Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic
Hud 11:75–106
11:75–76Page 230
إِنَّ إِبۡرَٰهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّٰهٞ مُّنِيبٞ ٧٥
Indeed, Abraham was forbearing, grieving1 and [frequently] returning [to Allāh].
يَٰٓإِبۡرَٰهِيمُ أَعۡرِضۡ عَنۡ هَٰذَآۖ إِنَّهُۥ قَدۡ جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَإِنَّهُمۡ ءَاتِيهِمۡ عَذَابٌ غَيۡرُ مَرۡدُودٖ ٧٦
[The angels said], "O Abraham, give up this [plea]. Indeed, the command of your Lord has come, and indeed, there will reach them a punishment that cannot be repelled."
وقوله تعالى: إِنَّ إِبْراهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ وُصِفَ عليه السلام بالحِلْمِ، لأنه لم يغضَبْ قطُّ لنفسه إِلاَّ أَنْ يغضب للَّه، وأمْرُهُ بالإِعراض عن المُجَادلة يقتضي أنها إِنَّما كانَتْ في الكفرة، حرصا على إسلامهم، وأَمْرُ رَبِّكَ واحدُ الأمور، أي: نفذ فيهم قضاؤُهُ سبحانه، وهذه الآية مقتضيةٌ أنَّ الدعاء إِنما هو أنْ يوفِّق اللَّه الداعِيَ إِلى طَلَب المَقْدور، فأما الدُّعاء في طَلَبِ غير المقدورِ، فغير مُجْدٍ ولا نافع.
ت: والكلام في هذه المسألة متَّسعٌ رَحْبٌ، ومن أحسن ما قيل فيها قولُ الغَزَّالِيِّ في «الإِحياء» : فإِنْ قلت: فما فائدة الدعاء، والقضاء لا يرد؟ فالجوابُ: أَنَّ من القضاءِ رَدَّ البلاءِ بالدعاءِ، فالدعاءُ سَبَبٌ لردِّ البلاء، واستجلاب الرحمة كما أن التُّرْسَ سبَبٌ لردِّ السهم، والماء سبَبٌ لخروجِ النباتِ، انتهى. وقد أطال في المسألة، ولولا الإِطالة لأَتَيْتُ بِنُبَذٍ يثلج لها الصِدْرُ، وخرَّجَ الترمذيُّ في «جامعه» عن أبي خزامة، واسمه رفاعة، عن أبيه، قال: سألت رسول الله ﷺ، فقلت: يا رسول/ الله، أرأيت رقى نسترقيها، ودواء نتداوى به، وتقاة نتقيها، هل ترد من قدر الله شيئا؟ قال: «هي من قدر اللَّهُ» [[أخرجه الترمذي (4/ 399- 400) كتاب «الطب» باب: ما جاء في الرقى والأدوية، حديث (2065) ، وابن ماجه (2/ 1137) كتاب «الطب» باب: ما أنزل الله داء إلا أنزل له شفاء، حديث (3437) ، كلاهما من طريق الزهري، عن أبي خزامة عن أبيه، به.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح، ولا نعرف لأبي خزامة عن أبيه غير هذا الحديث. وأخرجه الحاكم (4/ 402) ، والطبراني في «الكبير» (3/ 214- 215) رقم: (3090) من طريق صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري، عن عروة، عن حكيم بن حزام به، وسكت عنه الحاكم والذهبي، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (5/ 88) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه صالح بن أبي الأخضر، وهو ضعيف، يعتبر حديثه.]] ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن، وفي بعض نُسَخِهِ: حسنٌ صحيحٌ، انتهى.
فليس وراء هذا الكلام من السيِّد المعصوم مرمًى لأَحدٍ، وتأمَّل جواب الفارُوق لأبِي عُبَيْدة، حِينَ هَمَّ بالرجوعِ مِنْ أجْلِ الدخول علَى أرض بها الطاعون، وهي الشام [[هذا القول ورد في حديث صحيح، أخرجه البخاري (10/ 189) كتاب «الطب» باب: «ما يذكر في الطاعون» رقم: (5729) .
من حديث ابن عباس رضي الله عنهما- أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام حتى إذا كان يسرع لقيه أمراء الأجناد، أبو عبيدة بن الجراح وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد وقع بالشام- قال ابن عباس: فقال عمر: «ادع لي المهاجرين الأولين، فدعاهم فاستشارهم، فأخبرهم أن الوباء قد وقع بالشام، فاختلفوا عليه.
قال بعضهم: قد خرجت لأمر ولا نرى أن ترجع عنه. -- وقال بعضهم: معك بقية الناس وأصحاب رسول الله ﷺ- ولا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء. فقال:
ارتفعوا عني. ثم قال: ادعوا لي الأنصار، فدعوهم له فسلكوا سبيل المهاجرين، واختلفوا كاختلافهم، فقال: ارتفعوا عني.
ثم قال: ادع لي من كان هاهنا من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح، فدعوهم فلم يختلف عليه منهم رجلان.
قالوا: نرى أن نرجع بالناس ولا نقدمهم على هذا الوباء. فنادى عمر في الناس: «إني مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه» . قال أبو عبيدة: أفرارا من قدر الله؟ فقال عمر: لو غيرك قالها يا أبا عُبَيْدة، نَعَمْ نَفِرُّ من قدر اللَّه إِلى قدر الله، أرأيت لو كان لك إبل فهبطت واديا له عدوتان، إحداهما خصبة، والأخرى جدبة، أليس إن رعيت الخصبة رعيتها بقدر الله، وإن رعيت الجدبة رعيتها بقدر الله؟
قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف، وكان غائبا في بعض حاجته، فقال: إن عندي من هذا علما، إني سمعت رسول الله ﷺ يقول: «إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا منها فرارا منه» ، قال: فحمد الله ثم انصرف.
وأخرجه مسلم (4/ 1740) كتاب «السلام» باب: الطاعون والطيرة والكهانة ونحوها (98/ 2219) ، والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 217- 218) كتاب «النكاح» باب: ولا يورد ممرض على مصح فقد يجعل الله تعالى بمشيئته مخالطته إياه سببا لمرضه، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 303- 304) كتاب «الكراهية» باب: الرجل يكون به الداء هل يجتنب أم لا؟، وعبد الرزاق (11/ 147) كتاب «الجامع» باب: الوباء والطاعون، رقم: (20159) نحوه]] .
11:77–83Page 230
وَلَمَّا جَآءَتۡ رُسُلُنَا لُوطٗا سِيٓءَ بِهِمۡ وَضَاقَ بِهِمۡ ذَرۡعٗا وَقَالَ هَٰذَا يَوۡمٌ عَصِيبٞ ٧٧
And when Our messengers, [the angels], came to Lot, he was anguished for them and felt for them great discomfort1 and said, "This is a trying day."
وَجَآءَهُۥ قَوۡمُهُۥ يُهۡرَعُونَ إِلَيۡهِ وَمِن قَبۡلُ كَانُواْ يَعۡمَلُونَ ٱلسَّيِّـَٔاتِۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ هَٰٓؤُلَآءِ بَنَاتِي هُنَّ أَطۡهَرُ لَكُمۡۖ فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَلَا تُخۡزُونِ فِي ضَيۡفِيٓۖ أَلَيۡسَ مِنكُمۡ رَجُلٞ رَّشِيدٞ ٧٨
And his people came hastening to him, and before [this] they had been doing evil deeds.1 He said, "O my people, these are my daughters;2 they are purer for you. So fear Allāh and do not disgrace me concerning my guests. Is there not among you a man of reason?"
قَالُواْ لَقَدۡ عَلِمۡتَ مَا لَنَا فِي بَنَاتِكَ مِنۡ حَقّٖ وَإِنَّكَ لَتَعۡلَمُ مَا نُرِيدُ ٧٩
They said, "You have already known that we have not concerning your daughters [i.e., women] any claim [i.e., desire], and indeed, you know what we want."
قَالَ لَوۡ أَنَّ لِي بِكُمۡ قُوَّةً أَوۡ ءَاوِيٓ إِلَىٰ رُكۡنٖ شَدِيدٖ ٨٠
He said, "If only I had against you some power or could take refuge in a strong support."
قَالُواْ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓاْ إِلَيۡكَۖ فَأَسۡرِ بِأَهۡلِكَ بِقِطۡعٖ مِّنَ ٱلَّيۡلِ وَلَا يَلۡتَفِتۡ مِنكُمۡ أَحَدٌ إِلَّا ٱمۡرَأَتَكَۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمۡۚ إِنَّ مَوۡعِدَهُمُ ٱلصُّبۡحُۚ أَلَيۡسَ ٱلصُّبۡحُ بِقَرِيبٖ ٨١
They [the angels] said, "O Lot, indeed we are messengers of your Lord; [therefore], they will never reach you. So set out with your family during a portion of the night1 and let not any among you look back - except your wife; indeed, she will be struck by that which strikes them. Indeed, their appointment is [for] the morning. Is not the morning near?"
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢
So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.
وقوله سبحانه: وَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً: الرسُل هنا: الملائكة أضيافُ إِبراهيم.
قال المهدويُّ: والرسُلُ هنا: جبريلُ وميكائيلُ وإِسرافيلُ، ذكره جماعة من المفسِّرين. انتهى، واللَّه أعلم بتعيينهم، فإِن صحَّ في ذلك حديثٌ، صِيَر إِليه، وإِلا فالواجبُ الوقف، وسِيءَ بِهِمْ أي: أصابهُ سُوءٌ، و «الذَّرْع» : مصدرٌ مأخوذٌ من الذِّراع، ولما كان الذراعُ موضعَ قُوَّةِ الإِنسان، قيل في الأمر الذي لا طَاقَةَ له به: ضَاقَ بِهَذَا الأمْرِ ذِرَاعُ فُلاَنٍ، وذَرْعُ فلانٍ، أيْ: حيلته بذراعِهِ، وتوسَّعوا في هذا حتَّى قلبوه، فقالوا: فلانٌ رَحْبُ الذّراع، إذا وصفوه باتساع القدرة، وعَصِيبٌ: بناء اسم فاعل، معناه: يعصب النَّاسَ بالشرِّ، فهو من العِصَابة، ثم كَثُر وصفهم لليَوْمِ بعصيبٍ ومنه: [الوافر] وَقَدْ سَلَكُوكَ في يَوْمٍ عَصِيبِ [[عجز بيت وصدره:
وكنت لزاز خصمك أم أعرّد ... .......
ينظر: «مجاز القرآن» (1/ 294) ، «تفسير الطبري» (12/ 47) «الدر المصون» (4/ 117) .]] وبالجملة ف «عصيب» : في موضع شديد وصعب الوطأة، ويُهْرَعُونَ معناه:
يُسْرِعون، وَمِنْ قَبْلُ كانُوا يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ: أيْ: كَانت عادتهم إِتيان الفاحشة في الرجال.
وقوله: هؤُلاءِ بَناتِي هُنَّ أَطْهَرُ لَكُمْ: يعني: بالتزويجِ، وقولهم: وَإِنَّكَ لَتَعْلَمُ مَا نُرِيدُ: إِشارة إِلى الأضيافِ، فلما رأَى لوطٌ استمرارهم في غَيِّهم، قال: على جهة التفجُّع والاستكانة: لَوْ أَنَّ لِي بِكُمْ قُوَّةً.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 195) .]] : «لَوْ أنَّ» : جوابها محذوفٌ، أي: لَفَعَلْتُ كذا وكذا، ويروَى أنَّ الملائكةَ وَجَدَتْ عليه حين قال هذه الكلماتِ، وقالوا: إِنَّ رُكْنَكَ لَشَدِيدٌ، وقال النبيّ ﷺ: «يَرْحَمُ اللَّهُ لُوطاً لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ [[تقدم تخريجه وهو حديث: «نحن أحق بالشك من إبراهيم» ، الحديث.]] فَالْعَجَبُ مِنْهُ لما استكان» .
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 195) .]] : وإِنما خشي لوطٌ عليه السلام أنْ يمهل اللَّهُ أولئك العِصَابَةَ حتى يَعْصُوهُ في الأضيافِ، كما أمهلهم فيما قَبْلَ ذلك، ثم إِن جبريل عليه السلام ضَرَبَ القوم بجَنَاحِهِ، فطمس أعينهم، ثم أمروا لوطاً بالسُّرَى، وأعلموه بأنَّ العذاب نازلٌ بالقوم، فقال لهم لوطٌ: فَعَذِّبوهم السَّاعة، فقالوا له: إِنَّ مَوْعِدَهُمُ الصُّبْحُ، أي: بهذا أمَرَ اللَّه، ثم آنسُوه في قَلَقِهِ بقولهم: أَلَيْسَ الصُّبْحُ بِقَرِيبٍ، و «القِطْع» : القطعة من الليل.
قال ص: إِلَّا امْرَأَتَكَ: ابن كثيرٍ وأبو عمرٍو بالرفع، والباقون بالنَّصْبِ [[ينظر: «الحجة» (4/ 369) ، و «إعراب القراءات السبع» (1/ 292) ، و «حجة القراءات» (347) ، و «الإتحاف» (2/ 133) ، و «المحرر الوجيز» (3/ 196) ، و «البحر المحيط» (5/ 248) ، و «الدر المصون» (4/ 119) ، و «السبعة» (338) ، و «إعراب القراءات» (1/ 292) ، و «شرح الطيبة» (4/ 370) ، و «شرح شعلة» (431) .]] ، فقيل: كلاهما استثناءٌ من أَحَدٌ، وقيل: النصب على الاستثناء من بِأَهْلِكَ انتهى.
وقوله سبحانه: وَأَمْطَرْنا عَلَيْها حِجارَةً مِنْ سِجِّيلٍ ذهبت فرقةٌ، منهم ابن عباس إِلى أَن الحجارة التي رُمُوا بها كَانَتْ كالآجُرِّ المطبوخِ [[ذكره ابن عطية (3/ 198) .]] ، كانَتْ من طينٍ قد تحجَّر، وأَن سِجِّيلاً معناها: ماءٌ وطينٌ، وهذا القول هو الذي عليه الجمهورُ، وقالت فرقة: «من سِجِّيلٍ» : معناه: مِنْ جهنَّم لأنه يقالُ: سِجّيل وسِجِّين، حَفِظَ فيها بَدَلَ النُّون لاماً، وقيل غير هذا ومَنْضُودٍ: معناه: بعضه فوق بعض، متتابع، ومُسَوَّمَةً: أي: مُعْلَمةٌ بعلامة.
وقوله تعالى: وَما هِيَ: إِشارةٌ إِلى الحِجَارة، والظالمون: قيل: يعني قريشاً، وقيل: يريد عمومَ كلِّ مَن اتصف بالظُّلْمِ، وهذا هو الأصَحُّ، وقيل: يعني بهذا الإِعلامَ بأَنَّ هذه البلادَ قريبةٌ من مكَّة، وما تقدّم أبين.
11:84–85Page 231
۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.
وقوله عز وجل: وَإِلى مَدْيَنَ أَخاهُمْ شُعَيْباً قالَ يا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ ما لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ وَلا تَنْقُصُوا الْمِكْيالَ وَالْمِيزانَ إِنِّي أَراكُمْ بِخَيْرٍ ... الآية: قوله: بِخَيْرٍ: قال ابن عباس: معناه: في رُخْصٍ من الأسعار [[أخرجه الطبري (7/ 97) برقم: (18481) ، وابن عطية (3/ 199) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 626) ، وعزاه إلى أبي الشيخ.]] ، وقيل: قوله: بِخَيْرٍ: عامّ في جميع نعم الله تعالى، وتَعْثَوْا: معناهُ تَسْعُوْنَ في فسادٍ، يقال: عَثَا يَعْثُو، وعثى يعثي إذا أفسد.
11:86–94Page 231
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧
They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2
وَيَٰقَوۡمِ لَا يَجۡرِمَنَّكُمۡ شِقَاقِيٓ أَن يُصِيبَكُم مِّثۡلُ مَآ أَصَابَ قَوۡمَ نُوحٍ أَوۡ قَوۡمَ هُودٍ أَوۡ قَوۡمَ صَٰلِحٖۚ وَمَا قَوۡمُ لُوطٖ مِّنكُم بِبَعِيدٖ ٨٩
And O my people, let not [your] dissension from me cause you to be struck by that similar to what struck the people of Noah or the people of Hūd or the people of Ṣāliḥ. And the people of Lot are not from you far away.
وَٱسۡتَغۡفِرُواْ رَبَّكُمۡ ثُمَّ تُوبُوٓاْ إِلَيۡهِۚ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٞ وَدُودٞ ٩٠
And ask forgiveness of your Lord and then repent to Him. Indeed, my Lord is Merciful and Affectionate."
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ مَا نَفۡقَهُ كَثِيرٗا مِّمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَىٰكَ فِينَا ضَعِيفٗاۖ وَلَوۡلَا رَهۡطُكَ لَرَجَمۡنَٰكَۖ وَمَآ أَنتَ عَلَيۡنَا بِعَزِيزٖ ٩١
They said, "O Shuʿayb, we do not understand much of what you say, and indeed, we consider you among us as weak. And if not for your family, we would have stoned you [to death]; and you are not to us one respected."
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَهۡطِيٓ أَعَزُّ عَلَيۡكُم مِّنَ ٱللَّهِ وَٱتَّخَذۡتُمُوهُ وَرَآءَكُمۡ ظِهۡرِيًّاۖ إِنَّ رَبِّي بِمَا تَعۡمَلُونَ مُحِيطٞ ٩٢
He said, "O my people, is my family more respected for power by you than Allāh? But you put Him behind your backs [in neglect]. Indeed, my Lord is encompassing of what you do.
وَيَٰقَوۡمِ ٱعۡمَلُواْ عَلَىٰ مَكَانَتِكُمۡ إِنِّي عَٰمِلٞۖ سَوۡفَ تَعۡلَمُونَ مَن يَأۡتِيهِ عَذَابٞ يُخۡزِيهِ وَمَنۡ هُوَ كَٰذِبٞۖ وَٱرۡتَقِبُوٓاْ إِنِّي مَعَكُمۡ رَقِيبٞ ٩٣
And O my people, work according to your position; indeed, I am working. You are going to know to whom will come a punishment that will disgrace him and who is a liar. So watch; indeed, I am with you a watcher, [awaiting the outcome]."
وَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا نَجَّيۡنَا شُعَيۡبٗا وَٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ بِرَحۡمَةٖ مِّنَّا وَأَخَذَتِ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ ٱلصَّيۡحَةُ فَأَصۡبَحُواْ فِي دِيَٰرِهِمۡ جَٰثِمِينَ ٩٤
And when Our command came, We saved Shuʿayb and those who believed with him, by mercy from Us. And the shriek seized those who had wronged, and they became within their homes [corpses] fallen prone
وقوله: بَقِيَّتُ اللَّهِ خَيْرٌ لَكُمْ: قال ابن عباس: معناه: الذي يُبْقِي اللَّه لكُمْ من أموالكم بَعْد توفيتكم/ الكَيْلَ والوَزْن خيرٌ لكم مما تستكثرونَ به على غير وجْهه [[ذكره ابن عطية (3/ 199) ، والبغوي في «تفسيره» (2/ 398) .]] ، وهذا تفسيرٌ يليق بلفظ الآية، وقال مجاهد: معناه: طاعةُ اللَّه [[أخرجه الطبري (7/ 99) برقم: (18491، 18496) ، وذكره ابن عطية (3/ 199) ، والبغوي (2/ 861) بنحوه، وابن كثير (2/ 456) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 626) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ.]] ، وهذا لا يعطيه لفْظُ الآية.
قال ص: وقرأ الحسنُ [[ينظر: «البحر المحيط» (5/ 253) .]] : «تَقِيَّةُ اللَّهِ» ، أي: تقواه.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 199) .]] : وإِنما المعنى عندي: إِبقاءُ الله عليكم إن أطعتم، وقولهم:
أَصَلاتُكَ تَأْمُرُكَ أَنْ نَتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آباؤُنا: قالت فرقة: أرادوا الصلواتِ المعروفةَ، وروي أن شعيباً عليه السلام كان أكْثَرَ الأنبياءِ صلاةً، وقال الحسنُ: لم يَبْعَث اللَّهُ نبيًّا إِلا فرض عَلَيْه الصَّلاة والزَّكَاة [[ذكره ابن عطية (3/ 200) .]] ، وقيل: أرادوا: أدعواتُكَ، وذلك أنَّ من حَصَّل في رتبةٍ مِنْ خيرٍ أَو شَرٍّ، ففي الأكثر تَدْعُوه رتبته إِلى التزيُّد من ذلك النوْعِ، فمعنى هذا: لما كنْتَ مصلِّياً، تجاوزْتَ إِلى ذمِّ شرعنا وحالِنا، فكأن حاله من الصلاة جَسَّرته علَى ذلك، فقيل: أَمَرَتْه كما قال تعالَى: إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَرِ [العنكبوت: 45] .
قال ص، وع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 200) .]] : أَوْ أَنْ نَفْعَلَ: معطوفٌ على مَا يَعْبُدُ، و «أو» للتنويعِ، انتهى. وظاهر حالِهِمُ الذي أشاروا إِليه هو بَخْسُ الكيل والوَزْنِ الذي تقدَّم ذكره، وروي أن الإِشارة إِلى قَرْضِهِمْ الدِّينار والدِّرْهم، وإِجراء ذلك مع الصَّحِيح على جهة التدْلِيسِ قاله محمَّدُ بْنُ كَعْبٍ القُرَظِيِّ [[أخرجه الطبري (7/ 100) برقم: (18502- 18503) ، وذكره ابن عطية (3/ 201) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 627) ، وعزاه إلى ابن المنذر.]] ، وتؤوّل أيضا بمعنى تبديل السّكك التي يقصد بها أكْلُ أموالِ الناس، قال ابنُ العربيِّ [[ينظر: «أحكام القرآن» (3/ 1064) .]] : قال ابن المسيَّب: قطع الدنانير والدَّرَاهم مِنَ الفساد في الأرْضِ وكذلك قال زيد بن أسْلَمَ في [[أخرجه الطبري (7/ 100) برقم: (18501) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 627) ، وعزاه إلى ابن المنذر، وأبي الشيخ.]] هذه الآية، وفَسَّرها به، ومثله عن يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ من رواية مالكٍ، قال ابنُ العَرَبِيِّ: وإِذا كان قَطْعُ الدنانير والدَّراهمِ وقَرْضُها من الفسَادِ، عُوقِبَ مَنْ فَعَلَ ذلك، وقَرْضُ الدراهم غَيْرُ كَسْرها فإِن الكسر: فسادُ الوصفُ، والقَرْض: تنقيصٌ للقَدْر، وهو أَشَدُّ من كَسْرها، فهو كالسرقة. انتهى من «الأحكام» مختصراً، وبعضه بالمعنَى، وقولهم: إِنَّكَ لَأَنْتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ: قيل: إِنهم قالوه على جهة الحقيقة، أي: أنت حليم رشيدٌ، فلا ينبغي لك أنْ تَنْهَانا عن هذه الأحوالِ، وقيل:
إِنما قالوا هذا على جهة الاستهزاء.
وقوله: وَرَزَقَنِي مِنْهُ رِزْقاً حَسَناً: أي: سالماً من الفَسَادِ الذي أدْخَلْتُم في أمْوالكم، وجوابُ الشَّرْط الذي في قوله: إِنْ كُنْتُ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي محذوفٌ، تقديره:
أَأَضِلُّ كما ضَلَلْتُمْ، أو أتركُ تبليغَ رِسَالَةِ ربِّي، ونحو هذا.
وقوله: لاَ يَجْرِمَنَّكُمْ: معناه: لا يكسبنّكم، وشِقاقِي: معناه: مُشَاقتي، وَعَدَاوَتِي و «أَنْ» : مفعولةٌ ب يَجْرِمَنَّكُمْ.
قال ص، وع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 201- 202) .]] : وَما قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ: أي: بزمانٍ بعيدٍ، أو بمكانٍ.
قال ص: وَدُودٌ بناءُ مبالغةٍ مِنْ وَدَّ الشَّيْءَ، إِذا أَحَبَّه، وآثره.
ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 202) .]] : ومعناه: أن أفعاله سُبْحَانَهُ وَلُطْفه بعباده لَمَّا كَانَتْ في غاية الإِحْسَان إِليهمْ، كانَتْ كَفِعْلِ مَنْ يتودَّد وَيَوَدُّ المصنوعَ له، وقولُهم: مَا نَفْقَهُ: كقولِ قريشٍ:
قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ [فصلت: 5] ، والظاهر من قولهم: إِنَّا لَنَراكَ فِينا ضَعِيفاً: أنهم أرادوا ضَعْفَ الانتصار والقُدْرة، وأنَّ رهطه الكَفَرة يُرَاعَوْنَ فيه، والرَّهْط: جماعةُ الرجُلِ، وقولهم: لَرَجَمْناكَ أي: بالحجارة قاله ابن زَيْد، وقيل [[أخرجه الطبري (7/ 104) برقم: (18527) ، وذكره ابن عطية (3/ 202) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (3/ 630) ، وعزاه لأبي الشيخ.]] : بالسَّبِّ باللسان، وقولهم:
بِعَزِيزٍ: أي: بذي منعةٍ وعزةٍ، ومنزلةٍ، و «الظِّهْرِيُّ» : الشيءُ الذي يكونُ وراءَ الظهر، وذلك يكون في الكَلاَم على وجهين: إِما بمعنى الاطراح كما تقولُ: جَعَلْتَ كلامِي وَرَاءَ ظَهْرِكَ، ودَبْرَ أُذْنِكَ، وعلى هذا المعنَى حمل الجمهورُ الآية، أي: اتخذتم أمْرَ اللَّه وشَرْعَه وراء ظُهُوركم، أي: غَيْرَ مراعًى، وإِما بأَنْ يستند إِليه ويلجأ كما قال عليه السلام:
«وألجأتُ ظَهْرِي إِلَيْكَ» [[تقدم تخريجه.]] وعلى هذا المعنَى حمل الآية قَوْمٌ: أي: وأنتم تتَّخذون اللَّه سَنَدَ ظُهُورِكُمْ وعِمَادَ آمالكم.
وقوله: اعْمَلُوا عَلى مَكانَتِكُمْ معناه: على حالاتكم، وفيه تهديدٌ.
وقوله: سَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَمَنْ هُوَ كاذِبٌ وَارْتَقِبُوا إِنِّي مَعَكُمْ رَقِيبٌ: والصحيحُ: أَن الوقْفَ في قوله: إِنِّي عامِلٌ.
وقوله سبحانه: وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ ... الآية: الصَّيْحَةُ: هي صيحة/ جبريل عليه السلام.
11:95–99Page 232
كَأَن لَّمۡ يَغۡنَوۡاْ فِيهَآۗ أَلَا بُعۡدٗا لِّمَدۡيَنَ كَمَا بَعِدَتۡ ثَمُودُ ٩٥
As if they had never prospered therein. Then, away with Madyan as Thamūd was taken away.
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا مُوسَىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلۡطَٰنٖ مُّبِينٍ ٩٦
And We did certainly send Moses with Our signs and a clear authority1
إِلَىٰ فِرۡعَوۡنَ وَمَلَإِيْهِۦ فَٱتَّبَعُوٓاْ أَمۡرَ فِرۡعَوۡنَۖ وَمَآ أَمۡرُ فِرۡعَوۡنَ بِرَشِيدٖ ٩٧
To Pharaoh and his establishment, but they followed the command of Pharaoh, and the command of Pharaoh was not [at all] discerning.
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
وقوله سبحانه: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيها ... الآية: يَغْنَوْا: معناه: يقيمون بِنَعْمَةٍ وخَفْضِ عيشٍ ومنه المَغَانِي، وهي المنازلُ المعمورةِ بالأهْل، وضمير «فيها» عائد على الديار.
وقوله: بُعْداً: مصدرٌ دعا به كقولك: سُحْقاً للكافرين، وفارَقَتْ هذه قولَهُمْ:
سَلامٌ عَلَيْكُمْ [النحل: 32] لأن بُعْداً إِخبارٌ عن شيء قد وَجَب وتحصَّل، وتلك إِنما هي دعاء مرتجى، ومعنى البُعْد في قراءة: «بَعِدَتْ» - بكسر العين-: الهلاكُ، وهي قراءة الجمهور»
ومنه قول خِرْنِقَ بِنْتِ هَفَّانَ: [الكامل]
لاَ يَبْعَدَنْ قَوْمِي الَّذِينَ هُمُ ... سُمُّ الْعُدَاةِ وآفَةُ الجُزْرِ [[البيت في «ديوانها» ص: (43) ، و «الأشباه والنظائر» (6/ 231) ، و «أمالي المرتضى» (1/ 205) ، و «الإنصاف» (2/ 468) ، و «أوضح المسالك» (3/ 314) ، «الحماسة البصريّة» (1/ 227) ، و «خزانة الأدب» (5/ 41- 42، 44) ، و «الدر» (6/ 14) ، و «سمط اللآلي» ص: (548) ، و «شرح أبيات سيبويه» (2/ 16) ، و «شرح التصريح» (2/ 116) ، و «الكتاب» (1/ 202) ، (2/ 57- 58، 64) ، -[.....]]] ومنه قولُ مالكِ بْنِ الرَّبيعِ: [الطويل]
يَقُولُونَ لاَ تَبْعَدْ وَهُمْ يَدْفِنُوننِي ... وَأَيْنَ مَكَانُ الْبُعْدِ إِلاَّ مَكَانِيَا [[البيت من الطويل، وهو لمالك بن الريب في «ديوانه» ص: (46) ، و «خزانة الأدب» (2/ 338) ، (5/ 46) ، و «شرح شواهد المغني» (2/ 630) ، و «لسان العرب» (3/ 91) (بعد) ، وبلا نسبة في «مغني اللبيب» (1/ 247) .]]
وأما من قرأ: «بَعُدَتْ» ، وهو السُّلَمِيُّ وأبو حَيْوَةَ [[ينظر: «مصادر القراءة السابقة» ، و «الشواذ» ص: (65) ، و «المحتسب» (1/ 327) ، و «الكشاف» (2/ 425) .]] فهو من البُعْدِ الذي هو ضدُّ القُرْب، ولا يُدْعَى به إِلا على مبغوضٍ.
قال ص: وقال ابْنُ الأنباريِّ: من العرب مَنْ يُسَوِّي بين الهلاكِ والبُعْدِ الَّذي هو ضِدُّ القُرْب، فيقولون فيهما: بَعُدَ يَبْعُدُ، وبَعِدَ يَبْعَدُ. انتهى.
وقوله سبحانه: فَاتَّبَعُوا أَمْرَ فِرْعَوْنَ: أي: وخالفوا أمْرَ موسَى، وَما أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ، أي: بمرشِدٍ إِلى خير.
وقال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 204) .]] : بِرَشِيدٍ: أي: بمصيب في مَذْهَبِهِ يَقْدُمُ قَوْمَهُ: أي: يقدمهم إلى النار، والْوِرْدُ، في هذه الآية: هو ورودُ دُخُولٍ.
قال ص: والْوِرْدُ: فاعل «بئس» ، والْمَوْرُودُ: المخصُوصُ بالذَّمِّ، وفي الأول حذْف، أيْ: مَكانُ الورْد، ليطابق المخصُوصَ بالذَّمِّ.
وجوَّز ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (3/ 205) .]] : وأبو البقاءِ أنْ يكونُ «المَوْرُود» صفةً لمكان الوِرْدِ، والمخصوص محذوفٌ، أي: بِئسٍ مكانُ الوِرْدِ المورودُ النارُ، و «الوِرْد» : يجوز أنْ يكون مصْدراً بمعنى الوُرُود، أو بمعنى الوَارِدَة من الإِبل، وقيل: الوِرْد: بمعنى الجَمْعِ للوَارِدِ، والمَوْرُود: صفةٌ لهم، والمخصُوصُ بالذمِّ ضميرٌ محذوف، أي: بئس القوم المَوْرُود بهم هُمْ، انتهى.
وَأُتْبِعُوا فِي هذِهِ لَعْنَةً: يريد: دارَ الدنيا.
وقوله: بِئْسَ الرِّفْدُ الْمَرْفُودُ أي: بِئسَ العطاءُ المعطَى لهم، وهو العذاب، والرّفد في كلام العرب: العطيّة.
11:100–106Page 233
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
And We do not delay it except for a limited term.
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦
As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1
وقوله سبحانه: ذلِكَ مِنْ أَنْباءِ الْقُرى ... الآية: ذلِكَ: إِشارة إِلى ما تقدَّم من ذكْر العُقُوبات النَّازلة بالأُمَمِ المذكُورة، مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ: أي: منها قائمُ الجُدُرَاتِ، ومتهدِّمٌ دائر، والآيةَ بجملتها متضمِّنة التخويفَ وضَرْبَ المثلِ للحاضرين مِنْ أَهْل مكَّة وغيرهم، وال تَتْبِيبٍ: الخُسْرَانُ ومنه: تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ [المسد: 1] .
وقوله: وَكَذلِكَ: الإِشارةُ إِلى ما ذكر من الأخذات في الأمَم، وهذه اية وعيدٍ يعمُّ قرى المُؤمنين والكافرينَ، فإِنَّ «ظالمة» : أعمُّ من «كافرة» ، وقد يمهل اللَّه تعالَى بعْضَ الكَفَرَة، وأما الظَّلَمَةُ، فمعاجَلُون في الغَالِبِ، وقد يُمْلي لَبَعْضِهِمْ، وفي الحديث، من رواية أبي موسَى أن رَسُولَ الله ﷺ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ يُمْلِي لِلظَّالِمَ حَتَّى إِذَا أَخَذَهُ، لَمْ يُفْلِتْه» ، ثم قرأ: وَكَذلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذا أَخَذَ الْقُرى وَهِيَ ظالِمَةٌ ... الآية [[أخرجه البخاري (8/ 205) كتاب «التفسير» باب: وكذلك أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ القرى وَهِيَ ظالمة، حديث (4686) ، ومسلم (4/ 1997- 1998) كتاب «البر والصلة» باب: تحريم الظلم، حديث (61/ 2583) ، والترمذي (5/ 288) كتاب «التفسير» باب: ومن سورة هود، حديث (3110) ، وابن ماجه (2/ 1332) كتاب «الفتن» باب: العقوبات، حديث (4018) ، والنسائي في «التفسير» رقم: (265) ، من حديث أبي موسى الأشعري.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح غريب، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (3/ 632) ، وزاد نسبته إلى ابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والبيهقي في «الأسماء والصفات» .]] ، وهذه قراءة الجماعة، وهي تعطي بقاءَ الوَعِيدِ، واستمراره في الزمان إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً: أي: لعبرةً وعلامةَ اهتداءٍ، لِمَنْ خافَ عَذابَ الْآخِرَةِ، ثم عَظَّمَ اللَّه أمْرَ الآخرة، فقالَ: ذلِكَ يَوْمٌ مَجْمُوعٌ لَهُ النَّاسُ، وهو يومُ الحَشْر، وَذلِكَ يَوْمٌ مَشْهُودٌ يَشْهَدُهُ الأوَّلون والآخِرُون من الملائِكَةِ، والإِنس، والجنِّ والحيوانِ في قول الجمهور، وَما نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ لا يتقدّم عنه ولا يتأخّر.
قال ص: والظاهر أنَّ ضمير فاعل: «يأت» : يعودُ على ما عاد عَلَيْه ضَميرُ «نُؤَخِّره» ، والناصبُ ل «يَوْم» «لا تَكَلَّمُ» ، والمعنى: لا تكَلَّمُ نَفْسٌ يوم يأتي ذلك اليَوْمُ إِلا بإِذنه سبحانه. انتهى.
وقوله تعالى: فَمِنْهُمْ: عائدٌ على الجمعِ الذي يتضمَّنه قوله: نَفْسٌ، إِذ هو اسمُ جِنْسٍ يراد به الجَمْعُ فَأَمَّا الَّذِينَ شَقُوا فَفِي النَّارِ لَهُمْ فِيها زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ وهي أصواتُ المكْروبين والمَحْزُونين والمعذَّبين، ونحو ذلك، قال قتادةُ: الزَّفير: أول صَوْتِ الحِمارِ، والشهيقُ: آخره [[أخرجه الطبري (7/ 114) برقم: (18582) ، وابن عطية (3/ 207) .]] ، فصياحُ أهْل النَّار كذلك، وقال أبو العالية: «الزفير» : من الصدر، و «الشهيق» : من الحَلْق [[أخرجه الطبري (7/ 114) برقم) (18580، 18581) ، وذكره ابن عطية (3/ 207) .]] ، والظاهر ما قال أبو العالية.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences