Hud 11:24
Hud · Juz 12 · Page 224
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
Tafsir · in Arabic
Abu as-Su'ud
Detailed
Change
Commentary on 11:24
﴿مَثَلُ الفَرِيقَيْنِ﴾ المَذْكُورَيْنِ، أيْ: حالُهُما العَجِيبُ؛ لِأنَّ المَثَلُ لا يُطْلَقُ إلّا عَلى ما فِيهِ غَرابَةٌ مِنَ الأحْوالِ والصِّفاتِ ﴿كالأعْمى والأصَمِّ والبَصِيرِ والسَّمِيعِ﴾ أيْ: كَحالِ هَؤُلاءِ، فَيَكُونُ ذَواتُهم كَذَواتِهِمْ، والكَلامُ وإنْ أمْكَنَ أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِالأعْمى وبِالأصَمِّ وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِالبَصِيرِ وبِالسَّمِيعِ - لَكِنَّ الأدْخَلَ في المُبالَغَةِ والأقْرَبَ إلى ما يُشِيرُ إلَيْهِ لَفْظُ المَثَلِ والأنْسَبَ بِما سَبَقَ مِن وصْفِ الكَفَرَةِ بِعَدَمِ اسْتِطاعَةِ السَّمْعِ وبِعَدَمِ الإبْصارِ - أنْ يُحْمَلَ عَلى تَشْبِيهِ الفَرِيقِ الأوَّلِ بِمَن جَمَعَ بَيْنَ العَمى والصَّمَمِ، وتَشْبِيهِ الفَرِيقِ الثّانِي بِمَن جَمَعَ بَيْنَ البَصَرِ والسَّمْعِ، عَلى أنْ تَكُونَ الواوُ في قَوْلِهِ تَعالى: "والأصَمِّ" وفي قَوْلِهِ: "والسَّمِيعِ" لِعَطْفِ الصِّفَةِ عَلى الصِّفَةِ، كَما في قَوْلِ مَن قالَ:
؎ إلى المَلِكِ القَرْمِ وابْنِ الهُمامِ ولَيْثِ الكَتِيبَةِ في المُزْدَحَمْ
وَأيًّا ما كانَ فالظّاهِرُ أنَّ المُرادَ بِالحالِ المَدْلُولِ عَلَيْها بِلَفْظِ المَثَلِ - وهي الَّتِي يَدُورُ عَلَيْها أمْرُ التَّشْبِيهِ - ما يُلائِمُ الأحْوالَ المَذْكُورَةَ المُعْتَبَرَةَ في جانِبِ المُشَبَّهِ بِهِ مِن تَعامِي الفَرِيقِ الأوَّلِ عَنْ مُشاهَدَةِ آياتِ اللَّهِ المَنصُوبَةِ في العالَمِ، والنَّظَرِ إلَيْها بِعَيْنِ الِاعْتِبارِ، وتَصامِّهِمْ عَنِ اسْتِماعِ آياتِ القرآن الكَرِيمِ وتَلَقِّيها بِالقَبُولِ، حَسْبَما ذُكِرَ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ما كانُوا يَسْتَطِيعُونَ السَّمْعَ وما كانُوا يُبْصِرُونَ﴾، وإنَّما لَمْ يُراعَ هَذا التَّرْتِيبُ هَهُنا لِكَوْنِ الأعْمى أظْهَرَ وأشْهَرَ في سُوءِ الحالِ مِنَ الأصَمِّ، ومِنِ اسْتِعْمالِ الفَرِيقِ الثّانِي لِكُلٍّ مِن أبْصارِهِمْ وأسْماعِهِمْ، فِيما ذُكِرَ كَما يَنْبَغِي، المَدْلُولِ عَلَيْهِ بِما سَبَقَ مِنَ الإيمانِ والعَمَلِ الصّالِحِ والإخْباتِ، حَسْبَما فُسِّرَ بِهِ فِيما مَرَّ، فَلا يَكُونُ التَّشْبِيهُ تَمْثِيلِيًّا لِجَمِيعِ الأحْوالِ المَعْدُودَةِ لِكُلٍّ مِنَ الفَرِيقَيْنِ مِمّا ذُكِرَ، وما يُؤَدِّي إلَيْهِ مِنَ العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ البالِغِ في أحَدِهِما، ومِنَ النَّعِيمِ المُقِيمِ في الآخَرِ، فَإنَّ اعْتِبارَ ذَلِكَ يَنْزِعُ إلى كَوْنِ التَّشْبِيهِ تَمْثِيلِيًّا، بِأنْ يُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الأوَّلِ في تَصامِّهِمْ وتَعامِيهِمُ المَذْكُورَيْنِ ووُقُوعِهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ في العَذابِ المُضاعَفِ والخُسْرانِ الَّذِي لا خُسْرانَ فَوْقَهُ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ فَقَدَ مَشْعَرَيِ البَصَرِ والسَّمْعِ، فَتَخَبَّطَ في مَسْلَكِهِ فَوَقَعَ في مَهاوِي الرَّدى، ولَمْ يَجِدْ إلى مَقْصِدِهِ سَبِيلًا، ويُنْتَزَعَ مِن حالِ الفَرِيقِ الثّانِي في اسْتِعْمالِ مَشاعِرِهِمْ في آياتِ اللَّهِ تَعالى - حَسْبَما يَنْبَغِي - وفَوْزِهِمْ بِدارِ الخُلُودِ هَيْئَةٌ فَتُشَبَّهُ بِهَيْئَةٍ مُنْتَزَعَةٍ مِمَّنْ لَهُ بَصَرٌ وسَمْعٌ يَسْتَعْمِلُهُما في مُهِمّاتِهِ، فَيَهْتَدِي إلى سَبِيلِهِ ويَنالُ مَرامَهُ.
﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ يَعْنِي الفَرِيقَيْنِ المَذْكُورَيْنِ، والِاسْتِفْهامُ إنْكارِيٌّ مُذَكِّرٌ لِما سَبَقَ مِن إنْكارِ المُماثَلَةِ في قَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ﴾ الآيَةَ (مَثَلًا) أيْ: حالًا وصِفَةً، وهو تَمْيِيزٌ مِن فاعِلِ (يَسْتَوِيانِ) ﴿أفَلا تَذَكَّرُونَ﴾ أيْ: أتَشُكُّونَ في عَدَمِ الِاسْتِواءِ وما بَيْنَهُما مِنَ التَّبايُنِ، أوْ أتَغْفُلُونَ عَنْهُ فَلا تَتَذَكَّرُونَهُ بِالتَّأمُّلِ فِيما ضُرِبَ (p-199)لَكم مِنَ المَثَلِ؟ فَيَكُونُ الإنْكارُ وارِدًا عَلى المَعْطُوفَيْنِ مَعًا، أوْ أتَسْمَعُونَ هَذا فَلا تَتَذَكَّرُونَ، فَيَكُونُ راجِعًا إلى عَدَمِ التَّذَكُّرِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ وُجُودَهُ وهو المَثَلُ المَضْرُوبُ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿ (أفَإنْ ماتَ أوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلى أعْقابِكُمْ)﴾ فَإنَّ الفاءَ هُناكَ لِإنْكارِ الِانْقِلابِ بَعْدَ تَحَقُّقِ ما يُوجِبُ عَدَمَهُ مِن عِلْمِهِمْ بِخُلُوِّ الرُّسُلِ قَبْلَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ أوْ أفَلا تَفْعَلُونَ التَّذَكُّرَ، أوْ أفَلا تَعْقِلُونَ، ومَعْنى الهَمْزَةِ إنْكارُ عَدَمِ التَّذَكُّرِ، واسْتِبْعادُ صُدُورِهِ عَنِ المُخاطَبِينَ، وأنَّهُ لَيْسَ مِمّا يَصْلُحُ أنْ يَقَعَ لا مِن قَبِيلِ الإنْكارِ في قَوْلِهِ تَعالى: ﴿أفَمَن كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِن رَبِّهِ﴾ وقَوْلِهِ تَعالى: ﴿هَلْ يَسْتَوِيانِ﴾ فَإنَّ ذَلِكَ لِنَفْيِ المُماثَلَةِ، ونَفْيِ الِاسْتِواءِ.
وَلَمّا بُيِّنَ مِن فاتِحَةِ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ إلى هَذا المَقامِ أنَّها كِتابٌ مُحْكَمُ الآياتِ، مُفَصَّلُها، نازِلٌ في شَأْنِ التَّوْحِيدِ وتَرْكِ عِبادَةِ غَيْرِ اللَّهِ سُبْحانَهُ، وأنَّ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ نَذِيرٌ وبَشِيرٌ مِن جِهَتِهِ تَعالى، وقُرِّرَ في تَضاعِيفِ ذَلِكَ ما لَهُ مَدْخَلٌ في تَحْقِيقِ هَذا المَرامِ مِنَ التَّرْغِيبِ والتَّرْهِيبِ وإلْزامِ المُعانِدِينَ بِما يُقارِنُهُ مِنَ الشَّواهِدِ الحَقَّةِ الدّالَّةِ عَلى كَوْنِهِ مِن عِنْدِ اللَّهِ تَعالى، وتَسْلِيَةِ الرَّسُولِ ﷺ مِمّا عَراهُ مِن ضِيقِ الصَّدْرِ العارِضِ لَهُ مِنِ اقْتِراحاتِهِمُ الشَّنِيعَةِ، وتَكْذِيبِهِمْ لَهُ، وتَسْمِيَتِهِمْ لِلْقُرْآنِ تارَةً سِحْرٌ وأُخْرى مُفْتَرًى، وتَثْبِيتِهِ ﷺ والمُؤْمِنِينَ عَلى التَّمَسُّكِ بِهِ والعَمَلِ بِمُوجَبِهِ عَلى أبْلَغِ وجْهٍ، وأبْدَعِ أُسْلُوبٍ - شُرِعَ في تَحْقِيقِ ما ذُكِرَ وتَقْرِيرِهِ بِذِكْرِ قَصَصِ الأنْبِياءِ - صَلَواتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ - المُشْتَمِلَةِ عَلى ما اشْتَمَلَ عَلَيْهِ فاتِحَةُ السُّورَةِ الكَرِيمَةِ؛ لِيَتَأكَّدَ ذَلِكَ بِطَرِيقَيْنِ:
أحَدُهُما: أنَّ ما أُمِرَ بِهِ مِنَ التَّوْحِيدِ وفُرُوعِهِ مِمّا أطْبَقَ عَلَيْهِ الأنْبِياءُ قاطِبَةً.
والثّانِي: أنَّ ذَلِكَ إنَّما عَلِمَهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِطَرِيقِ الوَحْيِ، فَلا يَبْقى في حَقِّيَّتِهِ كَلامٌ أصْلًا، ولِيَتَسَلّى بِما يُشاهِدُهُ مِن مُعاناةِ الرُّسُلِ قَبْلَهُ مِن أُمَمِهِمْ ومُقاساتِهِمُ الشَّدائِدَ مِن جِهَتِهِمْ، فَقِيلَ:
Page 224
11:20
أُوْلَٰٓئِكَ لَمۡ يَكُونُواْ مُعۡجِزِينَ فِي ٱلۡأَرۡضِ وَمَا كَانَ لَهُم مِّن دُونِ ٱللَّهِ مِنۡ أَوۡلِيَآءَۘ يُضَٰعَفُ لَهُمُ ٱلۡعَذَابُۚ مَا كَانُواْ يَسۡتَطِيعُونَ ٱلسَّمۡعَ وَمَا كَانُواْ يُبۡصِرُونَ ٢٠
Those were not causing failure [to Allāh] on earth, nor did they have besides Allāh any protectors. For them the punishment will be multiplied. They were not able to hear, nor did they see.1
1 translator’s note
- They refused to listen to the truth or to perceive it. ↩
11:21
أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ خَسِرُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ وَضَلَّ عَنۡهُم مَّا كَانُواْ يَفۡتَرُونَ ٢١
Those are the ones who will have lost themselves, and lost from them is what they used to invent.
11:22
لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡأَخۡسَرُونَ ٢٢
Assuredly, it is they in the Hereafter who will be the greatest losers.
11:23
إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ وَأَخۡبَتُوٓاْ إِلَىٰ رَبِّهِمۡ أُوْلَٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلۡجَنَّةِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ ٢٣
Indeed, they who have believed and done righteous deeds and humbled themselves to their Lord - those are the companions of Paradise; they will abide eternally therein.
11:24
۞ مَثَلُ ٱلۡفَرِيقَيۡنِ كَٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡأَصَمِّ وَٱلۡبَصِيرِ وَٱلسَّمِيعِۚ هَلۡ يَسۡتَوِيَانِ مَثَلًاۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٢٤
The example of the two parties is like the blind and deaf, and the seeing and hearing. Are they equal in comparison? Then, will you not remember?
11:25
وَلَقَدۡ أَرۡسَلۡنَا نُوحًا إِلَىٰ قَوۡمِهِۦٓ إِنِّي لَكُمۡ نَذِيرٞ مُّبِينٌ ٢٥
And We had certainly sent Noah to his people, [saying], "Indeed, I am to you a clear warner
11:26
أَن لَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّا ٱللَّهَۖ إِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٍ أَلِيمٖ ٢٦
That you not worship except Allāh. Indeed, I fear for you the punishment of a painful day."
11:27
فَقَالَ ٱلۡمَلَأُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِن قَوۡمِهِۦ مَا نَرَىٰكَ إِلَّا بَشَرٗا مِّثۡلَنَا وَمَا نَرَىٰكَ ٱتَّبَعَكَ إِلَّا ٱلَّذِينَ هُمۡ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ ٱلرَّأۡيِ وَمَا نَرَىٰ لَكُمۡ عَلَيۡنَا مِن فَضۡلِۭ بَلۡ نَظُنُّكُمۡ كَٰذِبِينَ ٢٧
So the eminent among those who disbelieved from his people said, "We do not see you but as a man like ourselves, and we do not see you followed except by those who are the lowest of us [and] at first suggestion.1 And we do not see in you over us any merit; rather, we think you are liars."
1 translator’s note
- i.e., without any thought or hesitation. ↩
11:28
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَءَاتَىٰنِي رَحۡمَةٗ مِّنۡ عِندِهِۦ فَعُمِّيَتۡ عَلَيۡكُمۡ أَنُلۡزِمُكُمُوهَا وَأَنتُمۡ لَهَا كَٰرِهُونَ ٢٨
He said, "O my people, have you considered: if I should be upon clear evidence from my Lord while He has given me mercy from Himself but it has been made unapparent to you, should we force it upon you while you are averse to it?