Ath-Tha'alibiAl‑Baqarah · 2:58–66

Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic

Al-Baqarah 2:58–66

2:58–60Page 9

وَإِذۡ قُلۡنَا ٱدۡخُلُواْ هَٰذِهِ ٱلۡقَرۡيَةَ فَكُلُواْ مِنۡهَا حَيۡثُ شِئۡتُمۡ رَغَدٗا وَٱدۡخُلُواْ ٱلۡبَابَ سُجَّدٗا وَقُولُواْ حِطَّةٞ نَّغۡفِرۡ لَكُمۡ خَطَٰيَٰكُمۡۚ وَسَنَزِيدُ ٱلۡمُحۡسِنِينَ ٥٨

And [recall] when We said, "Enter this city [i.e., Jerusalem] and eat from it wherever you will in [ease and] abundance, and enter the gate bowing humbly1 and say, 'Relieve us of our burdens [i.e., sins].' We will [then] forgive your sins for you, and We will increase the doers of good [in goodness and reward]."

فَبَدَّلَ ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوۡلًا غَيۡرَ ٱلَّذِي قِيلَ لَهُمۡ فَأَنزَلۡنَا عَلَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجۡزٗا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ بِمَا كَانُواْ يَفۡسُقُونَ ٥٩

But those who wronged changed [those words] to a statement other than that which had been said to them, so We sent down upon those who wronged a punishment [i.e., plague] from the sky because they were defiantly disobeying.

۞ وَإِذِ ٱسۡتَسۡقَىٰ مُوسَىٰ لِقَوۡمِهِۦ فَقُلۡنَا ٱضۡرِب بِّعَصَاكَ ٱلۡحَجَرَۖ فَٱنفَجَرَتۡ مِنۡهُ ٱثۡنَتَا عَشۡرَةَ عَيۡنٗاۖ قَدۡ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٖ مَّشۡرَبَهُمۡۖ كُلُواْ وَٱشۡرَبُواْ مِن رِّزۡقِ ٱللَّهِ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٦٠

And [recall] when Moses prayed for water for his people, so We said, "Strike with your staff the stone." And there gushed forth from it twelve springs, and every people [i.e., tribe] knew its watering place. "Eat and drink from the provision of Allāh, and do not commit abuse on the earth, spreading corruption."

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُونَ وَإِذِ اسْتَسْقى مُوسى لِقَوْمِهِ.

الْقَرْيَةَ: المدينةُ سمِّيت بذلك لأنها تَقَرَّتْ، أي: اجتمعت ومنه: قَرَيْتُ المَاءَ في الحَوْضِ، أي: جمعته، والإِشارة بهذه إِلى بيت المقدس في قول الجمهور.

وقيل: إلى أريحا، وهي قريبٌ من بيت المَقْدِس، قال عمر بن شبّة [[عمر بن شبّة- واسمه زيد- بن عبيدة بن ريطة النميري، البصري، أبو زيد، شاعر، راوية، مؤرخ، حافظ للحديث، من أهل «البصرة» . توفي ب «سمراء» سنة (262) هـ، له تصانيف، منها: «كتاب الكتاب» ، و «النسب» ، و «أخبار بني نمير» ، و «أخبار المدينة» جزء منه، و «تاريخ البصرة» ، و «أمراء الكوفة» ، و «أمراء البصرة» ، و «أمراء المدينة» ، و «أمراء مكة» ، و «كتاب السلطان» ، و «مقتل عثمان» ، و «السقيفة» ، و «جمهرة أشعار العرب» ، و «الشعر والشعراء» ، و «الأغاني» .

ينظر: «الأعلام» (5/ 47- 48) ، و «تهذيب التهذيب» (7/ 460) ، و «الوفيات» (1/ 378) .]] : كانت قاعدةً، ومسْكنَ ملوكٍ، ولما خرج ذريةُ بني إِسرائيل من التِّيه، أُمِرُوا بدخول القرية المشار إِلَيْها، وأما الشيوخ، فماتوا فيه، وروي أن موسى وهارون عليهما السلام ماتا في التِّيه، وحكى الزجَّاج [[ينظر: «معاني القرآن» (2/ 165) .]] عن بعضهم أنهما لم يكونا في التِّيه لأنه عَذَابٌ، والأول أكْثَرُ.

ت: لكن ظاهر قوله: فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ [المائدة: 25] يقوِّي ما حكاهُ الزجَّاج، وهكذا قال الإمام الفخر»

. انتهى.

وفَكُلُوا: إِباحة، وتقدَّم معنى الرَّغَد، وهي أرض مباركة عظيمة الغلّة، فلذلك قال: رَغَداً.

والْبابَ: قال مجاهد: هو باب في مدينة بَيْت المقدس يعرف إلى اليوم بباب حطّة [[أخرجه الطبري (1/ 339) برقم (1004) .]] ، وسُجَّداً: قال ابن عبَّاس: معناه: ركوعاً [[أخرجه الطبري (1/ 339) برقم (1008) ، والحاكم (2/ 262) ، وصححه، ووافقه الذهبي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 138) ، وعزاه لوكيع، والفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم.]] ، وقيل: متواضعين خضوعاً، والسجودُ يعم هذا كلَّه، وحِطَّة: فِعْلَةٌ من حَطَّ يَحُطُّ، ورفعه على خبر ابتداء [[قال الزجاج: ولو قرىء «حطة» كان وجهها في العربية، كأنهم قيل لهم: قولوا: احطط عنا ذنوبنا حطة.

معاني القرآن (1/ 139) .

وقد فات الزجاج أن إبراهيم بن أبي عبلة قرأها بالنصب، كما في «المحرر الوجيز» (1/ 150) ، و «البحر المحيط» (1/ 384) ، و «الدر المصون» (1/ 232) ، و «الشواذ» لابن خالويه (ص 13) .]] كأنهم قالوا: سؤالُنَا حِطَّة لذنُوبِنَا، قال عكرمة و، غيره: أُمِرُوا أَنْ يَقُولُوا: «لا إِله إِلاَّ اللَّهُ» لتحطَّ بها ذنوبُهُمْ [[أخرجه الطبري (1/ 340) برقم (1016) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 138) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم. كلاهما عن عكرمة. وأخرجه عبد الرزاق في «تفسيره» (1/ 47) ، بلفظ: «لا إله إلّا الله» .]] ، وقال ابن عَبَّاس: قيل/ لهم: استغفروا، وقولوا ما يحطُّ ذنوبكم [[أخرجه الطبري (1/ 341) برقم (1017) ، بلفظ: «أمروا أن يستغفروا» .]] .

ت: قال أحمد بن نصرٍ [[أحمد بن نصر، أبو حفص الداودي، فقيه مالكي. له كتاب «الأموال» في أحكام أموال المغانم والأراضي التي يتغلب عليها المسلمون.

ينظر: «الأعلام» (1/ 264) .]] الدَّاوُودِيُّ في «تفسيره» : «وروي أن النبيّ ﷺ سار مَعَ أَصْحَابِهِ فِي سَفَرٍ، فَقَالَ: قُولُوا: نَسْتَغْفِرُ اللَّهَ، وَنَتُوبُ إِلَيْهِ، فَقَالُوا ذَلِكَ، فَقَالَ: وَاللَّهِ، إِنَّهَا للْحِطَّةُ الَّتِي عُرِضَتْ على بَنِي إِسْرَائِيلَ فَلَمْ يَقُولُوهَا» انتهى.

وحكي عن ابن مَسْعود وغيره أنهم أمروا بالسُّجود، وأن يقولوا: حِطَّةٌ، فَدَخَلُوا يزْحفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، ويَقُولُونَ: حِنْطَةٌ حَبَّةٌ حَمْرَاءُ فِي شَعْرَةٍ، ويروى غير هذا من الألفاظ.

وقوله تعالى: وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ عِدَةٌ: المعنى: إِذا غُفِرَتِ الخطايا بدخولكم وقولِكُمْ، زِيدَ بعد ذلك لمن أحسن، وكان من بني إسرائيل من دخل كما أُمِرَ، وقال: لا إله إلا اللَّه، فقيل: هم المراد ب الْمُحْسِنِينَ هنا.

وقوله تعالى: فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا ... الآية.

روي أنهم لما جاءوا الباب، دخلوا من قبل أدبارهم القهقرى، وفي الحديث: أنهم دَخَلوا يَزْحَفُونَ على أَسْتَاهِهِمْ، وبدَّلوا، فقالوا: حَبَّة في شَعْرَة، وقيل: قالوا: حِنْطَة حبَّة حمراء في شَعْرة، وقيل: شعيرة، وحكى الطبريُّ أنهم قالوا: «هَطِّي شَمْقَاثَا أَزْبَه» وتفسيره ما تقدَّم وفي اختصار الطبريِّ، وعن مجاهد قال: أمر موسى قومَهُ أنْ يدخلوا الباب سُجَّداً، ويقولُوا: حِطَّة، وطؤطئ لهم البابُ ليسجدوا، فلم يسجدوا، ودخلوا على أدبارهم، وقالوا: حِنْطَة [[أخرجه الطبري (1/ 344) برقم (1028) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 139) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.]] .

وذكر عزَّ وجلَّ فعل سلفهم تنبيها أنّ تكذيبهم لمحمّد ﷺ جَارٍ على طريق سلَفهم في خلافهم على أنبيائهم، واستخفافهم بهم، واستهزائهم بأمر ربِّهم. انتهى.

والرِّجْز العَذَابُ، قال ابن زيد وغيره: فبعث اللَّه على الذينَ بدَّلوا الطاعونَ، فأذهب منهم سبْعِينَ أَلْفاً، وقال ابن عبَّاس [[أخرجه الطبري (1/ 345) برقم (1041) بنحوه. وذكره الماوردي في «التفسير» (1/ 127) بنحوه.]] : أمات اللَّه منهم في ساعةٍ واحدةٍ نيِّفاً على عشرينَ ألفا.

واسْتَسْقى: معناه: طلب السُّقْيَا، وَعُرْفُ «استفعل» طلَبُ الشيءِ، وقد جاء في غير ذلك كقوله تعالى: وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: 6] ، وكان هذا الاستسقاءُ في فحْصِ التيه، فأمره اللَّه تعالى بضرب الحَجَر آيةً منه، وكان الحَجَرُ من جبل الطور على قدر رأس الشاة، يلقى في كِسْر جُوَالِقَ [[الجوالق والجوالق: وعاء من الأوعية معروف معرب.

ينظر: «لسان العرب» (662) .]] ، ويرحل به، فإذا نزلُوا وضع في وَسَط محلَّتهم، وضربه موسى، وذكر أنهم لم يكونوا يحملون الحَجَر لكنَّهم كانوا يجدُونه في كلِّ مرحلة في منزلته من المرحَلَة الأولى، وهذا أعظم في الآية، ولا خلاف أنه كان حجراً مربَّعاً منْفَصِلاً تطَّرد من كلِّ جهة منه ثلاثُ عُيُونٍ، إِذا ضربه موسى، وإِذا استغنَوْا عن الماءِ، ورحَلُوا، جفَّت العيون، وفي الكلام حذفٌ تقديره: فضربه، فانفجرت، والانفجار: انصداع شيء عن شَيْء ومنه: الفَجْر، والانبجاس في الماء أقلُّ من الانفجار.

وأُناسٍ: اسم جمع، لا واحد له من لفظه، ومعناه هنا: كلُّ سِبْطٍ لأن الأسباط في بني إِسرائيل كالقبائل في العرب، وهم ذرِّية الاثْنَيْ عَشَرَ أولادُ يعقُوبَ عليه السلام.

وقوله سبحانه: كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ ... الآية.

ت: رُوِّينَا من طريق أنس، بن مالك عن النبيّ ﷺ أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ ليرضى عَنِ العَبْدِ أَنْ يَأْكُلَ الأَكْلَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا، أَوْ يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ فَيَحْمَدَهُ عَلَيْهَا» رواه مُسْلِمٌ، والترمذيُّ، والنسائِيُّ [[أخرجه مسلم (4/ 2095) ، كتاب «الذكر والدعاء» ، باب استحباب حمد الله تعالى بعد الأكل والشرب، حديث (89/ 2734) ، والترمذي (4/ 265) ، كتاب «الأطعمة» ، باب ما جاء في الحمد على الطعام إذا فرغ منه، حديث (1816) ، والنسائي في «الكبرى» (4/ 202) كتاب «الدعاء بعد الأكل» ، باب ثواب الحمد لله، حديث (6899) ، وأحمد (3/ 100، 117) ، وأخرجه أيضا الترمذي في «الشمائل» ، رقم (195) ، والبغوي في «شرح السنة» (3/ 65- بتحقيقنا) ، كلهم من طريق زكريا بن أبي زائدة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أنس مرفوعا. وقال الترمذي: هذا حديث حسن، ولا نعرفه إلا من حديث زكريا بن أبي زائدة.]] . انتهى.

والمَشْرَبُ: موضع الشُّرْب، وكان لكلِّ سبطٍ عَيْنٌ من تلك العيون، لا يتعداها.

وَلا تَعْثَوْا: معناه: ولا تُفْرِطُوا في الْفَسَادِ.

ص [[«المجيد» (ص 271) .]] : مُفْسِدِينَ: حالٌ مؤكِّدة لأن: «لاَ تَعْثَوْا» : معناه: / لا تفسدوا. 22 ب انتهى.

2:61–64Page 9

وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ ٦١

And [recall] when you said, "O Moses, we can never endure one [kind of] food. So call upon your Lord to bring forth for us from the earth its green herbs and its cucumbers and its garlic and its lentils and its onions." [Moses] said, "Would you exchange what is better for what is less? Go into [any] settlement and indeed, you will have what you have asked." And they were covered with humiliation and poverty and returned with anger from Allāh [upon them]. That was because they [repeatedly] disbelieved in the signs of Allāh and killed the prophets without right. That was because they disobeyed and were [habitually] transgressing.

إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ بِٱللَّهِ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَهُمۡ أَجۡرُهُمۡ عِندَ رَبِّهِمۡ وَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢

Indeed, those who believed and those who were Jews or Christians or Sabeans [before Prophet Muḥammad (ﷺ)] - those [among them] who believed in Allāh and the Last Day and did righteousness - will have their reward with their Lord, and no fear will there be concerning them, nor will they grieve1.

وَإِذۡ أَخَذۡنَا مِيثَٰقَكُمۡ وَرَفَعۡنَا فَوۡقَكُمُ ٱلطُّورَ خُذُواْ مَآ ءَاتَيۡنَٰكُم بِقُوَّةٖ وَٱذۡكُرُواْ مَا فِيهِ لَعَلَّكُمۡ تَتَّقُونَ ٦٣

And [recall] when We took your covenant, [O Children of Israel, to abide by the Torah] and We raised over you the mount, [saying], "Take what We have given you with determination and remember what is in it that perhaps you may become righteous."

ثُمَّ تَوَلَّيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ ذَٰلِكَۖ فَلَوۡلَا فَضۡلُ ٱللَّهِ عَلَيۡكُمۡ وَرَحۡمَتُهُۥ لَكُنتُم مِّنَ ٱلۡخَٰسِرِينَ ٦٤

Then you turned away after that. And if not for the favor of Allāh upon you and His mercy, you would have been among the losers.

وقوله تعالى: وَإِذْ قُلْتُمْ يا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ ... الآيةَ: كان هذا القول منهم في التيه حينَ ملُّوا المَنَّ والسلوى، وتذكَّروا عيشهم الأول بمصْرَ، قال ابنُ عَبَّاس وأكثر المفسِّرين: الفُومُ: الحِنْطَة [[أخرجه الطبري (1/ 352) برقم (1076) قال أحمد شاكر: «ابن كريب» ضعيف، وقد بين القول في ضعفه في «شرح المسند» (2571) . وأبوه كريب بن أبي مسلم «تابعي ثقة» . اهـ.

وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، وقال قتادة، وعطاء: الفوم: جميع الحبوب التي يمكن أن تختبز [[أخرجه الطبري (1/ 351) برقم (1071) عن قتادة.]] ، وقال الضحَّاك: الفوم: الثُّوم، وهي قراءة عبد اللَّه بن مسعود، وروي ذلك عن ابن عبَّاس [[ذكره السيوطي في «الدر» (1/ 141) عن ابن عباس بنحوه، وعزاه لابن أبي حاتم. وذكره في موضع آخر عن ابن عباس بلفظ «قراءتي قراءة زيد، وأنا آخذ ببضعة عشر حرفا من قراءة ابن مسعود هذا أحدها: «من بقلها وقثائها وثومها» وعزاه في هذا الموضوع لابن أبي داود.]] ، والثاء تُبْدَلُ من الفاءِ كما قالوا: مَغَاثِيرُ ومَغَافِير [[المغافير: صمغ شبيه بالناطف ينضحه العرفط والرمث. الواحد مغفور ومغثور.

ينظر: «لسان العرب» (3275) .]] .

ت: قال أحمد بن نصر الدَّاوُوديُّ: وهذا القولُ أشبه لما ذكر معه، أي: من العَدَسِ والبَصَلِ. انتهى.

وأَدْنى: قال عليُّ بن سليمان الأخْفَشُ [[علي بن سليمان بن الفضل، أبو المحاسن، المعروف ب «الأخفش الأصغر» : نحوي، من العلماء. من أهل بغداد، أقام ب «مصر» سنة (287- 300 هـ.) ، وخرج إلى «حلب» ، ثم عاد إلى «بغداد» ، وتوفي بها وهو ابن 80 سنة. له تصانيف، منها: «شرح سيبويه» ، و «الأنواء» ، و «المهذب» ، وكان ابن الرومي مكثرا من هجوه. توفي سنة (315 هـ.) .

انظر: «بغية الوعاة» (338) ، و «وفيات الأعيان» (1: 332) ، و «الأعلام» (4/ 291) .]] . مأخوذٌ من الدّنيء البيّن الدناءة بمعنى: الأَخَسِّ، إلا أنه خُفِّفَت همزته، وقال غيره: هو مأخوذ من الدُّون، أي: الأحط فأصله أَدْوَن، ومعنى الآية: أَتَسْتَبْدِلُونَ البَقْلَ، والْقِثَّاءَ، والفُومَ، وَالعَدَسَ، والبَصَلَ الَّتي هى أدنى بالمَنِّ والسلْوَى الذي هو خيرٌ.

وجمهور النَّاس يقرءون «مِصْراً» بالتنوين [[وقرأ «مصر» بغير تنوين في هذه الآية الأعمش، كما في مختصر الشواذ لابن خالويه (ص 14) .

كما قرأ بها طلحة بن مصرف والحسن وأبان بن تغلب، وقيل: هي كذلك في مصحف أبي بن كعب ومصحف عبد الله وبعض مصحاف عثمان. كما في «البحر المحيط» (1/ 396- 397) ، و «الدر المصون» (1/ 241) .]] ، قال مجاهدٌ وغيره: أراد مِصْراً من الأمصار غير معيَّن [[أخرجه الطبري (1/ 354) برقم (1085) بلفظ: «مصرا من الأمصار، زعموا أنهم لم يرجعوا إلى مصر» اهـ.]] ، واستدلُّوا بما اقتضاه القرآن من أمرهم بدخول القرية، وبما تظاهَرَتْ به الرواياتُ أنهم سكنوا الشَّام بعد التيه، وقالت طائفة: أراد مِصْرَ فِرْعَونَ بعينها، واستدلوا بما في القرآن من أنَّ اللَّه أورَثَ بني إسْرائيل ديار آل فرعون وآثارهم، قال في «مختصر الطبريِّ» : وعلى أن المراد مصْر التي خرجُوا منها، فالمعنى: إنَّ الذي تطلُبُونَ كان في البَلَد الَّذي كان فيه عذابُكُم، واستعبادكم، وأسْركم، ثمَّ قال: والأظهر أنهم مُذْ خرجوا من مصْر، لم يرجعوا إليها، واللَّه أعلم. انتهى.

وقوله تعالى: فَإِنَّ لَكُمْ مَّا سَأَلْتُمْ يقتضي أنه وكلهم إلى أنفسهم، ووَ ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ [[قوله تعالى: الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ يعني: فقر النفس. قال السمين الحلبي: والمراد بها هنا الجزية والصغار. «عمدة الحفاظ» (2/ 239) . وقال الحسن وقتادة: ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ هي أنهم يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال عطاء بن السائب: هي الكستينج (لبس اليهود) وزي اليهودية، والْمَسْكَنَةُ: زي الفقر، فترى المثرى منهم يتباءس مخافة أن يضاعف عليه الجزية، ولا يوجد يهودي غني النفس.

ينظر: «الوسيط» (1/ 147) ، و «الطبري» (2/ 137) ، و «البغوي» (1/ 66) ، و «ابن كثير» (1/ 102) ، و «الدر المنثور» (1/ 73) .]] معناه: الزموها كما قالت العرب: ضربة لازب، وَباؤُ بِغَضَبٍ: معناه: مروا متحمِّلين له، قال الطبري: باءوا به، أي: رجعوا به، واحتملوه، ولا بد أن يوصل بَاءَ بخير أو بشرٍّ. انتهى.

وقوله تعالى: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ الأشارة ب ذلِكَ إلى ضرب الذلَّة وما بعدهُ، وقوله تعالى: بِغَيْرِ الْحَقِّ تعظيم للشنعة [[الشّنعة: الاسم من الشناعة، وشنع الأمر أو الشيء شناعة وشنعا وشنعا وشنوعا: قبح.

ينظر: «لسان العرب» (2339) .]] ، والذَّنْب، ولم يجرم نبيٌّ قطُّ ما يوجبُ قتله، وإنما التسليطُ عليهم بالقَتْل كرامةٌ لهم، وزيادةٌ لهم في منازلهم صلى اللَّه عليهمْ كَمَثَلِ مَنْ يُقْتَلُ في سبيلِ اللَّهِ من المؤمنين، والباء في «بِمَا» باء السبب.

ويَعْتَدُونَ: معناه: يتجاوزون الحُدُود، والاعتداء هو تجاوُزُ الحدِّ.

وقوله تعالى: إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالنَّصارى وَالصَّابِئِينَ ... الآية.

اختلف في المراد ب الَّذِينَ آمَنُوا في هذه الآية.

فقالت فرقة: الذين آمنوا هم المؤمنون حقّا بنبيّنا محمّد ﷺ، وقوله: مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ يكون فيهم بمعنى مَنْ ثَبَتَ ودَامَ، وفي سائر الفرق: بمعنى: مَنْ دخَلَ فيه، وقال السُّدِّيُّ: هم أهل الحنيفيَّة ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، والذين هَادُوا، ومن عطف عليهم كذلك ممَّن لم يلحق محمّدا ﷺ، وَالَّذِينَ هادُوا هم اليهودُ، وسُمُّوا بذلك لقولهم:

هُدْنا إِلَيْكَ [الأعراف: 156] ، أي: تبنا، وَالنَّصارى لفظةٌ مشتقَّة من/ النَّصْرِ.

قال ص [[«المجيد» (ص 280) .]] : وَالصَّابِئِينَ: قرأ الأكثر بالهمز صَبَأَ النَّجْمُ، والسِّنُّ، إِذا خرج، أي: خَرَجُوا من دينٍ مشهورٍ إِلى غيره، وقرأ نافع [[ينظر: «السبعة» (157) ، و «الحجة للقراء السبعة» (2/ 94) ، و «حجة القراءات» (100) ، و «شرح شعلة» (265) ، و «إتحاف فضلاء البشر» (1/ 396) .]] بغير همز، فيحتمل أن يكون من المهموز المُسَهَّل، فيكون بمعنى الأول، ويحتمل أن يكون مِنْ صَبَا غيْرَ مهموزٍ، أي: مَالَ ومنه: [الهزج]

إلى هِنْدٍ صَبَا قَلْبِي ... وهند مثلها يصبي [[البيت لزيد بن ضبة، وهي في «اللسان» صبا.]]

انتهى.

قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 157) .]] : والصّابئ في اللغة: من خرج من دين إلى دين.

وأما المشار إليهم في قوله تعالى: وَالصَّابِئِينَ فقال السديُّ: هم فرقة من أهل الكتاب [[أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1112) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه لوكيع.]] ، وقال مجاهد: هم قوم لا دِينَ لهم [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1101) بنحوه، وأخرجه عبد الرزاق في «التفسير» (1/ 47) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 145) ، وعزاه لوكيع، وعبد الرزاق، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم.]] ، وقال ابنُ جْرَيْج [[عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي، مولاهم، أبو الوليد، وأبو خالد المكي، الفقيه، أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة، وعكرمة مرسلا، وعن طاوس مسألة، ومجاهد، ونافع، وخلق، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه، والأوزاعي، والسفيانان، وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة.

ينظر: «الخلاصة» (2/ 12) ، «تهذيب التهذيب» (6/ 402) ، «تهذيب الكمال» (2/ 178) ، «الكاشف» (2/ 210) ، «الثقات» (7/ 93) .]] : هم قوم تركب دينهم بين اليهوديَّة والمجوسيَّة [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1107) .]] ، وقال ابنُ زَيْد: هم قومٌ يقولون لا إله إلا اللَّه، وليس لهم عمل ولا كتابٌ كانوا بجزيرةِ المَوْصِلِ [[أخرجه الطبري (1/ 360) برقم (1108) .]] ، وقال الحسنُ بْنُ أبي الحسن، وقتادة: هم قوم يعبدون الملائكةَ، ويصلُّون الخمْسَ إلى القبلة، ويقرءون الزَّبُور رَآهُمْ زيادُ بن أبي سفيان [[زياد بن أبيه، وأبيه أبو سفيان، أمير من الدهاة، القادة الفاتحين، الولاة من أهل «الطائف» أدرك النبي ﷺ ولم يره، وأسلم في عهد أبي بكر، ولد في (اهـ.) قال الشعبي: ما رأيت أحدا أخطب من زياد، توفي في (53 هـ.)

ينظر: «ميزان الاعتدال» (1: 355) ، «الأعلام» (3/ 53) .]] ، فأراد وضع الجزْيَة عنْهم حتَّى عُرِّفَ أنهم يعبدون الملائكَةَ [[أخرجه الطبري (1/ 361) برقم (1109) ، (1110) عن الحسن وقتادة.]] .

وقوله تعالى: وَرَفَعْنا فَوْقَكُمُ الطُّورَ ... الآية: الطُّورَ: اسم الجبلِ الَّذي نُوجِيَ موسى عليه السلام عليه. قاله ابنُ عبَّاس [[أخرجه الطبري (1/ 366- 367) برقم (1125) .]] ، وقال مجاهدٌ وغيره: الطُّورَ: اسمٌ لكلِّ جبلٍ [[أخرجه الطبري (1/ 366) برقم (1118) ، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم.]] ، وقصص هذه الآية أنَّ موسى عليه السلام، لما جاء إلى بني إسرائيل من عنْد اللَّه تعالى بالألواح، فيها التوراة، قال لهم: خُذُوهَا، والتزموها، فقَالُوا: لا، إِلاَّ أنْ يكلَّمنا اللَّهُ بهَا كما كلَّمك، فصُعِقُوا، ثم أُحْيُوا، فقال لهم: خُذُوها، فقالوا: لاَ، فأمر اللَّه الملائكَةَ، فاقتلعت جَبَلاً من جبالِ فِلَسْطِينَ [[فلسطين: آخر كور «الشام» من ناحية «مصر» ، قصبتها «بيت المقدس» ، ومن مشهور مدنها «عسقلان» ، -- و «الرملة» ، و «غزة» ، و «أرسوف» ، و «قيسارية» ، و «نابلس» ، و «أريحا» ، و «عمان» و «يافا» ، و «بيت جبرين» ، وهي أول أجناد «الشام» ، أولها من ناحية الغرب «رفح» وآخرها «اللجون» من ناحية الغور.

ينظر: «مراصد الاطلاع» (3/ 1042) .]] طولُه فَرْسَخٌ في مثله، وكذلك كان عسْكَرهم، فجعل عليهم مثْلَ الظُّلَّة، وأخرج اللَّه تعالى البَحْرَ من ورائهم، وأضرم نَاراً من بين أيديهم، فأحاط بهم غضبه، وقيل لهم: خذوها، وعليكُم الميثَاقُ، ولا تضيِّعوها، وإِلا سقط علَيْكم الجبَلُ، وأغرقكم البَحْر، وأحرقتكم النارُ، فَسَجَدُوا توبةً للَّه سبحانه، وأخذوا التوراةَ بالميثاقِ، قال الطبريُّ عن بعض العلماء: لو أخذوها أوَّلَ مرَّة، لم يكُنْ عليهم ميثاقٌ، وكانت سجدتهم على شِقٍّ لأنهم كانوا يرقبون الجَبَل خوْفاً، فلما رحمهم اللَّه سبحانه، قالوا: لا سجدَةَ أفضلُ من سَجْدة تقبَّلها اللَّه، ورَحِمَ بها، فأَمَرُّوا سجودَهم على شِقٍّ واحدٍ.

قال ع [[«المحرر الوجيز» (1/ 159) .]] : والذي لا يصحُّ سواه أن اللَّه تعالى اخترع وقْتَ سجودهم الإِيمان في قلوبهم، لا أنهم آمنوا كُرْهاً، وقلوبهم غيرُ مطمئنة، قال: وقد اختصرْتُ ما سرد في قصصِ هذه الآية، وقصدت أَصَحَّهُ الذي تقتضيه ألفاظُ الآية، وخلط بعْضُ الناس صَعْقَةَ هذه القصَّة بصَعْقة السبعين.

وبِقُوَّةٍ: قال ابن عباس: معناه: بجِدٍّ واجتهاد [[أخرجه الطبري (1/ 367) برقم (1131) عن السدي، وذكره السيوطي في «الدر» (1/ 146) وعزاه لابن جرير.]] .

وقال ابن زيد: معناه: بتصديق وتحقيق [[أخرجه الطبري (1/ 368) برقم (1132) بلفظ: «خذوا الكتاب الذي جاء به موسى بصدق وبحق» .]] .

وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ، أي: تدبُّروه واحْفَظُوا أوامره ووعيدَهُ، ولا تنسوه، ولا تضيِّعوه.

وقوله تعالى: ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ ... الآية: تولَّى: أصله الإِعراض والإِدبار عن الشيء بالجِسْمِ، ثم استعمل في الإعراض عن الأمورِ، والأديانِ، والمعتقداتِ اتِّساعاً ومجازاً، وتَوَلِّيهِمْ من بعد ذلك: إما بالمعاصِي، فكان فضل اللَّه بالتوبة والإِمهال إِلَيْها، وإما أن يكون تَوَلِّيهم بالكُفْر، فلم يعاجلْهم سبحانه بالهَلاَكِ لِيَكُونَ من ذرِّيَّتهم من يؤمن.

2:65–66Page 10

وَلَقَدۡ عَلِمۡتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعۡتَدَوۡاْ مِنكُمۡ فِي ٱلسَّبۡتِ فَقُلۡنَا لَهُمۡ كُونُواْ قِرَدَةً خَٰسِـِٔينَ ٦٥

And you had already known about those who transgressed among you concerning the sabbath, and We said to them, "Be apes, despised."

فَجَعَلۡنَٰهَا نَكَٰلٗا لِّمَا بَيۡنَ يَدَيۡهَا وَمَا خَلۡفَهَا وَمَوۡعِظَةٗ لِّلۡمُتَّقِينَ ٦٦

And We made it a deterrent punishment for those who were present and those who succeeded [them] and a lesson for those who fear Allāh.

وقوله تعالى: وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ ... الآية: علمتمْ:

معناه: عرفتم، والسَّبْتُ مأْخوذٌ من السُّبُوت الَّذِي هو الراحةُ والدَّعَة، وإِما من السبت، وهو القَطْع لأن الأشياء فيه سَبَتَتْ وتمَّت خِلْقَتُها، وقصَّة اعتدائهم فيه/ أن الله عز وجلّ أمر 23 ب موسى عليه السلام بيَوْمِ الجُمُعَةِ، وعرَّفه فَضْلَه، كما أمر به سائر الأنبياءِ صلواتُ اللَّه عَلَيْهِمْ، فذكر موسى ذلك لبني إِسرائيل عن اللَّه سبحانه، وأمرهم بالتشرُّع فيه، فأبوا وتعدَّوْه إلى يوم السَّبْت، فأوحى اللَّه إلى موسى أنْ دَعْهم، وما اختاروا من ذلك، وامتحنهم بأنْ أمرهم بترك العَمَل فيه، وحرَّم عليهم صَيْدَ الحِيتَانِ، وشدَّد عليهم المِحْنَة بأن كانت الحِيتَانُ تأتي يوم السبْتِ حتى تخرج إلى الأفنية، قاله الحسن بن أبي الحسن.

وقيل حتى تخرج خراطيمُهَا من الماء، وذلك إِما بإِلهامٍ من اللَّه تعالى، أو بأمر لا يعلَّل، وإما بأن ألهمها معنى الأَمَنَةِ التي في اليومِ، مع تكراره كما فَهِمَ حمام مَكَّة الأَمَنَةَ، وكان أمر بني إِسرائيل بِأَيْلَةَ [[أيلة: مدينة على ساحل بحر «القلزم» مما يلي «الشام» . قيل: هي آخر الحجاز وأول «الشام» . وهي مدينة اليهود، الذين اعتدوا في السبت. ينظر: «مراصد الاطلاع» (1/ 138) .]] على البحْر، فَإِذا ذهب السَّبْت، ذهبت الحيتان، فلم تظهر إلى السبت الآخر، فبقُوا على ذلك زماناً حتى اشْتَهَوُا الحُوتَ، فعَمَدَ رجُلٌ يوم السبْتِ، فربط حوتاً بخزمة [[الخزم: شجر له ليف تتخذ من لحائه الحبال، الواحدة خزمة.

ينظر: «لسان العرب» (1153) .]] ، وضرب له وَتِداً بالساحل، فلما ذهب السَّبْتُ، جاء، فأخذه، فسَمِع قومٌ بفعْلِهِ، فصنعوا مثْلَ ما صنع.

وقيل: بل حفر رجُلٌ في غير السَّبْت حَفِيراً يخرج إِلَيْه البحر، فإِذا كان يوم السبت، خرج الحوت، وحصل في الحفير، فإذا جزر البحر، ذهب الماء من طريق الحفير، وبقي الحوت، فجاء بعد السبت، فأخذه، ففعل قوم مثل فعله، وكثر ذلك حتى صادره يوم السبت علانيةً، وباعوه في الأسواقِ، فكان هذا من أعظم الاعتداء، وكانت من بني إِسرائيل فرقةٌ نهَتْ عن ذلك، فنجَتْ من العقوبة، وكانت منهم فرقةٌ لم تَعْصِ، ولم تَنْهَ، فقيل:

نجت مع الناهين، وقيل: هلَكَتْ مع العاصين.

وكُونُوا: لفظةُ أمر، وهو أمر التكوينِ كقوله تعالى لكُلِّ شَيْءٍ: كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] قال ابن الحاجب [[عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس، أبو عمرو، جمال الدين ابن الحاجب: فقيه مالكي، من كبار-- العلماء بالعربية، كردي الأصل. ولد في «أسنا» (من صعيد مصر) ونشأ في «القاهرة» ، وسكن «دمشق» ، وكان أبوه حاجبا، فعرف به، له تصانيف كثيرة منها: «الكافية» في النحو، و «الشافية» في الصرف. ولد سنة (570 هـ.) ، وتوفي سنة (646 هـ.) .

ينظر: «وفيات» (1: 314) ، «الطالع السعيد» (188) ، «مفتاح السعادة» (1: 117) ، «غاية النهاية» (1: 508) ، «الأعلام» (4/ 211) .]] في مختصره الكَبِيرِ المسمى ب «منتهى الوُصُولِ» [[ينظر: «البرهان» (1/ 212) ، «المحصول» (1/ 2/ 62) ، «الأحكام» للآمدي (1/ 122) ، «المستصفى» (1/ 420) ، «التمهيد» للأسنوي (269) ، «المنخول» (105) ، «شرح العضد» (2/ 79) ، «شرح الكوكب» (2/ 41) ، «المعتمد» (1/ 57) ، «التبصرة» (27) ، «كشف الأسرار» (1/ 107) ، «حاشية البناني» (1/ 316) ، «فواتح الرحموت» (1/ 372) ، «تيسير التحرير» (1/ 351) ، «أصول السرخسي» (1/ 15) ، «الوصول إلى الأصول» (1/ 133) ، «تقريب الوصول» (93) ، «ميزان الأصول» (1/ 217) .]] : صيغةُ: افعل، وما في معناها قد صَحَّ إِطلاقها بإزاء خمسةَ عَشَرَ محملاً.

الوجوبُ: أَقِمِ الصَّلاةَ [الإسراء: 78] والنَّدْبُ: فَكاتِبُوهُمْ [النور: 33] .

والإِرشادُ: وَأَشْهِدُوا إِذا تَبايَعْتُمْ [البقرة: 282] والإِباحةُ: فَاصْطادُوا [المائدة: 2] .

والتأديب: «كُلْ مِمَّا يَلِيكَ» . والامتنانُ: كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ [الأنعام: 142] .

والإِكرامُ: ادْخُلُوها بِسَلامٍ [ق: 34] والتَّهديد: اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ [فصلت: 40] والإِنذار: تَمَتَّعُوا [إبراهيم: 30] والتسخيرُ: كُونُوا قِرَدَةً [الأعراف: 166] والإِهانة:

كُونُوا حِجارَةً [الإسراء: 50] والتَّسويةُ: فَاصْبِرُوا أَوْ لاَ تَصْبِرُوا [الطور: 16] والدعاءُ:

اغْفِرْ لَنا [آل عمران: 147] والتمنِّي: [الطويل] :

... أَلاَ انجلي ... [[البيت لامرىء القيس في ديوانه ص (18) و «الأزهية» ص (271) و «خزانة الأدب» (2/ 326، 327) و «سرّ صناعة الإعراب» (2/ 513) ، و «لسان العرب» (11/ 361) (شلل) و «المقاصد النحويّة» (4/ 317) وبلا نسبة في «أوضح المسالك» (4/ 93) و «جواهر الأدب» ص (78) و «رصف المباني» ص (79) و «شرح الأشموني» (2/ 493) .]]

وكمالُ القدرة: كُنْ فَيَكُونُ [يس: 82] . انتهى.

وزاد غيره كونها للتعجيزِ، أعني: صيغةَ «افعل» .

قال ابن الحاجِبِ: وقد اتفق على أنها مجازٌ فيما عَدَا الوُجُوبَ والنَّدْبَ والإِباحةَ والتهديدَ، ثم الجمهورُ على أنها حقيقةٌ في الوجوب [[ولطلب الفعل صيغ مختلفة نوردها فيما يلي:- 1- فعل الأمر: وذلك بصيغته المعروفة مثل قوله تعالى: وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ [الحج: 78] .

2- صيغة المضارع المقترن ب «لام الأمر» مثل قوله تعالى: فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ [البقرة: 185] .

ومثل: وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ [الحج: 29] .

ومثل: لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ [الطلاق: 7] .

3- صيغة المصدر القائم مقام فعل الأمر: مثل قوله تعالى: فَكَفَّارَتُهُ إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ [المائدة: 89] .

ومثل قوله تعالى: فَإِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقابِ [محمد: 4] .

4- جملة خبرية يراد بها الطلب: مثل قوله تعالى: وَالْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ لِمَنْ أَرادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضاعَةَ [البقرة: 233] .

إذ ليس المراد من هذا النّصّ الإخبار عن حصول الإرضاع من الوالدات لأولادهن، وإنما المراد هو أمر الوالدات بإرضاع أولادهن، وطلب إيجاده منهن.

ومثل قوله تعالى: وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا [النساء: 141] .

فإن الظاهر من هذه الآية أنها للخبر، وإنما المراد بها أمر المؤمنين ألا يمكّنوا الكافرين من التّجبّر عليهم، والتّكبّر بأية صفة كانت.

ومثل قوله ﷺ فيما أخرجه الشّيخان: «لا تنكح البكر حتّى تستأذن» .

وقد اتّفق الأصوليون على أنّ صيغة الأمر تستعمل في مدلولات كثيرة، لكن لا تدلّ على واحد من هذه المدلولات بعينه إلا بقرينة، وهذه المدلولات هي كما ذكرها المصنف رحمه الله.

وقد اختلفت آراء العلماء في تعداد هذه الصّيغ زيادة، ونقصا، وسبب ذلك تداخل هذه الصّيغ مع بعضها، واختلاف وجهات النّظر في المعنى، وفي القرينة الّتي تحدّد وجه الاستعمال.

واتّسعت دائرة الاختلاف بين العلماء والأصوليين فيما يدلّ عليه الأمر حقيقة حيث إنّ دوران الأمر على أوجه كثيرة- كما سبق- لا يدلّ على أنّه حقيقة في كلّ منها.

فإذا ورد أمر من الأوامر في القرآن الكريم، أو في السّنّة النّبويّة، فهل يعتبر هذا الأمر دالّا على الوجوب؟

أم النّدب؟ أم الإباحة؟ أم لمعنى آخر؟

إن خصوصيّة التّعجيز، والتّحقير، والتّسخير ... وغير هذه المعاني غير مستفاد من مجرّد صيغة الأمر، بل إنّما تفهم هذه المعاني من القرائن، وعليه فلا خلاف في أنّ صيغة الأمر ليست حقيقيّة في جميع الوجوه السّابقة.

وللعلماء آراء متعدّدة في دلالة الصيغة على الوجوب، أو على الندب، أو على غيرهما، فقد اتفق العلماء على أن صيغة الأمر لا تدلّ على أي معنى من المعاني المتقدمة إلا بقرينة، كما قلنا سابقا.

وقد اختلفوا فيما إذا تجرّدت هذه الصّيغة عن القرينة، فهل تدل على الوجوب؟ أم على النّدب؟ أم على الإباحة؟

المذهب الأوّل: وهو لجمهور العلماء حيث ذهبوا إلى أن صيغة «افعل» تدلّ على الوجوب حقيقة، -]] . انتهى.

وخاسِئِينَ: معناه: مُبْعَدِينَ أذلاَّء صاغِرِينَ كما يقال للكَلْب، وللمطْرُود:

اخسأ، وروي في قصصهم أنَّ اللَّه تعالى مسخ العاصِينَ قردَةً في الليل، فأصبح الناجون إلى مساجِدِهِمْ، ومجتمعاتِهِمْ، فلم يروا أحداً من الهالكينَ، فقالوا: إِن للنَّاس لشأناً، ففتحوا عليهم الأبوابَ لما كانت مغْلَقة باللَّيْل، فوجدوهم قردَةً يعرفون الرجُلَ والمرأة.

وقيل: إن الناجينَ كانُوا قد قسموا بينهم وبين العاصين القريَةَ بجِدَارٍ تَبَرِّياً منهم، فأصبحوا، ولم تفتحْ مدينةُ الهالكين، فتسوَّروا عليهم الجدارَ، فإِذَا هم قردةٌ يثبُ بعضهم 24 أعلى بعض/.

وروي عن النبيّ ﷺ، وثبت أنَّ المُسُوخَ لا تنسل، ولا تأكل، ولا تشرَبُ، ولا تعيشُ أكثَرَ من ثلاثة أيام [[ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (1/ 147) وعزاه لابن جرير عن ابن عباس.]] ، ووقع في كتاب مسلم عنه ﷺ «أنّ أمّة من الأمم فقدت، وأراها الفأر» ، وظاهر هذا أنَّ المسوخ تنسل، فإن كان أراد هذا، فهو ظنّ منه ﷺ في أمر لا مَدْخَلَ له في التبليغِ، ثم أوحي إِلَيْه بعد ذلك أنَّ المسوخ لا تنسل ونظير ما قلناه نزوله ﷺ على مياهِ بَدْرٍ وأمره باطراح تذكير النخل، وقد قال ﷺ: إذا أخبرتكم عنِ اللَّهِ تعالى، فهو كما أخبرتكم، وإذا أخبرتكم برأْيِي في أمور الدنيا، فإنما أنا بشر مثلكم، والضمير في فَجَعَلْناها يَحتَمِلُ عوده على المسخة والعقوبة، ويحتمل علَى الأُمَّة الَّتِي مُسِخَتْ، ويحتمل على القِرَدَةِ، ويحتمل على القرية إِذ معنى الكلام يقتضيها، والنَّكال:

الزجر بالعقاب، ولِما بَيْنَ يَدَيْها. قال السُّدِّيُّ: ما بين يَدَيِ المسخة مَا قَبْلَهَا من ذنوب القَوْم، وما خَلْفها لمن يذنب بعدها مثل تلك الذنوب [[ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 161) ، والماوردي (1/ 136) .]] ، وقال غيره: ما بين يدَيْها من حضرها من الناجين، وما خلفها، أي: لمن يجيءُ بعدها [[ذكره ابن عطية في «التفسير» (1/ 161) .]] ، وقال ابن عبَّاس: لما بين يديها وما خلْفَها من القرى [[ذكره ابن عطية (1/ 161) ، وقد رجح هذا الخبر الذي رواه ابن عباس.]] .

وَمَوْعِظَةً: من الاتعاظ، والازدجار، ولِلْمُتَّقِينَ: معناه: الذين نَهَوْا وَنَجَوْا، وقالتْ فرقةٌ: معناه: لأمّة محمّد ﷺ، واللفظ يَعُمُّ كُلَّ مُتَّقٍ من كلِّ أُمَّةٍ.

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском