأهلي . قال : نعم رواه ابن أبي حاتم .
42:43Page 487
وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنۡ عَزۡمِ ٱلۡأُمُورِ ٤٣
And whoever is patient and forgives - indeed, that is of the matters [worthy] of resolve.1
ثم إنه تعالى لما ذم الظلم وأهله وشرع القصاص ، قال نادبا إلى العفو والصفح : ( ولمن صبر وغفر ) أي : صبر على الأذى وستر السيئة ، ( إن ذلك لمن عزم الأمور )
قال سعيد بن جبير : [ يعني ] لمن حق الأمور التي أمر الله بها ، أي : لمن الأمور المشكورة والأفعال الحميدة التي عليها ثواب جزيل وثناء جميل .
وقال ابن أبي حاتم : حدثنا أبي ، حدثنا عمران بن موسى الطرسوسي ، حدثنا عبد الصمد بن يزيد - خادم الفضيل بن عياض - قال : سمعت الفضيل بن عياض يقول إذا أتاك رجل يشكو إليك رجلا فقل : " يا أخي ، اعف عنه " . فإن العفو أقرب للتقوى ، فإن قال : لا يحتمل قلبي العفو ، ولكن أنتصر كما أمرني الله عز وجل . فقل له إن كنت تحسن أن تنتصر وإلا فارجع إلى باب العفو ، فإنه باب واسع ، فإنه من عفا وأصلح فأجره على الله ، وصاحب العفو ينام على فراشه بالليل ، وصاحب الانتصار يقلب الأمور .
وقال الإمام أحمد : حدثنا يحيى - يعني ابن سعيد القطان - عن ابن عجلان ، حدثنا سعيد بن أبي سعيد ، عن أبي هريرة ، رضي الله عنه أن رجلا شتم أبا بكر والنبي - صلى الله عليه وسلم - جالس ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - يعجب ويتبسم ، فلما أكثر رد عليه بعض قوله ، فغضب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقام ، فلحقه أبو بكر فقال : يا رسول الله إنه كان يشتمني وأنت جالس ، فلما رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت ! قال : " إنه كان معك ملك يرد عنك ، فلما رددت عليه بعض قوله حضر الشيطان ، فلم أكن لأقعد مع الشيطان " . ثم قال : " يا أبا بكر ، ثلاث كلهن حق ، ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله ، إلا أعز الله بها نصره ، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة ، إلا زاده الله بها كثرة ، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة ، إلا زاده الله بها قلة "
وكذا رواه أبو داود ، عن عبد الأعلى بن حماد ، عن سفيان بن عيينة - قال : ورواه صفوان بن عيسى ، كلاهما عن محمد بن عجلان ورواه من طريق الليث ، عن سعيد المقبري ، عن بشير بن المحرر ، عن سعيد بن المسيب مرسلا .
وهذا الحديث في غاية الحسن في المعنى ، وهو سبب سبه للصديق .
42:44Page 487
وَمَن يُضۡلِلِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُۥ مِن وَلِيّٖ مِّنۢ بَعۡدِهِۦۗ وَتَرَى ٱلظَّٰلِمِينَ لَمَّا رَأَوُاْ ٱلۡعَذَابَ يَقُولُونَ هَلۡ إِلَىٰ مَرَدّٖ مِّن سَبِيلٖ ٤٤
And he whom Allāh sends astray - for him there is no protector beyond Him. And you will see the wrongdoers, when they see the punishment, saying, "Is there for return [to the former world] any way?"
يقول تعالى مخبرا عن نفسه الكريمة : إنه ما شاء كان ولا راد له ، وما لم يشأ لم يكن فلا موجد له وأنه من هداه فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، كما قال : ( ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا ) [ الكهف : 17 ]
ثم قال مخبرا عن الظالمين ، وهم المشركون بالله ( لما رأوا العذاب ) أي : يوم القيامة يتمنون الرجعة إلى الدنيا ، ( يقولون هل إلى مرد من سبيل ) ، كما قال [ تعالى ] ( ولو ترى إذ وقفوا على النار فقالوا يا ليتنا نرد ولا نكذب بآيات ربنا ونكون من المؤمنين بل بدا لهم ما كانوا يخفون من قبل ولو ردوا لعادوا لما نهوا عنه وإنهم لكاذبون ) [ الأنعام : 27 ، 28 ] .
42:45Page 488
وَتَرَىٰهُمۡ يُعۡرَضُونَ عَلَيۡهَا خَٰشِعِينَ مِنَ ٱلذُّلِّ يَنظُرُونَ مِن طَرۡفٍ خَفِيّٖۗ وَقَالَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِنَّ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَأَهۡلِيهِمۡ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۗ أَلَآ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ فِي عَذَابٖ مُّقِيمٖ ٤٥
And you will see them being exposed to it [i.e., the Fire], humbled from humiliation, looking from [behind] a covert glance. And those who had believed will say, "Indeed, the [true] losers are the ones who lost themselves and their families on the Day of Resurrection. Unquestionably, the wrongdoers are in an enduring punishment."
وقوله : ( وتراهم يعرضون عليها ) أي : على النار ( خاشعين من الذل ) أي : الذي قد اعتراهم بما أسلفوا من عصيان الله ، ( ينظرون من طرف خفي ) قال مجاهد : يعني ذليلا ، أي ينظرون إليها مسارقة خوفا منها ، والذي يحذرون منه واقع بهم لا محالة ، وما هو أعظم مما في نفوسهم ، أجارنا الله من ذلك .
( وقال الذين آمنوا ) أي : يقولون يوم القيامة : ( إن الخاسرين ) أي : الخسار الأكبر ( الذين خسروا أنفسهم وأهليهم يوم القيامة ) أي : ذهب بهم إلى النار فعدموا لذتهم في دار الأبد ، وخسروا أنفسهم ، وفرق بينهم وبين أصحابهم وأحبابهم وأهاليهم وقراباتهم ، فخسروهم ، ( ألا إن الظالمين في عذاب مقيم ) أي : دائم سرمدي أبدي ، لا خروج لهم منها ولا محيد لهم عنها .
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences