Hud 11:20
Hud · Juz 12 · Page 224
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
1 translator’s note
- They refused to listen to the truth or to perceive it. ↩
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 11:20
﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ اسْتِئْنافٌ بَيانِيٌّ ناشِئٌ عَنْ الِاقْتِصارِ في تَهْدِيدِهِمْ عَلى وصْفِ بَعْضِ عِقابِهِمْ في الآخِرَةِ فَإنَّ ذَلِكَ يُثِيرُ في نَفْسِ السّامِعِ أنْ يَسْألَ: هَلْ هم سالِمُونَ مِن عَذابِ الدُّنْيا. فَأُجِيبَ بِأنَّهم لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الدُّنْيا، أيْ لا يَخْرُجُونَ عَنْ مَقْدِرَةِ اللَّهِ عَلى تَعْذِيبِهِمْ في الدُّنْيا إذا اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعْجِيلَ عَذابِهِمْ.
صفحة ٣٥
وإعادَةُ الإشارَةِ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أُولَئِكَ بَعْدَ أنْ أُشِيرَ إلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلى رَبِّهِمْ﴾ [هود: ١٨] لِتَقْرِيرِ فائِدَةِ اسْمِ الإشارَةِ السّابِقِ. والمَعْنى: أنَّهم يَصِيرُونَ إلى حُكْمِ رَبِّهِمْ في الآخِرَةِ ولَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِيهِ أنْ يُعَذِّبَهم في الدُّنْيا مَتى شاءَ تَعْذِيبَهم ولَكِنَّهُ أرادَ إمْهالَهم.
والمُعْجِزُ هُنا الَّذِي أفْلَتَ مِمَّنْ يَرُومُ إضْرارَهُ. وتَقَدَّمَ بَيانُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إنَّ ما تُوعَدُونَ لَآتٍ وما أنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ [الأنعام: ١٣٤] في سُورَةِ الأنْعامِ.
والأرْضُ: الدُّنْيا. وفائِدَةُ ذِكْرِهِ أنَّهم لا مَلْجَأ لَهم مِنَ اللَّهِ لَوْ أرادَ الِانْتِقامَ مِنهم فَلا يَجِدُونَ مَوْضِعًا مِنَ الأرْضِ يَسْتَعْصِمُونَ بِهِ. فَهَذا نَفْيٌ لِلْمَلاجِئِ والمَعاقِلِ الَّتِي يَسْتَعْصِمُ فِيها الهارِبُ. وعِنْدِي أنَّ مُقارَنَةَ ”في الأرْضِ“ بِـ مُعْجِزِينَ جَرى مَجْرى المَثَلِ في القُرْآنِ كَما في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ومَن لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ في الأرْضِ﴾ [الأحقاف: ٣٢] ولَعَلَّهُ مِمّا جَرى كَذَلِكَ في كَلامِ العَرَبِ كَما يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُ إياسِ ابْنِ قُبَيْصَةَ الطّائِيِّ مِن شُعَراءِ الجاهِلِيَّةِ:
ألَمْ تَرَ أنَّ الأرْضَ رَحْبٌ فَسِيحَةٌ فَهَلْ تُعْجِزَنِّي بُقْعَةٌ مِن بِقاعِها
* * *
﴿وما كانَ لَهم مِن دُونِ اللَّهِ مِن أوْلِياءَ﴾يَجُوزُ أنْ يَكُونَ المُرادُ بِالأوَّلِ الأنْصارُ، أيْ ما لَهم ناصِرٌ يَنْصُرُهم مِن دُونِ اللَّهِ. فَجَمَعَ لَهم نَفْيَ سَبَبَيْ النَّجاةِ مِن عَذابِ القادِرِ وهُما المَكانُ الَّذِي لا يَصِلُ إلَيْهِ القادِرُ أوْ مُعارَضَةُ قادِرٍ آخَرَ إيّاهُ يَمْنَعُهُ مِن تَسْلِيطِ عِقابِهِ. ومِن دُونِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ أوْلِياءَ لِما في الوَلِيِّ هُنا مِن مَعانِي الحائِلِ والمُباعِدِ بِقَوْلِهِ: ﴿ومَن يَتَّخِذِ الشَّيْطانَ ولِيًّا مِن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرانًا مُبِينًا﴾ [النساء: ١١٩]
ويَجُوزُ أنْ يُرادَ بِالأوْلِياءِ الأصْنامُ الَّتِي تَوَلَّوْها، أيْ أخْلَصُوا لَها المَحَبَّةَ والعِبادَةَ.
صفحة ٣٦
ومَعْنى نَفْيِ الأوْلِياءِ عَنْهم بِهَذا المَعْنى نَفْيُ أثَرِ هَذا الوَصْفِ، أيْ لَمْ تَنْفَعْهم أصْنامُهم وآلِهَتُهم.
ومِن دُونِ اللَّهِ عَلى هَذا الوَجْهِ بِمَعْنى مِن غَيْرِ اللَّهِ، فَـ دُونِ اسْمٌ غَيْرُ ظَرْفٍ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ دُونِ زائِدَةٌ تُزادُ في الظُّرُوفِ غَيْرِ المُتَصَرِّفَةِ، ومِنَ الجارَّةُ لِـ أوْلِياءَ زائِدَةٌ لِاسْتِغْراقِ الجِنْسِ المَنفِيِّ، أيْ ما كانَ لَهم فَرْدٌ مِن أفْرادِ جِنْسِ الأوْلِياءِ.
والعَذابُ المُضاعَفُ هو عَذابُ الآخِرَةِ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ المُشْعِرِ بِتَأْخِيرِ العَذابِ عَنْهم في الدُّنْيا لا عَنْ عَجْزٍ.
* * *
﴿يُضاعَفُ لَهُمُ العَذابُ﴾
خَبَرٌ عَنِ اسْمِ الإشارَةِ. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ في الأرْضِ﴾ خَبَرًا أوَّلَ وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا ثانِيًا. ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ جُمْلَةُ ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ حالًا وجُمْلَةُ يُضاعَفُ خَبَرًا أوَّلَ.
* * *
﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾
يَجُوزُ أنْ يَكُونَ هَذا خَبَرًا عَنِ اسْمِ الإشارَةِ أوْ حالًا مِنهُ فَتَكُونُ اسْتِطاعَةُ السَّمْعِ المَنفِيَّةُ عَنْهم مُسْتَعارَةٌ لِكَراهِيَتِهِمْ سَماعَ القُرْآنِ وأقْوالَ النَّبِيءِ ﷺ كَما نُفِيَتْ الإطاقَةُ في قَوْلِ الأعْشى:
وهَلْ تُطِيقُ وداعًا أيُّها الرَّجُلُ
أرادَ بِنَفْيِ إطاقَةِ الوَداعَ عَنْ نَفْسِهِ أنَّهُ يَحْزَنُ لِذَلِكَ الحُزْنِ مِنَ الوَداعِ فَأشْبَهَ الشَّيْءَ غَيْرَ المُطاقِ وعَبَّرَ هُنا بِالِاسْتِطاعَةِ لِأنَّ النَّبِيءَ ﷺ كانَ
صفحة ٣٧
يَدْعُوهم إلى اسْتِماعِ القُرْآنِ فَيُعْرِضُونَ لِأنَّهم يَكْرَهُونَ أنْ يَسْمَعُوهُ. قالَ - تَعالى: ﴿ويْلٌ لِكُلِّ أفّاكٍ أثِيمٍ﴾ [الجاثية: ٧] ﴿يَسْمَعُ آياتِ اللَّهِ تُتْلى عَلَيْهِ ثُمَّ يُصِرُّ مُسْتَكْبِرًا كَأنْ لَمْ يَسْمَعْها﴾ [الجاثية: ٨] وقالَ ﴿وقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَسْمَعُوا لِهَذا القُرْآنِ والغَوْا فِيهِ لَعَلَّكم تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت: ٢٦] لِأنَّهم لَوْ سَمِعُوا ووَعَوْا لاهْتَدَوْا لَأنَّ الكَلامَ المَسْمُوعَ مُشْتَمِلٌ عَلى تَرْكِيبِ الأدِلَّةِ ونَتائِجِها فَسَماعُهُ كافٍ في حُصُولِ الِاهْتِداءِ.
والإبْصارُ المَنفَيُّ هو النَّظَرُ في المَصْنُوعاتِ الدّالَّةِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ، أيْ ما كانُوا يُوَجِّهُونَ أنْظارَهم إلى المَصْنُوعاتِ تَوْجِيهَ تَأمُّلٍ واعْتِبارٍ بَلْ يَنْظُرُونَ إلَيْها نَظَرَ الغافِلِ عَمّا فِيها مِنَ الدَّقائِقِ، ولِذَلِكَ لَمْ يَقُلْ هُنا: وما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ أنْ يُبْصِرُوا؛ لِأنَّهم كانُوا يُبْصِرُونَها ولَكِنَّ مُجَرَّدَ الإبْصارِ غَيْرُ كافٍ في حُصُولِ الِاسْتِدْلالِ حَتّى يُضَمَّ إلَيْهِ عَمَلُ الفِكْرِ بِخِلافِ السَّمْعِ في قَوْلِهِ: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ﴾
ويَجُوزُ أنْ تَكُونَ الجُمْلَةُ حالًا لِـ أوْلِياءَ، وسَوَّغَ كَوْنَها حالًا مِنَ النَّكِرَةِ أنَّ النَّكِرَةَ وقَعَتْ في سِياقِ النَّفْيِ. والمَعْنى: أنَّهم جَعَلُوها آلِهَةً لَهم في حالِ أنَّها لا تَسْتَطِيعُ السَّمْعَ ولا الإبْصارَ.
وإعادَةُ ضَمِيرِ جَمْعِ العُقَلاءِ عَلى الأصْنامِ عَلى هَذا الوَجْهِ مَنظُورٌ فِيهِ إلى أنَّ المُشْرِكِينَ اعْتَقَدُوها تَعْقِلُ، فَفي هَذا الإضْمارِ مَعَ نَفْيِ السَّمْعِ والبَصَرِ عَنْها ضَرْبٌ مِنَ التَّهَكُّمِ بِهِمْ.
والإتْيانُ بِأفْعالِ الكَوْنِ في هَذِهِ الجُمَلِ أرْبَعَ مَرّاتٍ ابْتِداءً مِن قَوْلِهِ: ﴿أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ إلى قَوْلِهِ: ﴿وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾ لِإفادَةِ ما يَدُلُّ عَلَيْهِ فِعْلُ الكَوْنِ مِن تَمَكُّنِ الحَدَثِ المُخْبَرِ بِهِ فَقَوْلُهُ: ﴿لَمْ يَكُونُوا مُعْجِزِينَ﴾ آكُدُ مِن: لا يُعْجِزُونَ وكَذَلِكَ أخَواتُهُ.
والِاخْتِلافُ بَيْنَ صِيَغِ أفْعالِ الكَوْنِ إذْ جاءَ أوَّلُها بِصِيغَةِ المُضارِعِ والثَّلاثَةُ بَعْدَهُ بِصِيغَةِ الماضِي لِأنَّ المُضارِعَ المَجْزُومَ بِحَرْفِ (لَمْ) لَهُ مَعْنى المُضِيِّ فَلَيْسَ المُخالَفَةُ مِنها إلّا تَفَنُّنًا.
Page 224
11:20
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
1 translator’s note
- They refused to listen to the truth or to perceive it. ↩
11:21
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
11:22
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢
Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.
11:23
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣
Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.
11:24
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
11:25
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥
And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
11:26
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."
11:27
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."
1 translator’s note
- i.e., without any thought or hesitation. ↩
11:28
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?