Ath-Tha'alibiAli 'Imran · 3:149–158

Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic

Ali 'Imran 3:149–158

3:149–152Page 69

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْ إِن تُطِيعُواْ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ يَرُدُّوكُمۡ عَلَىٰٓ أَعۡقَٰبِكُمۡ فَتَنقَلِبُواْ خَٰسِرِينَ ١٤٩

O you who have believed, if you obey those who disbelieve, they will turn you back on your heels, and you will [then] become losers.

بَلِ ٱللَّهُ مَوۡلَىٰكُمۡۖ وَهُوَ خَيۡرُ ٱلنَّٰصِرِينَ ١٥٠

But Allāh is your protector, and He is the best of helpers.

سَنُلۡقِي فِي قُلُوبِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ ٱلرُّعۡبَ بِمَآ أَشۡرَكُواْ بِٱللَّهِ مَا لَمۡ يُنَزِّلۡ بِهِۦ سُلۡطَٰنٗاۖ وَمَأۡوَىٰهُمُ ٱلنَّارُۖ وَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلظَّٰلِمِينَ ١٥١

We will cast terror into the hearts of those who disbelieve for what they have associated with Allāh of which He had not sent down [any] authority.1 And their refuge will be the Fire, and wretched is the residence of the wrongdoers.

وَلَقَدۡ صَدَقَكُمُ ٱللَّهُ وَعۡدَهُۥٓ إِذۡ تَحُسُّونَهُم بِإِذۡنِهِۦۖ حَتَّىٰٓ إِذَا فَشِلۡتُمۡ وَتَنَٰزَعۡتُمۡ فِي ٱلۡأَمۡرِ وَعَصَيۡتُم مِّنۢ بَعۡدِ مَآ أَرَىٰكُم مَّا تُحِبُّونَۚ مِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلدُّنۡيَا وَمِنكُم مَّن يُرِيدُ ٱلۡأٓخِرَةَۚ ثُمَّ صَرَفَكُمۡ عَنۡهُمۡ لِيَبۡتَلِيَكُمۡۖ وَلَقَدۡ عَفَا عَنكُمۡۗ وَٱللَّهُ ذُو فَضۡلٍ عَلَى ٱلۡمُؤۡمِنِينَ ١٥٢

And Allāh had certainly fulfilled His promise to you when you were killing them [i.e., the enemy] by His permission until [the time] when you lost courage and fell to disputing about the order [given by the Prophet (ﷺ)] and disobeyed after He had shown you that which you love.1 Among you are some who desire this world, and among you are some who desire the Hereafter. Then He turned you back from them [defeated] that He might test you. And He has already forgiven you, and Allāh is the possessor of bounty for the believers.

وقوله سبحانه: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا، يعني: المنافقين الذين خَيَّبوا المسلمين، وقالوا في أمر أُحُد: لو كان محمَّد نبيًّا، لم ينهزم.

وقوله سبحانه: بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ هذا تثبيتٌ لهم، وقوله سبحانه: سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ سبب هذه الآيةِ أنه لما ارتحَلَ أبُو سُفْيان بالكفَّار، رجع النبيُّ ﷺ إلى المدينةِ، فتجهَّز، واتبع المشركِينَ، وكان مَعْبَدُ بْنُ أبي مَعْبَدٍ الخُزَاعِيُّ [[معبد بن أبي معبد الخزاعي. ذكره ابن منده، وذكر سيف في «الفتوح» ، والطبري من طريق ابن المثنى بن حارثة لما توجه خالد بن الوليد إلى الشام قاسمه العساكر فكان معبد بن أبي معبد ممن بقي مع المثنى بن حارثة من الصحابة. ينظر: «الإصابة» (6/ 133) .]] قد جاء إلى النبيّ ﷺ فَقَالَ لَهُ: وَاللَّهِ يَا مُحَمَّدُ، لَقَدْ سَاءَنَا مَا أَصَابَكَ، وَكَانَتْ خُزَاعَةُ تَمِيلُ إلَى النَّبِيِّ ﷺ/، ثُمَّ رَكِبَ مَعْبَدٌ حتى لَحِقَ بِأَبِي سُفْيَانَ، فَلَمَّا رأى أَبُو سُفْيَانَ مَعْبَداً، قَالَ: مَا وَرَاءَكَ، يَا مَعْبَدُ؟ قَالَ مُحَمَّدٌ فِي أصْحَابِهِ يَطْلُبُكُمْ فِي جَمْعٍ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ، يَتَحَرَّقُونَ عَلَيْكُمْ قَدِ اجتمع مَعَهُ مَنْ كَانَ تَخَلَّفَ عَنْهُ، ونَدِمُوا على مَا صَنَعُوا، قَالَ: وَيْلَك! مَا تَقُولُ؟ قَالَ: وَاللَّهِ، مَا أَرَاكَ أَنْ ترحل حتّى ترى نواصي الخيل، قال: فو الله، لقد أَجْمَعْنَا الكَرَّةَ إلَيْهِمْ، قَالَ: فَإنِّي أَنْهَاكَ عَنْ ذلك، وو الله، لَقَدْ حَمَلَنِي مَا رَأَيْتُ على أَنْ قُلْتُ فِيهِمْ شِعْراً، قَالَ: وَمَا قُلْتَ؟ قَالَ: قُلْتُ [[ينظر: «السيرة» لابن هشام (3/ 103) . وبعده:

فقلت: ويل ابن حرب من لقائكم ... إذا تغطمطت البطحاء بالجيل

إني نذير لأهل البسل ضاحية ... لكل ذي إربة منهم ومعقول

من جيش أحمد لاوخش تنابلة ... وليس يوصف ما أنذرت بالقيل]] : [البسيط]

كَادَتْ تَهُدُّ مِنَ الأَصْوَاتِ رَاحِلَتِي ... إذْ سَالَتِ الأَرْضُ بِالجُرْدِ الأَبَابِيلِ [[تهد: تسقط لهول ما رأت من أصوات الجيش وكثرته. والجرد: الخيل العتاق. والأبابيل: الجماعات.]]

تَرْدِي بِأُسْدٍ كِرَامٍ لاَ تَنَابِلَةٍ ... عِنْدَ اللِّقَاءِ وَلاَ مِيلٍ مَعَازِيلِ [[تردى: تسرع. والتنابلة: القصار. والميل: جمع أميل، وهو الذي لا رمح أولا ترمى معه وقيل: هو الذي لا يثبت على السرج. والمعازيل: الذين لا سلاح معهم.]]

فَظَلْتُ عَدْواً أَظُنُّ الأَرْضَ مَائِلَة ... لَمَّا سَمَوْا بِرَئيسٍ غَيْرِ مَخْذُولِ [[العدو: المشي السريع. وسموا: علوا وارتفعوا.]]

إلى آخر الشِّعْر، فألقى اللَّه الرُّعْبَ في قلوبِ الكفَّارِ، وقالَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّة [[صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جدح. أبو وهب، وقيل: أبو أمية القرشي، الجمحي. روى عنه ابنه عبد الله، وعبد الله بن الحارث، وعامر بن مالك، وطاوس. قتل أبوه يوم بدر كافرا. وهرب هو يوم فتح «مكة» ثم عاد إليها بعد أن أخذ أمانا من النبيّ، وأعار النبيّ سلاحا يوم حنين، وحضرها مشركا، ثم أسلم، وحسن إسلامه، وكان من المؤلفة قلوبهم، وكان من أشراف قريش في الجاهلية وأحد المطعمين.

ينظر ترجمته في: «أسد الغابة» (3/ 23) ، و «الإصابة» (3/ 246) ، و «الثقات» (3/ 191) ، و «نقعة الصديان» (300) ، و «الاستيعاب» (2/ 718) ، و «الاستبصار» (93، 115) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 266) ، و «الطبقات الكبرى» (5/ 449) ، و «سير النبلاء» (2/ 562) ، و «المعرفة والتاريخ» (1/ 309) ، و «التاريخ الكبير» (4/ 304) ، و «الجرح والتعديل» (4/ 1846) ، و «الثقات» (3/ 191) ، و «الكاشف» (2/ 29) ، و «العبر» (1/ 50) ، و «الأعلام» (3/ 205) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 608) ، و «تهذيب التهذيب» (4/ 424) ، و «تقريب التهذيب» (1/ 367) .]] : لاَ تَرْجِعُوا فإني أرى أنه سيكُونُ للقَوْمِ قِتَالٌ غَيْرُ الذي كَانَ، فنَزَلَتِ الآيةُ في هذا الإلقاء، وهي بَعْدُ متناولَةٌ كلَّ كافرٍ قال الفَخْر [[ينظر: «الفخر الرازي» (9/ 27) ..]] : لأنه لا أحد يخالفُ دِينَ الإسلام، إلا وَفِي قلبه خَوْفٌ من الرُّعْب، إما عند الحَرْب، وإما عند المُحَاجَّة. انتهى.

وقوله سبحانه: بِما أَشْرَكُوا، هذه باءُ السَّبَبِ، والسُّلْطَانُ: الحُجَّة والبُرْهَان.

قال ص: قوله: وَبِئْسَ، المخصوصُ بالذَّمِّ محذوفٌ، أي: النار [انتهى] .

وقوله سبحانه: وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللَّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، جاء الخطَابُ لجميعِ المؤمنينَ، وإن كانَتِ الأمور التي عاتبهم سبحانه علَيْها، لم يقَعْ فيها جميعُهم ولذلك وجوهٌ من الفصاحةِ، منْها: وعْظ الجميع، وزجْرُه إذ مَنْ لم يفعلْ مُعَدٌّ أنْ يفعل إن لم يزجر، ومنها: السَّتْر والإبقاء على من فعل، وكان النبيّ ﷺ قد وَعَدَ المؤمِنِينَ النَّصْرَ يَومَئِذٍ على خبر اللَّه إنْ صَبَرُوا وجَدُّوا، فصَدَقَهُم اللَّه وعْدَه وذلك أنّ النبيّ ﷺ صَافَّ المشركين يومئذ، ورتَّب الرماة، على ما قَدْ ذكَرْناه قَبْلَ هذا، واشتعلت نارُ الحَرْب، وأبلى حمزةُ بنُ عَبْدِ المُطَّلِبِ، وأَبُو دُجَانَةَ [[أبو دجانة الأنصاري: اسمه سماك بن خرشة، وقيل: ابن أوس بن خرشة، متفق على شهوده بدرا.

وقال علي: إنه استشهد باليمامة، وأسند ابن إسحاق من طريق يزيد بن السكن أنّ رسول الله ﷺ لما التحم القتال ذبّ عنه مصعب بن عمير (يعني يوم أحد) ، حتى قتل، وأبو دجانة سماك بن خرشة حتى كثرت فيه الجراحة. وقيل: إنه ممن شارك في قتل مسيلمة. ينظر: «الإصابة» (7/ 99- 100) .]] ، وعليٌّ، وعَاصِمُ بْنُ أَبِي الأَقْلَحِ [[عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، واسم أبي الأقلح: قيس بن عصمة بن النّعمان بن مالك بن أميّة بن صبيعة بن زيد بن مالك بن عمرو بن عوف، الأنصاريّ، جدّ عاصم بن عمرو بن الخطاب لأمّه، من السّابقين الأولين من الأنصار. ينظر: «الإصابة» (3/ 460) .]] ، وغيرُهم، وانهزم المشركُونَ، وقُتِلَ منهم اثنان وعشْرُونَ رجُلاً، فهذا معنى قوله عز وجل: إِذْ تَحُسُّونَهُمْ بِإِذْنِهِ، والحَسُّ: القتل الذَّريعُ، يقال: حَسَّهُمْ إذا استأصلهم قتْلاً، وحَسَّ البَرْدُ النَّباتَ.

وقوله سبحانه: حَتَّى إِذا فَشِلْتُمْ، يحتملُ أنْ تكونَ «حتى» غايةً كأنه قال: إلى أنْ فشلتم، والأظهر الأقوى أنَّ «إذا» على بابها تحتاجُ إلى الجوابِ، ومَذْهَبُ الخَلِيلِ، وسِيبَوَيْهِ، وفُرْسَانِ الصِّنَاعة أنَّ الجوابَ محذوفٌ يدلُّ عليه المعنى، تقديرُهُ: انهزمتم، ونحوه، والفَشَل: استشعار العَجْزِ، وترْكُ الجِدِّ، والتَّنَازُعُ هو الَّذي وقَعَ بَيْنَ الرماةِ، وَعَصَيْتُمْ: عبارةٌ عن ذَهَابِ مَنْ ذَهَبَ مِنَ الرماة، وتأمَّل (رحمك اللَّه) ما يوجبه الركُونُ إلى الدنيا، وما يَنْشَأُ عنها من الضَّرَرِ، وإذا كان مَثَلُ هؤلاءِ السَّادة على رِفْعَتِهِمْ وعظيمِ منزلتهم، حَصَلَ لهم بسببها مَا حَصَلَ مِنَ الفَشَل والهزيمةِ، فكيف بأمثالنا، وقد حذَّرَ الله عز وجلّ ونبيُّه- عليه السلام- من الدُّنْيا وآفاتها بما لا يخفى على ذي لُبٍّ، وقد ذكرنا في هذا «المُخْتَصَرِ» جملةً كافيةً لمَنْ وفَّقه اللَّه، وشَرَح صدْره، وقد خرَّج البَغَوِيُّ في «المسند المنتخب» له، عن النبيّ ﷺ/ أَنَّهُ قَالَ: «لاَ تُفْتَحُ الدُّنْيَا على أَحَدٍ إلاَّ أَلْقَتْ بَيْنَهُمُ العَدَاوَةَ وَالبَغْضَاءَ إلى يَوْمِ القيامة» [[أخرجه أحمد (1/ 16) ، والبزار (3609- كشف) من حديث عمر بن الخطاب مرفوعا.

وقال المنذري في «الترغيب» (4/ 83) ، رواه أحمد بإسناد حسن، والبزار، وأبو يعلى.

وقال الهيثمي في «المجمع» (10/ 236) : رواه أحمد، والبزار، وأبو يعلى في «الكبير» ، وإسناده حسن.]] . انتهى من «الكوكب الدري» .

وقال- عليه السلام- للأنْصَارِ لما تعرَّضوا له إذْ سمعوا بقُدُوم أبي عُبَيْدةِ بمالِ البَحْرَيْنِ:

«أبشروا وأمّلوا ما يسرّكم، فو الله، مَا الفَقْرَ أخشى عَلَيْكُم! وَلَكِنِّي أخشى أَنْ تُبْسَطَ الدُّنْيَا عَلَيْكُمْ كَمَا بُسِطَتْ على مَنْ قَبْلَكُمْ، فَتَنَافَسُوهَا كَمَا تَنَافَسُوهَا، فَتُهْلِكَكُم كَمَا أَهْلَكَتْهُمْ» ، أخرجه البخاريُّ ومسلمٌ والترمذيُّ، واللفظ له، وقال: هذا حديثٌ صحيحٌ [[تقدم تخريجه.]] . انتهى.

واعلم (رحمك اللَّه) أنَّ تيسير أسْبَابِ الدُّنْيا مع إعراضك عن أمر آخرتك، ليس ذلك من علاماتِ الفَلاَحِ وقد روى ابنُ المُبَارك في «رقائقه» ، قال: أخبرنا ابْنُ لَهِيعَةَ [[عبد الله بن لهيعة بن عقبة الحضرمي الغافقي، أبو عبد الرّحمن المصري، قاضيها وعالمها. عن عطاء، والأعرج، وعكرمة، وخلق. وعنه شعبة، وعمرو بن الحارث، والليث، وابن وهب، وخلق.

قال أحمد: احترقت كتبه وهو صحيح الكتاب. قال مسلم: تركه وكيع ويحيى القطان وابن مهدي. قال يحيى بن بكير: مات سنة 174 هـ.

ينظر: «خلاصة تهذيب الكمال» (2/ 92) ، و «تهذيب الكمال» (2/ 727) ، و «الكاشف» (2/ 122) ، و «ميزان الاعتدال» (2/ 475، 483) ، و «طبقات ابن سعد» (7/ 204) .]] ، قال:

حدَّثني سعيدُ بنُ أَبِي سَعِيدٍ [[سعيد بن أبي سعيد المقبري، أبو سعيد المدني، أرسل عن أم سلمة، وعن أبيه، وأبي هريرة، وأبي سعيد، وأنس، وخلق. وعنه عمرو بن شعيب، وأيوب بن موسى، وعبيد الله بن عمر، والليث، وهو أثبت الناس فيه، قال ابن خراش: ثقة جليل، قال الواقدي: اختلط قبل موته بثلاث سنين. قال ابن سعد: مات سنة ثلاث وعشرين، وقال أبو عبيد: سنة خمس وعشرين ومائة.

ينظر: «تهذيب الكمال» (1/ 490) ، و «الثقات» (4/ 278) ، و «الخلاصة» (1/ 380) ، و «لسان الميزان» (7/ 229) .]] أنَّ رجُلاً قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، كَيْفَ لِي أَنْ أَعْلَمَ كَيْفَ أَنَا؟

قَالَ: «إذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنَ الدُّنْيَا، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ حَسَنَةٍ، وَإذَا رَأَيْتَ كُلَّمَا طَلَبْتَ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الآخِرَةِ، وابتغيته، عُسِّرَ عَلَيْكَ، وَإذَا أَرَدتَّ شَيْئاً مِنْ أَمْرِ الدُّنْيَا، وابتغيته، يُسِّرَ لَكَ، فَأَنْتَ على حَالٍ قَبِيحَةٍ» [[أخرجه ابن المبارك في «الزهد» (ص 29) رقم (88) ووقع في «الزهد» : «شعيب بن أبي سعيد» .]] . انتهى، فتأمَّله راشداً، وقولَه: مِنْ بَعْدِ مَا أَراكُمْ مَّا تُحِبُّونَ، يعني:

هزيمةَ المشركين، قال الزُّبَيْر [[أخرجه الطبري (3/ 470) برقم (8008) ، وذكره ابن عطية (1/ 525) .]] : واللَّه، لَقَدْ رأيتُنِي أنْظُرُ إلى خَدَمِ هنْدِ بنت عتبة [[هند بنت عتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف القرشيّة، والدة معاوية بن أبي سفيان، شهدت أحدا، وفعلت ما فعلت بحمزة، ثم كانت تؤلّب على المسلمين إلى أن جاء الله بالفتح فأسلم زوجها ثم أسلمت هي يوم الفتح وقصّتهما (في قولها عند بيعة النساء: وَلا يَسْرِقْنَ وَلا يَزْنِينَ فقالت: وهل تزني الحرّة؟) ينظر: «الإصابة» (8/ 346) .]] ، وصواحِبِهَا مشَمِّراتٍ هَوَارِبَ، ما دُونَ أخْذِهِنَّ قليلٌ، ولا كثيرٌ إذ مالَتِ الرماةُ إلى العَسْكَر حين كَشَفْنَا القَوْمَ عَنه، يريدون النَّهْبَ، وخَلَّوْا ظهورَنَا للخَيْلِ، فَأُوتِينَا مِنْ أَدْبَارنا، وصَرَخَ صَارِخٌ أَلاَ إنَّ محمَّداً قد قُتِلَ، وانكفأ علينا القومُ.

وقوله سبحانه: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا، يعني بهم الذين حَرَصُوا على الغنيمة، وكان المالُ همَّهم قاله ابنُ عَبَّاسٍ [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 472) برقم (8023) بنحوه، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 525) ، والسيوطي في «الدر المنثور» بنحوه (2/ 152) ، وعزاه لابن جرير.]] ، وسائرُ المفسِّرين، وقال عبدُ اللَّهِ بْنُ مسْعود: ما كنتُ أرى أنّ أحدا من أصحاب النبيّ ﷺ يريدُ الدنيا حتى نَزَلَ فينا يَوْمَ أُحُدٍ: مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدُّنْيا» .

وقوله سبحانه: وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ إخبارٌ عن ثبوتِ مَنْ ثَبَتَ من الرُّماة، مع عبد اللَّه بن جُبَيْر امتثالا للأمْر حتى قُتِلُوا، ويدخلُ في هذا أنَسُ بْنُ النَّضْر، وكلُّ من جَدَّ ولم يضطرب من المؤمنين.

3:153–155Page 69

۞ إِذۡ تُصۡعِدُونَ وَلَا تَلۡوُۥنَ عَلَىٰٓ أَحَدٖ وَٱلرَّسُولُ يَدۡعُوكُمۡ فِيٓ أُخۡرَىٰكُمۡ فَأَثَٰبَكُمۡ غَمَّۢا بِغَمّٖ لِّكَيۡلَا تَحۡزَنُواْ عَلَىٰ مَا فَاتَكُمۡ وَلَا مَآ أَصَٰبَكُمۡۗ وَٱللَّهُ خَبِيرُۢ بِمَا تَعۡمَلُونَ ١٥٣

[Remember] when you [fled and] climbed [the mountain] without looking aside at anyone while the Messenger was calling you from behind. So Allāh repaid you with distress upon distress so you would not grieve for that which had escaped you [of victory and spoils of war] or [for] that which had befallen you [of injury and death]. And Allāh is [fully] Aware of what you do.

ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيۡكُم مِّنۢ بَعۡدِ ٱلۡغَمِّ أَمَنَةٗ نُّعَاسٗا يَغۡشَىٰ طَآئِفَةٗ مِّنكُمۡۖ وَطَآئِفَةٞ قَدۡ أَهَمَّتۡهُمۡ أَنفُسُهُمۡ يَظُنُّونَ بِٱللَّهِ غَيۡرَ ٱلۡحَقِّ ظَنَّ ٱلۡجَٰهِلِيَّةِۖ يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ مِن شَيۡءٖۗ قُلۡ إِنَّ ٱلۡأَمۡرَ كُلَّهُۥ لِلَّهِۗ يُخۡفُونَ فِيٓ أَنفُسِهِم مَّا لَا يُبۡدُونَ لَكَۖ يَقُولُونَ لَوۡ كَانَ لَنَا مِنَ ٱلۡأَمۡرِ شَيۡءٞ مَّا قُتِلۡنَا هَٰهُنَاۗ قُل لَّوۡ كُنتُمۡ فِي بُيُوتِكُمۡ لَبَرَزَ ٱلَّذِينَ كُتِبَ عَلَيۡهِمُ ٱلۡقَتۡلُ إِلَىٰ مَضَاجِعِهِمۡۖ وَلِيَبۡتَلِيَ ٱللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمۡ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمۡۚ وَٱللَّهُ عَلِيمُۢ بِذَاتِ ٱلصُّدُورِ ١٥٤

Then after distress, He sent down upon you security [in the form of] drowsiness, overcoming a faction of you, while another faction worried about themselves, thinking of Allāh other than the truth - the thought of ignorance, saying, "Is there anything for us [to have done] in this matter?" Say, "Indeed, the matter belongs completely to Allāh." They conceal within themselves what they will not reveal to you. They say, "If there was anything we could have done in the matter, we [i.e., some of us] would not have been killed right here." Say, "Even if you had been inside your houses, those decreed to be killed would have come out to their death beds." [It was] so that Allāh might test what is in your breasts and purify what is in your hearts. And Allāh is Knowing of that within the breasts.

إِنَّ ٱلَّذِينَ تَوَلَّوۡاْ مِنكُمۡ يَوۡمَ ٱلۡتَقَى ٱلۡجَمۡعَانِ إِنَّمَا ٱسۡتَزَلَّهُمُ ٱلشَّيۡطَٰنُ بِبَعۡضِ مَا كَسَبُواْۖ وَلَقَدۡ عَفَا ٱللَّهُ عَنۡهُمۡۗ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٞ ١٥٥

Indeed, those of you who turned back on the day the two armies met [at Uḥud] - it was Satan who caused them to slip because of some [blame] they had earned. But Allāh has already forgiven them. Indeed, Allāh is Forgiving and Forbearing.

وقوله تعالى: إِذْ تُصْعِدُونَ وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ العامل في إذ قوله: «عفا» ، وقراءة [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 525) ، و «البحر المحيط» (3/ 89) ، و «الدر المصون» (2/ 233) .]] الجمهور «تصعدون» (بضم التاء، وكسر العين) من: أصْعَدَ، ومعناه: ذَهَبَ في الأَرْضِ، والصعيدُ: وجهُ الأرض، ف «أَصْعَدَ» : معناه: دَخَلَ في الصَّعيد كما أنّ «أصبح» :

دخل في الصّباح.

وقوله سبحانه: وَلا تَلْوُونَ عَلى أَحَدٍ مبالغةٌ في صفةِ الانهزامِ، وقرأ حُمَيْدُ بْنُ قَيْسٍ [[ينظر: «المحرر الوجيز» (1/ 526) ، و «البحر المحيط» (3/ 90) ، و «الدر المصون» (1/ 234) .]] : «على أُحُدٍ» (بضم الألف والحاء) ، يريد الجَبَلَ، والمعنيّ بذلك نبيّ الله ﷺ لأنه كان على الجَبَلِ، والقراءةُ الشهيرةُ أقوى لأنّ النبيّ ﷺ لم يكُنْ علَى الجَبَلِ إلاَّ بعد ما فَرَّ الناسُ، وهذه الحالُ مِنْ إصعادهم إنَّما كانتْ، وهو يدعوهم، ورُوِيَ أنَّه كان يُنَادِي ﷺ:

«إلَيَّ، عِبَادَ اللَّهِ» ، والناسُ يفرُّون، وفي قوله تعالى: فِي أُخْراكُمْ: مدح له ﷺ فإن ذلك هو موقِفُ الأبطالِ في أعْقَابِ النَّاس ومنه قولُ الزُّبِيْرِ بْنِ باطا [[قال السهيلي: «هو الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، جد الزبير بن عبد الرّحمن المذكور في «الموطأ» في كتاب النكاح. واختلف في الزبير بن عبد الرّحمن فقيل: الزبير، بفتح الزاي وكسر الباء، كما سمي جده، وقيل: الزبير» .]] : ما فَعَل مقدِّمتُنا إذَا حَمَلْنا، وحَامِيَتُنَا إذَا فَرَرْنَا وكذلك كان ﷺ أشْجَعَ الناسِ ومنه قولُ سَلَمَةَ بْنِ الأَكْوَعِ [[سلمة بن عمرو بن الأكوع، واسم الأكوع سنان بن عبد الله. وقيل: اسم أبيه وهب، وقيل غير ذلك.

أول مشاهده «الحديبية» ، وكان من الشجعان، ويسبق الفرس عدوا، وبايع النبيّ ﷺ عند الشّجرة على الموت.

ينظر: «طبقات ابن سعد» (4/ 305) ، و «الإصابة» (3/ 127) ، و «أسد الغابة» (ت 2179) ، و «طبقات خليفة» (689) ، و «الخلاصة» (126) ، و «تهذيب الأسماء واللغات» (1/ 1/ 229) ، و «تهذيب التهذيب» (4/ 150) .]] /: كِنَّا إذا احمر البَأْسُ، اتقيناه برَسُولِ الله ﷺ.

وقوله تعالى: فَأَثابَكُمْ: معناه: جازاكُمْ على صنيعكم، واختلف في معنى قوله تعالى: غَمًّا بِغَمٍّ، فقال قوم: المعنى: أثابكم غَمًّا بسبب الغمِّ الذي أدخلتموه على رسول الله ﷺ وسائرِ المسلمينَ بفَشَلكم، وتَنَازُعِكم، وعِصْيَانكم. قال قتادة، ومجاهد:

الغَمُّ الأول: أنْ سَمِعُوا أَلاَ إنَّ محمّدا قد قتل، والثاني: القتل والجراح [[أخرجه الطبري في «تفسيره» (3/ 479) برقم (8059) ، (8061) ، وذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 526) .]] .

وقوله تعالى: لِكَيْلا تَحْزَنُوا عَلى مَا فاتَكُمْ، أي: من الغنيمة، ولا ما أصابكم، أي: من القَتْل والجِرَاحِ، وذُلِّ الانهزام، واللامُ من قوله: «لكَيْ لاَ» متعلِّقة ب «أثَابَكُمْ» ، المعنى: لتعلموا أنَّ ما وقَعَ بكُمْ إنما هو بجنايَتِكُمْ، فأنتم آذيتم أنفسكم، وعادةُ البَشَر أنَّ جانِيَ الذنْبِ يَصْبِرُ للعقوبة، وأكْثَرُ قَلَقِ المعاقَبِ وحُزْنِهِ، إنما هو مع ظَنِّه البراءةَ بنَفْسه، ثم ذكر سبحانه أمْرَ النُّعَاس الذي أَمَّنَ به المؤمنِينَ، فغشي أهْل الإخلاص، قُلْتُ: وفي صحيح البخاريِّ» ، عن أنسٍ أنَّ أبَا طَلْحَةَ قَالَ: غَشِينَا النُّعَاسُ، ونَحْنُ فِي مَصَافِّنَا يَوْمَ أحد، قال: فَجَعَلَ سَيْفِي يَسْقُطُ مِنْ يَدِي وآخُذُهُ، وَيَسْقُطُ وَآخُذُهُ [[أخرجه البخاري (7/ 422) ، كتاب «المغازي» ، باب: ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمِّ، حديث (4068) ، (8/ 76) كتاب «التفسير» ، باب أَمَنَةً نُعاساً، حديث (4562) ، والترمذي (5/ 229- 230) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3008) ، وأحمد (4/ 29) ، وابن حبان (7180) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 484) رقم (8075، 8076) ، والطبراني في «الكبير» (5/ 95- 96) رقم (4699، 4700) ، والبيهقي في «دلائل النبوة» . (3/ 273- 274) كلهم من طريق قتادة عن أنس به.

وقال الترمذي: حسن صحيح.

وأخرجه الترمذي (5/ 229) ، كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) ، وابن سعد في «الطبقات» (3/ 505) ، وابن أبي شيبة (14/ 406- 407) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483- 484) رقم (8074) ، والحاكم (2/ 297) ، والبيهقي في «الدلائل» (3/ 272) ، وأبو نعيم في «الدلائل» ص (367) كلهم من طريق حماد بن سلمة عن ثابت عن أنس به.

وقال الترمذي: حديث حسن صحيح.

وأخرجه ابن سعد (3/ 505) ، والطبري في «تفسيره» (3/ 483) رقم (8073) من طريق حميد عن أنس.

والحديث ذكره السيوطي في «الدر المنثور» (2/ 155) ، وزاد نسبته إلى عبد بن حميد، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبي الشيخ، وابن مردويه.

وللحديث شاهد من حديث الزبير بن العوام: أخرجه الترمذي (5/ 229) كتاب «التفسير» ، باب ومن سورة آل عمران، حديث (3007) من طريق هشام بن عروة عن أبيه عن الزبير به بنحو حديث أنس.]] ، ونحْوه عن الزُّبَيْر [[ينظر الحديث السابق.]] ، وابنِ مسْعود [[ينظر الحديث السابق.]] ، «والواوُ» في قوله: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ، واو الحال، ذَهَب أكثر المفسِّرين إلى أنَّ اللفظة من الهَمِّ الذي هو بمعنَى الغَمِّ والحُزْن.

وقوله سبحانه: يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ: معناه: يظنُّون أنَّ دين الإسلام ليس بحقٍّ، وأنَّ أمر محمّد ﷺ يضمحلُّ.

قلْتُ: وقد وردَتْ أحاديثُ صِحَاحٌ في الترغيبِ في حُسْن الظَّنِّ باللَّه عزَّ وجلَّ، ففي «صحيح مسلم» ، وغيره، عن النبيّ ﷺ حاكِياً عن اللَّه عزَّ وجلَّ يقولُ سبْحَانه: «أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي ... » [[تقدم تخريجه.]] الحديثَ، وقال ابْنُ مَسْعود: واللَّه الَّذِي لاَ إله غيره، لا يُحْسِنُ أحَدٌ الظنَّ باللَّه عزَّ وجلَّ إلا أعطاه اللَّهُ ظنَّه، وذلك أنَّ الخَيْر بيده، وخرَّج أبو بَكْرِ بْنُ الخَطِيب بسنده، عن أنس أنّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مِنْ حُسْنِ عِبَادَةِ المَرْءِ حُسْنُ ظَنِّهِ» [[تقدم تخريجه.]] اهـ. وقوله: ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ: ذهب الجمهورُ إلى أنَّ المراد مدَّة الجاهليَّة القديمَة قَبْل الإسلام، وهذا كقوله سبحانه: حَمِيَّةَ الْجاهِلِيَّةِ [الفتح: 26] وتَبَرُّجَ الْجاهِلِيَّةِ [الأحزاب: 33] وذهب بعضُ المفسِّرين إلى أنَّ المراد في هذه الآيةِ ظَنُّ الفِرْقَةِ الجاهليَّة، وهم أبو سُفْيَانَ ومن معه، قال قتادة وابن جريج: قيل لعبد الله بن أُبَيٍّ ابن سَلُولَ: قُتِلَ بَنُو الخَزْرَجِ، فَقَالَ: وهلْ لنا من الأمْرِ من شَيْء، يريدُ أنَّ الرأْيَ ليس لنا، ولو كان لَنَا منْهُ شيْءٌ، لسمع مَنْ رأينا، فلم يَخْرُجْ، فلم يُقْتَلْ أحدٌ منا.

وقوله [[ذكره ابن عطية في تفسيره (1/ 528) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 156) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر عن ابن جريج.]] سبحانه: قُلْ إِنَّ الْأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ اعتراضٌ أثناء الكلامِ فصيحٌ، ومضمَّنه الردُّ عليهم، وقوله سبحانه: يُخْفُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ ... الآية: أخبر تعالى عنهم على الجُمْلة دُونَ تَعْيين، وهذه كانَتْ سُنَّتَهُ في المنافقينَ، لا إله إلا هو.

وقوله سبحانه: يَقُولُونَ لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَّا قُتِلْنا هاهُنا هي مقالةٌ سُمِعَتْ من مُعَتِّبِ بْنِ قُشَيْرٍ المغموصِ [[معتّب بن قشير بن مليل بن زيد بن العطاف بن ضبيعة بن زيد بن مالك بن عوف بن عمرو بن عوف بن الأوس، الأنصاريّ، الأوسيّ.

ذكروه فيمن شهد العقبة. وقيل: إنه كان منافقا، وإنه الذي قال يَوْمَ أحُدٍ: لَوْ كانَ لَنا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ ما قُتِلْنا هاهُنا [آل عمران: 154] وقيل: إنه تاب.

وقد ذكره ابن إسحاق فيمن شهد بدرا.

ينظر: «الإصابة» (6/ 137) ، و «أسد الغابة» ت (5017) ، و «الاستيعاب» ت (2485) ، و «المؤتلف والمختلف» (219) .]] عليه بالنِّفَاق، وباقي الآية بيِّن.

وقوله تعالى: وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ: اللام في «ليبتلي» متعلِّقة بفعلٍ متأخِّرٍ، تقديره: وليبتليَ وليمحِّصَ فعْلَ هذه الأمور الواقعة، والابتلاءُ هنا/ الاختبار.

وقوله سبحانه: إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعانِ قال عُمَرُ (رضي اللَّه عنه) : المرادُ بهذه الآية جميعُ مَنْ تولى ذلك اليَوْمَ عن العدُوِّ [[ذكره ابن عطية في «تفسيره» (1/ 529) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 157) ، وعزاه لابن جرير عن كليب عنه به.]] .

وقيل: نزلَتْ في الذين فرّوا إلى المدينة.

قال ابنُ زَيْد: فلا أدْري، هل عُفِيَ عن هذه الطائفةِ خاصَّة، أمْ عن المؤمنين جميعاً [[ذكره ابن عطية (1/ 530) .]] .

وقوله تعالى: إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا: ظاهره عند جمهور المفسِّرين: أنه كانَتْ لهم ذنوبٌ عاقبهم اللَّه علَيْها بتَمْكين الشيطان من استزلالهم بوسوسَتِهِ وتخويفِهِ، والفَرَارُ مِنَ الزَّحْفِ [[قال الله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ [الأنفال:

15- 16] في هذه الآية ينهى الله المؤمنين عن الفرار من الكفار إذا التقوا بهم في القتال، وحكمة ذلك أن الفرار كبير المفسدة وخيم العاقبة لأن الفارّ يكون كالحجر يسقط من البناء.، فيتداعى ويختل نظامه لهذا عدّ الشارع الحكيم الفرار من الزحف من أكبر الجنايات، وقد توعد الله المقاتلين الذين يولون العدوّ ظهورهم، فقال: وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ ... الآية.

وفي الفرار من العدو عار يجعل الحياة بغيضة عند النفوس الأبيّة، قال يزيد بن المهلّب: «والله إني لأكره الحياة بعد الهزيمة» .

وقال بعض العلماء: إن هذا النهي خاصّ بوقعة بدر. وبه قال نافع والحسن وقتادة، ويزيد بن أبي حبيب، والضحاك، ونسب إلى أبي حنيفة كما حكاه القرطبي.

وقال الجمهور (وهو المروي عن ابن عبّاس) : إن تحريم الفرار من الصف عند الزحف باق إلى يوم القيامة في كلّ قتال يلتقي فيه المسلمون والكفار.]] من الكبائر بإجماعٍ فيما عَلِمْتُ، وقَدْ عده ﷺ في السّبع الموبقات [[تقدم تخريجه.]] .

3:156–158Page 70

يَٰٓأَيُّهَا ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَكُونُواْ كَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ وَقَالُواْ لِإِخۡوَٰنِهِمۡ إِذَا ضَرَبُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ أَوۡ كَانُواْ غُزّٗى لَّوۡ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ لِيَجۡعَلَ ٱللَّهُ ذَٰلِكَ حَسۡرَةٗ فِي قُلُوبِهِمۡۗ وَٱللَّهُ يُحۡيِۦ وَيُمِيتُۗ وَٱللَّهُ بِمَا تَعۡمَلُونَ بَصِيرٞ ١٥٦

O you who have believed, do not be like those who disbelieved and said about their brothers when they traveled through the land or went out to fight, "If they had been with us, they would not have died or have been killed," so Allāh makes that [misconception] a regret within their hearts. And it is Allāh who gives life and causes death, and Allāh is Seeing of what you do.

وَلَئِن قُتِلۡتُمۡ فِي سَبِيلِ ٱللَّهِ أَوۡ مُتُّمۡ لَمَغۡفِرَةٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَرَحۡمَةٌ خَيۡرٞ مِّمَّا يَجۡمَعُونَ ١٥٧

And if you are killed in the cause of Allāh or die - then forgiveness from Allāh and mercy are better than whatever they accumulate [in this world].

وَلَئِن مُّتُّمۡ أَوۡ قُتِلۡتُمۡ لَإِلَى ٱللَّهِ تُحۡشَرُونَ ١٥٨

And whether you die or are killed, unto Allāh you will be gathered.

وقوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ كَفَرُوا وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ ...

الآية: نَهَى اللَّه المؤمنِينَ أنْ يكونوا مثل الكفَّار المنافقين في هذا المعتقَدِ الفاسِدِ الذي هو أنَّ من سافر في تجارةٍ ونحوها، ومَنْ قَاتَلَ فَقُتِلَ، لو قعد في بَيْته لعاش، ولم يَمُتْ في ذلك الوَقْتِ الذي عَرَّض فيه نَفْسه للسَّفَر أو للقِتَال، وهذا هو مُعْتَقَدُ المعتزلة في القَوْل بالأَجَلَيْنِ، أو نحو منه، وصرّح بهذا المقالة عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِيٍّ المُنَافِقُ، وأصحابه قاله مجاهد وغيره [[ذكره ابن عطية (1/ 530) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (2/ 158) ، وعزاه للفريابي، وعبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم عن مجاهد.]] ، والضَّرْبُ في الأرض: السيرُ في التِّجَارة، وغُزًّى: جمعُ غازٍ.

وقوله تعالى: لِيَجْعَلَ اللَّهُ ذلِكَ الإشارةُ ب «ذَلِكَ» إلى هذا المعتقد الَّذى جعله اللَّه حَسْرةً لهم لأن الذي يتيقن أنَّ كل قَتْل ومَوْت، إنما هو بأجَلٍ سابقٍ يجدُ برد اليأسِ والتسليمِ للَّه سبحانه على قلبه، والذي يَعْتَقِدُ أنَّ حميمه لو قعد في بَيْته، لم يَمْتُ، يتحسَّر ويتلهَّف وعلى هذا التأويل، مَشَى المتأوِّلونَ، وهو أظهرُ مَا في الآية، والتحسُّرُ: التلهُّفُ على الشيء، والغَمُّ به.

وقوله سبحانه: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ توكيدٌ للنهيْ في قوله: لاَ تَكُونُوا ووعيدٌ لمن خالفه، ووَعْدٌ لمن امتثله.

وقوله سبحانه: وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ مُتُّمْ اللامُ في وَلَئِنْ قُتِلْتُمْ هي المؤذنةُ بمَجِيءِ القَسَمِ، واللامُ في قوله: لَمَغْفِرَةٌ هي المتلقِّية للقَسَمِ، والتقديرُ: واللَّهِ، لمغفرةٌ وترتَّب المَوْتُ قبل القَتْل في قوله تعالى: مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا مراعاةً لترتُّب الضَّرْب في الأرض والغَزْو، وقدَّم القَتْل هنا لأنَّه الأشرف الأهمُّ، ثم قدَّم المَوْتَ في قوله تعالى: وَلَئِنْ مُتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لأنها آية وعظٍ بالآخرةِ والحَشْرِ، وآيةُ تزهيدٍ في الدنْيَا والحَيَاةِ، وفي الآيةِ تحقيرٌ لأمر الدنيا، وحضٌّ على طَلَبِ الشهادةِ، والمعنى: إذا كان الحَشْر لا بُدَّ في كِلاَ الأمْرَيْن، فالمضيُّ إليه في حالِ شهادةٍ أولى وعَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ [[سهل بن حنيف بن واهب بن العكيم بن ثعلبة. قيل: أبو الوليد، وأبو ثابت، وأبو سعيد، وقيل: أبو سعد. أو أبو عبد الله. الأوسي. الأنصاري. بدري شهد المشاهد كلها مع رسول الله، وثبت يوم أحد، وكان يرمي بالنبل عن رسول الله. وصحب علي بن أبي طالب، واستخلفه عليّ على «المدينة» حين سار إلى «البصرة» ، وشهد معه «صفين» ، وولاه بلاد فارس. روى عنه ابناه أبو أمامة، وعبد الملك. وروى عنه عبيد بن السياق، وأبو وائل، وعبد الرّحمن بن أبي ليلى. مات ب «الكوفة» سنة (38 هـ) .

وينظر: «أسد الغابة» (2/ 470) ، و «الإصابة» (3/ 139) ، و «الثقات» (3/ 169) ، و «تجريد أسماء الصحابة» (1/ 243) ، و «الاستيعاب» (2/ 662) ، و «بقي بن مخلد» (78، 903) .]] ، أنَّ النبيّ ﷺ قَالَ: «مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصدْقٍ، بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ، وَإنْ مَاتَ على فِرَاشِهِ» ، رواه الجماعةُ إلاَّ البخاريَّ [[أخرجه مسلم (3/ 1517) ، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (157/ 1909) ، وأبو داود (1/ 476) ، كتاب «الصلاة» ، باب في الاستغفار، حديث (1520) ، والترمذي (4/ 183) ، كتاب «فضائل الجهاد» ، باب ما جاء فيمن سأل الشهادة، حديث (1653) ، -- والنسائي (6/ 36- 37) كتاب «الجهاد» ، باب مسألة الشهادة، وابن ماجة (2/ 935) كتاب «الجهاد» ، باب القتال في سبيل الله سبحانه وتعالى، حديث (2797) ، والدارمي (2/ 205) كتاب «الجهاد» ، باب فيمن سأل الله الشهادة، وابن حبان (3192) ، والبيهقي (9/ 169- 170) كتاب «السير» ، باب تمني الشهادة ومسألتها، والطبراني في «الكبير» (6/ 72) رقم (5550) كلهم من طريق عبد الرّحمن بن شريح عن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف عن أبيه عن جده مرفوعا.

وقال الترمذي: حديث حسنٌ غريبٌ، لا نعرفه إِلا من حديث عبد الرّحمن بن شريح.]] ، وعن أنَسٍ قال: قال رسول الله ﷺ: «مَنْ طَلَبَ الشَّهَادَةَ صَادِقاً، أُعْطِيِهَا، وَلَوْ لَمْ تُصْبْهُ» [[أخرجه مسلم (3/ 1517) ، كتاب «الإمارة» ، باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى، حديث (156/ 1908) من حديث أنس بن مالك.]] ، انفرد به مُسْلم. انتهى من «سلاح المؤمن» .

Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
Layout

Читать на русском