Hud 11:101
Hud · Juz 12 · Page 233
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 11:100–101
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ لَمّا جاءَ أمْرُ رَبِّكَ وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ .
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا ذَكَرَ قَصَصَ الأوَّلِينَ قالَ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ والفائِدَةُ في ذِكْرِها أُمُورٌ:
أوَّلُها: أنَّ الِانْتِفاعَ بِالدَّلِيلِ العَقْلِيِّ المَحْضِ إنَّما يَحْصُلُ لِلْإنْسانِ الكامِلِ، وذَلِكَ إنَّما يَكُونُ في غايَةِ النُّدْرَةِ، فَأمّا إذا ذَكَرْتَ الدَّلائِلَ ثُمَّ أكَّدْتَ بِأقاصِيصِ الأوَّلِينَ - صارَ ذِكْرُ هَذِهِ الأقاصِيصِ كالمُوَصِّلِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ العَقْلِيَّةِ إلى العُقُولِ.
الوَجْهُ الثّانِي: أنَّهُ تَعالى خَلَطَ بِهَذِهِ الأقاصِيصِ أنْواعَ الدَّلائِلِ الَّتِي كانَ الأنْبِياءُ - عَلَيْهِمُ السَّلامُ - يَتَمَسَّكُونَ بِها، ويَذْكُرُ مُدافَعاتِ الكُفّارِ لِتِلْكَ الدَّلائِلِ وشُبُهاتِهِمْ في دَفْعِها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَهُما أجْوِبَةَ الأنْبِياءِ عَنْها، ثُمَّ يَذْكُرُ عَقِيبَها أنَّهم لَمّا أصَرُّوا واسْتَكْبَرُوا وقَعُوا في عَذابِ الدُّنْيا، وبَقِيَ عَلَيْهِمُ اللَّعْنُ والعِقابُ في الدُّنْيا وفي الآخِرَةِ، فَكانَ ذِكْرُ هَذِهِ القَصَصِ سَبَبًا لِإيصالِ الدَّلائِلِ والجَواباتِ عَنِ الشُّبَهاتِ إلى قُلُوبِ المُنْكِرِينَ، وسَبَبًا لِإزالَةِ القَسْوَةِ والغِلْظَةِ عَنْ قُلُوبِهِمْ، فَثَبَتَ أنَّ أحْسَنَ الطُّرُقِ في الدَّعْوَةِ إلى اللَّهِ تَعالى ما ذَكَرْناهُ.
الفائِدَةُ الثّالِثَةُ: أنَّهُ - عَلَيْهِ السَّلامُ - كانَ يَذْكُرُ هَذِهِ القَصَصَ مِن غَيْرِ مُطالَعَةِ كُتُبٍ، ولا تَلْمَذَ لِأحَدٍ، وذَلِكَ مُعْجِزَةٌ عَظِيمَةٌ تَدُلُّ عَلى النُّبُوَّةِ كَما قَرَّرْناهُ.
الفائِدَةُ الرّابِعَةُ: أنَّ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ هَذِهِ القِصَصَ يَتَقَرَّرُ عِنْدَهم أنَّ عاقِبَةَ الصِّدِّيقِ والزِّنْدِيقِ والمُوافِقِ والمُنافِقِ إلى تَرْكِ الدُّنْيا والخُرُوجِ عَنْها، إلّا أنَّ المُؤْمِنَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ الثَّناءِ الجَمِيلِ في الدُّنْيا، والثَّوابِ الجَزِيلِ في الآخِرَةِ، والكافِرَ يَخْرُجُ مِنَ الدُّنْيا مَعَ اللَّعْنِ في الدُّنْيا والعِقابِ في الآخِرَةِ، فَإذا تَكَرَّرَتْ هَذِهِ الأقاصِيصُ عَلى السَّمْعِ، فَلا بُدَّ وأنْ يَلِينَ القَلْبُ، وتَخْضَعَ النَّفْسُ، وتَزُولَ العَداوَةُ، ويَحْصُلَ في القَلْبِ خَوْفٌ يَحْمِلُهُ عَلى النَّظَرِ والِاسْتِدْلالِ، فَهَذا كَلامٌ جَلِيلٌ في فَوائِدِ ذِكْرِ هَذِهِ القِصَصِ.
أمّا قَوْلُهُ: ﴿ذَلِكَ مِن أنْباءِ القُرى﴾ فَفِيهِ أبْحاثٌ:
البَحْثُ الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارَةٌ إلى الغائِبِ، والمُرادُ مِنهُ هَهُنا الإشارَةُ إلى هَذِهِ القِصَصِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ، وهي حاضِرَةٌ، إلّا أنَّ الجَوابَ عَنْهُ ما تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ: ﴿ذَلِكَ الكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ﴾ [البَقَرَةِ: ٢ ] .
البَحْثُ الثّانِي: أنَّ لَفْظَ ”ذَلِكَ“ يُشارُ بِهِ إلى الواحِدِ والِاثْنَيْنِ والجَماعَةِ؛ لِقَوْلِهِ تَعالى:
صفحة ٤٦
﴿لا فارِضٌ ولا بِكْرٌ عَوانٌ بَيْنَ ذَلِكَ﴾ [البَقَرَةِ: ٦٨ ] وأيْضًا يُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ المُرادُ ذَلِكَ الَّذِي ذَكَرْناهُ هو كَذا وكَذا.
البَحْثُ الثّالِثُ: قالَ صاحِبُ ”الكَشّافِ“: ﴿ذَلِكَ﴾ مُبْتَدَأٌ ﴿مِن أنْباءِ القُرى﴾ خَبَرٌ ﴿نَقُصُّهُ عَلَيْكَ﴾ خَبَرٌ بَعْدَ خَبَرٍ، أيْ ذَلِكَ المَذْكُورُ بَعْضُ أنْباءِ القُرى مَقْصُوصٌ عَلَيْكَ، ثُمَّ قالَ: ﴿مِنها قائِمٌ وحَصِيدٌ﴾ والضَّمِيرُ في قَوْلِهِ: ﴿مِنها﴾ يَعُودُ إلى القُرى، شَبَّهَ ما بَقِيَ مِن آثارِ القُرى وجُدْرانِها بِالزَّرْعِ القائِمِ عَلى ساقِهِ، وما عَفا مِنها وبَطِرَ بِالحَصِيدِ، والمَعْنى أنَّ تِلْكَ القُرى بَعْضُها بَقِيَ مِنهُ شَيْءٌ، وبَعْضُها هَلَكَ وما بَقِيَ مِنهُ أثَرٌ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وما ظَلَمْناهم ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهُمْ﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: وما ظَلَمْناهم بِالعَذابِ والإهْلاكِ، ولَكِنْ ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِالكُفْرِ والمَعْصِيَةِ.
الثّانِي: أنَّ الَّذِي نَزَلَ بِالقَوْمِ لَيْسَ بِظُلْمٍ مِنَ اللَّهِ، بَلْ هو عَدْلٌ وحِكْمَةٌ؛ لِأجْلِ أنَّ القَوْمَ أوَّلًا ظَلَمُوا أنْفُسَهم بِسَبَبِ إقْدامِهِمْ عَلى الكُفْرِ والمَعاصِي، فاسْتَوْجَبُوا لِأجْلِ تِلْكَ الأعْمالِ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ العَذابَ.
الثّالِثُ: قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: يُرِيدُ: وما نَقَصْناهم مِنَ النَّعِيمِ في الدُّنْيا والرِّزْقِ، ولَكِنْ نَقَصُوا حَظَّ أنْفُسِهِمْ حَيْثُ اسْتَخَفُّوا بِحُقُوقِ اللَّهِ تَعالى.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿فَما أغْنَتْ عَنْهم آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مِن شَيْءٍ﴾ أيْ ما نَفَعَتْهم تِلْكَ الآلِهَةُ في شَيْءٍ ألْبَتَّةَ.
* * *
ثُمَّ قالَ: ﴿وما زادُوهم غَيْرَ تَتْبِيبٍ﴾ قالَ ابْنُ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما -: غَيْرَ تَخْسِيرٍ، يُقالُ: تَبَّ، إذا خَسِرَ، وتَبَّبَهُ غَيْرُهُ إذا أوْقَعَهُ في الخُسْرانِ، والمَعْنى أنَّ الكُفّارَ كانُوا يَعْتَقِدُونَ في الأصْنامِ أنَّها تُعِينُ عَلى تَحْصِيلِ المَنافِعِ ودَفْعِ المَضارِّ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى أخْبَرَ أنَّهم عِنْدَ مَساسِ الحاجَةِ إلى المُعِينِ ما وجَدُوا مِنها شَيْئًا لا جَلْبَ نَفْعٍ ولا دَفْعَ ضُرٍّ، ثُمَّ كَما لَمْ يَجِدُوا ذَلِكَ فَقَدْ وجَدُوا ضِدَّهُ، وهو أنَّ ذَلِكَ الِاعْتِقادَ زالَ عَنْهم بِهِ مَنافِعُ الدُّنْيا والآخِرَةِ، وجَلَبَ إلَيْهِمْ مَضارَّ الدُّنْيا والآخِرَةِ، فَكانَ ذَلِكَ مِن أعْظَمِ مُوجِباتِ الخُسْرانِ.
Page 233
11:98
يَقۡدُمُ قَوۡمَهُۥ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ فَأَوۡرَدَهُمُ ٱلنَّارَۖ وَبِئۡسَ ٱلۡوِرۡدُ ٱلۡمَوۡرُودُ ٩٨
He will precede his people on the Day of Resurrection and lead them into the Fire; and wretched is the place to which they are led.
11:99
وَأُتۡبِعُواْ فِي هَٰذِهِۦ لَعۡنَةٗ وَيَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِۚ بِئۡسَ ٱلرِّفۡدُ ٱلۡمَرۡفُودُ ٩٩
And they were followed in this [world] with a curse and on the Day of Resurrection. And wretched is the gift1 which is given.
1 translator’s note
- i.e., the curse which follows them in both worlds. ↩
11:100
ذَٰلِكَ مِنۡ أَنۢبَآءِ ٱلۡقُرَىٰ نَقُصُّهُۥ عَلَيۡكَۖ مِنۡهَا قَآئِمٞ وَحَصِيدٞ ١٠٠
That is from the news of the cities, which We relate to you; of them, some are [still] standing and some are [as] a harvest [mowed down].1
1 translator’s note
- Their structures have been completely destroyed. ↩
11:101
وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن ظَلَمُوٓاْ أَنفُسَهُمۡۖ فَمَآ أَغۡنَتۡ عَنۡهُمۡ ءَالِهَتُهُمُ ٱلَّتِي يَدۡعُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖ لَّمَّا جَآءَ أَمۡرُ رَبِّكَۖ وَمَا زَادُوهُمۡ غَيۡرَ تَتۡبِيبٖ ١٠١
And We did not wrong them, but they wronged themselves. And they were not availed at all by their gods which they invoked other than Allāh when there came the command of your Lord. And they did not increase them in other than ruin.
11:102
وَكَذَٰلِكَ أَخۡذُ رَبِّكَ إِذَآ أَخَذَ ٱلۡقُرَىٰ وَهِيَ ظَٰلِمَةٌۚ إِنَّ أَخۡذَهُۥٓ أَلِيمٞ شَدِيدٌ ١٠٢
And thus is the seizure of your Lord when He seizes the cities while they are committing wrong. Indeed, His seizure is painful and severe.
11:103
إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَةٗ لِّمَنۡ خَافَ عَذَابَ ٱلۡأٓخِرَةِۚ ذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّجۡمُوعٞ لَّهُ ٱلنَّاسُ وَذَٰلِكَ يَوۡمٞ مَّشۡهُودٞ ١٠٣
Indeed in that is a sign for those who fear the punishment of the Hereafter. That is a Day for which the people will be collected, and that is a Day [which will be] witnessed.
11:104
وَمَا نُؤَخِّرُهُۥٓ إِلَّا لِأَجَلٖ مَّعۡدُودٖ ١٠٤
And We do not delay it except for a limited term.
11:105
يَوۡمَ يَأۡتِ لَا تَكَلَّمُ نَفۡسٌ إِلَّا بِإِذۡنِهِۦۚ فَمِنۡهُمۡ شَقِيّٞ وَسَعِيدٞ ١٠٥
The Day it comes no soul will speak except by His permission. And among them will be the wretched and the prosperous.
11:106
فَأَمَّا ٱلَّذِينَ شَقُواْ فَفِي ٱلنَّارِ لَهُمۡ فِيهَا زَفِيرٞ وَشَهِيقٌ ١٠٦
As for those who were [destined to be] wretched, they will be in the Fire. For them therein is [violent] exhaling and inhaling.1
1 translator’s note
- i.e., their sighs and sobs, resembling the bray of a donkey. ↩
11:107
خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۚ إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٞ لِّمَا يُرِيدُ ١٠٧
[They will be] abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will. Indeed, your Lord is an effecter of what He intends.
11:108
۞ وَأَمَّا ٱلَّذِينَ سُعِدُواْ فَفِي ٱلۡجَنَّةِ خَٰلِدِينَ فِيهَا مَا دَامَتِ ٱلسَّمَٰوَٰتُ وَٱلۡأَرۡضُ إِلَّا مَا شَآءَ رَبُّكَۖ عَطَآءً غَيۡرَ مَجۡذُوذٖ ١٠٨
And as for those who were [destined to be] prosperous, they will be in Paradise, abiding therein as long as the heavens and the earth endure, except what your Lord should will - a bestowal uninterrupted.