Hud 11:34
Hud · Juz 12 · Page 225
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤
And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 11:34
﴿ولا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكم هو رَبُّكم وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ .
عَطْفٌ عَلى وعْظِهِمْ بِحُلُولِ العَذابِ وتَوَقُّعِهِ بَيانَ حالِ مُجادَلَتِهِ إيّاهُمُ الَّتِي امْتَعَضُوا مِنها بِأنَّها مُجادَلَةٌ لِنَفْعِهِمْ وصَلاحِهِمْ، وفي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِتَحْمِيقِهِمْ وتَسْفِيهِ آرائِهِمْ حَيْثُ كَرِهُوا ما هو نَفْعٌ لَهم.
والنُّصْحُ: قَوْلٌ أوْ عَمَلٌ يُرِيدُ صاحِبُهُ صَلاحَ المَعْمُولِ لِأجْلِهِ. وأكْثَرُ ما يُطْلَقُ عَلى الأقْوالِ النّافِعَةِ المُنْقِذَةِ مِنَ الأضْرارِ. ويَكُونُ بِالعَمَلِ كَقَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في سُورَةِ التَّوْبَةِ. وفي الحَدِيثِ ”«الدِّينُ النَّصِيحَةُ لِلَّهِ ولِرَسُولِهِ» “ أيِ الإخْلاصُ في العَمَلِ لَهُما لِأنَّ اللَّهَ لا يُنَبَّأُ بِشَيْءٍ لا يَعْلَمُهُ. وقَدْ تَقَدَّمَ في قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿ونَصَحْتُ لَكم ولَكِنْ لا تُحِبُّونَ النّاصِحِينَ﴾ [الأعراف: ٧٩] في سُورَةِ الأعْرافِ. فالمُرادُ بِالنُّصْحِ هُنا هو ما سَمّاهُ قَوْمُهُ بِالجِدالِ، أيْ هو أوْلى بِأنْ يُسَمّى نُصْحًا لِأنَّ الجِدالَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ والشَّرِّ كَما تَقَدَّمَ.
صفحة ٦٢
وجُمْلَةُ الشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ هي المَقْصُودُ مِنَ الكَلامِ، فَجَوابُها في مَعْنى قَوْلِهِ: لا يَنْفَعُكم نُصْحِيَ، ولَكِنَّ نَظْمَ الكَلامِ بُنِيَ عَلى الإخْبارِ بِعَدَمِ نَفْعِ النُّصْحِ اهْتِمامًا بِذَلِكَ فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلى ما قَبْلَهُ وأُتِيَ بِالشَّرْطِ قَيْدًا لَهُ.
وأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ فَهو شَرْطٌ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ الشَّرْطِ وبَيْنَ دَلِيلِ جَوابِهِ لِأنَّهُ لَيْسَ هو المَقْصُودُ مِنَ التَّعْلِيقِ ولَكِنَّهُ تَعْلِيقٌ عَلى تَعْلِيقٍ، وغَيْرُ مَقْصُودٍ بِهِ التَّقْيِيدُ أصْلًا، فَلَيْسَ هَذا مِنَ الشَّرْطِ في الشُّرُوطِ المَفْرُوضَةِ في مَسائِلِ الفِقْهِ وأُصُولِهِ في نَحْوِ قَوْلِ القائِلِ: إنْ أكَلْتِ إنْ شَرِبْتِ فَأنْتِ طالِقٌ؛ لِأنَّها مَفْرُوضَةٌ في شَرْطٍ مُقَيِّدٍ لِشَرْطٍ آخَرَ. عَلى أنَّ المَقْصُودَ إذا اجْتَمَعَ فِعْلا الشَّرْطَيْنِ حَصَلَ مَضْمُونُ جَوابِهِما. ومَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشّاعِرِ:
إنْ تَسْتَغِيثُوا بِنا إنْ تُذْعَرُوا تَجِدُوا مِنّا مَعاقِلَ عِزٍّ زانَهَـا كَـرَمُ
فَأمّا قَوْلُهُ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكم إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ فَكُلٌّ مِنَ الشَّرْطَيْنِ مَقْصُودٌ التَّعْلِيقِ بِهِ. وقَدْ حُذِفَ جَوابُ أحَدِهِما لِدَلالَةِ جَوابِ الآخَرِ عَلَيْهِ.
والتَّعْلِيقُ بِالشَّرْطِ في قَوْلِهِ: ﴿إنْ أرَدْتُ أنْ أنْصَحَ لَكُمْ﴾ مُؤْذِنٌ بِعَزْمِهِ عَلى تَجْدِيدِ النُّصْحِ في المُسْتَقْبَلِ لِأنَّ واجِبَهُ هو البَلاغُ وإنْ كَرِهُوا ذَلِكَ.
وأشارَ بِقَوْلِهِ: ﴿إنْ كانَ اللَّهُ يُرِيدُ أنْ يُغْوِيَكُمْ﴾ إلى ما هم فِيهِ مِن كَراهِيَةِ دَعْوَةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - سَبَبُهُ خِذْلانُ اللَّهِ إيّاهم ولَوْلاهُ لَنَفَعَهم نُصْحُهُ، ولَكِنَّ نُوحًا - عَلَيْهِ السَّلامُ - لا يَعْلَمُ مُرادَ اللَّهِ مِن إغْوائِهِمْ ولا مَدى اسْتِمْرارِ غَوايَتِهِمْ فَلِذَلِكَ كانَ عَلَيْهِ أنْ يَنْصَحَ لَهم إلى نِهايَةِ الأمْرِ.
وتَقَدَّمَ الكَلامُ عَلى دُخُولِ اللّامِ عَلى مَفْعُولِ نَصَحَ عِنْدَ قَوْلِهِ - تَعالى: ﴿إذا نَصَحُوا لِلَّهِ ورَسُولِهِ﴾ [التوبة: ٩١] في بَراءَةَ.
صفحة ٦٣
والإغْواءُ: جَعْلُ الشَّخْصِ ذا غِوايَةٍ، وهي الضَّلالُ عَنِ الحَقِّ والرُّشْدِ.
وجُمْلَةُ ﴿هُوَ رَبُّكُمْ﴾ ابْتِدائِيَّةٌ لِتَعْلِيمِهِمْ أنَّ اللَّهَ رَبُّهم إنْ كانُوا لا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِ اللَّهِ، أوْ لِتَذْكِيرِهِمْ بِذَلِكَ إنْ كانُوا يُؤْمِنُونَ بِوُجُودِهِ ويُشْرِكُونَ مَعَهُ ودًّا، وسُواعًا، ويَغُوثَ، ويَعُوقَ، ونَسْرًا.
والتَّقْدِيمُ في ﴿وإلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ لِلِاهْتِمامِ ولِرِعايَةِ الفاصِلَةِ ولَيْسَ لِلْقَصْرِ؛ لِأنَّهم لا يُؤْمِنُونَ بِالبَعْثِ أصْلًا بَلْهَ أنْ يَزْعُمُوا أنَّهم يَحْضُرُونَ إلى اللَّهِ وإلى غَيْرِهِ.
وتَمَثَّلَتْ فِيما قَصَّهُ اللَّهُ مِن قِصَّةِ نُوحٍ - عَلَيْهِ السَّلامُ - مَعَ قَوْمِهِ صُورَةٌ واضِحَةٌ مِن تَفْكِيرِ أهْلِ العُقُولِ السَّخِيفَةِ الَّتِي رانَ عَلَيْها الضَّلالُ فَقَلَبَ أفْكارَها إلى اعْوِجاجٍ فَظِيعٍ، وهي الصُّورَةُ الَّتِي تَتَمَثَّلُ في الأُمَمِ الَّتِي لَمْ يُثَقِّفْ عُقُولَها الإرْشادُ الدِّينِيُّ فَغَلَبَ عَلَيْها الِانْسِياقُ وراءَ داعِي الهَوى، وامْتَلَكَها الغُرُورُ بِظَنِّ الخَطَأِ صَوابًا، ومُصانَعَةِ مَن تُصَأْصِئُ عَيْنُ بَصِيرَتِهِ بِلائِحٍ مِنَ النُّورِ، مَن يَدْعُوهُ إلى إغْماضِها وعَدِمَتِ الوازِعَ النَّفْسانِيَّ فَلَمْ تَعْبَأْ إلّا بِالصُّوَرِ المَحْسُوسَةِ ولَمْ تَهْتَمَّ إلّا بِاللَّذّاتِ وحُبِّ الذّاتِ ولا تَزِنُ بِمِعْيارِ النَّقْدِ الصَّحِيحِ خُلُوصَ النُّفُوسِ مِن دَخَلِ النَّقائِصِ.
Page 225
11:29
وَيَٰقَوۡمِ لَآ أَسۡـَٔلُكُمۡ عَلَيۡهِ مَالًاۖ إِنۡ أَجۡرِيَ إِلَّا عَلَى ٱللَّهِۚ وَمَآ أَنَا۠ بِطَارِدِ ٱلَّذِينَ ءَامَنُوٓاْۚ إِنَّهُم مُّلَٰقُواْ رَبِّهِمۡ وَلَٰكِنِّيٓ أَرَىٰكُمۡ قَوۡمٗا تَجۡهَلُونَ ٢٩
And O my people, I ask not of you for it any wealth. My reward is not but from Allāh. And I am not one to drive away those who have believed. Indeed, they will meet their Lord, but I see that you are a people behaving ignorantly.
11:30
وَيَٰقَوۡمِ مَن يَنصُرُنِي مِنَ ٱللَّهِ إِن طَرَدتُّهُمۡۚ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ ٣٠
And O my people, who would protect me from Allāh if I drove them away? Then will you not be reminded?
11:31
وَلَآ أَقُولُ لَكُمۡ عِندِي خَزَآئِنُ ٱللَّهِ وَلَآ أَعۡلَمُ ٱلۡغَيۡبَ وَلَآ أَقُولُ إِنِّي مَلَكٞ وَلَآ أَقُولُ لِلَّذِينَ تَزۡدَرِيٓ أَعۡيُنُكُمۡ لَن يُؤۡتِيَهُمُ ٱللَّهُ خَيۡرًاۖ ٱللَّهُ أَعۡلَمُ بِمَا فِيٓ أَنفُسِهِمۡ إِنِّيٓ إِذٗا لَّمِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ ٣١
And I do not tell you that I have the depositories [containing the provision] of Allāh or that I know the unseen, nor do I tell you that I am an angel, nor do I say of those upon whom your eyes look down that Allāh will never grant them any good. Allāh is most knowing of what is within their souls. Indeed, I would then be among the wrongdoers [i.e., the unjust]."
11:32
قَالُواْ يَٰنُوحُ قَدۡ جَٰدَلۡتَنَا فَأَكۡثَرۡتَ جِدَٰلَنَا فَأۡتِنَا بِمَا تَعِدُنَآ إِن كُنتَ مِنَ ٱلصَّٰدِقِينَ ٣٢
They said, "O Noah, you have disputed [i.e., opposed] us and been frequent in dispute of us. So bring us what you threaten us, if you should be of the truthful."
11:33
قَالَ إِنَّمَا يَأۡتِيكُم بِهِ ٱللَّهُ إِن شَآءَ وَمَآ أَنتُم بِمُعۡجِزِينَ ٣٣
He said, "Allāh will only bring it to you if He wills, and you will not cause [Him] failure.
11:34
وَلَا يَنفَعُكُمۡ نُصۡحِيٓ إِنۡ أَرَدتُّ أَنۡ أَنصَحَ لَكُمۡ إِن كَانَ ٱللَّهُ يُرِيدُ أَن يُغۡوِيَكُمۡۚ هُوَ رَبُّكُمۡ وَإِلَيۡهِ تُرۡجَعُونَ ٣٤
And my advice will not benefit you - although I wished to advise you - if Allāh should intend to put you in error. He is your Lord, and to Him you will be returned."
11:35
أَمۡ يَقُولُونَ ٱفۡتَرَىٰهُۖ قُلۡ إِنِ ٱفۡتَرَيۡتُهُۥ فَعَلَيَّ إِجۡرَامِي وَأَنَا۠ بَرِيٓءٞ مِّمَّا تُجۡرِمُونَ ٣٥
Or do they say [about Prophet Muḥammad (ﷺ)], "He invented it"? Say, "If I have invented it, then upon me is [the consequence of] my crime; but I am innocent of what [crimes] you commit."
11:36
وَأُوحِيَ إِلَىٰ نُوحٍ أَنَّهُۥ لَن يُؤۡمِنَ مِن قَوۡمِكَ إِلَّا مَن قَدۡ ءَامَنَ فَلَا تَبۡتَئِسۡ بِمَا كَانُواْ يَفۡعَلُونَ ٣٦
And it was revealed to Noah that, "No one will believe from your people except those who have already believed, so do not be distressed by what they have been doing.
11:37
وَٱصۡنَعِ ٱلۡفُلۡكَ بِأَعۡيُنِنَا وَوَحۡيِنَا وَلَا تُخَٰطِبۡنِي فِي ٱلَّذِينَ ظَلَمُوٓاْ إِنَّهُم مُّغۡرَقُونَ ٣٧
And construct the ship under Our observation and Our inspiration and do not address Me concerning those who have wronged; indeed, they are [to be] drowned."