Yunus 10:63
Jonah · Juz 11 · Page 216
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣
Those who believed and were fearing Allāh.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 10:61–63
(p-٤٩٦)قوله عزّ وجلّ:
﴿وَما تَكُونُ في شَأْنٍ وما تَتْلُو مِنهُ مِن قُرْآنٍ ولا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا إذْ تُفِيضُونَ فِيهِ وما يَعْزُبُ عن رَبِّكَ مِن مِثْقالِ ذَرَّةٍ في الأرْضِ ولا في السَماءِ ولا أصْغَرَ مِن ذَلِكَ ولا أكْبَرَ إلا في كِتابٍ مُبِينٍ﴾ ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وكانُوا يَتَّقُونَ﴾
قَصْدُ الآيَةِ وصْفُ إحاطَةِ اللهِ بِكُلِّ شَيْءٍ، ومَعْنى اللَفْظِ: وما تَكُونُ يا مُحَمَّدُ -والمُرادُ هو وغَيْرُهُ- في شَأْنٍ مِن جَمِيعِ الشُؤُونِ، ﴿وَما تَتْلُو مِنهُ﴾ الضَمِيرُ عائِدٌ عَلى "شَأْنٍ" أيْ فِيهِ وبِسَبَبِهِ مِن قُرْآنٍ، ويُحْتَمَلُ أنْ يَعُودَ الضَمِيرُ عَلى جَمِيعِ القُرْآنِ، ثُمَّ عَمَّ بِقَوْلِهِ: ﴿وَلا تَعْمَلُونَ مِن عَمَلٍ﴾، وفي قَوْلِهِ: ﴿إلا كُنّا عَلَيْكم شُهُودًا﴾ تَحْذِيرٌ وتَنْبِيهٌ، و﴿تُفِيضُونَ﴾: تَأْخُذُونَ وتَنْهَضُونَ بِجِدٍّ، يُقالُ: أفاضَ الرَجُلُ في سَيْرِهِ وفي حَدِيثِهِ، ومِنهُ الإفاضَةُ في الحَجِّ، ومُفِيضُ القِداحِ، ويُحْتَمَلُ أنَّ "فاضَ" عُدِّيَ بِالهَمْزَةِ.
و"يَعْزُبُ" مَعْناهُ: يَغِيبُ حَتّى يَخْفى، حَتّى قالُوا لِلْبَعِيدِ: عازِبٌ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ عَوازِبُ لَمْ تَسْمَعْ نُبُوحَ مُقامَةٍ ∗∗∗ ولَمْ تَرَ نارًا تِمَّ حَوْلٍ مُجَرَّمِ
وقِيلَ لِلْغائِبِ عن أهْلِهِ: عازِبٌ، حَتّى قالُوهُ لِمَن لا زَوْجَةَ لَهُ، وفي السِيَرِ أنَّ بَيْتَ سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ كانَ يُقالُ لَهُ: بَيْتُ العُزّابِ، وقَرَأ جُمْهُورُ السَبْعَةِ، والناسُ: "يَعْزُبُ" بِضَمِّ الزايِ، وقَرَأ الكِسائِيُّ وحْدَهُ مِنهُمْ: "يَعْزِبُ" بِكَسْرِها، وهي قِراءَةُ ابْنِ وثّابٍ، والأعْمَشُ، وطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ، قالَ أبُو حاتِمٍ: القِراءَةُ بِالضَمِّ والكَسْرِ لُغَةٌ. والمِثْقالُ: الوَزْنُ، وهو اسْمٌ لا صِفَةٌ كَمِعْطارٍ ومِضْرابٍ، والذَرُّ: صِغارُ النَمْلِ، جَعَلَها اللهُ مِثالًا إذْ لا يُعْرَفُ في الحَيَوانِ المُتَغَذِّي المُتَناسِلِ المَشْهُورِ النَوْعِ والمَوْضِعِ أصْغَرُ مِنهُ. وقَرَأ (p-٤٩٧)جُمْهُورُ الناسِ، وأكْثَرُ السَبْعَةِ: "وَلا أصْغَرَ" "وَلا أكْبَرَ" بِفَتْحِ الراءِ عَطْفًا عَلى "ذَرَّةٍ" في مَوْضِعِ خَفْضٍ لَكِنْ مَنَعَ مِن ظُهُورِهِ امْتِناعُ الصَرْفِ، وقَرَأ حَمْزَةُ وحْدَهُ: "وَلا أصْغَرُ" "وَلا أكْبَرُ" عَطْفًا عَلى مَوْضِعِ قَوْلِهِ: "مِثْقالِ"، لِأنَّ التَقْدِيرَ: وما يَعْزُبُ عن رَبِّكِ مِثْقالُ ذَرَّةٍ، والكِتابُ المُبِينُ: اللَوْحُ المَحْفُوظُ، كَذا قالَ بَعْضُ المُفَسِّرِينَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ تَحْصِيلَ الكَتَبَةِ، ويَكُونُ القَصْدُ ذِكْرَ الأعْمالِ المَذْكُورَةِ قَبْلُ، وتَقْدِيمُ الأصْغَرِ في التَرْتِيبِ جَرى عَلى قَوْلِهِمُ:القَمَرَيْنِ والعُمَرَيْنِ، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لا يُغادِرُ صَغِيرَةً ولا كَبِيرَةً﴾ [الكهف: ٤٩]، والقَصْدُ بِذَلِكَ كُلِّهِ تَنْبِيهُ الأقَلِّ، وأنَّ الحُكْمَ المَقْصُودَ إذا وقَعَ عَلى الأقَلِّ فَأحْرى أنْ يَقَعَ عَلى الأعْظَمِ.
و"ألا" اسْتِفْتاحٌ وتَنْبِيهٌ، وأولِياءُ اللهِ هُمُ المُؤْمِنُونَ الَّذِينَ والَوْهُ بِالطاعَةِ والعِبادَةِ، وهَذِهِ الآيَةُ يُعْطِي ظاهِرُها أنَّ مَن آمَنَ واتَّقى فَهو داخِلٌ في أولِياءِ اللهِ، وهَذا هو الَّذِي تَقْتَضِيهِ الشَرِيعَةُ في الوَلِيِّ، وإنَّما نَبَّهْنا هَذا التَنْبِيهَ حَذَرًا مِن بَعْضِ الوَصْفِيَّةِ وبَعْضِ المُلْحِدِينَ في الوَلِيِّ، ورُوِيَ «عَنِ النَبِيِّ ﷺ أنَّهُ سُئِلَ: عن أولِياءِ اللهِ؟ فَقالَ: "الَّذِينَ إذا رَأيْتَهم ذَكَرْتَ اللهَ".»
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذا وصْفٌ لازِمٌ لِلْمُتَّقِينَ لِأنَّهم يَخْشَعُونَ ويُخْشِعُونَ، ورُوِيَ عَنِ النَبِيِّ ﷺ أيْضًا أنَّهُ قالَ:« "أولِياءُ اللهِ قَوْمٌ تَحابُّوا في اللهِ واجْتَمَعُوا في ذاتِهِ، لَمْ تَجْمَعْهم قَرابَةٌ ولا مالٌ يَتَعاطَوْنَهُ".» وقَوْلُهُ: ﴿لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾ يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ في الآخِرَةِ، أيْ: لا يَهْتَمُّونَ بِهَمِّها، ولا يَخافُونَ عَذابًا ولا عِقابًا ولا يَحْزَنُونَ لِذَلِكَ، ويُحْتَمَلُ أنْ (p-٤٩٨)يَكُونُ ذَلِكَ في الدُنْيا، أيْ: لا يَخافُونَ أحَدًا مِن أهْلِ الدُنْيا ولا مِن أعْراضِها، ولا يَحْزَنُونَ عَلى ما فاتَهم مِنها، والأوَّلُ أظْهَرُ، والعُمُومُ في ذَلِكَ صَحِيحٌ، لا يَخافُونَ في الآخِرَةِ جُمْلَةً، ولا في الدُنْيا الخَوْفَ الدُنْيَوِيَّ الَّذِي هو في فَوْتِ آمالِها، وزَوالِ مَنازِلِها، وكَذَلِكَ في الحُزْنِ، وذَكَرَ الطَبَرِيُّ عن جَماعَةٍ مِنَ العُلَماءِ مِثْلَ ما في الحَدِيثِ مِنَ الأولِياءِ الَّذِينَ إذا رَآهم أحَدٌ ذَكَرَ اللهَ، ورُوِيَ فِيهِمْ حَدِيثٌ: « "إنَّ أولِياءَ اللهِ هم قَوْمٌ يَتَحابُّونَ في اللهِ، وتُجْعَلُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ مَنابِرُ مِن نُورٍ، وتُنِيرُ وُجُوهُهُمْ، فَهم في عَرْصَةِ القِيامَةِ لا يَخافُونَ ولا يَحْزَنُونَ"». ورُوِيَ «عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قالَ: "إنَّ مِن عِبادِ اللهِ عِبادًا ما هم بِأنْبِياءَ ولا شُهَداءَ، يَغْبِطُهُمُ الأنْبِياءُ والشُهَداءُ بِمَكانِهِمْ مِنَ اللهِ، قالُوا: ومَن هم يا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: "قَوْمٌ تَحابُّوا بِرُوحِ اللهِ عَلى غَيْرِ أرْحامٍ ولا أمْوالٍ" الحَدِيثُ، ثُمَّ قَرَأ: ﴿ألا إنَّ أولِياءَ اللهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ ولا هم يَحْزَنُونَ﴾».
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ يَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلى البَدَلِ مِنَ "الأولِياءِ". ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى الِابْتِداءِ عَلى تَقْدِيرِ: "هُمُ الَّذِينَ"، وكَثِيرًا ما يُفْعَلُ ذَلِكَ بِنَعْتِ ما عَمِلَتْ فِيهِ "إنَّ" إذا جاءَ بَعْدَ خَبَرِها، ويَصِحُّ أنْ يَكُونَ "الَّذِينَ" ابْتِداءً وخَبَرُهُ في قَوْلِهِ: ( هُمُ البُشْرى )، وقَوْلُهُ: ﴿وَكانُوا يَتَّقُونَ﴾ لَفْظٌ عامٌّ في تَقْوى الشِرْكِ والمَعاصِي.
Page 216
10:62
أَلَآ إِنَّ أَوۡلِيَآءَ ٱللَّهِ لَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ يَحۡزَنُونَ ٦٢
Unquestionably, [for] the allies of Allāh there will be no fear concerning them, nor will they grieve -
10:63
ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ ٦٣
Those who believed and were fearing Allāh.
10:64
لَهُمُ ٱلۡبُشۡرَىٰ فِي ٱلۡحَيَوٰةِ ٱلدُّنۡيَا وَفِي ٱلۡأٓخِرَةِۚ لَا تَبۡدِيلَ لِكَلِمَٰتِ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ هُوَ ٱلۡفَوۡزُ ٱلۡعَظِيمُ ٦٤
For them are good tidings in the worldly life and in the Hereafter. No change is there in the words [i.e., decrees] of Allāh. That is what is the great attainment.
10:65
وَلَا يَحۡزُنكَ قَوۡلُهُمۡۘ إِنَّ ٱلۡعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًاۚ هُوَ ٱلسَّمِيعُ ٱلۡعَلِيمُ ٦٥
And let not their speech grieve you. Indeed, honor [due to power] belongs to Allāh entirely. He is the Hearing, the Knowing.
10:66
أَلَآ إِنَّ لِلَّهِ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلۡأَرۡضِۗ وَمَا يَتَّبِعُ ٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ شُرَكَآءَۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا ٱلظَّنَّ وَإِنۡ هُمۡ إِلَّا يَخۡرُصُونَ ٦٦
Unquestionably, to Allāh belongs whoever is in the heavens and whoever is on the earth. And those who invoke other than Allāh do not [actually] follow [His] "partners." They follow not except assumption, and they are not but misjudging.
10:67
هُوَ ٱلَّذِي جَعَلَ لَكُمُ ٱلَّيۡلَ لِتَسۡكُنُواْ فِيهِ وَٱلنَّهَارَ مُبۡصِرًاۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يَسۡمَعُونَ ٦٧
It is He who made for you the night to rest therein and the day, giving sight.1 Indeed in that are signs for a people who listen.
1 translator’s note
- i.e., making things visible. ↩
10:68
قَالُواْ ٱتَّخَذَ ٱللَّهُ وَلَدٗاۗ سُبۡحَٰنَهُۥۖ هُوَ ٱلۡغَنِيُّۖ لَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِۚ إِنۡ عِندَكُم مِّن سُلۡطَٰنِۭ بِهَٰذَآۚ أَتَقُولُونَ عَلَى ٱللَّهِ مَا لَا تَعۡلَمُونَ ٦٨
They1 have said, "Allāh has taken a son." Exalted is He; He is the [one] Free of need. To Him belongs whatever is in the heavens and whatever is in the earth. You have no authority2 for this [claim]. Do you say about Allāh that which you do not know?
10:69
قُلۡ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ٦٩
Say, "Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed."
10:70
مَتَٰعٞ فِي ٱلدُّنۡيَا ثُمَّ إِلَيۡنَا مَرۡجِعُهُمۡ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ ٱلۡعَذَابَ ٱلشَّدِيدَ بِمَا كَانُواْ يَكۡفُرُونَ ٧٠
[For them is brief] enjoyment in this world; then to Us is their return; then We will make them taste the severe punishment because they used to disbelieve.