Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic
Al-Baqarah 2:21–29
2:21–24Page 4
يَٰٓأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱعۡبُدُواْ رَبَّكُمُ ٱلَّذِي خَلَقَكُمۡ وَٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِكُمۡ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٢١
O mankind, worship your Lord, who created you and those before you, that you may become righteous -
ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلۡأَرۡضَ فِرَٰشٗا وَٱلسَّمَآءَ بِنَآءٗ وَأَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَأَخۡرَجَ بِهِۦ مِنَ ٱلثَّمَرَٰتِ رِزۡقٗا لَّكُمۡۖ فَلَا تَجۡعَلُواْ لِلَّهِ أَندَادٗا وَأَنتُمۡ تَعۡلَمُونَ ٢٢
[He] who made for you the earth a bed [spread out] and the sky a ceiling and sent down from the sky, rain and brought forth thereby fruits as provision for you. So do not attribute to Allāh equals while you know [that there is nothing similar to Him].
وَإِن كُنتُمۡ فِي رَيۡبٖ مِّمَّا نَزَّلۡنَا عَلَىٰ عَبۡدِنَا فَأۡتُواْ بِسُورَةٖ مِّن مِّثۡلِهِۦ وَٱدۡعُواْ شُهَدَآءَكُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ صَٰدِقِينَ ٢٣
And if you are in doubt about what We have sent down [i.e., the Qur’ān] upon Our Servant [i.e., Prophet Muḥammad (ﷺ)], then produce a sūrah the like thereof and call upon your witnesses [i.e., supporters] other than Allāh, if you should be truthful.
فَإِن لَّمۡ تَفۡعَلُواْ وَلَن تَفۡعَلُواْ فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلۡحِجَارَةُۖ أُعِدَّتۡ لِلۡكَٰفِرِينَ ٢٤
But if you do not - and you will never be able to - then fear the Fire, whose fuel is people and stones, prepared for the disbelievers.
قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ ... الآيَةَ: «يَا» : حرفُ نداءٍ، وفيه تنبيهٌ، و «أَيُّ» هو المنادى، قال مجاهد: يا أَيُّهَا النَّاسُ حيث وقع في القرآن مكّيّ، ويا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مدنيٌّ [[ينظر المصدر السابق، والقرطبي (1/ 194) .]] .
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 105) .]] : قد تقدَّم في أول السورة أنها كلها مدنية، وقد يجيء في المدنيّ:
يا أَيُّهَا النَّاسُ.
وأما قوله في: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا فصحيح.
اعْبُدُوا رَبَّكُمُ: معناه: وحِّدوه، وخصوه بالعبادة، وذكر تعالى خلقه لهم إِذ كانت العرب مقرة بأن اللَّه خلقها، فذكر ذلك سبحانه حجةً عليهم، ولعل في هذه الآية قال فيها كثيرٌ من المفسِّرين: هي بمعنى إيجاب التقوى، وليست من اللَّه تعالى بمعنى ترجٍّ وتوقُّع، وفي «مختصر الطَّبَرِيِّ» : لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ عن مجاهد، أي: لعلَّكم تطيعون [[أخرجه الطبري (1/ 196) برقم (474) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 74) ، وعزاه لوكيع، وعبد بن حميد، وابن جرير، وأبي الشيخ.]] ، والتقوَى التوقِّي من عذاب اللَّه بعبادته، وهي من الوقاية، وأما «لَعَلَّ» هنا، فهي بمعنى «كَيْ» أو «لامِ كَيْ» ، أي: لتتقوا، أوْ لكَيْ تتقوا، وليست هنا من اللَّه تعالى بمعنى الترجِّي، وإنما هي بمعنى كَيْ، وقد تجيء بمعنى «كَيْ» في اللغة قال الشاعر: [الطويل]
وَقُلْتُمْ لَنَا كُفُّوا الحُرُوبَ لَعَلَّنَا ... نَكُفُّ وَوَثَّقْتُمْ لَنَا كُلَّ موثق [[وبعده:
فلمّا كففنا الحرب كانت عهودكم ... كلمع سراب في الملا متألّق
وهما بلا نسبة في «تفسير الطبري» (1/ 364) ، و «القرطبي» (1/ 227، 12/ 282) ، و «زاد المسير» (1/ 48) ، و «الدر المصون» (1/ 47) ، و «الحماسة البصرية» (1/ 56) . والشاهد فيه «لعل» : استعملها-[.....]- الشاعر هنا مجردة من الشك بمعنى «لام كي» . يقول: كفوا الحروب لنكف، ولو كانت «لعل» هنا شكا لم يوثقوا لهم كل موثق. ينظر: «أمالي ابن الشجري» (1: 71) ، والملا: الصحراء، والأرض الواسعة.]] انتهى.
قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 105) .]] : وقال سيبويه [[عمرو بن عثمان بن قنير الحارثي بالولاء، أبو بشر، الملقب «سيبويه» : إمام النحاة، وأول من بسط علم النحو. ولد في إحدى قرى «شيراز» ، وقدم «البصرة» ، فلزم الخليل بن أحمد، ففاقه، وصنف كتابه المسمى «كتاب سيبويه» في النحو. لم يصنع قبله ولا بعده مثله، ناظر الكسائي وأجازه الرشيد بعشرة آلاف درهم. كان أنيقا جميلا، توفي شابا، ولد سنة (148 هـ.) وتوفي سنة (180 هـ.) .
ينظر: «ابن خلكان» (1: 385) ، «البداية والنهاية» (10: 176) ، «الأعلام» (5/ 81) .]] : ورؤساءُ اللِّسَان: هي على بابها، والترجِّي والتوقُّع إنما هو في حيز البشر، أي: إذا تأملتم حالكم مع عبادة ربكم، رجَوْتُمْ لأنفسكم التقوى، و «لَعَلَّ» : متعلِّقة بقوله: «اعبدوا» ، ويتجه تعلُّقها ب «خَلَقَكُمْ» أي: لَمَّا وُلِدَ كلُّ مولود على الفطرة، فهو إِن تأمله متأمِّل، توقَّع له ورجا أن يكون متقياً، و «تَتَّقُونَ» : مأخوذ من الوقاية، وجعل بمعنى «صَيَّرَ» في هذه الآية لتعدِّيها إِلى مفعولين، و «فِرَاشاً» معناه: تفترشونها، و «السَّمَاء» قيل: هو اسم مفرد، جمعه سماوات، وقيل: هو جمعٌ، واحده سَمَاوَة، وكلُّ ما ارتفع عليك في الهواء، فهو سماء، وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ يريد السحاب، سمي بذلك تجوُّزاً لَمَّا كان يلي السماء، وقد سَمَّوُا المطر سماءً للمجاورة ومنه قول الشاعر: [الوافر]
إِذَا نَزَلَ السَّمَاءُ بأَرْضِ قَوْمٍ ... رَعَيْنَاهُ وَإِنْ كَانُوا غِضَابَا [[البيت لمعود الحكماء. انظر: «تأويل مشكل القرآن» (135) ، الأصبهاني (214) ، الصاحبي (63) ، «معجم الشعراء» (391) ، «المفضليات» (359) ، «الصناعتين» (212) ، «معجم مقاييس اللغة» (3/ 98) ، «العمدة» (1/ 237) ، وفيه النسبة لجرير بن عطية، «معاهد التنصيص» (2/ 260) .
والشاهد فيه: الاستخدام، وهو أن يراد بلفظ له معنيان: أحدهما، ثم يراد بضمير الآخر، أو يراد بأحد ضميريه أحدهما، ثم يراد بالآخر الآخر، فالأول كما في البيت هنا، فإنه أراد بالسماء الغيث، وبالضمير الراجع إليه من «رعيناه» النبت.]]
فتجوز أيضاً في «رَعَيْنَاهُ» .
وواحد الأنداد نِدٌّ، وهو المقاوم والمضاهي، واختلف المتأوّلون من المخطاب بهذه الآية، فقالتْ جماعة من المفسِّرين: المخاطَبُ جميع المشركين، فقوله سبحانه على هذا:
وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ يريد العلم الخاصَّ في أنه تعالى خلق، وأنزل الماء، وأخرج الرزق، وقيل: المراد كفَّار بني إسرائيل، فالمعنى: وأنتم تعلَمُون من الكتب التي عندكم أنّ الله لا ندَّ له، وقال ابنْ فُورَكَ [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 106) . وابن فورك هو: محمد بن الحسين بن فورك، أبو بكر الأصفهاني، المتكلم، الأصولي، الأديب، النحوي، الواعظ، أخذ طريقة أبي الحسن الأشعري، عن أبي الحسين الباهلي وغيره، أحيى الله تعالى به أنواعا من العلوم، وبلغت مصنفاته الشيء الكثير، وجرت له مناظرات عظيمة. مات سنة (406) . انظر: «طبقات ابن قاضي شهبة» (1/ 190) ، «طبقات السبكي» (3/ 52) ، «تبيين كذب المفتري» ص (232) . «الأعلام» (6/ 313) ، «مرآة الجنان» (3/ 17) ، «النجوم الزاهرة» (4/ 240) .]] : يحتمل أن تتناول الآية المؤمنين.
قوله تعالى: وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ، أي: في شكٍّ، فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ:
الضمير في «مِثْلِهِ» عند الجمهور: عائد على القرآن [[وقال قوم آخرون: إن معنى قوله تعالى: فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ: من مثل محمد من البشر لأن محمدا بشر مثلكم، يعني لأنه لم يكن قرأ الكتب ولا درس، فأتوا بسورة فيها حق من مثل محمد، كما جاء بذلك ﷺ.
ينظر: «تفسير الطبري» (1/ 374) ، و «بحر العلوم» للسمرقندي (1/ 102) .]] ، وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ، أي: مَنْ شهدكم وحضركم من عون ونصير قاله ابنُ عَبَّاس [[أخرجه الطبري (1/ 202) برقم (496) ، وذكره ابن عطية (1/ 107) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 77) ، وعزاه لابن جرير، وابن إسحاق، وابن أبي حاتم.]] : إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ، أي: فيما قلتم من أنَّكم تقدرون على معارضته. ويؤيِّد هذا القول ما حكي عنهم في آية أخرى: / 12 ب لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا [الأنفال: 31] ، وفي قوله جل وعلا: وَلَنْ تَفْعَلُوا إِثَارةٌ لِهِمَمِهِمْ، وتحريكٌ لنفوسهم ليكون عجزهم بعد ذلك أبدع، وهو أيضاً من الغيوب التي أخبر بها القرآن.
وقوله تعالى: فَاتَّقُوا النَّارَ: أمر بالإيمانِ وطاعةِ اللَّه، قال الفَخْر [[ينظر: «مفاتيح الغيب» (2/ 112) .]] ولما ظهر عجزهم عن المعارضة، صح عندهم صدق النبيّ ﷺ وإِذا صح ذلك، ثم لزموا العناد، استوجبوا العقاب بالنار، واتقاءُ النار يوجب ترك العناد فأقيم قوله: فَاتَّقُوا النَّارَ مُقَامَ قوله: «واتركوا العِنَادَ» ، ووصف النار بأنها تتقد بالناس والحجارة وذلك يدلُّ على قوتها، نجَّانا اللَّه منها برحمته الواسعة.
وقرَنَ اللَّه سبحانه النَّاسَ بالحجارة لأنهم اتخذوها في الدنيا أصناماً يعبدونها قال تعالى: إِنَّكُمْ وَما تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَها وارِدُونَ [الأنبياء: 98] فإحدى الآيتين مفسِّرة للأخرى، وهذا كتعذيب مانعي الزكاة بنوع ما منعوا، انتهى.
2:25Page 5
وَبَشِّرِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ أَنَّ لَهُمۡ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنۡهَا مِن ثَمَرَةٖ رِّزۡقٗا قَالُواْ هَٰذَا ٱلَّذِي رُزِقۡنَا مِن قَبۡلُۖ وَأُتُواْ بِهِۦ مُتَشَٰبِهٗاۖ وَلَهُمۡ فِيهَآ أَزۡوَٰجٞ مُّطَهَّرَةٞۖ وَهُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٥
And give good tidings to those who believe and do righteous deeds that they will have gardens [in Paradise] beneath which rivers flow. Whenever they are provided with a provision of fruit therefrom, they will say, "This is what we were provided with before." And it is given to them in likeness. And they will have therein purified spouses, and they will abide therein eternally.
قوله تعالى: وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ ... الآية.
بَشِّرِ: مأخوذ من البَشَرَةِ لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثرٌ في بَشَرة الوجه، والأغلب استعمال البِشَارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيَّدة به كما قال تعالى: فَبَشِّرْهُمْ بِعَذابٍ أَلِيمٍ [التوبة: 34] ومتى أطلق لفظ البِشَارة، فإِنما يحمل على الخير، وفي قوله تعالى: وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ ردٌّ على من يقول: إِن لفظة الإِيمان بمجرَّدها تقتضي الطاعاتِ لأنه لو كان كذلك، ما أعادها، وجَنَّاتٍ جمع جَنَّة، وهي بستان الشجرِ والنخلِ، وبستانُ الكَرْم، يقال له الفِرْدَوسُ، وروى النسائي عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ: «أَنَّ ثِيَابَ الجَنَّةِ تَشَقَّقُ عَنْهَا ثَمَرُ الجَنَّةِ» [[تقدم تخريجه.]] ، وروى التِّرْمِذِيُّ عن أبي هريرةَ عن النَّبِيِّ ﷺ أنَّهُ قَالَ: «مَا فِي الجَنَّةِ شَجَرَةٌ إِلاَّ وَسَاقُهَا مِنْ ذَهَبٍ» ، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن [[أخرجه الترمذي (4/ 671- 672) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء في صفة شجرة الجنة، حديث (2525) ، وأبو يعلى (11/ 57) ، رقم (6195) ، وابن حبان (2624- موارد) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» (3/ 240) ، رقم (400) ، والخطيب في «تاريخ بغداد» (5/ 108) ، كلهم من طريق أبي حازم، عن أبي هريرة مرفوعا.
وقال الترمذي: حسن غريب. وصححه ابن حبان.]] . انتهى من «التَّذْكِرَةِ» [[«التذكرة» ، تحقيق الدكتور السيد الجميلي، ص (607) ، وفيها قول الترمذي: حديث حسن غريب.]] .
ت: وفي الباب عن ابن عبَّاس، وجرِيرِ بن عبد اللَّهِ، وغيرهما: وسمِّيتِ الجنةُ جنَّةً لأنها تجنُّ من دخلها [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 108) .]] أي: تستره، ومنه المِجَنُّ، وَالْجَنَنُ، وجنّة اللّيل.
ومِنْ تَحْتِهَا معناه من تحت الأشجار التي يتضمَّنها ذِكْر الجنة.
ت: ومن أعظم البِشَارات أنَّ هذه الأمة هم ثلثا أهْلِ الجنَّة، وقد خرَّج أبو بكر بن أبي شيبة [[عبد الله بن محمد بن إبراهيم بن عثمان العبس (بموحدة) ، مولاهم، أبو بكر بن أبي شيبة، الكوفي الحافظ. أحد الأعلام، وصاحب «المصنف» . عن شريك، وهشيم، وابن المبارك، وجرير بن-- عبد الحميد، وابن عيينة، وخلق. وعنه البخاري، ومسلم، وأبو داود، وابن ماجه، وأبو زرعة، وعثمان بن خرّزاذ، وأحمد بن علي المروزي، وخلق. قال أبو زرعة: ما رأيت أحفظ منه. وقال الخطيب: كان متقنا حافظا، صنف التفسير وغيره. وقال نفطويه: اجتمع في مجلسه نحو ثلاثين ألفا.
قال البخاري: مات سنة خمس وثلاثين ومائتين.
ينظر: «الخلاصة» (2/ 94) ، و «تهذيب التهذيب» (6/ 2) ، و «الجرح والتعديل» (5/ 737) .]] عن النبي ﷺ أنه قال: «إِنَّ أُمَّتِي يَوْمَ القِيَامَةِ ثُلُثَا أهل الجنّة، إنّ أهل الجَنَّةِ يَوْمَ القِيَامَةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ، وَإِنَّ أُمَّتِي مِنْ ذَلِكَ ثَمَانُونَ صَفًّا» [[أخرجه ابن أبي شيبة (11/ 470) .]] ، وخرَّج ابن ماجه والترمذيُّ عن بُرَيْدة بن حُصَيْب [[هو: بريدة بن الحصيب بن عبد الله بن الحارث بن الأعرج بن سعد بن رزاح بن عدي بن سهم بن مازن بن الحارث بن سلامان بن أسلم بن أفصى بن حارثة بن عمرو بن عامر ... أبو عبد الله.
وقيل: أبو سهل. وقيل: أبو ساسان. وقيل أبو الحصيب. الأسلمي. قال ابن الأثير في «الأسد» : أسلم حين مر به النبي ﷺ مهاجرا هو ومن معه، وكانوا نحو ثمانين بيتا، فصلى رسول الله ﷺ العشاء الآخرة، فصلوا خلفه، وأقام بأرض قومه ثم قدم على رسول الله ﷺ بعد «أحد» ، فشهد معه مشاهده، وشهد الحديبية وبيعة الرضوان تحت الشجرة.
وكان من ساكني «المدينة» ثم تحول إلى «البصرة» ، وابتنى بها دارا، ثم خرج منها غازيا إلى «خراسان» فأقام ب «مرو» حتى مات ودفن بها، وبقي ولده بها.
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 209) ، «الإصابة» (1/ 151) ، «الثقات» (3/ 29) ، «الجرح والتعديل» (2/ 424) ، «سير أعلام النبلاء» (2/ 469) ، «الجمع بين رجال الصحيحين» (1/ 61) ، «مشاهير علماء الأمصار» (60) ، «تقريب التهذيب» (1/ 96) .]] قال: قال رسول الله ﷺ: «أَهْلُ الجَنَّةِ عِشْرُونَ وَمِائَةُ صَفٍّ ثَمَانُونَ مِنْهَا مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ، وَأَرْبَعُونَ مِنْ سَائِرِ الأُمَمِ» ، قال أبو عيسى:
هذا حديث حسن [[أخرجه الترمذي (4/ 683) ، كتاب «صفة الجنة» ، باب ما جاء في صف أهل الجنة، حديث (2546) ، وأحمد (5/ 347) ، كلاهما من طريق ضرار بن مرة، عن محارب بن دثار، عن ابن بريدة، عن أبيه مرفوعا.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وقد روي هذا الحديث عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن النبي ﷺ مرسلا، ومنهم من قال: عن سليمان بن بريدة، عن أبيه. اهـ.
قلت: أما الطريق المرسل والذي أشار إليه الترمذي، فأخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 548) ، رقم (1572) من طريق سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن ابن بريدة عن النبي ﷺ مرسلا.
وأخرجه ابن ماجه (2/ 1433- 1434) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة أمة محمد ﷺ، حديث (4289) ، والدارمي (2/ 337) ، كتاب «الرقاق» ، باب في صفوف أهل الجنة، والحاكم (1/ 82) من طرق عن سفيان، عن علقمة بن مرثد، عن سليمان بن بريدة، عن أبيه مرفوعا. وعند الدارمي: عن علقمة، عن سليمان قال: أراه عن أبيه. وللحديث شاهد من حديث أبي موسى.
ذكره الهيثمي في «مجمع الزوائد» (10/ 73) ، وقال: رواه الطبراني، وفيه القاسم بن غصن، وهو ضعيف. -- وقال ابن أبي حاتم في «العلل» (2/ 215) : سألت أبي وأبا زرعة عن حديث رواه القاسم بن غصن، عن موسى الجهني، عن أبي بردة، عن أبيه، عن النبي ﷺ قال: «أهل الجنة عشرون ومائة صف، أمتي منهم ثمانون صفا» قالا: هذا خطأ إنما هو موسى الجهني، عن الشعبي، عن النبي ﷺ مرسل. قالا: والخطأ من القاسم. قلت: ما حال القاسم؟؟! قالا: ليس بقوي.]] .
انتهى من «التذْكرة» [[ينظر: «التذكرة» (2/ 506) .]] للقرطبيِّ.
والْأَنْهارُ: المياه في مجاريها المتطاولة الواسعَةِ مأخوذةٌ من أنْهَرْتُ، أي:
وسّعت ومنه قول النبيّ ﷺ: «مَا أَنْهَرَ الدَّمَ وَذُكِرَ اسم اللَّهِ عَلَيْهِ، فَكُلُوهُ» [[أخرجه أحمد (3/ 463- 464) ، والبخاري (9/ 672) ، كتاب «الذبائح والصيد» ، باب إذا أصاب القوم غنيمة ... ، حديث (5543) ، ومسلم (3/ 1558) ، كتاب «الأضاحي» ، باب جواز الذبح بكل ما أنهر الدم، حديث (20/ 1968) ، وأبو داود (3/ 247) ، كتاب «الأضاحي» ، باب في الذبيحة بالمروة، حديث (2821) ، والترمذي (4/ 81) ، كتاب «الأحكام والفوائد» ، باب ما جاء في الزكاة بالقصب وغيره، حديث (1491) ، والنسائي (7/ 226) ، كتاب «الضحايا» ، باب في الذبح بالسن، وابن ماجة (2/ 1061) ، كتاب «الذبائح» ، باب ما يذكى به، حديث (3178) . والدارمي (2/ 84) ، كتاب «الأضاحي» ، باب: في البهيمة إذا ندت، وعبد الرزاق (4/ 465- 466) ، رقم (8481) ، والطيالسي (963) ، وابن الجارود (895) ، والحميدي (1/ 199) ، رقم (410) ، وابن حبان (5856- الإحسان) ، والطحاوي في «شرح معاني الآثار» (4/ 183) ، والطبراني في «الكبير» (4/ 321) ، رقم (4380، 4381، 4382، 4383، 4384) ، والبغوي في «شرح السنة» (6/ 18- بتحقيقنا) ، من طريق عباية بن رفاعة، عن رافع بن خديج قال: قلت يا رسول الله، إنا نلقى العدو غدا، وليس معنا مدى، فقال النبي ﷺ: «ما أنهر الدم، وذكر اسم الله عليه، فكلوا ما لم يكن سنّا، أو ظفرا، وسأحدثكم عن ذلك أما السن فعظم، وأما الظفر فمدى الحبشة» .]] . ومعناه: ما وسع الذبح حتى جرى الدم كالنهْرِ، ونسب الجري إِلى النهر، وإِنما يجري الماء تجوّزا كما قال سبحانه: وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [يوسف: 82] وروي أن أنهار الجنة ليست في أخاديد إِنما تجري على سطْح أرض الجنة منضبطةً.
وقولهم: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ: إِشارة إِلى الجنس، أي: هذا من الجنس الذي 13 أرزقنا منه من قبل، والكلام يحتمل/ أن يكون تعجباً منهم، وهو قولُ ابنِ عَبَّاس [[ذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، وابن كثير (1/ 62) .]] ، ويحتمل أن يكون خَبَراً من بعضهم لبعْضٍ قاله جماعة من المفسِّرين، وقال الحسنُ، ومجاهدٌ: يرزقُونَ الثمرةَ، ثم يرزقُونَ بعْدَها مثْلَ صورتها، والطَّعْم مختلفٌ، فهم يتعجَّبون لذلك، ويخبر بعضهم بعضاً [[أخرجه الطبري (1/ 209) برقم (528) ، وعبد الرزاق في تفسيره (1/ 41) ، وذكره البغوي في «التفسير» -- (1/ 56) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 83) ، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وذكره ابن كثير (1/ 63) .]] ، وقال ابن عبَّاس: ليس في الجنة شيْءٌ ممّا في الدنيا سوى الأسماءِ، وأما الذوات فمتباينة [[أخرجه الطبري (1/ 210) برقم (535) ، وذكره السمرقندي (1/ 104) ، والبغوي في التفسير (1/ 56) ، وابن عطية الأندلسي (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، والقرطبي (1/ 206) ، وابن كثير (1/ 63) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 82) ، وعزاه لمسدد، وهناد في «الزهد» ، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والبيهقي في «البعث» .]] ، وقال بعض المتأوِّلين: المعنى أنهم يرون الثمر، فيميزون أجناسه حين أشبه منظره ما كان في الدنيا، فيقولون: هذا الذي رزقْنَا مِنْ قبل في الدنيا، وقال قومٌ: إن ثمر الجنة إِذا قطف منه شيء، خرج في الحين في موضعه مثله، فهذا إِشارة إِلى الخارج في موضع المجني.
وقوله تعالى: مُتَشابِهاً قال ابن عباس وغيره: معناه يشبه بعضه بعضاً في المنظر، ويختلف في الطعم [[أخرجه الطبري (1/ 209) برقم (524) ، وذكره البغوي في التفسير (1/ 56) ، وابن عطية (1/ 109) ، والماوردي (1/ 86) ، وابن كثير (1/ 63) .]] ، وأَزْواجٌ: جمع زوج، ويقال في المرأة: زوجة، والأول أشهر، ومُطَهَّرَةٌ: أبلغ من طَاهِرَة، أي: مُطَهَّرة من الحَيْض، والبُزَاق، وسائر أقذار الآدميَّات، والخلودُ: الدوامُ، وخرَّج ابن ماجة عن أسامة بن زيد [[أسامة بن زيد بن شراحيل بن عبد العزى بن زيد بن امرئ القيس بن عامر بن النعمان بن عامر بن عبد ود بن عوف بن كنانة بن بكر، أبو يزيد، وأبو خارجة، وأبو محمد، وأبو زيد الحب بن الحب الكلبي.
أمه: أم أيمن حاضنة النبي ﷺ. ولد في الإسلام، ومناقبه كثيرة، وأحاديثه شهيرة، وكان سكن «المزة» من عمل «دمشق» ، ثم رجع فسكن وادي القرى، ثم نزل إلى «المدينة» فمات بها ب «الجرف» .
روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: «إن أسامة بن زيد لأحب إليّ (أو من أحب الناس إليّ) ، وأنا أرجو أن يكون من صالحيكم، فاستوصوا به خيرا» .
قيل: توفي في آخر خلافة معاوية، وقيل: مات سنة (54) .
ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (1/ 79) ، «الإصابة» (1/ 29) ، «الاستيعاب» (1/ 75) ، «الاستبصار» (34) ، «الكاشف» (1/ 104) ، «صفة الصفوة» (1/ 521) ، «بقي بن مخلد» (33) ، «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 13) ، «التاريخ الكبير» (2/ 20) ، «التاريخ لابن معين» (3/ 22) .]] قال: قال النبيّ ﷺ، ذَاتَ يَوْمٍ لأَِصْحَابِهِ: «أَلاَ مُشَمِّرٌ لِلْجَنَّةِ؟ فَإِنَّ الجَنَّةَ لاَ خَطَرَ [[قوله ﷺ: «لا خطر لها» أي لا عوض لها ولا مثل. والخطر بالتحريك- في الأصل: الرّهن وما يخاطر عليه. ومثل الشيء، وعدله، ولا يقال إلا في الشيء الذي له قدر ومزيّة.
ينظر: «النهاية» (2/ 46) .]] لَهَا هِيَ، وَرَبِّ الكَعْبَةِ، نور يَتَلأْلأُ، وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزُّ، وَقَصْرٌ مَشِيدٌ، وَنَهْرٌ مُطَّرِدٌ، وَفَاكِهَةٌ كَثِيرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ، وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامِ أَبَدٍ فِي حَبْرةٍ [[الحبرة: النّعمة وسعة العيش، وكذلك الحبور. ينظر: «النهاية» (1/ 327) .]] وَنَضْرَةٍ، فِي دَارٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيَّةٍ» ، قَالُوا:
نَحْنُ المُشَمِّرُونَ لَهَا، يَا رَسُولَ اللَّهِ، قَالَ: «قُولُوا: إِنْ شَاءَ اللَّهُ» ، ثُمَّ ذَكَرَ الْجِهَادَ وَحَضَّ عَلَيْهِ» [[أخرجه ابن ماجه (2/ 1448- 1449) ، كتاب «الزهد» ، باب صفة الجنة، حديث (4332) ، وابن حبان (2620- موارد) ، والطبراني في «الكبير» (1/ 162- 163) ، رقم (388) ، والفسوي في «المعرفة والتاريخ» (1/ 304) ، وأبو نعيم في «صفة الجنة» ، رقم (24) ، والبيهقي في «البعث والنشور» (ص 233) ، رقم (391) ، كلهم من طريق الضحاك المعافري، عن سليمان بن موسى، عن كريب مولى ابن عباس، عن أسامة بن زيد مرفوعا.
وقال البوصيري في «الزوائد» : في إسناده مقال، والضحاك المعافري ذكره ابن حبان في «الثقات» اهـ.
قال الحافظ في «التقريب» (1/ 374) : الضحاك المعافري مقبول. اهـ.
يعني عند المتابعة، وإلا فهو لين كما ذكره هو في مقدمة «التقريب» .
والحديث ذكره الهندي في «كنز العمال» (14/ 461) ، وعزاه إلى ابن ماجة، وأبي يعلى، والنسائي، وابن حبان، وأبي بكر بن أبي داود في «البعث» ، والروياني، والرامهرمزي، والطبراني، والبيهقي في «البعث» ، وسعيد بن منصور، عن أسامة بن زيد.
تنبيه: عزاه الحافظ المزي في «تحفة الأشراف» (1/ 59) إلى ابن ماجة فقط، ولم يعزه للنسائي في «الصغرى» ، ولا في «الكبرى» ، وأظن أن عزوه للنسائي خطأ من المتقي الهندي.]] انتهى من «التذْكرَةِ» [[ينظر: «التذكرة» (596) .]] .
وقوله: لا خَطَرَ لها بفتح الطاء: قيل: معناه: لا عِوَضَ لها.
2:26–29Page 5
۞ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يَسۡتَحۡيِۦٓ أَن يَضۡرِبَ مَثَلٗا مَّا بَعُوضَةٗ فَمَا فَوۡقَهَاۚ فَأَمَّا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ فَيَعۡلَمُونَ أَنَّهُ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّهِمۡۖ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ فَيَقُولُونَ مَاذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِهَٰذَا مَثَلٗاۘ يُضِلُّ بِهِۦ كَثِيرٗا وَيَهۡدِي بِهِۦ كَثِيرٗاۚ وَمَا يُضِلُّ بِهِۦٓ إِلَّا ٱلۡفَٰسِقِينَ ٢٦
Indeed, Allāh is not timid to present an example - that of a mosquito or what is smaller1 than it. And those who have believed know that it is the truth from their Lord. But as for those who disbelieve, they say, "What did Allāh intend by this as an example?" He misleads many thereby and guides many thereby. And He misleads not except the defiantly disobedient,
ٱلَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهۡدَ ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مِيثَٰقِهِۦ وَيَقۡطَعُونَ مَآ أَمَرَ ٱللَّهُ بِهِۦٓ أَن يُوصَلَ وَيُفۡسِدُونَ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ أُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ٢٧
Who break the covenant of Allāh after contracting it and sever that which Allāh has ordered to be joined and cause corruption on earth. It is those who are the losers.
كَيۡفَ تَكۡفُرُونَ بِٱللَّهِ وَكُنتُمۡ أَمۡوَٰتٗا فَأَحۡيَٰكُمۡۖ ثُمَّ يُمِيتُكُمۡ ثُمَّ يُحۡيِيكُمۡ ثُمَّ إِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٢٨
How can you disbelieve in Allāh when you were lifeless and He brought you to life; then He will cause you to die, then He will bring you [back] to life, and then to Him you will be returned.
هُوَ ٱلَّذِي خَلَقَ لَكُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا ثُمَّ ٱسۡتَوَىٰٓ إِلَى ٱلسَّمَآءِ فَسَوَّىٰهُنَّ سَبۡعَ سَمَٰوَٰتٖۚ وَهُوَ بِكُلِّ شَيۡءٍ عَلِيمٞ ٢٩
It is He who created for you all of that which is on the earth. Then He directed Himself1 to the heaven, [His being above all creation], and made them seven heavens, and He is Knowing of all things.
قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها: لما كان الجليلُ القدْرِ في الشاهد لا يمنعه من الخَوْضِ في نازل القوْلِ إِلا الحَيَاء من ذلكَ، رَدَّ اللَّه بقوله: إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَّا على القائلين كيف يضرب الله مثلا بالذُّبَابِ ونحوه.
واختلف في قوله تعالى: يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً، هل هو من قول الكافرين أو خبرٌ من اللَّه تعالى؟ ولا خلاف أن قوله تعالى: وَما يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفاسِقِينَ من قول اللَّه تعالى، والفسْقُ: الخروجُ عن الشيء، يقال: فَسَقَتِ الفَأْرَةُ، إِذا خرجَتْ من جحرها، والرُّطَبَةُ، إِذا خرجَتْ من قِشْرها، والفِسْقُ في عرف استعمال الشرْعِ: الخروجُ من طاعة اللَّه عزَّ وجلَّ بكُفْر أو عصيان.
قوله تعالى: الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ: النَّقْضُ: ردُّ ما أبرم على أوله غير مبرمٍ، والعهدُ: في هذه الآية: التقدُّم في الشيء، والوَصَاةُ به، وظاهرٌ مما قبل وبعد أنه في جميع الكُفَّار.
ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 113) .]] : وكل عهد جائزٌ بيْنَ المسلمين، فنقضه لا يحلُّ بهذه الآية، والخاسر الذي نَقَصَ نفسه حظَّها من الفلاحِ والفوزِ، والخسرانُ النقْصُ، كان في ميزانٍ أو غيره.
قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ: هو تقريرٌ وتوبيخٌ، أي: كيف تَكْفُرون، ونعمه عليكم وقدرته هذه، والواو في قوله: وَكُنْتُمْ واو الحال.
واختلف في قوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً ... الآية.
فقال ابن عبَّاس، وابن مسعود، ومجاهد: المعنى: كنتم أمواتاً معدومِينَ قبل أن تخلقوا دارسين كما يقال للشيء الدَّارِسِ: ميِّت، ثم خلقكم وأخرجكم إِلى الدنيا، فأحياكم، ثم يميتكم/ الموتَ المعهُودَ، ثم يحييكم للبعث يوم القيامة [[أخرجه الطبري (1/ 222- 223) برقم (576- 580) بنحوه، عن ابن عباس، ومجاهد. وذكره ابن عطية الأندلسي (1/ 114) ، والماوردي (1/ 90) ، والسيوطي في «الدر» (1/ 89) ، والقرطبي (1/ 213) .]] ، وهذا التأويل هو 13 ب أولى ما قيل لأنه هو الذي لا محيد للكفار عن الإِقرار به، والضميرُ في «إِلَيْهِ» عائد على اللَّه تعالى، أي: إلى ثوابه أو عقابه، وخَلَقَ: معناه: اخترع، وأوجد بعد العدم، ولَكُمْ: معناه: لِلاِعتبار ويَدُلُّ عليه ما قبله وما بعده من نَصْب العِبَرِ: الإِحياء والإِماتة والاستواء إلى السماء وتسويتِها.
وقوله تعالى: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ: «ثُمَّ» هنا: لترتيب الأخبار، لا لترتيب الأمر في نفسه، واسْتَوى: قال قومٌ: معناه: علا دون كَيْفٍ، ولا تحديدٍ، هذا اختيار الطبريِّ، والتقديرُ: علا أمره وقدرته وسلطانه، وقال ابن كَيْسَان: معناه: قصد إلى السماء.
ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 115) .]] : أي: بخلقه، واختراعه، والقاعدةُ في هذه الآية ونحوها منع النّقْلَة وحلولِ الحوادث، ويبقى استواء القدرة والسلطان.
وفَسَوَّاهُنَّ: قيل: جعلهن سواءً، وقيل: سوى سطوحَهُنَّ بالإملاس، وقال الثعلبيُّ [[هو أحمد بن محمد بن إبراهيم، أبو إسحاق النيسابوري الثعلبي. كان إماما كبيرا، حافظا للغة بارعا في العربية، روى عن أبي طاهر بن خزيمة، وأبي محمد المخلدي. أخذ عنه الواحدي. له: «العرائس في قصص الأنبياء» وكتاب «ربيع المذكرين» . توفي (427 هـ.) .
ينظر ترجمته في: «بغية الوعاة» (1/ 356) ، و «النجوم الزاهرة» (4/ 283) ، و «طبقات المفسرين» للداوودي (1/ 66) .]] : فَسَوَّاهُنَّ، أي: خلقهن. انتهى. وهذه الآية تقتضي أن الأرض وما فيها خُلِقَ قبل السماء، وذلك صحيحٌ، ثم دحيت الأرض بعد خلق السماء، وبهذا تتفق معاني الآيات هذه والتي في سورة «المُؤْمِنِ» ، وفي «النازعات» .
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences