Ath-Tha'alibi · Tafsir · in Arabic
الانسان
Al-Insan
The Man · Medinan · 31 ayahs
76:1–5Page 578
هَلۡ أَتَىٰ عَلَى ٱلۡإِنسَٰنِ حِينٞ مِّنَ ٱلدَّهۡرِ لَمۡ يَكُن شَيۡـٔٗا مَّذۡكُورًا ١
Has there [not] come upon man a period of time when he was not a thing [even] mentioned?
إِنَّا خَلَقۡنَا ٱلۡإِنسَٰنَ مِن نُّطۡفَةٍ أَمۡشَاجٖ نَّبۡتَلِيهِ فَجَعَلۡنَٰهُ سَمِيعَۢا بَصِيرًا ٢
Indeed, We created man from a sperm-drop mixture1 that We may try him; and We made him hearing and seeing.
إِنَّا هَدَيۡنَٰهُ ٱلسَّبِيلَ إِمَّا شَاكِرٗا وَإِمَّا كَفُورًا ٣
Indeed, We guided him to the way, be he grateful or be he ungrateful.
إِنَّآ أَعۡتَدۡنَا لِلۡكَٰفِرِينَ سَلَٰسِلَاْ وَأَغۡلَٰلٗا وَسَعِيرًا ٤
Indeed, We have prepared for the disbelievers chains and shackles and a blaze.
إِنَّ ٱلۡأَبۡرَارَ يَشۡرَبُونَ مِن كَأۡسٖ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا ٥
Indeed, the righteous will drink from a cup [of wine] whose mixture is of Kāfūr,1
قيل: مكّيّة، وقيل: مدنيّة وقال الحسن وعكرمة: منها آية مكية [[ذكره البغوي (4/ 426) ، وابن عطية (5/ 408) .]] ، وهي [قوله تعالى: وَلا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً والباقي مدنيّ.
[قوله تعالى: هَلْ أَتى عَلَى الْإِنْسانِ ... الآية، هَلْ في كلام العرب قد تجيء] [[سقط في: د.]] بمعنى قَدْ حكاه سيبويه، لكنها لا تخلو من تقرير، وبابُها المشهورُ الاستفهام المَحْضُ، والتقرير أحياناً قال ابن عباس: «هل» بمعنى «قد» ، والإنسان يراد به آدم [[ذكره ابن عطية (5/ 408) .]] ، وقال أكثر المتأولين: «هل» تقرير، الإنسان: اسم جنس، أي: إذا تَأَمَّلَ كُلُّ إنسان نفسه علم بِأَنَّه قد مَرَّ حِينٌ من الدهر عظيم لم يكن فيه شيئاً مذكوراً، وهذا هو القوي أَنَّ الإنسان اسم جنس، وأَنَّ الآية جُعِلَتْ عبرةً لكل أحد من الناس لِيُعْلَمَ أَنَّ الخالق له قادر على إِعادته.
- ص-: لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً في موضع حال من الْإِنْسانِ أو في موضع صفة ل حِينٌ والعائد عليه محذوف، أي: لم يكن فيه، انتهى.
وقوله تعالى: إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسانَ ... الآية، الإنسان هنا: اسم جنس بلا خلافٍ، وأمشاج معناه: أخلاط قيل: هو أَمْشاجٍ ماءِ الرجل بماءِ المرأة، ونقل الفخر أنّ الأمشاج لفظٌ/ مفرد، وليس يُجْمَعُ، بدليل أَنَّه وقع صفةً للمفرد، وهو قوله: نُطْفَةٍ، انتهى.
نَبْتَلِيهِ أي: نختبره بالإيجاد والكون في الدنيا، وهو حال من الضمير في خَلَقْنَا كأَنَّه قال: مختبرين له بذلك.
وقوله تعالى: فَجَعَلْناهُ سَمِيعاً بَصِيراً عَطْفُ جملة نِعَم على جملة نِعَمٍ، وقيل:
المعنى: فلنبتليه جعلناه سميعاً بصيراً وهَدَيْناهُ: يحتمل: أنْ يكون بمعنى أرشدناه، ويحتمل: أنْ يكون بمعنى أريناه، وليس الهدى في هذه الآية بمعنى خلق الهدى والإيمان، وعبارة الثَّعْلَبِيِّ: هَدَيْناهُ السَّبِيلَ بَيَّنَا له وَعَرَّفْنَاهُ طريقَ الهدى والضلال، والخير والشر كقوله: وَهَدَيْناهُ النَّجْدَيْنِ [البلد: 10] انتهى.
وقوله تعالى: إِمَّا شاكِراً وَإِمَّا كَفُوراً حالان، وقسمتهما إِمَّا، والْأَبْرارَ:
جمع بَارٍّ قال الحسن: هم الذين لا يؤذون الذَّرَّ، ولا يرضون الشرَّ [[ذكره ابن عطية (5/ 409) .]] ، قال قتادة: نعم قوم يمزجُ لهم بالكافور، ويُخْتَمُ لهم بالمسك [[أخرجه الطبري (12/ 357، 358) ، رقم: (35767) ، وذكره البغوي (4/ 426) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 483) ، وعزاه لعبد بن حميد، وابن المنذر عن قتادة بنحوه.]] ، قال الفرَّاء: يقال إِنَّ في الجنة عينا تسمى كافورا.
76:6–8Page 579
عَيۡنٗا يَشۡرَبُ بِهَا عِبَادُ ٱللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفۡجِيرٗا ٦
A spring of which the [righteous] servants of Allāh will drink; they will make it gush forth in force [and abundance].
يُوفُونَ بِٱلنَّذۡرِ وَيَخَافُونَ يَوۡمٗا كَانَ شَرُّهُۥ مُسۡتَطِيرٗا ٧
They [are those who] fulfill [their] vows and fear a Day whose evil will be widespread.
وَيُطۡعِمُونَ ٱلطَّعَامَ عَلَىٰ حُبِّهِۦ مِسۡكِينٗا وَيَتِيمٗا وَأَسِيرًا ٨
And they give food in spite of love for it1 to the needy, the orphan, and the captive,
وقوله تعالى: عَيْناً قيل: هو بدل من قوله: كافُوراً وقيل: هو مفعول بقوله:
يَشْرَبُونَ أي: ماءُ هذه العين من كأس عَطِرَةٍ كالكافور، وقيل: نصب عَيْناً على المدح أو بإضمار «أعني» .
قوله تعالى: يَشْرَبُ بِها بمنزلة [يشربها] ، فالباء زائدة قال الثعلبيُّ: قال الواسطي: لَمَّا اختلفت أحوالهم في الدنيا اختلفت أشربتهم في الآخرة، انتهى.
قال- ص-: وقيل: الباء في بِها للإلصاق والاختلاط، أي: يشرب بها عباد اللَّه الخمرَ كما تقول: شَرِبْتُ الماءَ بالعسل، انتهى.
وقوله تعالى: يُفَجِّرُونَها معناه: يفتقونها ويقودونها حيث شاؤوا/ من منازلهم وقصورهم، فهي تجري عند كُلِّ أحد منهم، ورُدَّ بهذا الأثر، وقيل: عين في دار النبيّ ﷺ تفجر إلى دُورِ الأنبياء والمؤمنين قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 410) .]] : وهذا قول حسن، ثم وصف تعالى حال الأبرار فقال: يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخافُونَ يَوْماً كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً أي: ممتدًّا مُتَّصِلاً شائعاً.
وقوله تعالى: عَلى حُبِّهِ يحتمل أنْ يعودَ الضمير على الطعام، وهو قول ابن عباس [[ذكره ابن عطية (5/ 410) .]] ، ويحتمل أنْ يعودَ على اللَّه تعالى قاله أبو سليمان الدَّارانيُّ [[ذكره ابن عطية (5/ 410) .]] .
وقوله: وَأَسِيراً قال الحسن: ما كان أسراهم إلاَّ مشركين لأَنَّ في كل ذي كبد رطبة أجراً [[أخرجه الطبري (12/ 360) ، رقم (35782) ، وذكره البغوي (4/ 428) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 484) ، وعزاه لسعيد بن المنصور، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن مردويه عن الحسن بنحوه.]] .
ت: وفي «العتبيةِ» سُئِلَ مالك عن الأسير في هذه الآية أمسلم هو أم مشرك، فقال: بل مشرك، وكان ببدر أسارى، فأنزلت فيهم هذه الآية فقال ابن رشد: والأظهر حمل الآية على كل أسير، مسلماً كان أو كافراً، انتهى يعني: وإنْ كان سبب نزولها ما ذكر فهي عامَّةٌ في كُلِّ أسير إلى يوم القيامة، وقال أبو سعيد الخُدْرِيُّ: قال النَّبِيُّ ﷺ:
«مِسْكِيناً [قال:] فَقِيراً وَيَتِيماً قال: لا أَبَ لَهُ وَأَسِيراً قال: المَمْلُوكُ والمَسْجُونُ» [[ينظر: «الدر المنثور» (6/ 485) .]] ، وأسند القُشَيْرِيُّ في رسالته عن مالك، عن نافع، عنِ ابن عمر، عن عمر بن الخطاب- رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «لِكُلِّ شَيْءٍ مِفْتَاحٌ، وَمِفْتَاحُ الجَنَّةِ حُبُّ المَسَاكِينِ، والفُقَرَاءُ الصُّبَّرُ هُمْ جُلَسَاءُ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» [[ينظر: «كنز العمال» (6/ 469) ، رقم: (16587) .]] انتهى.
وروى الترمذيُّ عن أنس أَنَّ النبيَّ ﷺ قال: «اللَّهُمَّ، أحْيِنِي مِسْكِيناً، وأَمِتْنِي مِسْكِيناً، واحشرني في زُمْرَةِ المَسَاكِينِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، فَقَالَتْ عَائِشَةُ: لِمَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟! قالَ: إنَّهُمْ يَدْخُلُونَ الجَنَّةَ قَبْلَ أَغْنِيَائِهِمْ بِأَرْبَعِينَ خَرِيفاً، / يَا عَائِشَةُ، لاَ تَرُدِّي الْمِسْكِينَ، وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، يَا عَائِشَةُ، أَحِبِّي المَسَاكِينَ وَقَرِّبِيهِمْ، فَإنَّ اللَّهَ يُقَرِّبُكِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ» . قال أبو عيسى:
هذا حديث غريب [[أخرجه الترمذي (4/ 577، 578) ، كتاب «الزهد» باب: ما جاء أن فقراء المهاجرين يدخلون الجنة قبل]] ، انتهى.
76:9–19Page 579
إِنَّمَا نُطۡعِمُكُمۡ لِوَجۡهِ ٱللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمۡ جَزَآءٗ وَلَا شُكُورًا ٩
[Saying], "We feed you only for the face [i.e., approval] of Allāh. We wish not from you reward or gratitude.
إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوۡمًا عَبُوسٗا قَمۡطَرِيرٗا ١٠
Indeed, We fear from our Lord a Day austere and distressful."
فَوَقَىٰهُمُ ٱللَّهُ شَرَّ ذَٰلِكَ ٱلۡيَوۡمِ وَلَقَّىٰهُمۡ نَضۡرَةٗ وَسُرُورٗا ١١
So Allāh will protect them from the evil of that Day and give them radiance and happiness
وَجَزَىٰهُم بِمَا صَبَرُواْ جَنَّةٗ وَحَرِيرٗا ١٢
And will reward them for what they patiently endured [with] a garden [in Paradise] and silk [garments].
مُّتَّكِـِٔينَ فِيهَا عَلَى ٱلۡأَرَآئِكِۖ لَا يَرَوۡنَ فِيهَا شَمۡسٗا وَلَا زَمۡهَرِيرٗا ١٣
[They will be] reclining therein on adorned couches. They will not see therein any [burning] sun or [freezing] cold.
وَدَانِيَةً عَلَيۡهِمۡ ظِلَٰلُهَا وَذُلِّلَتۡ قُطُوفُهَا تَذۡلِيلٗا ١٤
And near above them are its shades, and its [fruit] to be picked will be lowered in compliance.
وَيُطَافُ عَلَيۡهِم بِـَٔانِيَةٖ مِّن فِضَّةٖ وَأَكۡوَابٖ كَانَتۡ قَوَارِيرَا۠ ١٥
And there will be circulated among them vessels of silver and cups having been [created] clear [as glass],
قَوَارِيرَاْ مِن فِضَّةٖ قَدَّرُوهَا تَقۡدِيرٗا ١٦
Clear glasses [made] from silver of which they have determined the measure.
وَيُسۡقَوۡنَ فِيهَا كَأۡسٗا كَانَ مِزَاجُهَا زَنجَبِيلًا ١٧
And they will be given to drink a cup [of wine] whose mixture is of ginger
عَيۡنٗا فِيهَا تُسَمَّىٰ سَلۡسَبِيلٗا ١٨
[From] a fountain within it [i.e., Paradise] named Salsabeel.
۞ وَيَطُوفُ عَلَيۡهِمۡ وِلۡدَٰنٞ مُّخَلَّدُونَ إِذَا رَأَيۡتَهُمۡ حَسِبۡتَهُمۡ لُؤۡلُؤٗا مَّنثُورٗا ١٩
There will circulate among them young boys made eternal. When you see them, you would think them [as beautiful as] scattered pearls.
وقولَه: إِنَّما نُطْعِمُكُمْ ... الآية، قال مجاهد، وابن جبير: ما تكلموا به، ولكنه علمه اللَّه من قلوبهم، فأثنى عليهم ليرغب في ذلك راغب [[أخرجه الطبري (12/ 361) ، رقم: (35787، 35788) ، وذكره البغوي (4/ 428) ، وابن كثير (4/ 455) بنحوه]] ، وَوَصْفُ اليوم بِعَبُوسٍ تَجُوُّزٌ، والقَمْطَرِيرُ: هو في معنى العبوس والإرْبِدَاد تقول: اقمطر الرَّجُلُ: إذا جمع ما بين عَيْنَيْهِ. غضباً، وقال ابن عباس: يعبس الكافر يومئذ حتى يسيلَ ما بين عينيه كالقَطِرَانِ [[أخرجه الطبري (12/ 361) ، رقم: (35789) ، وذكره ابن عطية (5/ 411) .]] ، وَعَبَّرَ ابن عباس عن القمطرير بالطويل [[أخرجه الطبري (12/ 362) ، رقم: (35800) ، وذكره ابن عطية (5/ 411) .]] ، وعَبَّرَ عنه غيره بالشديد وذلك كله قريب في المعنى، والنضرة: جمال البشرة وذلك لا يكون إلاَّ مع فرح النفس وقرة العين.
وقوله: بِما صَبَرُوا عامٌّ في الصبر عنِ الشهوات وعلى الطاعات والشدائد، وفي هذا يدخل كُلُّ ما خصص المفسرون من صوم، وفقر، ونحوه.
وقوله سبحانه: لاَ يَرَوْنَ فِيها شَمْساً ... الآية، عبارةٌ عن اعتدال هوائها وذَهَابِ ضَرَرِيِ الحَرِّ والقَرِّ، والزَّمْهَرِير: أَشَدُّ البرد، والقطوف: جمع قطف وهو العنقود من النخل والعنب ونحوه، والقوارير: الزجاج.
وقوله تعالى: مِنْ فِضَّةٍ يقتضي أَنَّها من زجاج ومن فضة، وذلك متمكن لكونه من زجاج في شفوفه ومن فضة في جَوْهَرِهِ، وكذلك فضة الجنةِ شفَّافة، [قال القرطبيُّ في «تذكرته» : وذلك أَنَّ لكل قومٍ من تراب أرضهم قَوَارِيرَ، وأَنَّ ترابَ الجنة فضة، فهي قوارير من فضة قاله ابن عباس [[أخرجه الطبري (12/ 365) ، رقم: (35817) ، وذكره ابن كثير (4/ 456) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 487) ، وعزاه لابن جرير، وابن المنذر، والبيهقي في «البعث» من طريق عكرمة، عن ابن عبّاس بنحوه.]] ، انتهى] [[سقط في: د.]] .
وقوله تعالى: قَدَّرُوها تَقْدِيراً أي: على قَدْرِ رِيِّهِمْ قاله مجاهد [[أخرجه الطبري (12/ 366) ، رقم: (35831) ، وذكره ابن عطية (5/ 412) ، وابن كثير (4/ 456) .]] ، أو على قدر الأَكُفِّ قاله الربيع [[ذكره ابن عطية (5/ 412) ، وابن كثير (4/ 456) .]] ، وضمير قَدَّرُوها يعود إمَّا على الملائكة، أو على الطائفين، أو على المنعمين.
وقوله سبحانه: عَيْناً فِيها تُسَمَّى سَلْسَبِيلًا «عيناً» بدل من «كأس» أو من «عين» على القول الثاني، وسَلْسَبِيلًا قيل: هو اسم بمعنى/ السَّلِسُ المنقاد الجرية، وقال مجاهد:
حديدة الجرية [[أخرجه الطبري (12/ 368) ، رقم: (35843- 35844، 35846) ، وذكره البغوي (4/ 430) ، وابن عطية (5/ 413) ، والسيوطي في «الدر المنثور» (6/ 488) ، وعزاه لعبد الرزاق وسعيد بن منصور، وهناد، وعبد بن حميد، وابن المنذر، والبيهقي عن مجاهد.]] ، وقال آخرون: سَلْسَبِيلًا صفة لقوله: عَيْناً وتُسَمَّى بمعنى تُوْصَفُ وتشهر، وكونه مصروفاً مما يؤكد كونه صفة للعين لا اسماً.
وقوله تعالى: حَسِبْتَهُمْ لُؤْلُؤاً مَنْثُوراً قال الإمام الفخر [[ينظر: «الفخر الرازي» (30/ 222) .]] : وفي كيفية التشبيه وجوه:
أحدها: أَنَّهُم شُبِّهُوا في حسنهم، وصفاء ألوانهم، وانبثاثهم في مجالسهم ومنازلهم في أنواع الخدمة- باللؤلؤ المنثورِ، ولو كانوا صفًّا لَشُبِّهُوا باللؤلؤ المنظوم أَلاَ ترى أَنَّهُ تعالى قال: وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ وِلْدانٌ فإذا كانوا يطوفون كانوا متناثرين.
الثاني: أَنَّ هذا من التشبيه العجيب لأَنَّ اللؤلؤ إذا كان متفرقاً يكون أحسنَ في المنظر لوقوع شعاع بعضه على بعض.
الثالث: أَنَّهم شُبِّهُوا باللؤلؤ الرطب إذا نثر من صدفه لأَنَّه أحسن وأجمل، انتهى.
76:20–22Page 579
وَإِذَا رَأَيۡتَ ثَمَّ رَأَيۡتَ نَعِيمٗا وَمُلۡكٗا كَبِيرًا ٢٠
And when you look there [in Paradise], you will see pleasure and great dominion.
عَٰلِيَهُمۡ ثِيَابُ سُندُسٍ خُضۡرٞ وَإِسۡتَبۡرَقٞۖ وَحُلُّوٓاْ أَسَاوِرَ مِن فِضَّةٖ وَسَقَىٰهُمۡ رَبُّهُمۡ شَرَابٗا طَهُورًا ٢١
Upon them [i.e., the inhabitants] will be green garments of fine silk and brocade. And they will be adorned with bracelets of silver, and their Lord will give them a purifying drink.
إِنَّ هَٰذَا كَانَ لَكُمۡ جَزَآءٗ وَكَانَ سَعۡيُكُم مَّشۡكُورًا ٢٢
[And it will be said], "Indeed, this is for you a reward, and your effort has been appreciated."
وقوله تعالى: وَإِذا رَأَيْتَ ثَمَّ قال الفَرَّاءُ: التقدير: وَإِذا رأيت ما ثَمَّ رأيت نعيماً، فحُذِفَتْ «ما» وكُرِّرَتِ الرؤية مبالغةً وَمُلْكاً كَبِيراً: وهو أَنَّ أدناهم منزلةً ينظر في ملكه مسيرة ألف عام، يرى أَقصاه كما يرى أدناه، وخرَّجَهُ الترمذيُّ، وفي التِّرْمِذِيِّ أيضاً من رواية أبي سعيدٍ الخدريِّ قال: قال رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: «أدنى أَهْلِ الجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً، وَتُنْصَبُ لَهُ قُبَّةٌ مِنْ لُؤلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الجَابِيَةِ إلى صَنْعَاءَ» [[أخرجه الترمذي (4/ 695) ، كتاب «صفة الجنة» باب: ما جاء ما لأدنى أهل الجنة من الكرامة (2562) .
قال أبو عيسى: هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث رشدين.]] انتهى، وقال سفيان: الملك الكبير هو استئذان الملائكة، وتسليمهم عليهم، وتعظيمُهم لهم، قال الثعلبيُّ: قَال محمد [[في د: مجاهد.]] بن علي الترمذي: يعني ملك التكوين إذا أرادوا شيئاً كان، انتهى.
ت: وجميع ما ذكر داخل في الملك/ الكبير، وقرأ نافع وحمزة: «عَالِيهِمْ» وقرأ الباقون [[وقرأ بها أبان عن عاصم.
ينظر: «السبعة» (664) ، و «الحجة» (6/ 354) ، و «إعراب القراءات» (2/ 422) ، و «معاني القراءات» (3/ 109) ، و «شرح الطيبة» (6/ 88) ، و «العنوان» (201) ، و «حجة القراءات» (739) ، و «شرح شعلة» (616) ، و «إتحاف» (2/ 578) .]] : «عَالِيَهُمْ» بالنصب، والمعنى: فوقهم، قال الثعلبيُّ: وتفسير ابن عباس قال: أما رأيتَ الرجل عليه ثياب يعلوها أفضلُ منها [[ذكره ابن عطية (5/ 414) .]] ، انتهى، وقرأ حمزة والكسائيُّ:
«خُضْرٍ وَإسْتَبْرَقٍ» بالخفض فيهما [[ينظر: «السبعة» (665) ، و «الحجة» (6/ 357) ، و «إعراب القراءات» (2/ 422) ، و «معاني القراءات» (2/ 109) ، و «شرح الطيبة» (6/ 88- 89) ، و «حجة القراءات» (740) ، و «شرح شعلة» (616) ، و «إتحاف» (2/ 578) .]] ، وباقي الآية بيّن.
76:23–26Page 579
إِنَّا نَحۡنُ نَزَّلۡنَا عَلَيۡكَ ٱلۡقُرۡءَانَ تَنزِيلٗا ٢٣
Indeed, it is We who have sent down to you, [O Muḥammad], the Qur’ān progressively.
فَٱصۡبِرۡ لِحُكۡمِ رَبِّكَ وَلَا تُطِعۡ مِنۡهُمۡ ءَاثِمًا أَوۡ كَفُورٗا ٢٤
So be patient for the decision of your Lord and do not obey from among them a sinner or ungrateful [disbeliever].
وَٱذۡكُرِ ٱسۡمَ رَبِّكَ بُكۡرَةٗ وَأَصِيلٗا ٢٥
And mention the name of your Lord [in prayer] morning and evening
وَمِنَ ٱلَّيۡلِ فَٱسۡجُدۡ لَهُۥ وَسَبِّحۡهُ لَيۡلٗا طَوِيلًا ٢٦
And during the night prostrate to Him and exalt [i.e., praise] Him a long [part of the] night.
وقوله سبحانه: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ ... الآية تثبيت للنبي ﷺ وتقوية لنفسه على أذى قريش، والآثم هنا هو الكفور، واللفظ أيضاً يقتضي نهيَ الإمام عن طاعة آثم من العُصَاةِ أو كفور باللَّه، ثم أمره تعالى بذكر ربه دأباً بُكْرَةً وَأَصِيلًا وَمِنَ اللَّيْلِ:
بالسجود والتسبيح الذي هو الصلاة، ويحتمل أنْ يريد قول: سبحانَ اللَّهِ، قال ابن زيد وغيره: كان هذا فرضاً ثم نُسِخَ [[ذكره القرطبي (19/ 97) ، وأبو حيان في «البحر المحيط» (8/ 393) ، وابن عطية (5/ 414) .]] ، وقال آخرون: هو مُحْكَمٌ على وجه الندب، وقال ابن العربيِّ في «أحكامه» : أَمَّا قوله تعالى: وَسَبِّحْهُ لَيْلًا طَوِيلًا فإنَّهُ عبارة عن قيام الليل، وقد كان النبي ﷺ يفعله كما تقدم، وقد يحتمل أنْ يكون هذا خطابا للنبيّ ﷺ، والمراد الجميعُ، ثم نُسِخَ عَنَّا، وبَقِيَ عليه ﷺ، والأول أظهر، انتهى.
76:27–28Page 580
إِنَّ هَٰٓؤُلَآءِ يُحِبُّونَ ٱلۡعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَآءَهُمۡ يَوۡمٗا ثَقِيلٗا ٢٧
Indeed, these [disbelievers] love the immediate and leave behind them1 a grave Day.
نَّحۡنُ خَلَقۡنَٰهُمۡ وَشَدَدۡنَآ أَسۡرَهُمۡۖ وَإِذَا شِئۡنَا بَدَّلۡنَآ أَمۡثَٰلَهُمۡ تَبۡدِيلًا ٢٨
We have created them and strengthened their forms, and when We will, We can change their likenesses with [complete] alteration.
وقوله: إِنَّ هؤُلاءِ يعني كُفَّارَ قريشٍ يُحِبُّونَ الْعاجِلَةَ يعني: الدنيا، واعلمْ أَنَّ حُبَّ الدنيا رأسُ كل خطيئة، وفي الحديث عن النبي ﷺ: «ازْهَدْ في الدُّنْيَا يُحِبَّكَ اللَّهُ، وازهد فِيمَا عِنْدَ النَّاسِ يُحِبَّكَ النَّاسُ» [[تقدم تخريجه.]] رواه ابن ماجه وغيره بأسانيدَ حَسَنَةٍ، قال ابن الفاكهانيِّ: قال القاضي أبو الوليد بن رشد: وأَمَّا الباعث على الزهد فخمسة أشياء:
أحدها: أنَّها فانية شاغلة للقلوب عن التفكر في أمر اللَّه تعالى.
والثاني: أَنَّها تنقص عند اللَّه/ درجات من ركن إليها.
والثالث: أَنَّ تركها قربة من اللَّه تعالى وعلُوُّ مرتبة عنده في درجات الآخرة.
والرابع: طول الحبس والوقوف في القيامة للحساب والسؤال عن شكر النعيم.
والخامس: رضوان اللَّه تعالى والأمن من سخطه، وهو أكبرها قال الله عز وجل:
وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التوبة: 72] قال ابن الفاكهاني: ولو لم يكن في الزهد في الدنيا إلاَّ هذه الخصلة التي هي رضوانُ اللَّه تعالى- لكان ذلك كافياً-، فنعوذ باللَّه من إيثار الدنيا على ذلك، وقد قيل: من سُمِّيَ باسم الزهد فقد سُمِّيَ بألف اسم ممدوح، هذا مع ما للزاهدين من راحة القلب والبدن في الدنيا والآخرة، فالزُّهَّادُ هم الملوك في الحقيقة، وهم العقلاء لإيثارهم الباقي على الفاني، وقد قال الشافعية: لو أوصى لأعْقَل الناس صُرِفَ إلى الزهاد، انتهى من «شرح الأربعين حديثاً» ، ولفظ أبي الحسن الماوردِيِّ: وقد قيل: العاقل مَنْ عقل من اللَّه أمره ونهيه حتَّى قال أصحاب الشافعيِّ فيمن أوصى بثلث ماله: لأَعْقَلِ الناس أَنَّه يكون مصروفاً للزُّهَّادِ لأنهم انقادوا للعقل، ولم يغتروا بالأمل، انتهى، والأَسْر الخلقة واتساق الأعضاء والمفاصل، وعبارة البخاريِّ: أَسْرَهُمْ: شِدَّةُ الخلق، وكل شيء شددته من قتب أو غبيط فهو مأسور، والغبيط شيء يركبه النساء شبه المحفة، انتهى قال ع [[ينظر: «المحرر الوجيز» (5/ 415) .]] : ومن اللفظة: الإسارُ، وهو القيد الذي يُشَدُّ به الأسير، ثم تَوَعَّدَهُم سبحانه بالتبديل، وفي الوعيد بالتبديل احتجاج على مُنْكِرِي البعث، أي: مَنْ هذه قدرته في الإيجاد والتبديل فكيف تتعذر عليه الإعادة؟!.
وقال الثعلبيُّ: بَدَّلْنا أَمْثالَهُمْ تَبْدِيلًا قال ابن عباس: يقول: أهلكناهم، / وجئنا بأطوعَ للَّهِ منهم، انتهى [[ذكره القرطبي (19/ 99) .]] .
76:29–31Page 580
إِنَّ هَٰذِهِۦ تَذۡكِرَةٞۖ فَمَن شَآءَ ٱتَّخَذَ إِلَىٰ رَبِّهِۦ سَبِيلٗا ٢٩
Indeed, this is a reminder, so he who wills may take to his Lord a way.
وَمَا تَشَآءُونَ إِلَّآ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُۚ إِنَّ ٱللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمٗا ٣٠
And you do not will except that Allāh wills. Indeed, Allāh is ever Knowing and Wise.
يُدۡخِلُ مَن يَشَآءُ فِي رَحۡمَتِهِۦۚ وَٱلظَّٰلِمِينَ أَعَدَّ لَهُمۡ عَذَابًا أَلِيمَۢا ٣١
He admits whom He wills into His mercy; but the wrongdoers - He has prepared for them a painful punishment.
وقوله تعالى: إِنَّ هذِهِ تَذْكِرَةٌ القول فيها كالتي في سورة المزمل.
وقوله سبحانه: فَمَنْ شاءَ اتَّخَذَ إِلى رَبِّهِ سَبِيلًا كلام واضح لا يفتقر إلى تفسير، جعلنا اللَّه ممن اهتدى بأنواره، وعَمَّتْ عليه بركتُه في أفعاله وأقواله قال الباجِيُّ: قال بعض أهل داود الطائيِّ: قلت له يوماً: إنَّك قد عرفت فأوصني، قال: فَدَمِعَتْ عيناه ثم قال: يا أخي، إنَّما الليلُ والنهار مراحلُ يرحلُها الناس مرحلةً مرحلةً، حَتَّى تنتهي بهم إِلى آخر سفرهم، فإنِ استطعت أَنْ تُقَدَّمَ من أَوَّلِ مرحلة زاداً لما بين يديك فافعل فإنَّ انقطاع السفر قريب، والأمر أعجل من ذلك فتزوَّدْ لسفرك، واقْضِ ما أنت قاضٍ من أمرك، فكأَنَّ بالأمر قد بَغَتَكَ، ثم قام وتركني، انتهى من «سنن الصالحين» .
وقوله تعالى: وَما تَشاؤُنَ إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ: نفي لقدرتهم على الاختراع وإيجاد المعاني في نفوسهم، ولا يَرُدُّ هذا وجود مالهم من الاكتساب، وقرأ عبد اللَّه [[ينظر: «الشواذ» ص: (167) ، و «الكشاف» (4/ 676) ، و «المحرر الوجيز» (5/ 415) ، و «البحر المحيط» (8/ 393) .]] : «وَمَا تَشَاءُونَ إلاَّ مَا شَاءَ اللَّهُ» .
وقوله تعالى: عَلِيماً حَكِيماً معناه: يعلم ما ينبغي أَنْ ييسر عبدَه إليه، وفي ذلك حكمة لا يعلمها إلّا هو سبحانه.
Text: Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api (MIT), at a fixed version. The ayahs: Quran Foundation. Sources and licences