Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:172–177
2:172–173Page 26
يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَٰتِ مَا رَزَقۡنَٰكُمۡ وَٱشۡكُرُواْ لِلَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١٧٢
O you who have believed, eat from the good [i.e., lawful] things which We have provided for you and be grateful to Allāh if it is [indeed] Him that you worship.
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ بِهِۦ لِغَيۡرِ ٱللَّهِۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَلَآ إِثۡمَ عَلَيۡهِۚ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٌ ١٧٣
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit], there is no sin upon him. Indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا/ كُلُوا مِنْ طَيِّباتِ مَا رَزَقْناكُمْ ... الآية: الطَّيِّب:
هنا يجمع الحلال المستلَذَّ، والآية تشير بتبعيض «مِنْ» إلى أن الحرام رزْقٌ، وحضّ سبحانه على الشكر، والمعنى: في كل حالةٍ، وفي «مصابيح البَغَوِيِّ» عن أبي دَاوُدَ والنَّسائِيِّ عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قال: «الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ كَالصَّائِمِ الصَّابِرِ» [[أخرجه الترمذي (4/ 653) ، كتاب «صفة القيامة» ، باب (43) رقم (2486) ، حدثنا إسحاق بن موسى الأنصاري، ثنا محمد بن معن، حدثني أبي عن أبي سعيد المقبري، عن أبي هريرة بن مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب.
وأخرجه الحاكم (4/ 136) من طريق عمر بن علي المقدمي، عن محمد بن معن به.
وقال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.
وأخرجه ابن حبان (952- موارد) من طريق معتمر بن سليمان، عن معمر، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة به.
وهذا سند منقطع كما أفاد الحافظ في «الفتح» (9/ 583) ، وقال: لكن في الرواية انقطاع خفي على ابن حبان، فقد رويناه في مسند مسدد عن معتمر، عن معمر، عن رجل من بني غفار عن المقبري اهـ.
والطريق الذي ذكره الحافظ وعزاه لمسدد: أخرجه عبد الرزاق (10/ 424) رقم (19573) ، وأحمد (2/ 283) ، والبيهقي (4/ 306) كتاب «الصيام» ، باب ما جاء في الطاعم الشاكر. كلهم من طريق معمر عن رجل من بني غفار، عن المقبري، عن أبي هريرة به. وللحديث طرق أخرى عن أبي هريرة: فأخرجه أحمد (2/ 289) ، والحاكم (4/ 136) من طريق محمد بن عبد الله بن أبي حرة عن عمه حكيم عن سليمان الأغر عن أبي هريرة.
وأخرجه ابن ماجة (1/ 561) كتاب «الصيام» ، باب فيمن قال: الطاعم الشاكر كالصائم الصابر، حديث (1764) من طريق عبد الله بن عبد الله الأموي، عن معن بن محمد عن حنظلة بن علي الأسلمي، عن أبي هريرة به.
وللحديث شاهد آخر من حديث عائشة: أخرجه الحاكم (2/ 12) من طريق عبد العزيز بن يحيى: ثنا سليمان بن بلال، عن علقمة بن أبي علقمة، عن أمه عن عائشة أن رسول الله ﷺ قال: «ليس بالمؤمن الذي يبيت وجاره جائع إلى جنبه» .
وسكت عنه الحاكم، وقال الذّهبي: عبد العزيز ليس بثقة.
وقال ابن حجر في «التقريب» (1/ 523) : متروك كذبه إبراهيم بن المنذر.]] . انتهى.
قال القُشَيْرِيُّ: قال أهل العلْمِ بالأصول: نِعَمُ اللَّهِ تعالى على ضربَيْن: نعمةُ نَفْعٍ، ونعمةُ دَفْعٍ، فنعمةُ النفْعِ: ما أولاهم، ونعمةُ الدفع: ما زوى عنهم، وليس كلّ إنعامه سبحانه انتظام أسبابِ الدنيا، والتمكُّنَ منها، بل ألطافُ اللَّه تعالى فيما زوى عنهم من الدُّنْيَا أكثرُ، وإن قرب العبد من الربِّ تعالى على حسب تباعُدِهِ من الدنيا. انتهى من «التَّحْبير» .
وقال أبو عمر بن عبد البر في كتابهِ المسمى ب «بهجة المجالس» . قال رسول الله ﷺ: «مَا أَنْعَمَ اللَّهُ على عَبْدٍ بِنِعْمَةٍ، فَعَلِمَ أَنَّهَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِلاَّ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ شُكْرَهَا، وَمَا عَلَمَ اللَّهُ مِنْ عَبْدٍ نَدَامَةً على ذَنْبٍ إِلاَّ غَفَرَ لَهُ قَبْلَ أَنْ يَسْتَغْفِرَهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَلْبَسُ الثَّوْبَ، فَيَحْمَدُ اللَّهَ، فَمَا يَبْلُغُ رُكْبَتَيْهِ حتى يُغْفَرَ لَهُ» [[تقدم تخريجه.]] قال أبو عُمَر: مكتوبٌ في التوراةِ: «اشكر لِمَنْ أَنْعَمَ عَلَيْكَ، وَأَنْعِمْ على مَنْ شَكَرَكَ فَإِنَّهُ لاَ زَوَالَ لِلنِّعَمِ، إِذَا شُكِرَتْ، وَلاَ مُقَامَ لَهَا، إِذَا كُفِرَتْ» . انتهى.
«وإِنْ» من قوله: إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ: شرطٌ، والمراد بهذا الشرط التثبيتُ، وهزُّ النفوس كما تقول: افعل كَذَا، إِنْ كنْتَ رجلاً، و «إِنَّمَا» هاهنا حاصرة، ولفظ الميتة عمومٌ، والمعنى مخصِّص لأنَّ الحوتَ لم يدخُلْ قطُّ في هذا العموم، وفي مسند البزّار عن النبيّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ الخَمْرَ وَثَمَنَهَا، وَحَرَّمَ المَيْتَةَ وَثَمَنَهَا، وحَرَّمَ الْخِنْزِيرَ، وَثَمَنَهُ» [[لقد أبعد المصنف (رحمه الله) النجعة في هذا الحديث، حيث إن هذا الحديث بهذا اللفظ قد أخرجه أبو داود (2/ 301) كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر والميتة، حديث (3485) من حديث أبي هريرة مرفوعا.
وللحديث شاهد من حديث جابر: أخرجه البخاري (4/ 424) كتاب «البيوع» ، باب بيع الميتة: والأصنام حديث (2236) ، ومسلم (3/ 1207) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، والأصنام حديث (71/ 1581) ، وأحمد (3/ 324، 326) ، وأبو داود (3/ 756- 757) كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر، والميتة حديث (3486) . والترمذي (3/ 591) كتاب «البيوع» ، باب ما جاء في بيع جلود الميتة والأصنام، حديث (1297) ، والنسائي (7/ 309- 310) ، كتاب «البيوع» ، باب بيع الخنزير، وابن ماجة (2/ 732) ، كتاب «التجارات» ، باب ما لا يحل بيعه حديث (2167) ، وأبو يعلى (3/ 395- 396) رقم (1873) ، وابن الجارود (578) ، والبيهقي (6/ 12) كتاب «البيوع» ، باب تحريم بيع الخمر، والميتة، والخنزير والأصنام. والبغوي في «شرح السنة» (4/ 218- بتحقيقنا) من طريق يزيد بن أبي حبيب، عن عطاء بن أبي رباح عن جابر به.
وقال الترمذي: حسن صحيح.
وفي الباب عن عمر بن الخطاب، وابن عباس، وأبو هريرة، وعبد الله بن عمرو، ويحيى بن عباد، وأنس بن مالك:
حديث عمر بن الخطاب:
أخرجه البخاري (4/ 483) كتاب «البيوع» باب لا يذاب شحم الميتة ويباع ودكه، حديث (2223) ، -- ومسلم (3/ 1208) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (1/ 1852) ، والنسائي (7/ 177) ، كتاب «الفرع والعتيرة» ، باب النهي عن الانتفاع بما حرم الله (عز وجل) . وابن ماجة (2/ 1122) ، كتاب «الأشربة» ، باب التجارة في الخمر، حديث (3383) .
والدارمي (2/ 115) كتاب «الأشربة» ، باب النهي عن الخمر وشرائها. وأحمد (1/ 25) ، والحميدي (1/ 9) رقم (13) ، وعبد الرزاق (8/ 195- 196) رقم (14854) ، وابن الجارود رقم (577) ، وأبو يعلى (1/ 178) رقم (200) . والبغوي في «شرح السنة» (4/ 220- 221- بتحقيقنا) كلهم من طريق طاوس، عن ابن عباس قال: بلغ عمر أن فلانا باع خمرا فقال: قاتل الله فلانا ألم يعلم أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله اليهود حرمت عليهم الشحوم فجملوها فباعوها» .
حديث ابن عباس:
أخرجه أحمد (1/ 347، 293) ، وأبو داود (2/ 2- 3) ، كتاب «البيوع» ، باب في ثمن الخمر والميتة حديث (3488) ، والبيهقي (6/ 13) كتاب «البيوع» ، باب تحريم بيع ما يكون نجسا لا يحل أكله. كلهم من طريق أبي الوليد، عن ابن عباس قال: رأيت رسول الله ﷺ جالسا عند الركن قال: فرفع بصره إلى السماء فضحك، فقال: «لعن الله اليهود.. ثلاثا، إن الله تعالى حرم عليهم الشّحوم فباعوها، وأكلوا أثمانها، وإن الله تعالى إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم ثمنه» .
حديث أبي هريرة:
أخرجه البخاري (4/ 484) كتاب «البيوع» ، باب لا يذاب شحم الميتة ولا يباع، ودكه حديث (2224) ، ومسلم (3/ 1208) كتاب «المساقاة» ، باب تحريم بيع الخمر والميتة والخنزير والأصنام، حديث (1583) من طريق سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة، أن رسول الله ﷺ قال: «قاتل الله يهودا حرمت عليهم الشحوم، فباعوها، وأكلوا أثمانها» .
حديث عبد الله بن عمر:
أخرجه أحمد (2/ 213) عنه، قال: سمعت رسول الله ﷺ عام الفتح يقول: «إن الله ورسوله حرم بيع الخمر، والميتة، والخنزير، فقيل: يا رسول الله، أرأيت شحوم الميتة فإنه يدهن به الجلود، ويستصبح بها الناس، فقال: «لا، هي حرام» ، ثم قال: «قاتل الله اليهود، إن الله لما حرم عليهم الشحوم جملوها، ثم باعوها، فأكلوا ثمنها» .
وذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 94) ، وقال: رواه أحمد، والطبراني في «الأوسط» ، إلا أنه قال: نهى رسول الله ﷺ عن ثمن الكلب، وثمن الخنزير، وعن مهر البغي، وعن عسب الفحل. ورجال أحمد ثقات وإسناد الطبراني حسن.
حديث يحيى بن عباد:
ذكره الهيثمي في «المجمع» (4/ 92) عنه، قال: أهدي للنبي ﷺ زق خمر بعد ما حرمت فلما أتي بها النبي ﷺ فقال: «إنّ الخمر قد حرمت» ، فقال بعضهم: لو باعوها فأعطوا ثمنها فقراء المسلمين، فأمر بها النبي ﷺ فأهريقت في وادي من أودية «المدينة» ، وقال: «لعن الله اليهود، حرمت عليهم شحومها فباعوها، وأكلوا أثمانها» .
قال الهيثمي: رواه الطبراني في «الأوسط» ، وفيه أشعث بن سوار، وهو ثقة، وفيه كلام. -]] انتهى من «الكوكب الدُّرِّيِّ» للإمام أبي العباس أحمد بن سعد التّجيبيّ.
وَالدَّمَ يراد به المسفوحُ لأن ما خالط اللحْمَ، فغير محرَّم بإِجماع.
ت: بل فيه خلافٌ شاذٌّ، ذكره ابن الحاجبِ، وغيره، والمشهورُ: أظهر لقول عائشةَ- رضي اللَّه عنها-: «لَوْ حُرِّمَ غَيْرُ المَسْفُوحِ، لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي العُرُوقِ، وَلَقَدْ كُنَّا نَطْبُخُ اللَّحْمَ، وَالبُرْمَةُ تَعْلُوهَا الصُّفْرَةُ» . انتهى.
وَما أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ.
قال ابن عبَّاس وغيره: المراد ما ذُبِحَ للأنْصَاب والأوثان [[أخرجه الطبري (2/ 90) برقم (2479- 2481) بإسنادين مختلفين عن ابن عباس بنحوه، وذكره ابن عطية (1/ 240) والسيوطي في «الدر» (1/ 308) ، وعزاه لابن المنذر، وابن جرير.]] ، وأُهِلَّ بِهِ: معناه صِيحِ به ومنه: استهلالُ المولودِ، وجرَتْ عادة العرب بالصياحِ باسم المقصودِ بالذبيحةِ، وغلب ذلك في استعمالهم حتى عبر به عن النيَّة التي هي علَّة التحريم.
فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ قال قتادة وغيره: غيْرَ قاصدِ فسادٍ [[أخرجه الطبري (2/ 92) برقم (2495) بنحوه. وذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 240) ، والبغوي في «التفسير» (1/ 141) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 308) ، وعزاه لعبد بن حميد.]] وتعدٍّ بأن يجدَ عن هذه المحرَّمات مندوحةً، ويأكلها، وأصحاب هذا القول يجيزونَ الأكل منها في كلِّ سفر، مع الضرورة، وقال مجاهد وغيره: المعنى: غير باغٍ على المسلمين، وعَادٍ عليهم، فيدخل في الباغِي والعادِي قُطَّاعُ السبل، والخارجُ على السلطانِ، والمسافر في قَطْع الرحمِ، والغَارَةُ على المسلمين، وما شاكله، ولغير هؤلاء: هي الرخصة [[الرخصة (بسكون الخاء وحكي ضمها) في اللغة: التيسير والتسهيل. قال الجوهري: الرخصة في الأمر:
خلاف التشديد فيه، ومن ذلك رخص الشعر إذا سهل وتيسر.
وفي الاصطلاح: الحكم الثابت على خلاف الدليل لعذر.
وتنقسم الرخصة إلى أربعة أقسام:
الأول: الإيجاب، ويمثل له بوجوب أكل الميتة للمضطر الثابت بقوله تعالى: وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [البقرة: 195] مع قوله تعالى: فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ باغٍ وَلا عادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ [البقرة: 173] على خلاف قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... [المائدة: 3] إلخ فهو رخصة لأنه حكم ثبت على خلاف الدليل لعذر هو حفظ الحياة.
الثاني: الندب، كقصر الصلاة الرباعية في السفر الثابت بقوله ﷺ: «صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» على خلاف الدليل الموجب للإتمام، وهو فعله ﷺ مع قوله ﷺ: «صلوا كما رأيتموني أصلي» المبين للعدد المطلوب في قوله تعالى: أَقِيمُوا الصَّلاةَ.
الثالث: الإباحة، كإباحة السلم الثابت بقوله ﷺ: «من أسلم فليسلم في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى-]] .
قال مالك [[أخرجه الطبري (2/ 91- 92) بإسنادين عن مجاهد. وسعيد بن منصور في سننه (2/ 645) برقم (243) وذكره ابن عطية (1/ 240) .]] - رحمه اللَّه-: يأكل المضطَرُّ شِبَعَهُ، وفي «الموطّإ» وهو لكثير من 42 ب العلماءِ أنه يتزوَّد، إِذا خشي الضرورة فيما بين يديه/ من مفازةٍ وقَفْرٍ.
قال ابنُ العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «الأحكام» (1/ 56) .]] ، وقد قال العلماء: إِنَّ من اضطرَّ إلى أكل الميتةِ، والدمِ، ولحمِ الخنزيرِ، فلم يأكلْ، دخل النَّار إِلا أنْ يَغْفِرَ اللَّه له. انتهى. والمعنى: أنه لم يأكلْ حتى مات جوعاً، فهو عاصٍ، وكأنه قتل نفسه، وقد قال تعالى: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ... [النساء: 29] الآية إِلى قوله: وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ عُدْواناً وَظُلْماً فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً [النساء: 30] قال ابن العربيِّ: وإذا دامتِ المَخْمَصة [[المخمصة: مفعلة من الخمص، وهو ضمور البطن، ومنه: رجل خامص، وخمصان البطن، وامرأة خمصانة، ولما كان الجوع يؤدي إلى ضمور البطن عبّر به عنه: أي فمن اضطر في مجاعة.
ينظر: «عمدة الحفاظ» (1/ 617) .
لأن الضرورة تقدر بقدرها، فأكل الميتة محظور، ولكن إبقاء مهجة الإنسان عند المخمصة ضرورة، وليست أقل من المحظور، فيباح المحظور لأجل الضرورة، فعليه الأكل لإبقاء روحه، فلو لم تبح الضرورات المحظورات لما تحقق الضرر، والضرر يزال.]] ، فلا خلاف في جواز شبع المضطَرِّ، وإن كانت نادرةً، ففي شبعه قوْلانِ: أحدهما لمالك: يأكل حتى يَشْبَعَ، ويتضلَّع، وقال غيره: يأكل بمقدارِ سدّ الرّمق، وبه قال ابن حبيب [[ابن حبيب: هو أبو مروان عبد الملك بن حبيب، كان إماما في الحديث، والفقه، واللغة، والنحو، انتهت إليه رئاسة العلم في الأندلس، ولد في «ألبيرة» ، وسكن «قرطبة» ، وتفقه بابن الماجشون، ومطرف، وعبد الله بن عبد الحكم، وغيرهم، له مؤلفات تزيد على ألف كتاب، أشهرها:
«الواضحة» ، توفي عام 238 هـ، وقيل 239 هـ.]] ، وابن الماجشون [[هو عبد الملك بن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون، كنيته أبو مروان، والماجشون هو أبو سلمة، والماجشون: المورد بالفارسية، سمي بذلك لحمرة في وجهه.
كان عبد الملك فقيها فصيحا، دارت عليه الفتوى في أيامه إلى أن مات، كما دارت على أبيه قبله، فهو فقيه تفقه بأبيه وبمالك، وغيرهما، وتفقه به خلق كأحمد بن المعذل، وابن حبيب، توفي عبد الملك سنة اثنتي عشرة، وقيل: ثلاث عشرة، وقيل: أربع عشرة ومائتين هجرية.
ينظر: «الديباج المذهب» (2/ 6) ، و «ترتيب المدارك» (2/ 360) ، و «وفيات الأعيان» (2/ 340) ، و «شجرة النور الزكية» (1/ 56) .]] . انتهى.
2:174–176Page 26
إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكۡتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلۡكِتَٰبِ وَيَشۡتَرُونَ بِهِۦ ثَمَنٗا قَلِيلًا أُوْلَٰٓئِكَ مَا يَأۡكُلُونَ فِي بُطُونِهِمۡ إِلَّا ٱلنَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمۡ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٧٤
Indeed, they who conceal what Allāh has sent down of the Book and exchange it for a small price - those consume not into their bellies except the Fire. And Allāh will not speak to them on the Day of Resurrection, nor will He purify them. And they will have a painful punishment.
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشۡتَرَوُاْ ٱلضَّلَٰلَةَ بِٱلۡهُدَىٰ وَٱلۡعَذَابَ بِٱلۡمَغۡفِرَةِۚ فَمَآ أَصۡبَرَهُمۡ عَلَى ٱلنَّارِ ١٧٥
Those are the ones who have exchanged guidance for error and forgiveness for punishment. How patient they are for [i.e., in pursuit of] the Fire!
ذَٰلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّۗ وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخۡتَلَفُواْ فِي ٱلۡكِتَٰبِ لَفِي شِقَاقِۭ بَعِيدٖ ١٧٦
That is [deserved by them] because Allāh has sent down the Book in truth. And indeed, those who differ over the Book are in extreme dissension.
وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتابِ ... الآية.
قال ابن عَبَّاس وغيره: المراد أحبار اليهود الذين كتموا أمْر محمّد ﷺ، والْكِتابِ: التوراة والإِنجيل [[أخرجه الطبري (2/ 94) برقم (2502- 2503- 2504) عن قتادة، والربيع، والسدي. وذكره ابن عطية في التفسير (1/ 241) .]] .
ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 241) .]] : وهذه الآية وإِن كانَتْ نزلَتْ في الأحبار، فإِنها تتناوَلُ من علماء المسلمين مَنْ كتم الحقَّ مختاراً لذلك بسبب دُنْيَا يصيبُهَا، وفي ذكر البَطْنِ تنبيهٌ على مذمَّتهم بأنهم باعوا آخرتهم بحظِّهم من المطعم الذي لا خَطَرَ له، وعلى هُجْنَتِهمْ [[الهجنة من الكلام: ما يعيبك، وتقول: لا تفعل كذا فيكون عليك هجنة. ينظر: «لسان العرب» (4625- 4626) .]] بطاعة بُطُونهم، قال الرَّبِيع وغيره: سمى مأكولهم ناراً لأنه يؤول بهم إِلى النار [[ينظر: «المحرر» (1/ 241) .]] ، وقيل: يأكلون النار في جَهَنَّمَ حقيقةً.
ت: وينبغي لأهل العلْمِ التنزُّه عن أخْذ شيء من المتعلِّمين على تعليم العلْم، بل يلتمسُونَ الأجر من اللَّه عزَّ وجلَّ [[«تفسير الطبري» (3/ 330) .]] ، وقد قال تعالى لنبيِّه- عليه السلام-: قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً ... [الأنعام: 90] الآية، وفي سنن أبي دَاوُدَ، عن عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ [[هو: عبادة بن الصامت بن قيس بن صرم بن فهر بن قيس بن ثعلبة بن غنم بن سالم بن عوف بن عمرو بن عوف بن الخزرج، أبو الوليد الأنصاري، الخزرجي.
من مناقبه: نزل فيه قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ [سورة المائدة:
الآية 51] لما تبرأ من حلفه مع بني قينقاع لما خانوا المسلمين في غزوة الخندق.
توفي سنة 34 بالرملة. وقيل: ببيت المقدس. وقيل: عاش إلى سنة «45» .
ينظر ترجمته في: «الثقات» (3/ 302) ، «أسد الغابة» (3/ 160) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 394) ، «أصحاب بدر» (184) ، «الإصابة» (4/ 27) ، «الطبقات» (99، 302) ، «المصباح المضيء» (1/ 85) ، «الجرح والتعديل» (6/ 95) ، «تقريب التهذيب» (1/ 395) ، «الاستيعاب» (2/ 807) ، «تهذيب التهذيب» (5/ 111) ، «التاريخ الصغير» (1/ 41، 42، 65، 66) ، «التاريخ الكبير» (6/ 92) ، «الوافي بالوفيات» (16/ 618) ، «الطبقات الكبرى» (9/ 107) ، «تهذيب الكمال» (2/ 655) ، «طبقات الحفاظ» (45) ، «الأعلام» (3/ 258) ، «الرياض المستطاب» (207) .]] ، قال: «عَلَّمْتُ نَاساً مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الكِتَابَ، وَالقُرْآنَ، وأهدى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْساً، فَقُلْتُ:
لَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، لآتِيَنَّ رَسُولَ الله ﷺ، فَلأسْأَلَنَّهُ، فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ:
يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أهدى إِلَيَّ قَوْساً مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الكِتَابَ وَالقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ، وَأَرْمِي عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقاً مِنْ نَارٍ، فاقبلها» ، وَفِي روايةٍ: «فَقُلْتُ مَا ترى فِيهَا، يَا رَسُولَ اللَّهُ؟ قَالَ: جَمْرَةٌ بَيْنَ كَتِفَيْكَ تَقَلَّدْتَهَا أَوْ تَعَلَّقْتَهَا» [[أخرجه أبو داود (2/ 285) كتاب «الإجارة» ، باب في كسب المعلم، حديث (3416) ، وابن ماجة (2/ 729- 730) كتاب «التجارات» ، باب الأجر على تعليم القرآن، حديث (2157) ، وأحمد (5/ 315) ، وعبد بن حميد في «المنتخب من المسند» (183) من طريق المغيرة بن زياد الموصلي عن عبادة بن نسي عن الأسود بن ثعلبة عن عبادة بن الصامت به.]] .
انتهى.
وقوله تعالى: وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ: قيل: هي عبارةٌ عن الغضب عليهم، وإِزالة الرضَا عنهم إِذ في غير موضعٍ من القُرآن ما ظاهره أن اللَّه تعالى يكلِّم الكافرين، وقال الطبريُّ وغيره: المعنى: لا يكلِّمهم بما يحبُّونَهُ.
وَلا يُزَكِّيهِمْ، أي: لا يطهِّرهم من موجباتِ العذابِ، وقيل: المعنى: لا يسمِّيهم أزكياء.
وقوله تعالى: فَما أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ: قال جمهور المفسِّرين: «ما» تعجُّب، وهو في حيِّز المخاطبين، أي: هم أهلٌ أن تَعْجَبُوا منْهم، وممَّا يطول مُكْثُهم في النَّار، وفي التنزيل: قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [عبس: 17] وأَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ [مريم: 38] .
وقال قتادة، والحَسَنُ، وابْنُ جُبَيْر، والربيع: أظهر التعجُّب من صبرهم على النار لَمَّا عملوا عملَ مَنْ وَطَّن نفْسه علَيْها [[أخرجه الطبري (2/ 96) برقم (2508- 2509- 2510- 2511- 2512) ، عن قتادة، والحسن، وسعيد بن جبير، والربيع. وذكره ابن عطية (1/ 242) ، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 66) عن قتادة بلفظ: «ما أجرأهم عليها» ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 309) عن قتادة، وعزاه لابن جرير.]] ، وتقديره ما أجرأَهم علَى النَّارِ إِذ يعملون عملاً يؤدِّي إِليها، وذهب مَعْمَرُ بْنُ المثنى إِلى أن «ما» استفهامٌ، معناه: أيُّ شَيْءٍ صبرهم عَلَى النار [[وبه قال السدي وجماعة، كما في تفسير الطبري (3/ 332) ، عن السدي، وأبي كريب، وابن زيد، وفي «البحر» (1/ 669) عن ابن عباس والسدي، والمبرد ومعمر بن المثنى، وفي «الدر» (1/ 169) عن السدي، وفي «فتح القدير» (1/ 172) عنه أيضا. وينظر: «مجاز القرآن» لأبي عبيدة (1/ 64) .]] ، والأول أظهر.
وقوله سبحانه: ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ... الآية: المعنى: ذلك الأمر بأنَّ اللَّه نزَّل الكتابَ بالحَقِّ، فكفروا/ به، والإشارة إلى وجوب النّار لهم.
والْكِتابَ: القرآن، وبِالْحَقِّ، أي: بالإخبار الحقّ، أي: الصادقة.
والَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتابِ هم اليهودُ والنصارى، في قول السُّدِّيِّ [[أخرجه الطبري (2/ 98) برقم (2520) وذكره ابن عطية (1/ 242) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 309) ، وعزاه لابن جرير.]] ، وقيل:
هم كفَّار العرب لقول بعضهم: هو سِحْرٌ، وبعضهم: أساطير، وبَعْضهم: مفترًى، إلى غير ذلك.
وبَعِيدٍ، هنا: معناه من الحقّ، والاستقامة.
2:177Page 27
۞ لَّيۡسَ ٱلۡبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمۡ قِبَلَ ٱلۡمَشۡرِقِ وَٱلۡمَغۡرِبِ وَلَٰكِنَّ ٱلۡبِرَّ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةِ وَٱلۡكِتَٰبِ وَٱلنَّبِيِّـۧنَ وَءَاتَى ٱلۡمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ ذَوِي ٱلۡقُرۡبَىٰ وَٱلۡيَتَٰمَىٰ وَٱلۡمَسَٰكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَٱلسَّآئِلِينَ وَفِي ٱلرِّقَابِ وَأَقَامَ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتَى ٱلزَّكَوٰةَ وَٱلۡمُوفُونَ بِعَهۡدِهِمۡ إِذَا عَٰهَدُواْۖ وَٱلصَّٰبِرِينَ فِي ٱلۡبَأۡسَآءِ وَٱلضَّرَّآءِ وَحِينَ ٱلۡبَأۡسِۗ أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡمُتَّقُونَ ١٧٧
Righteousness is not that you turn your faces toward the east or the west, but [true] righteousness is [in] one who believes in Allāh, the Last Day, the angels, the Book, and the prophets and gives wealth, in spite of love for it, to relatives, orphans, the needy, the traveler, those who ask [for help], and for freeing slaves; [and who] establishes prayer and gives zakāh; [those who] fulfill their promise when they promise; and [those who] are patient in poverty and hardship and during battle. Those are the ones who have been true, and it is those who are the righteous.
وقوله تعالى: لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ ... الآية: قال ابن عَبَّاس وغيره: الخِطَابُ بهذه الآية للمؤمنين، فالمعنى: ليس البرّ الصلاة وحدها [[أخرجه الطبري (2/ 99) برقم (2521- 2524) بإسنادين عن ابن عباس. وذكره ابن عطية (1/ 243) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 310) بإسنادين، عن ابن عباس، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، وقال قتادة، والربيع: الخطاب لليهودِ والنصارى لأنهم تكلَّموا في تحويل القبلة، وفضَّلت كل فرقة تولِّيها، فقيلَ لهم: ليس البرَّ ما أنتم فيه، ولكنَّ البرَّ من آمن باللَّه [[أخرجه الطبري (2/ 99- 100) برقم (2526- 2528) عن قتادة، والربيع بن أنس، وذكره ابن عطية (1/ 243) .
وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 66) عن قتادة. وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 310) عن قتادة، وعزاه لعبد الرزاق، وابن جرير.]] .
وقوله تعالى: وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآيةَ: هذه كلُّها حقوقٌ في المال سوى الزكاةِ، قال الفَخْر [[«التفسير الكبير» (5/ 35) .]] : وروَتْ فاطمةُ بنْتُ قَيْسٍ، أنَّ فِي المَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ [[أخرجه الترمذي (3/ 48) في الزكاة، باب ما جاء أن في المال حقا سوى الزكاة (659، 660) . والطبري (2/ 57) ، والدارمي (1/ 385) في الزكاة، باب ما يجب في مال سوى الزكاة. والدارقطني (2/ 125) في الزكاة، باب تعجيل الصدقة قبل الحول رقم (11، 12) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (2/ 27) ، والبيهقي (4/ 84) في الزكاة: باب الدليل على أن من أدى فرض الله في الزكاة، فليس عليه أكثر منه إلا أن يتطوع ... من طريق شريك، عن أبي حمزة، عن الشعبي، عن فاطمة بنت قيس بنحوه.
وقال الترمذي: هذا حديث ليس إسناده بذاك، وأبو حمزة ميمون الأعور يضعف. وروى بيان وإسماعيل بن سالم، عن الشعبي هذا الحديث من قوله. وهذا أصح. وقال البيهقي: هذا حديث يعرف بأبي حمزة ميمون الأعور كوفي، وقد جرحه أحمد بن حنبل، ويحيى بن معين، فمن بعدهما من حفاظ الحديث. والذي يرويه أصحابنا في التعاليق ليس في المال حق سوى الزكاة- فلست أحفظ فيه إسنادا.
وأخرجه ابن ماجة بالإسناد السابق (1/ 570) في الزكاة، باب ما أدي زكاته ليس بكنز (1789) بلفظ:
«ليس في المال حق سوى الزكاة» .
وقال النووي كما في تخريج أحاديث «الكشاف» للزيعلي (1/ 107) : حديث «ليس في المال حق سوى الزكاة» حديث منكر. ثم نقل كلام البيهقي برمته.
وبالجملة فالحديث كيفما كان ضعيف بأبي حمزة ميمون الأعور ضعفه الترمذي. وقال البيهقي: لا يثبت إسناده، تفرد به أبو حمزة الأعور، وهو ضعيف. ومن تابعه أضعف منه.
وللفظ الأول من الحديث شاهد أخرجه البخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 89، 90) ، من طريق موسى بن إسماعيل، عن محمد بن راشد، عن عبد الكريم، عن حبان بن جزىء، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ: «في المال حق بعد الزكاة؟ قال: نعم، يحمل على النجيبة» .]] ، وتَلاَ:
وَآتَى الْمالَ عَلى حُبِّهِ ... الآية، وعنه ﷺ «لاَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَاليَوْمِ الآخِرِ مَنْ بَاتَ شبعان، وجاره طاويا إلى جنبه» [[أخرجه البزار (1/ 76- كشف) رقم (115) ، من طريق حسين بن علي الجعفي، ثنا سفيان بن عيينة، عن علي بن زيد بن جدعان، عن أنس مرفوعا بلفظ: «ليس المؤمن الذي يبيت شبعان وجاره طاوي» .
وقال البزار: لا نعلمه، يروى عن أنس إلا من هذا الوجه.
قلت: وفي كلام البزار نظر حيث إن للحديث طريقا آخر عن أنس: أخرجه الطبراني في «المعجم-- الكبير» (1/ 259) رقم (751) ، من طريق محمد بن سعيد الأثرم، ثنا همام، ثنا ثابت، ثنا أنس قال:
قال رسول الله ﷺ: «ما آمن بي من بات شبعانا، وجاره جائع إلى جنبه، وهو يعلم به» . والحديث ذكره الهيثمي في «المجمع» (8/ 170) ، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناد البزار حسن.
والحديث ذكره أيضا المنذري في «الترغيب» (3/ 334) ، وقال: رواه الطبراني، والبزار، وإسناده حسن، وللحديث شاهد من حديث ابن عباس.
أخرجه البخاري في «الأدب المفرد» رقم (110) ، وفي «التاريخ الكبير» (5/ 195، 196) ، وأبو يعلى (5/ 92) رقم (2699) ، والحاكم (4/ 167) ، والطبراني في «الكبير» (12/ 154) رقم (12741) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (10/ 392) ، كلهم من طريق سفيان عن عبد الملك بن أبي بشير، عن عبد الله بن المساور، عن ابن عباس قال: قال رسول الله ﷺ: «ليس المؤمن الذي يشبع، وجاره جائع إلى جنبه» .
والحديث ذكره المنذري في «الترغيب» (3/ 334) ، وقال: رواه الطبراني، وأبو يعلى ورواته ثقات.
وقال الهيثمي في «المجمع» (8/ 170) : رواه الطبراني، وأبو يعلى، ورجاله ثقات.]] انتهى.
قال ابن العربيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «الأحكام» (1/ 59) .]] : وإِذا وقع أداء الزكاة، ثم نزلَتْ بعد ذلك حاجةٌ، فإِنه يجبُ صرف المال إِليها باتفاق من العلماءِ، وقد قال مالك: يجبُ على كافَّة المسلمين فِدَاءُ أسراهم، وإن استغرق ذلك أموالَهُمْ، وكذلك إِذا منع الوالي الزكاةَ، فهل يجبُ على الأغنياء إِغناءُ الفقراء؟ الصحيحُ: وجوبُ ذلك علَيْهم. انتهى.
ومعنى: آتَى: أعطى على حبِّه، أي: على حبِّ المال، ويحتملُ أن يعود الضميرُ على اسْمِ اللَّه تعالى من قوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ، أي: من تَصَدَّقَ مَحَبَّة في اللَّه وطاعته.
ص: والظاهر أن الضمير في «حُبِّهِ» عائدٌ على «المال» لأن قاعدتهم أن الضمير لا يعود على غير الأقرب إِلاَّ بدليلٍ. انتهى.
قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 243) .]] : والمعنَى المقصودُ أن يتصدَّق المرءُ في هذه الوجوهِ، وهو صحيحٌ شحيحٌ يخشَى الفَقْر، ويأمل الغنى كما قال ﷺ [[أخرجه البخاري (3/ 334) في الزكاة، باب فضل صدقة الشحيح (1419) ، و (5/ 439- 540) في «الوصايا» ، باب الصدقة عند الموت (2748) ، ومسلم (2/ 716) في الزكاة، باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح (92- 93/ 1032) ، وأبو داود (2/ 126) في الوصايا، باب ما جاء في كراهية الإضرار في الوصية (2865) ، والنسائي (5/ 68) في الزكاة، باب أي الصدقة أفضل، و (6/ 237) في الوصايا، باب الكراهية في تأخير الوصية، وابن ماجة (2/ 903) في الوصايا، باب النهي عن الإمساك في الحياة، والتبذير عند الموت (2706) . والبخاري في «الأدب المفرد» برقم (786) ، وأحمد (2/ 231، 415، 447) ، وابن خزيمة (4/ 103) برقم (2454) ، والبيهقي (4/ 190) ، والبغوي (3/ 423) برقم.- (1665) ، من طريق عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة قال: «جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، أي الصدقة أفضل؟ ... » فذكره.]] . والشحّ في هذا الحديث: هو الغريزيُّ الذي في قوله تعالى: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ [النساء: 128] وليس المعنَى أنْ يكون المتصدِّق متَّصِفاً بالشحِّ الذي هو البُخْل.
وَفِي الرِّقابِ، أي: العتق، وفَكّ الأسرى.
وَالصَّابِرِينَ: نصبٌ على المدح، أو على إِضمار فعْلٍ، وهذا مَهْيَعٌ [[المهيع: هو الطريق الواسع المنبسط. ينظر: «لسان العرب» (4838) (هيع) .]] في تكرار النعوت.
والْبَأْساءِ: الفَقْر والفاقة.
وَالضَّرَّاءِ: المرض، ومصائبُ البدن، وعن ابن عبَّاس رضي اللَّه عنهما، قال:
قَالَ رسول الله ﷺ: «أَوَّلُ مَنْ يدعى إِلَى الجَنَّةِ الَّذِينَ يَحْمَدُونَ اللَّهَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ» رواه الحاكم في «المستَدْرَكِ» ، وقال: صحيحٌ على شرط مُسْلِمٍ [[أخرجه الطبراني في «المعجم الصغير» (1/ 103) ، وفي «الأوسط» (4/ 44) رقم (3057) ، وفي «الكبير» (12/ 19) رقم (12345) ، وأبو نعيم في «الحلية» (5/ 69) . كلهم من طريق قيس بن الربيع، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعا.
وقال الطبراني: لم يروه عن حبيب إلا قيس بن الربيع، وشعبة بن الحجاج، عن نصر بن حماد الوراق.
وقال أبو نعيم: رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، وذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 98) ، وقال: رواه الطبراني في الثلاثة بأسانيد، وفي أحدها قيس بن الربيع وثقه شعبة، والثوري، وغيرهما.
وضعفه يحيى القطان، وغيره، وبقية رجاله رجال الصحيح اهـ.
قلت: قيس بن الربيع في سند الطبراني في معاجمه الثلاثة، وليس كما يوهم كلام الهيثمي.
والحديث ضعفه الحافظ العراقي في «تخريج الإحياء» (4/ 79) ، وأعله بقيس بن الربيع، وقال: ضعفه الجمهور، وهذا الحديث قد رواه شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، كما أشار إلى ذلك الحافظ أبو نعيم.
أخرجه الطبراني في «الصغير» (1/ 103) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 84- بتحقيقنا) . كلاهما من طريق نصر بن حماد الوراق، نا شعبة عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس به.
وهذا سند ضعيف جدا.
نصر بن حماد قال النسائي، وغيره: ليس بثقة، ينظر «المغني» للذهبي (6609) .
وتابعهما عبد الرحمن بن عبد الله المسعودي، عن حبيب.
أخرجه الحاكم (1/ 502) .
وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي. والمسعودي لم يخرج له مسلم شيئا فضلا عن اختلاطه.]] . انتهى من «السلاح» .
وفي صحيح مُسْلِمٍ، عن صُهَيْب [[هو: صهيب بن سنان بن مالك بن عبد عمرو بن عقيل بن عامر. أبو يحيى. الرومي. الربعي.
النمري.
وهو صحابي مشهور. روى عنه أولاده حبيب، وحمزة، وسعد، وصالح، وصيفي، وعباد، وعثمان، ومحمد. وحفيده زياد بن صيفي. وروى عنه أيضا جابر الصحابي. وسعيد بن المسيب. وإنما قيل له الرومي قيل: لأن الروم سبوه صغيرا حين كان أبوه وعمه عاملين لكسرى على «الأبلة» ، وكانت لهم منازل على «دجلة» عند الموصل، وقيل غير ذلك. وروى الستة عنه قال: لم يشهد رسول الله ﷺ مشهدا قط إلا كنت حاضره، ولم يبايع بيعة قط إلا كنت حاضره، ولم يسر سرية قط إلا كنت حاضرها، ولا غزا غزاة قط إلا كنت فيها عن يمينه أو شماله، وما خافوا أمامهم قط إلا كنت أمامه، توفي سنة (38) وقيل (39) ، وقيل في شوال سنة 38، وله (70 سنة) .
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 36) ، «الإصابة» (3/ 254) ، «الاستيعاب» (2/ 726) ، «الاستبصار» (78، 134) ، «الرياض المستطابة» (130) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 268) ، «عنوان النجابة» (106) ، «أصحاب بدر» (108) ، «الثقات» (3/ 194) ، «الكاشف» (2/ 32) ، «حلية الأولياء» (1/ 372) ، «التحفة اللطيفة» (2/ 144) ، «تنقيح المقال» (5811) ، «بقي بن مخلد» (95) .]] ، قال: قَالَ رسول الله ﷺ: «عَجَباً لأَمْرِ المُؤْمِنِ، إِنَّ أَمْرَهُ كُلَّهُ لَهُ خَيْرٌ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لأِحَدٍ إِلاَّ لِلْمُؤْمِنِ، إِذَا أَصَابَتْهُ سَرَّاءُ فَشَكَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ وَإِنْ أَصَابَتْهُ ضَرَّاءُ، صَبَرَ، فَكَانَ خَيْراً لَهُ» [[أخرجه مسلم (4/ 2295) كتاب «الزهد» ، باب المؤمن أمره كله خير، حديث (64/ 2999) .
وهذا الحديث لم يخرجه أحد من أصحاب الكتب الستة سوى مسلم. وينظر: «تحفة الأشراف» (4/ 200) .]] انتهى.
وَحِينَ الْبَأْسِ، أي: وقْتَ شدَّة القتال، هذا قولُ المفسِّرين في الألفاظ الثلاثة، تقولُ العربُ: بَئِسَ الرَّجُلُ إِذَا افتقر، وبَؤُسَ إِذا شَجُع، ثم وصف تعالى أهل هذه الأفعال البَرَّة بالصدْقِ في أمورهم، أي: هم عند الظنِّ بهم والرجاء فيهم كما تقول: صَدَقَنِي المَالُ، وصَدَقَنِي الرُّمْحُ، ووصفهم تعالى/ بالتقى، والمعنى: هم الذين جعلوا بينهم وبين 43 ب عذاب الله وقاية.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences