Ibn Kathir · Tafsir · in Arabic
Al-Ma'idah 5:56–60
5:56Page 117
وَمَن يَتَوَلَّ ٱللَّهَ وَرَسُولَهُۥ وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَإِنَّ حِزۡبَ ٱللَّهِ هُمُ ٱلۡغَٰلِبُونَ ٥٦
And whoever is an ally of Allāh and His Messenger and those who have believed - indeed, the party of Allāh - they will be the predominant.
فكل من رضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين فهو مفلح في الدنيا والآخرة [ ومنصور في الدنيا والآخرة ] ; ولهذا قال [ الله ] تعالى في هذه الآية الكريمة : ( ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون )
5:57Page 117
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ ٱلَّذِينَ ٱتَّخَذُواْ دِينَكُمۡ هُزُوٗا وَلَعِبٗا مِّنَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡكِتَٰبَ مِن قَبۡلِكُمۡ وَٱلۡكُفَّارَ أَوۡلِيَآءَۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَ ٥٧
O you who have believed, take not those who have taken your religion in ridicule and amusement among the ones who were given the Scripture before you nor the disbelievers as allies. And fear Allāh, if you should [truly] be believers.
وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله ، من الكتابيين والمشركين ، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون ، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي ، يتخذونها ( هزوا ولعبا ) يستهزئون بها ( ولعبا ) يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد ، وفكرهم البارد كما قال القائل :
وكم من عائب قولا صحيحا وآفته من الفهم السقيم
وقوله : ( من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار ) " من " ههنا لبيان الجنس ، كقوله : ( فاجتنبوا الرجس من الأوثان ) [ الحج : 30 ] ، وقرأ بعضهم ( والكفار ) بالخفض عطفا ، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ) تقديره : ولا الكفار أولياء ، أي : لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء .
والمراد بالكفار ههنا المشركون ، وكذا وقع في قراءة ابن مسعود فيها ، رواه ابن جرير : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من الذين أوتوا الكتاب من قبلكم والكفار أولياء ) .
وقوله : ( واتقوا الله إن كنتم مؤمنين ) أي : اتقوا الله أن تتخذوا هؤلاء الأعداء لكم ولدينكم أولياء ( إن كنتم مؤمنين ) بشرع الله الذي اتخذه هؤلاء هزوا ولعبا ، كما قال تعالى : ( لا يتخذ المؤمنون الكافرين أولياء من دون المؤمنين ومن يفعل ذلك فليس من الله في شيء إلا أن تتقوا منهم تقاة ويحذركم الله نفسه وإلى الله المصير ) [ آل عمران : 28 ] .
5:58Page 118
وَإِذَا نَادَيۡتُمۡ إِلَى ٱلصَّلَوٰةِ ٱتَّخَذُوهَا هُزُوٗا وَلَعِبٗاۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ قَوۡمٞ لَّا يَعۡقِلُونَ ٥٨
And when you call to prayer, they take it in ridicule and amusement. That is because they are a people who do not use reason.
وقوله [ تعالى ] ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) أي : وكذلك إذا أذنتم داعين إلى الصلاة التي هي أفضل الأعمال لمن يعقل ويعلم من ذوي الألباب ( اتخذوها ) أيضا ( هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) معاني عبادة الله وشرائعه ، وهذه صفات أتباع الشيطان الذي " إذا سمع الأذان أدبر وله حصاص ، أي : ضراط حتى لا يسمع التأذين ، فإذا قضي التأذين أقبل ، فإذا ثوب بالصلاة أدبر ، فإذا قضي التثويب أقبل حتى يخطر بين المرء وقلبه ، فيقول : اذكر كذا ، اذكر كذا ، لما لم يكن يذكر ، حتى يظل الرجل إن يدري كم صلى ، فإذا وجد أحدكم ذلك ، فليسجد سجدتين قبل السلام " . متفق عليه .
وقال الزهري : قد ذكر الله [ تعالى ] التأذين في كتابه فقال : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ذلك بأنهم قوم لا يعقلون ) رواه ابن أبي حاتم .
وقال أسباط عن السدي في قوله : ( وإذا ناديتم إلى الصلاة اتخذوها هزوا ولعبا ) قال : كان رجل من النصارى بالمدينة إذا سمع المنادي ينادي : " أشهد أن محمدا رسول الله " قال : حرق الكاذب! فدخلت خادمة ليلة من الليالي بنار وهو نائم وأهله نيام ، فسقطت شرارة فأحرقت البيت ، فاحترق هو وأهله . رواه ابن جرير وابن أبي حاتم .
وذكر محمد بن إسحاق بن يسار في السيرة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دخل الكعبة عام الفتح ، ومعه بلال فأمره أن يؤذن وأبو سفيان بن حرب وعتاب بن أسيد والحارث بن هشام جلوس بفناء الكعبة ، فقال عتاب بن أسيد : لقد أكرم الله أسيدا ألا يكون سمع هذا فيسمع منه ما يغيظه . وقال الحارث بن هشام : أما والله لو أعلم أنه محق لاتبعته . فقال أبو سفيان : لا أقول شيئا لو تكلمت لأخبرت عني هذه الحصى . فخرج عليهم النبي صلى الله عليه وسلم فقال : " قد علمت الذي قلتم " ثم ذكر ذلك لهم ، فقال الحارث وعتاب : نشهد أنك رسول الله ، [ والله ] ما اطلع على هذا أحد كان معنا ، فنقول أخبرك .
وقال الإمام أحمد : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا ابن جريج أخبرنا عبد العزيز بن عبد الملك بن أبي محذورة أن عبد الله بن محيريز أخبره - وكان يتيما في حجر أبي محذورة - قال : قلت لأبي محذورة : يا عم ، إني خارج إلى الشام وأخشى أن أسأل عن تأذينك . فأخبرني أن أبا محذورة قال له : نعم خرجت في نفر ، وكنا ببعض طريق حنين ، مقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من حنين ، فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ، فأذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصلاة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسمعنا صوت المؤذن ونحن متنكبون فصرخنا نحكيه ونستهزئ به ، فسمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الصوت ، فأرسل إلينا إلى أن وقفنا بين يديه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أيكم الذي سمعت صوته قد ارتفع؟ " فأشار القوم كلهم إلي ، وصدقوا ، فأرسل كلهم وحبسني . وقال " قم فأذن بالصلاة " . فقمت ولا شيء أكره إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا مما يأمرني به فقمت بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فألقى علي رسول الله صلى الله عليه وسلم التأذين هو بنفسه ، قال : " قل : الله أكبر ، الله أكبر ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، " ثم قال لي : " ارجع فامدد من صوتك " . ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن لا إله إلا الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، أشهد أن محمدا رسول الله ، حي على الصلاة ، حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، حي على الفلاح ، الله أكبر ، الله أكبر ، لا إله إلا الله " . ثم دعاني حين قضيت التأذين ، فأعطاني صرة فيها شيء من فضة ، ثم وضع يده على ناصية أبي محذورة ثم أمرها على وجهه ، ثم بين ثدييه ثم على كبده حتى بلغت يد رسول الله سرة أبي محذورة ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " بارك الله فيك وبارك عليك " . فقلت : يا رسول الله ، مرني بالتأذين بمكة . فقال قد " أمرتك به " . وذهب كل شيء كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم من كراهة ، وعاد ذلك كله محبة لرسول الله صلى الله عليه وسلم . فقدمت على عتاب بن أسيد عامل رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فأذنت معه بالصلاة عن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرني ذلك من أدركت من أهلي ممن أدرك أبا محذورة على نحو ما أخبرني عبد الله بن محيريز .
هكذا رواه الإمام أحمد وقد أخرجه مسلم في صحيحه ، وأهل السنن الأربعة من طريق عن عبد الله بن محيريز ، عن أبي محذورة - واسمه سمرة بن معير بن لوذان - أحد مؤذني رسول الله صلى الله عليه وسلم الأربعة ، وهو مؤذن أهل مكة وامتدت أيامه ، رضي الله عنه وأرضاه .
5:59Page 118
قُلۡ يَٰٓأَهۡلَ ٱلۡكِتَٰبِ هَلۡ تَنقِمُونَ مِنَّآ إِلَّآ أَنۡ ءَامَنَّا بِٱللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيۡنَا وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبۡلُ وَأَنَّ أَكۡثَرَكُمۡ فَٰسِقُونَ ٥٩
Say, "O People of the Scripture, do you resent us except [for the fact] that we have believed in Allāh and what was revealed to us and what was revealed before and because most of you are defiantly disobedient?"
يقول تعالى : قل يا محمد لهؤلاء الذين اتخذوا دينكم هزوا ولعبا من أهل الكتاب : ( هل تنقمون منا إلا أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ) أي : هل لكم علينا مطعن أو عيب إلا هذا؟ وهذا ليس بعيب ولا مذمة ، فيكون الاستثناء منقطعا كما في قوله : ( وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد ) [ البروج : 8 ] وكقوله : ( وما نقموا إلا أن أغناهم الله ورسوله من فضله ) [ التوبة : 74 ] وفي الحديث المتفق عليه : " ما ينقم ابن جميل إلا أن كان فقيرا فأغناه الله " .
وقوله : ( وأن أكثركم فاسقون ) معطوف على ( أن آمنا بالله وما أنزل إلينا وما أنزل من قبل ) أي : وآمنا بأن أكثركم فاسقون ، أي : خارجون عن الطريق المستقيم .
5:60Page 118
قُلۡ هَلۡ أُنَبِّئُكُم بِشَرّٖ مِّن ذَٰلِكَ مَثُوبَةً عِندَ ٱللَّهِۚ مَن لَّعَنَهُ ٱللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيۡهِ وَجَعَلَ مِنۡهُمُ ٱلۡقِرَدَةَ وَٱلۡخَنَازِيرَ وَعَبَدَ ٱلطَّٰغُوتَۚ أُوْلَٰٓئِكَ شَرّٞ مَّكَانٗا وَأَضَلُّ عَن سَوَآءِ ٱلسَّبِيلِ ٦٠
Say, "Shall I inform you of [what is] worse than that1 as penalty from Allāh? [It is that of] those whom Allāh has cursed and with whom He became angry and made of them apes and pigs and slaves of ṭāghūt.2 Those are worse in position and further astray from the sound way."
ثم قال : ( قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله ) أي : هل أخبركم بشر جزاء عند الله يوم القيامة مما تظنونه بنا؟ وهم أنتم الذين هم متصفون بهذه الصفات القصيرة ، فقوله : ( من لعنه الله ) أي : أبعده من رحمته ( وغضب عليه ) أي : غضبا لا يرضى بعده أبدا ( وجعل منهم القردة والخنازير ) كما تقدم بيانه في سورة البقرة . وكما سيأتي إيضاحه في سورة الأعراف [ إن شاء الله تعالى ]
وقد قال سفيان الثوري : عن علقمة بن مرثد ، عن المغيرة بن عبد الله ، عن المعرور بن سويد عن ابن مسعود قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي مما مسخ الله [ تعالى ] ؟ فقال : إن الله لم يهلك قوما - أو قال : لم يمسخ قوما - فيجعل لهم نسلا ولا عقبا وإن القردة والخنازير كانت قبل ذلك " .
وقد رواه مسلم من حديث سفيان الثوري ومسعر كلاهما ، عن مغيرة بن عبد الله اليشكري به .
وقال أبو داود الطيالسي : حدثنا داود بن أبي الفرات ، عن محمد بن زيد ، عن أبي الأعين العبدي عن أبي الأحوص ، عن ابن مسعود قال : سألنا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القردة والخنازير ، أهي من نسل اليهود؟ فقال : " لا ، إن الله لم يلعن قوما فيمسخهم فكان لهم نسل ، ولكن هذا خلق كان ، فلما غضب الله على اليهود فمسخهم ، جعلهم مثلهم " .
ورواه أحمد من حديث داود بن أبي الفرات به .
وقال ابن مردويه : حدثنا عبد الباقي ، حدثنا أحمد بن صالح ، حدثنا الحسن بن محبوب ، حدثنا عبد العزيز بن المختار ، عن داود بن أبي هند ، عن عكرمة ، عن ابن عباس قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الحيات مسخ الجن ، كما مسخت القردة والخنازير " . هذا حديث غريب جدا .
وقوله : ( وعبد الطاغوت ) وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه فعل ماض ، " والطاغوت " منصوب به ، أي : وجعل منهم من عبد الطاغوت . وقرئ : ( وعبد الطاغوت ) بالإضافة على أن المعنى : وجعل منهم خدم الطاغوت ، أي : خدامه وعبيده . وقرئ ( وعبد الطاغوت ) على أنه جمع الجمع : عبد وعبيد وعبد ، مثل ثمار وثمر . حكاها ابن جرير ، عن الأعمش . وحكي عن بريدة الأسلمي أنه كان يقرؤها : " وعابد الطاغوت " ، وعن أبي وابن مسعود : " وعبدوا " ، وحكى ابن جرير ، عن أبي جعفر القارئ أنه كان يقرؤها : ( وعبد الطاغوت ) على أنه مفعول ما لم يسم فاعله ، ثم استبعد معناها . والظاهر أنه لا بعد في ذلك ; لأن هذا من باب التعريض بهم ، أي : وقد عبدت الطاغوت فيكم ، وكنتم أنتم الذين تعاطوا ذلك .
وكل هذه القراءات يرجع معناها إلى أنكم يا أهل الكتاب الطاعنين في ديننا ، والذي هو توحيد الله وإفراده بالعبادات دون [ ما ] سواه ، كيف يصدر منكم هذا وأنتم قد وجد منكم جميع ما ذكر؟ ولهذا قال : ( أولئك شر مكانا ) أي : مما تظنون بنا ( وأضل عن سواء السبيل )
وهذا من باب استعمال أفعل التفضيل فيما ليس في الطرف الآخر مشاركة ، كقوله : ( أصحاب الجنة يومئذ خير مستقرا وأحسن مقيلا ) [ الفرقان : 24 ]
Text: through the Quran Foundation. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences