Ath-Tha'alibiAl‑Baqarah · 2:219–223

Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:219–223

2:219–220Page 34

۞ يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡخَمۡرِ وَٱلۡمَيۡسِرِۖ قُلۡ فِيهِمَآ إِثۡمٞ كَبِيرٞ وَمَنَٰفِعُ لِلنَّاسِ وَإِثۡمُهُمَآ أَكۡبَرُ مِن نَّفۡعِهِمَاۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَۖ قُلِ ٱلۡعَفۡوَۗ كَذَٰلِكَ يُبَيِّنُ ٱللَّهُ لَكُمُ ٱلۡأٓيَٰتِ لَعَلَّكُمۡ تَتَفَكَّرُونَ ٢١٩

They ask you about wine1 and gambling. Say, "In them is great sin and [yet, some] benefit for people. But their sin is greater than their benefit." And they ask you what they should spend. Say, "The excess [beyond needs]." Thus Allāh makes clear to you the verses [of revelation] that you might give thought

فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۗ وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡيَتَٰمَىٰۖ قُلۡ إِصۡلَاحٞ لَّهُمۡ خَيۡرٞۖ وَإِن تُخَالِطُوهُمۡ فَإِخۡوَٰنُكُمۡۚ وَٱللَّهُ يَعۡلَمُ ٱلۡمُفۡسِدَ مِنَ ٱلۡمُصۡلِحِۚ وَلَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ لَأَعۡنَتَكُمۡۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٞ ٢٢٠

To this world and the Hereafter. And they ask you about orphans. Say, "Improvement for them is best. And if you mix your affairs with theirs - they are your brothers. And Allāh knows the corrupter from the amender. And if Allāh had willed, He could have put you in difficulty. Indeed, Allāh is Exalted in Might and Wise."

قوله تعالى: يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ ... الآية: السائلُون هم المؤمنُونَ، والخَمْر: مأخوذ من خمر، إِذا ستر ومنه: خِمَارُ المَرْأة، والخَمَرُ: ما واراك من شَجَر وغيره، ومنه قولُ الشاعر: [الوافر]

أَلاَ يَا زَيْدُ وَالضَّحَّاكُ سِيرَا ... فَقَدْ جاوزتما خمر الطّريق

[[البيت بلا نسبة في «الأزهيّة» (ص 165) و «الدرر» (6/ 168) و «شرح قطر الندى» (ص 210) -- و «شرح المفصل» (1/ 129) و «لسان العرب» (4/ 257) (خمر) و «اللمع» (ص 195) و «همع الهوامع» (2/ 142) ، و «الدر المصون» (1/ 535) .

واستشهد بقوله: «يا زيد والضحاك» حيث روي بنصب «الضحاك» ورفعه، فدلّ ذلك على أنّ المعطوف على المنادى المبنيّ، إذا كان مفردا، يجوز فيه وجهان: الرفع على لفظ المنادى، والنصب على محلّه.]] ولما كانت الخمر تستُرُ العَقْل، وتغطِّي عليه، سُمِّيت بذلك، وأجمعت الأمة على تحريمِ خَمْر العِنَبِ، ووجوبِ الحدِّ في القليلِ والكثيرِ منْه، وجمهورُ الأمة على أن ما أسكر كثيرُهُ مِنْ غير خَمْرِ العِنَبِ محرَّم قليلُهُ وكثيرُهُ، والحدُّ في ذلك واجبٌ.

وروي أنَّ هذه الآية أولُ تطرُّق إِلى تحريمِ الخَمْر، ثم بعده: لاَ تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى [النساء: 43] ثم إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ ... الآية إلى قوله: فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [المائدة: 91] ، ثم قوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ [المائد: 90] فقال رسول الله ﷺ: «حرّمت الخمر» [[أخرجه النسائي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة، عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس موقوفا بلفظ: «حرمت الخمر قليلها وكثيرها، والسكر من كل شراب» .

قال النسائي: ابن شبرمة لم يسمعه من عبد الله بن شداد، وأخرجه (8/ 321) كتاب «الأشربة» ، باب ذكر الأخبار التي اعتل بها من أراد شرب السكر، من طريق ابن شبرمة قال: حدثني الثقة عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس به. قال: خالفه أبو عون محمد بن عبيد الله الثقفي.

فرواه عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس بزيادة: «حرمت الخمر بعينها: قليلها، وكثيرها» ...

أخرجه النسائي (8/ 321) ثم أخرجه من طريق عباس بن ذريح، عن أبي عون، عن عبد الله بن شداد، عن ابن عباس قال:

«حرمت الخمر قليلها وكثيرها، وما أسكر من كل شراب» .

قال النسائي: وهذا أولى بالصواب من حديث ابن شبرمة، وهشيم بن بشير- الراوي عنه- كان يدلس، وليس في حديثه ذكر السماع من ابن شبرمة، ورواية أبي عون أشبه بما رواه الثّقات عن ابن عباس.

وقد أخرجه النسائي (8/ 321) ، والدارقطني (4/ 256) ، وأبو نعيم في «الحلية» (7/ 224) ، من طريق شعبة، عن مسعر، عن أبي عون به، عن ابن عباس موقوفا.

وفي الباب عن علي مرفوعا: أخرجه العقيلي في «الضعفاء» (4/ 123- 124) ، من طريق محمد بن الفرات الكوفي، عن أبي إسحاق السبيعي، عن الحارث، عن علي قال: طاف النبي ﷺ بين الصفا والمروة أسبوعا، ثم استند إلى حائط من حيطان مكة، فقال: «هل من شربة» ؟ فأتي بقعب من نبيذ، فذاقه، فقطب، قال: فرده، قال: فقام إليه رجل من آل حاطب، فقال: يا رسول الله، هذا شراب أهل مكة، قال: فرده. قال: فصب عليه الماء حتى رغا، ثم شرب، ثم قال: «حرمت الخمر بعينها، والسكر من كل شراب» .

قال العقيلي: لا يتابع عليه.

ونقل عن يحيى قوله: ليس بشيء، وعن البخاري قوله: منكر الحديث. -- وقول العقيلي: لا يتابع عليه، فيه نظر.

فقد تابعه عبد الرحمن بن بشر الغطفاني.

أخرجه هو في «ضعفائه» (3/ 424) من طريقه، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي قال: سألت رسول الله ﷺ عن الأشربة، عام حجة الوداع، فقال رسول الله ﷺ: «حرم الله الخمر بعينها، والسكر من كلّ شراب» .

قال العقيلي: عبد الرحمن بن بشر مجهول في النسب والرواية حديثه غير محفوظ.

ليس له من حديث أبي إسحاق أصل، وهذا يعرف عن عبد الله بن شداد بن الهاد، عن ابن عباس قوله.]]

، ولم يحفظ عن النبيّ ﷺ في حدِّ الخمر إِلا أنَّه جلد أربعين، خرّجه مسلم، وأبو داود [[أخرجه أحمد (3/ 67) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 157) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، من طريق يزيد بن هارون، عن المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال:

جلد على عهد النبي ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جلد بدل كل نعل سوطا.

وزيد العمي ضعيف، والمسعودي كان قد اختلط.]] ، وروي عنه ﷺ أَنَّهُ ضرب فيها ضَرْباً مُشَاعاً [[أخرجه البخاري (12/ 66) كتاب «الحدود» ، باب الضرب بالجريد والنعال، حديث (6778) ، ومسلم (3/ 1332) كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، حديث (39/ 1707) ، وأبو داود (4/ 626) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4486) ، وابن ماجة (2/ 858) ، كتاب «الحدود» ، باب حد السكران، حديث (2569) ، وأحمد (1/ 125) ، وأبو يعلى (1/ 281) برقم (336) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والبيهقي (8/ 321) ، كتاب «الأشربة والحد فيها» ، باب الشارب يضرب زيادة على الأربعين. كلهم من حديث علي قال: ما كنت لأقيم حدا على أحد، فيموت، وأجد في نفسي منه شيئا، إلا صاحب الخمر فإنه لو مات وديته، وذلك أن رسول الله ﷺ لم يتبين فيه شيئا.

قال البيهقي: وإنما أراد- والله أعلم- أن رسول الله ﷺ لم يسنه زيادة على الأربعين، أو لم يسنه بالسياط، وقد سنه بالنعال، وأطراف الثياب مقدار أربعين.]] ، وحَزَرَهُ أبو بكر أربعين سوطاً، وعمل بذلك هو، ثُمَّ عمر [[أخرجه أبو داود (4/ 628) ، كتاب «الحدود» ، باب إذا تتابع في شرب الخمر، حديث (4489) ، والشافعي (2/ 90) كتاب «الحدود» ، باب حد الشرب، حديث (292) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 156) ، كتاب «الحدود» ، باب حد الخمر، والحاكم (4/ 375) ، كتاب «الحدود» ، باب كان الشارب يضرب بالأيدي والنعال، والبيهقي (8/ 320) كتاب «الأشربة» ، باب عدد حد الخمر، عن عبد الرحمن بن أزهر قال: «رأيت رسول الله ﷺ غداة الفتح، وأنا غلام شاب يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بشارب، فأمرهم، فضربوه بما في أيديهم، فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعليه، وحثى رسول الله ﷺ التراب، فلما كان أبو بكر، فسألهم عن ضرب النبي ﷺ الذي ضرب، فحزروه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين.

وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي.]] ثم تهافَتَ النَّاس فيها، فشدَّد عليهم الحدّ، وجعله كأخفّ الحدود ثمانين وبه قال مالك [[ذهب الحنفية والمالكية إلى أن حد الخمر ثمانون، وهو مذهب إسحاق، والأوزاعي، والثوري، وغيرهم، وإحدى الروايتين عن أحمد، وأحد قولي الشافعي، واختاره ابن المنذر.

وذهب الشافعي (في أصح مذهبه) إلى أن قدرها أربعون، وهو مذهب الظاهرية، وأبي ثور، وإحدى الروايتين عن أحمد، قال الشافعي: وللإمام أن يبلغ به ثمانين، وتكون الزيادة على الأربعين تعزيرات على تسببه في إزالة عقله، وفي تعرضه للقذف والقتل وأنواع الإيذاء، وترك الصلاة وغير ذلك.

واحتج الأولون بما رواه أحمد ومسلم وأبو داود والترمذي وصحّحه عن أنس أن النبي ﷺ «أتي برجل قد شرب الخمر، فجلد بجريدتين نحو أربعين. وفعله أبو بكر، فلمّا كان عمر استشار النّاس، فقال عبد الرّحمن: أخفّ الحدود ثمانين. فأمر به عمر» .

وبما رواه أحمد عن أبي سعيد قال: جلد على عهد رسول الله ﷺ في الخمر بنعلين أربعين، فلما كان زمن عمر جعل بدل كل نعل سوطا.

وجه الدلالة: أن شارب الخمر كان يجلد بين يدي رسول الله ﷺ ثمانين لأنه كان يضرب بالجريدتين أو بالنعلين مجتمعين أربعين، فتكون الجملة الحاصلة ثمانين لأن كل ضربة ضربتان. وإن كانت الرواية الأولى محتملة لقوله: «فجلد بجريدتين نحو أربعين» إلا أن الثانية جازمة، بأن الضرب بنعلين أربعين، ولذا استشار عمر الصحابة (رضوان الله عليهم أجمعين) فرأوا أن الجلد في الخمر ثمانون سوطا بدل الضرب بالنعال ونحوها.

وروى الإمام مالك (رضي الله عنه) عن ثور بن زيد الدّيلي أن عمر بن الخطاب استشار في الخمر يشربها الرجل فقال له علي بن أبي طالب: «نرى أن تجلده ثمانين فإنه إذا شرب سكر، وإذا سكر هذى، وإذا هذى افترى. أو كما قال. فجلد عمر في الخمر ثمانين» .

وجه الدلالة: أن عمر (رضي الله عنه) استشار الصحابة في عقوبة شرب الخمر، فأشار عليه عليّ بأنها ثمانون، فوافقه عمر عليها، وعمل بها فدل ذلك على أنها ثمانون، ولم يعلم له مخالف.

وأما المعقول فقالوا: إن هذا حد في معصيته، فلم يكن أقل من ثمانين، كحد الفرية والزنا.

وأما الإجماع، فقالوا: إن الصحابة في عهد عمر أجمعوا على أن حدّ شرب الخمر ثمانون. يدل لذلك ما روى الدارقطني قال: حدثنا القاضي الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا يعقوب بن إبراهيم الدّورقي، قال: حدثنا صفوان بن عيسى، قال: حدثنا أسامة بن زيد عن الزهري، قال: أخبرني عبد الرحمن بن أزهر، قال: رأيت رسول الله ﷺ يوم حنين، وهو يتخلل الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأتي بسكران، قال: فقال رسول الله ﷺ لمن عنده، فضربوه بما في أيديهم، وقال: وحثا رسول الله ﷺ عليه التراب قال: ثم أتي أبو بكر (رضي الله عنه) بسكران، قال: فتوخى الذي كان من ضربهم يومئذ، فضرب أربعين. قال الزهري: ثم أخبرني حميد بن عبد الرحمن عن ابن وبرة الكلبي قال: أرسلني خالد بن الوليد إلى عمر، قال: فأتيته ومعه عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن عوف وعلي بن أبي طالب وطلحة والزبير (رضي الله عنهم) . وهم معه متكئون في المسجد، فقلت: إن خالد بن الوليد أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام، ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتحاقروا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك، فسلهم، فقال علي: نراه إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون. قال: فقال عمر: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد خالد ثمانين، وعمر ثمانين.]] .

ويجتنبُ من المضروبِ: الوجْهُ، والفَرْجُ، والقَلْب، والدِّماغ، والخَوَاصر بإِجماع.

قال ابن سِيرِينَ، والحسنُ، وابْنُ عَبَّاس، وابن المُسَيَّب، وغيرهم: كلُّ قمارٍ مَيْسِرٌ مِنْ نَرْدٍ وشِطْرَنْجٍ، ونحوه، حتّى لعب الصّبيان بالجوز [[أخرجه الطبري (2/ 370- 371) برقم (4114- 4115) ، عن محمد بن سيرين، وبرقم (4118) ، عن الحسين، وبرقم (4120) عن سعيد بن المسيب، وبرقم (4124) عن ابن عباس.

وذكره ابن عطية (1/ 294) .]] .

ت: وعبارة الداوديّ: وعن ابْنِ عُمَر: المَيْسِرُ القِمَار كلُّه [[أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4133) .]] ، قال ابن عبَّاس:

كلُّ ذلك قمارٌ حتى لعِبْ الصِّبْيَان بالجَوْز، والكِعَاب [[أخرجه الطبري (2/ 371) برقم (4124) ، وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 452) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس. والكعاب:

فصوص النرد، واحدها كعب وكعبة.

ينظر: «لسان العرب» (3889) .]] . انتهى.

وقوله تعالى: قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ ... الآية: قال ابن عبّاس، 54 أوالرّبيع: الإثم فيها بعد التحريم/، والمنفعةُ قبله [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 453) ، وعزاه لابن جرير، وابن أبي حاتم، عن ابن عباس.]] .

وقال مجاهد: المنفعةُ بالخَمْر كسب أثمانها [[أخرجه الطبري (2/ 372) برقم (4137) ، وذكره ابن عطية (1/ 294) .]] ، وقيل: اللَّذَّة بها إِلى غير ذلك من أفراحِها [[أخرجه الطبري (2/ 373) برقم (4140) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 294) ، والسيوطي (1/ 452) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن ابن عباس.]] ، ثم أعلم اللَّه عزَّ وجلَّ أنَّ الإِثم أكْبَرُ من النَّفْع، وأعود بالضَّرر في الآخرة، فهذا هو التقدمة للتحريم.

وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ قال جمهور العلماء: هذه نفقاتُ التطوُّع، والعفُو مأخوذ من عَفَا الشَّيْء، إِذا كَثُر، فالمعنَى: أنفِقُوا ما فَضَل عن حوائجِكُم، ولم تُؤْذُوا فيه أنفُسَكم، فتكونوا عالَةً على النَّاس.

وقوله تعالى: كَذلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ: الإِشارة إِلى ما تقدَّم تبيينُهُ من الخَمْر والمَيْسِر، والإِنفاق، وأخبر تعالى أنه يبيِّن للمؤمنين الآياتِ التي تقودُهم إِلى الفِكْرة في الدنيا والآخرة، وذلك طريقُ النجاة لمن نفعته فكرته.

قال الداوديّ: وعن ابن عبَّاس: لعلَّكم تتفكَّرون في الدنيا والآخرةِ، يعني: في زوال الدنْيا وفنائِها، وإِقبال الآخرة وبقائها [[أخرجه الطبري (2/ 381) برقم (4181) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ في «العظمة» عن ابن عباس.]] . انتهى.

قال الغَزَّالِيُّ- رحمه اللَّه- تَعَالَى: العَاقِل لا يغفُلُ عن ذكْر الآخرةِ في لَحْظة فإِنها مصيره ومستقرُّه، فيكون لَهُ في كلِّ ما يراه من ماءٍ، أو نارٍ، أو غيرهما عبرةٌ فإن نظر إلى سوادٍ، ذكر ظلمة اللَّحْد، وإِن نَظَر إِلى صورة مروِّعة، تذكَّر مُنْكَراً ونكيراً والزبانيةَ، وإِن سمع صوتاً هائلاً، تذكَّر نفخة الصُّور، وإِنْ رأى شيئاً حسَناً، تذكَّر نعيم الجنَّة، وإِن سمع كلمةَ ردٍّ أو قَبُولٍ، تذكَّر ما ينكشفُ لَهُ من آخر أمره بعد الحسَابِ من ردٍّ أو قبول، ما أجدر أن يكون هذا هو الغالِبَ على قَلْبِ العاقِلِ، لا يصرفُهُ عنه إِلاَّ مُهِمَّاتُ الدنيا، فإِذا نسب مدةَ مُقَامه في الدُّنْيا إِلى مدة مُقَامه في الآخِرة، استحقر الدنيا إِنْ لم يكُنْ أغفل قلبه، وأعميتْ بصيرته. انتهى من «الإِحياء» .

وقوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْيَتامى قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ: قال ابن عبَّاس، وسعيد بن المسيَّب: سبب الآية أن المسلمين لما نزلَتْ: وَلا تَقْرَبُوا مالَ الْيَتِيمِ ...

[الأنعام: 152] و [الإسراء: 34] الآية، ونزلت: إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوالَ الْيَتامى ظُلْماً [النساء: 10] ، تجنبوا اليتامى وأموالَهم، وعزلوهم عن أنفسهم، فنزلت: وَإِنْ تُخالِطُوهُمْ فَإِخْوانُكُمْ ... الآية، وأمر اللَّه سبحانه نبيَّه أن يجيب بأن من قصد الإِصلاح في مال اليتيمِ، فهو خيْرٌ، فرفع تعالى المشقَّة، وأباح الخُلْطة في ذلك إِذا قُصِدَ الإِصلاح، ورفْقُ اليتيم [[أخرجه الطبري (2/ 382- 383- 384) برقم (4185- 4186- 4192- 4194- 4196) عن ابن عباس، وبرقم (4187) عن سعيد.

وذكره البغوي (1/ 194) عن ابن عباس، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 295- 296) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 456) ، وعزاه لأبي داود، والنسائي، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه، والحاكم وصححه، والبيهقي في «سننه» عن ابن عباس.]] .

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ: تحذيرٌ.

وقوله تعالى: وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَأَعْنَتَكُمْ، أي: لأتعبكم في تجنُّب أمر اليتامَى، والعَنَتُ: المشقَّة، ومنه عَقَبَةٌ عنوت ومنه: عنت العزبة، وعَزِيزٌ: مقتضاه لا يرد أمره، وحَكِيمٌ: أي: محكم ما ينفذه.

2:221Page 35

وَلَا تَنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكَٰتِ حَتَّىٰ يُؤۡمِنَّۚ وَلَأَمَةٞ مُّؤۡمِنَةٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكَةٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَتۡكُمۡۗ وَلَا تُنكِحُواْ ٱلۡمُشۡرِكِينَ حَتَّىٰ يُؤۡمِنُواْۚ وَلَعَبۡدٞ مُّؤۡمِنٌ خَيۡرٞ مِّن مُّشۡرِكٖ وَلَوۡ أَعۡجَبَكُمۡۗ أُوْلَٰٓئِكَ يَدۡعُونَ إِلَى ٱلنَّارِۖ وَٱللَّهُ يَدۡعُوٓاْ إِلَى ٱلۡجَنَّةِ وَٱلۡمَغۡفِرَةِ بِإِذۡنِهِۦۖ وَيُبَيِّنُ ءَايَٰتِهِۦ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمۡ يَتَذَكَّرُونَ ٢٢١

And do not marry polytheistic women until they believe.1 And a believing slave woman is better than a polytheist, even though she might please you. And do not marry polytheistic men [to your women] until they believe. And a believing slave is better than a polytheist, even though he might please you. Those invite [you] to the Fire, but Allāh invites to Paradise and to forgiveness, by His permission. And He makes clear His verses [i.e., ordinances] to the people that perhaps they may remember.

وقوله تعالى: وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ ونَكَح: أصله في الجمَاع، ويستعمل في العَقْد تجوُّزاً.

قالت طائفة: المشركاتُ هنا: من يُشْرِكُ مع اللَّه [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 296) .]] إِلهاً آخرْ.

وقال قتادة وابْنُ جُبَيْر: الآية عامَّة في كل كَافِرة، وخصَّصتها آية المائدة، ولم يتناوَلِ العمومُ قطُّ الكتابيَّاتِ [[أخرجه الطبري (2/ 389) برقم (4220، 4221، 4222) عن قتادة، وبرقم (4223) عن سعيد بن جبير، وذكره البغوي (1/ 195) .

وابن عطية (1/ 296) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 458) ، وعزاه إلى وكيع، وابن جرير، وابن أبي حاتم، والنحاس في «ناسخه» عن سعيد بن جبير، وعزاه لعبد الرزاق، وعبد بن حميد عن قتادة.]] ، وقال ابنُ عبَّاس، والحسن: تناولهن العمومُ، ثم نَسَخَتْ آيةُ المائدة بَعْضَ العمومِ في الكتابيَّات [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 296) .]] ، وهو مذهب مالكٍ- رحمه اللَّه- ذكره ابن حَبِيبٍ.

وقوله تعالى: وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ ... الآية. هذا إِخبار من اللَّه سبحانَه 54 ب أن المؤمنة المَمْلُوكة خَيْرٌ من المشركة، وإِن كانت ذاتَ الحَسَب والمَالِ، ولو أعجبتْكم/ في الحُسْن وغير ذلك، هذا قول الطَّبَرِيِّ وغيره.

وقوله سبحانه: وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا ... الآية: أجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجْهٍ لما في ذلك من الغَضَاضَةِ على دين الإِسلام.

قال بعض العلماء: إِن الولايةَ في النكاحِ نصٌّ في هذه الآية، قلت: ويعني ببعض العلماءِ محمَّدَ بْنَ عليِّ بْنِ حُسَيْنٍ، قاله ابنُ العَرَبِيِّ [[ينظر: «الأحكام» (1/ 158) .]] . انتهى.

ولَعَبْدٌ مُؤمنٌ مملوكٌ خَيْرٌ من مشركٍ حسيبٍ، ولو أعجبكم حُسْنُه ومالُهُ حسبما تقدَّم.

قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 297) .]] : وتحتمل الآية عنْدي أن يكون ذكْر العَبْدِ والأمةِ عبارةً عن جميع الناسِ حُرِّهم ومملوكِهِم إِذْ هم كلُّهم عبيده سُبْحَانه.

وقوله تعالى: أُولئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ، أي: بصحبتهم، ومعاشرتهم، والاِنحطاطُ في كثيرٍ من أهوائهم، واللَّه عزَّ وجلَّ مُمِنٌّ بالهداية، ويبيِّنُ الآياتِ، ويحضُّ على الطاعات التي هي كلُّها دواعٍ إِلى الجنَّة، والإِذن: العلْم والتمكينُ، فإِن انضاف إلى ذلك أمْرٌ، فهو أقوى من الإِذن لأنك إِذا قلْتَ: أذنْتُ في كذا، فليس يلزمك أنَّكَ أمرْتَ، ولَعَلَّهُمْ:

ترجٍّ في حق البشر، ومن تذَكَّر، عمل حسب التذكّر، فنجا.

2:222Page 35

وَيَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلۡمَحِيضِۖ قُلۡ هُوَ أَذٗى فَٱعۡتَزِلُواْ ٱلنِّسَآءَ فِي ٱلۡمَحِيضِ وَلَا تَقۡرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطۡهُرۡنَۖ فَإِذَا تَطَهَّرۡنَ فَأۡتُوهُنَّ مِنۡ حَيۡثُ أَمَرَكُمُ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ يُحِبُّ ٱلتَّوَّٰبِينَ وَيُحِبُّ ٱلۡمُتَطَهِّرِينَ ٢٢٢

And they ask you about menstruation. Say, "It is harm, so keep away from wives1 during menstruation. And do not approach them until they are pure. And when they have purified themselves,2 then come to them from where Allāh has ordained for you. Indeed, Allāh loves those who are constantly repentant and loves those who purify themselves."

قوله تعالى: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذىً قال الطبريُّ عن السُّدِّيِّ: إنَّ السائلَ ثابتُ بْنُ الدَّحْدَاحِ [[أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4237) ، وذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 298) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 461) ، وعزاه لابن جرير.

وهو ثابت بن الدّحداح بن نعيم بن غنم بن إياس، حليف الأنصار. وكان بلويّا، حالف بني عمرو بن عوف. ويقال: ثابت بن الدحداحة. ويكنى أبا الدحداح، وأبا الدحداحة. ينظر: «الإصابة» (1/ 503) (العلمية) .]] ، وقال قتادةُ وغيره: إِنما سألوه لأنَّ العرب في المدينةِ وما والاها، كانُوا قد استنوا بسُنَّة بني إِسرائيل في تجنُّب مواكلة الحائِضِ، ومساكَنَتِها، فنزلَتِ الآية [[أخرجه الطبري (2/ 393) برقم (4234) ، وذكره ابن عطية (1/ 298) . والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 462) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير عن قتادة.]] .

وقوله تعالى: فَاعْتَزِلُوا النِّساءَ فِي الْمَحِيضِ يريدُ: جماعَهُنَّ بما فسّر من ذلك رسول الله ﷺ مِنْ أنْ تشدَّ الحائِضُ إِزارها، ثُمَّ شأنُه بأعلاها.

قال أحمد بن نصر الداوديّ: روي أنّ رسول الله ﷺ قَالَ: «اتقوا النِّسَاءَ فِي المَحِيضِ فَإِنَّ الجُذَامَ يَكُونُ مِنْ أَوْلاَدِ المَحِيضِ» [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 259) ، وعزاه لابن المنذر.]] انتهى.

قوله تعالى: وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ، وقرأ حمزة [[ينظر: «السبعة» (182) ، و «الكشف» (1/ 293) ، و «الحجة» (2/ 321) ، و «حجة القراءات» (134، 135) ، و «العنوان» (74) ، و «شرح الطيبة» (4/ 99) ، و «شرح شعلة» (290، 291) ، و «معاني القراءات» للأزهري (1/ 202) ، و «إتحاف» (1/ 438) .]] وغيره «يَطَّهَّرْنَ» بتشديد الطاء والهاء، وفتحهما، وكلُّ واحدة من القراءَتَيْنِ يحتملُ أنْ يراد بها الاِغتسالُ بالماء، وأن يراد بها انقطاعُ الدمِ، وزوالُ أذاه، قال ابنُ العربيُّ في «أحكامه» [[ينظر: «الأحكام» (10/ 164) .]] : سمعْتُ أبا بكر الشَّاشِيَّ [[القاسم بن القفال الكبير الشاشي محمد بن علي، مصنف «التقريب» ، كان إماما جليلا حافظا، برع في حياة أبيه، قال العبادي: إن كتابه «التقريب» قد تخرج به فقهاء خراسان، وازدادت طريقة أهل العراق به حسنا، وقد أثنى البيهقي على التقريب، وقال فيه الأسنوي: ولم أر في كتب الأصحاب أجلّ منه.

ينظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 187) ، «هدية العارفين» (1/ 827) ، «طبقات الأسنوي» (ص 108) .]] يقولُ: إِذا قيل: لا تَقْرَبْ بفتح الراء، كان معناه: لا تَلْتَبِسْ بالفعلِ، وإِذا كان بضم الراء، كان معناه لا تَدْن منه. انتهى.

وجمهورُ العلماء على أنَّ وطأها في الدَّمِ ذنْبٌ عظيمٌ يتاب منْه، ولا كفَّارة فيه بمالٍ [[اتفق أهل العلم على تحريم غشيان الحائض، ومن فعله عالما عصى، ومن استحلّه كفر لأنه محرّم بنصّ القرآن، ولا يرتفع التّحريم حتى ينقطع الدم وتغتسل عند أكثر أهل العلم، وهو قول سالم بن عبد الله، وسليمان بن يسار، ومجاهد، والحسن، وإبراهيم، وإليه ذهب عامة العلماء، لقوله سبحانه وتعالى:

فَإِذا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ أي: اغتسلن.

وذهب أبو حنيفة إلى أنه يجوز غشيانها بعد ما انقطع دمها لأكثر الحيض قبل الغسل.

واختلف أهل العلم في وجوب الكفّارة بوطء الحائض، فذهب أكثرهم إلى أنه يستغفر الله ولا كفّارة عليه، وهو قول سعيد بن المسيّب، وسعيد بن جبير، وإبراهيم النّخعي، والقاسم، وعطاء، والشّعبي، وابن سيرين، وبه قال ابن المبارك، والشّافعيّ، وأصحاب الرأي.

وذهب جماعة إلى إيجاب الكفّارة بإتيان الحائض، منهم قتادة والأوزاعي، وأحمد، وإسحاق، وقاله الشافعي في القديم، لما روى عن ابن عبّاس، أنّ النّبيّ ﷺ قال في رجل جامع امرأته وهي حائض.،

قال: «إن كان الدّم عبيطا، فليتصدّق بدينار، وإن كان صفرة، فنصف دينار» .

أخرجه الترمذي (1/ 245) ، أبواب الطهارة: باب ما جاء في الكفارة في ذلك (137) ، وفي سنده عبد الكريم بن أبي المخارق، ضعيف كما في «التقريب» (1/ 516) ، وللحديث طرق أخرى قد بسطها الشيخ شاكر في شرحه للترمذي (1/ 245- 254) ، فانظرها ففيها فوائد.

قال أبو عيسى: حديث الكفّارة في إتيان الحائض قد روي عن ابن عباس موقوفا، وروي أنه قال: «إن أصابها في فور الدّم تصدّق بدينار، وإن كان في انقطاع الدم، فنصف دينار» .

وقال قتادة: دينار للحائض، ونصف دينار إذا أصابها قبل الغسل. وقال أحمد: يتخيّر بين الدّينار والنصف، وقال الحسن: عليه ما على المجامع في نهار رمضان.

ومن لم يوجب الكفارة، ذهب إلى أن حديث ابن عبّاس لا يصحّ متّصلا مرفوعا. ينظر: «شرح السنة» (1/ 409- 410) .]] ، وجمهُورهم على أن الطُّهْر الذي يُحِلُّ جماعَ الحائِض، هو بالماءِ كطهر الجُنُب، ولا يجزىء من ذلك تَيَمُّمٌ ولا غيره.

وقوله تعالى: فَإِذا تَطَهَّرْنَ ... الآية: الخلافُ فيها كما تقدَّم، وقال مجاهدٌ وجماعةٌ: تَطَهَّرْنَ، أي: اغتسلن بالماء [[أخرجه الطبري (2/ 398- 399) برقم (4273) . -- وذكره البغوي في «معالم التنزيل» (1/ 197) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 299) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 465) ، وعزاه لسفيان بن عيينة، وعبد الرزاق في «المصنف» ، وابن جرير، وابن المنذر، والنحاس عن مجاهد.]] بقرينةِ الأمر بالإِتيان لأنَّ صيغة الأمر من الله تعالى لا تقعُ إِلا على الوَجْه الأكمل، وفَأْتُوهُنَّ: أمر بعد الحَظْر يقتضي الإِباحة، والمعنى: من حيثُ أمركم اللَّه باعتزالهن، وهو الفَرْج، أو من السُّرَّة إِلى الرُّكْبة على الخلاف في ذلك، وقال ابن عبَّاس: المعنى: من قِبَلِ الطُّهْرِ، لا من قِبَلِ الحَيض [[أخرجه الطبري (2/ 401) برقم (4292) ، وابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 99) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (1/ 466) ، وعزاه إلى الدارمي، وابن جرير، وابن المنذر، عن ابن عباس.]] ، وقيل: المعنى مِنْ قِبَلِ حالِ الإِباحة، لا صائماتٍ ولا مُحْرِماتٍ، ولا غيرَ ذلك، والتَّوَّابُون:

الرجَّاعون، وعُرْفُهُ من الشَّرِّ إِلى الخير، والمُتَطَهِّرْونَ: قال عطاءٌ وغيره: المعنى: بالماء [[أخرجه الطبري (2/ 403) برقم (4304- 4305- 4306) ، وذكره البغوي (1/ 198) ، وابن عطية (1/ 299) ، والسيوطي (1/ 466) ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن أبي حاتم عن عطاء.]] ، وقال مجاهد وغيره: المعنى: من الذنوب [[أخرجه الطبري (2/ 403) برقم (4308) ، وذكره البغوي (1/ 198) ، وابن عطية (1/ 299) .]] .

2:223Page 35

نِسَآؤُكُمۡ حَرۡثٞ لَّكُمۡ فَأۡتُواْ حَرۡثَكُمۡ أَنَّىٰ شِئۡتُمۡۖ وَقَدِّمُواْ لِأَنفُسِكُمۡۚ وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ وَٱعۡلَمُوٓاْ أَنَّكُم مُّلَٰقُوهُۗ وَبَشِّرِ ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ٢٢٣

Your wives are a place of cultivation [i.e., sowing of seed] for you, so come to your place of cultivation however you wish and put forth [righteousness] for yourselves. And fear Allāh and know that you will meet Him. And give good tidings to the believers.

وقوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ ... الآية مبيحةٌ لهيئات الإتيان كلّها، إذا كان/ 55 أالوطء في موضع الحرثِ، ولفظة «الحَرْث» تعطي أنَّ الإِباحة لم تقعْ إِلا في الفَرْجِ خاصَّة إِذ هو المُزْدَرَعُ.

قال ابنُ العَرَبِيِّ في «أحكامه» [[ينظر: «الأحكام» (1/ 173) .]] : وفي سبب نزولِ هذه الآية رواياتٌ:

الأولى: عن جابرٍ، قال: كانَتِ اليهودُ تقولُ: من أتَى امرأة فِي قُبُلِهَا منْ دُبُرِهَا، جَاءَ الوَلَدُ أَحْوَلَ، فنزلَتِ الآية، وهذا حديثٌ صحيح خرّجه الأئمّة [[أخرجه البخاري (8/ 37) ، كتاب «التفسير» ، باب نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ، حديث (4528) ، ومسلم (2/ 1058- 1059) ، كتاب «النكاح» ، باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر، حديث (117- 119/ 1435) ، وأبو داود (1/ 656) كتاب «النكاح» ، باب في جامع النكاح، حديث (2163) ، والترمذي (5/ 200) ، كتاب «التفسير» ، باب سورة البقرة، حديث (2982) . وابن ماجة (1/ 620) كتاب «النكاح» ، باب إتيان النساء في أدبارهن، حديث (1925) ، والدارمي (1/ 258) ، كتاب «الوضوء» ، باب إتيان النساء في أدبارهن، وفي (2/ 145- 146) كتاب «النكاح» ، باب النهي عن إتيان النساء في أعجازهن، وأبو يعلى (4/ 21) -- برقم (2024) ، وابن حبان (4174) ، والطبري في «تفسيره» (2/ 397) ، والواحدي في «أسباب النزول» (ص- 53) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 40) ، والبيهقي (7/ 193، 194، 195) ، من حديث جابر. وذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 467) ، وعزاه إلى وكيع، وابن أبي شيبة، وعبد بن حميد، والبخاري، وأبي داود، والترمذي، والنسائي، وابن ماجة، وابن جرير، وأبي نعيم، والبيهقي، عن جابر، وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.]] .

الثانية: قالت أمّ سلمة [[هي: هند بنت أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. أم المؤمنين (رضي الله عنها) أم سلمة. القرشية. المخزومية.

قال ابن الأثير: كان أبوها يعرف ب «زاد الركب» .. وكانت من المهاجرات إلى الحبشة وإلى المدينة..

وقيل: إنها أول ظعينة هاجرت إلى «المدينة» ، والله أعلم، وتزوجها رسول الله ﷺ بعد أبي سلمة.

توفيت سنة (63) على أرجح الأقوال.

ينظر ترجمتها في: «أسد الغابة» (7/ 340) ، «الإصابة» (8/ 240) ، «الاستيعاب» (4/ 1939) ، «تجريد أسماء الصحابة» (2/ 322) ، «أعلام النساء» (2/ 235) .]] عن النبيّ ﷺ في قوله تعالى: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ:

قال: «يَأْتِيَها مُقْبِلَةً ومُدْبِرَةً، إِذَا كَانَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ» خرَّجه مسْلم، وغيره [[أخرجه الترمذي (5/ 200) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (2979) ، وأحمد (6/ 305، 310، 318، 319) ، والدارمي (1/ 256) في الوضوء: باب إتيان النساء في أدبارهن، وأبو يعلى في «مسنده» (6972) ، والطبري في تفسيره (4341- 4345) ، والطحاوي (3/ 42- 43) ، والبيهقي (7/ 195) عن عبد الله بن عثمان بن خثيم، عن ابن سابط، عن حفصة بنت عبد الرحمن عن أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، قال: صماما واحدا، صماما واحدا.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن..... ويروى في سمام واحد.

ويشهد له حديث جابر عند مسلم (2/ 159) في النكاح: باب جواز جماعه امرأته في قبلها من قدامها، ومن ورائها، من غير تعرض للدبر (119- 1435) . والواحدي في «أسباب النزول» ص (53) .

والطحاوي (3/ 41) ، والبيهقي (7/ 195) عن النعمان بن راشد، عن الزهري، عن ابن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: قالت اليهود: إذا أتى الرجل امرأته مجبية كان الولد أحول، فنزلت: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ، إن شاء مجبية وإن شاء غير مجبية، غير أن ذلك في صمام واحد.]] .

الثالثة: ما رَوَى الترمذيّ أنّ عمر جاء إلى النبيّ ﷺ فقَالَ لَهُ: هَلَكْتُ، قَالَ: «وَمَا أَهْلَكَكَ؟ قَالَ: حَوَّلْتُ البَارِحَةَ رَحْلِي، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ ﷺ شَيْئاً، حتى نزلَتْ: نِساؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ أَقْبِلْ وأدبر، واتّق الدّبر» [[أخرجه الترمذي (5/ 200) في التفسير، باب «ومن سورة البقرة» (2980) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 314) ، في «عشرة النساء» (8977/ 4) و (6/ 302) ، في «التفسير» (11040/ 3) ، وأحمد (1/ 267) ، والطبري في التفسير (4347) ، وأبو يعلى (2736) ، والبيهقي (7/ 198) ، والواحدي في «أسباب النزول» ص 53 عن يعقوب القمي، عن جعفر بن أبي المغيرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، هلكت......» فذكره. وقال الترمذي: هذا حديث حسن غريب. -- وينظر: «الدر المنثور» (1/ 469) .]] انتهى.

قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 299) .]] : وأَنَّى شِئْتُمْ: معناه عند جمهور العلماء: من أيِّ وجهٍ شئتم مقبلةً، ومدبرةً، وعلى جَنْب.

قال ع [[ذكره في «المحرر الوجيز» (1/ 300) .]] : وقد ورد عن رسول الله ﷺ في مصنَّف النسائيِّ وفي غيره أنه قَالَ: «إِتْيَانُ النِّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنَّ حَرَامٌ» [[أخرجه بهذا اللفظ النسائي في «السنن الكبرى» (5/ 319) ، كتاب «عشرة النساء» ، باب ذكر الاختلاف على عبد الله بن علي بن السائب، حديث (8995) .]] ، وورد عنْه فيه، أنَّه قال: «مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرَهَا» [[أخرجه أبو داود (1/ 655) ، كتاب «النكاح» ، باب في جامع النكاح، حديث (2162) ، وأحمد (2/ 444) ، وأبو يعلى (11/ 349) برقم (6462) ، من حديث أبي هريرة، وليس من حديث خزيمة بن ثابت كما في «المهذب» .]] ، وورد عنه، أنَّه قال: «مَنْ أَتَى امرأة فِي دُبُرِهَا فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ على قَلْبِ مُحَمَّدٍ» [[أخرجه أبو داود (2/ 408) كتاب «الطب» ، باب في الكهان، حديث (3904) ، والترمذي (1/ 242- 243) كتاب «الطهارة» ، باب ما جاء في كراهية إتيان الحائض، حديث (135) ، والنسائي في «الكبرى» (5/ 323) ، كتاب «عشرة النساء» ، باب ذكر اختلاف ألفاظ الناقلين لخبر أبي هريرة في ذلك، حديث (9016، 9017) ، وابن ماجة (1/ 209) كتاب «الطهارة» ، باب النهي عن إتيان الحائض، حديث (639) ، وأحمد (2/ 408، 476) . والدارمي (1/ 259) ، كتاب «النكاح» ، باب من أتى امرأته في دبرها. والبخاري في «التاريخ الكبير» (3/ 16) ، وابن الجارود في «المنتقى» برقم (107) ، والعقيلي في «الضعفاء» (1/ 318) . وابن عدي في «الكامل» (2/ 637) . والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (3/ 44- 45) . والبيهقي في «السنن الكبرى» (7/ 198) . كلهم من طريق حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة مرفوعا، وقال الترمذيّ: لا نعرف هذا الحديث إلا من حديث حكيم الأثرم، عن أبي تميمة الهجيمي، عن أبي هريرة.

وقال البخاري: هذا حديث لا يتابع عليه، ولا يعرف لأبي تميمة سماع من أبي هريرة.

وقال البزار كما في «التلخيص» (3/ 180) : هذا حديث منكر، وحكيم لا يحتج به، وما انفرد به فليس بشيء.

وقال ابن عدي: الأثرم يعرف بهذا الحديث، وليس له غيره إلا اليسير.

وقد ضعف هذا الحديث البخاري، والترمذي، وابن سيد الناس، والبغوي، والذهبي فقال: إسناده ليس بالقائم، وينظر «فيض القدير» (6/ 23) . وقد صحيح هذا الحديث الشيخ أحمد شاكر في «تعليقه على المسند» (18/ 56، 19/ 142) ، وفند العلل التي علّلوا بها الحديث بما لا تراه في مكان، فلينظر.]] ، وهذا هو الحقُّ المتَّبع، ولا ينبغي لمؤمنٍ باللَّه أن يعرج بهذه النازلة على زَلَّة عالِمٍ بعد أنْ تصحَّ عنْه، واللَّه المرشِدُ لا ربَّ غيره.

وقوله جلَّت قُدْرته: وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ.

قال السُّدِّيُّ: معناه: قدِّموا الأجْر في تجنُّب ما نُهِيتُمْ عنْه، وامتثال ما أُمِرْتُمْ به- وَاتَّقُوا اللَّهَ: تحذيرٌ- وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ: خبرٌ يقتضي المبالغَةَ في التحْذير، أي: فهو مجازيكُمْ علَى البِرِّ والإِثم وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ: تأنيسٌ لفاعلي البرِّ، ومِتَّبِعِي سنن الهدى [[ذكره ابن عطية في «المحرر الوجيز» (1/ 300) .]] ،

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском