Hud 11:83
Hud · Juz 12 · Page 231
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.
Tafsir · in Arabic
Ibn al-Jawzi
Medium
Change
Commentary on 11:82–83
(p-١٤٣)قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَلَمّا جاءَ أمْرُنا﴾ فِيهِ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أمْرُ اللَّهِ المَلائِكَةَ بِعَذابِهِمْ. والثّانِي: أنَّ الأمْرَ بِمَعْنى العَذابِ. والثّالِثُ: أنَّهُ بِمَعْنى القَضاءِ بِعَذابِهِمْ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿جَعَلْنا عالِيَها سافِلَها﴾ الكِنايَةُ تَعُودُ إلى المُؤْتَفِكاتِ، وهي قُرى قَوْمِ لُوطٍ، وقَدْ ذَكَرْناها في (بَراءَةٍ:٧٠)، ونَحْنُ نُشِيرُ إلى قِصَّةِ هَلاكِهِمْ هاهُنا. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ: أمَرَ جِبْرِيلُ لُوطًا بِالخُرُوجِ، وقالَ: اخْرُجْ وأخْرِجْ غَنَمَكَ وبَقَرَكَ، فَقالَ: كَيْفَ لِي بِذَلِكَ وقَدْ أُغْلِقَتْ أبْوابُ المَدِينَةِ، فَبَسَطَ جَناحَهُ، وحَمْلَهُ وبِنْتَيْهِ ومالَهم شَيْءٌ، فَأخْرَجَهم مِنَ المَدِينَةِ، وسَألَ جِبْرِيلُ رَبَّهُ: فَقالَ: يا رَبِّ ولِّنِي هَلاكَ هَؤُلاءِ القَوْمِ، فَأوْحى اللَّهُ إلَيْهِ أنْ تَوَلَّ هَلاكَهم؛ فَلَمّا أنْ بَدا الصُّبْحُ، غَدا عَلَيْهِمْ جِبْرِيلُ فاحْتَمَلَها عَلى جَناحِهِ، ثُمَّ صَعِدَ بِها حَتّى خَرَجَ الطَّيْرُ في الهَواءِ لا يَدْرِي أيْنَ يَذْهَبُ، ثُمَّ كَفَأها عَلَيْهِمْ، وسَمِعُوا وجْبَةً شَدِيدَةً، فالتَفَتَتِ امْرَأةُ لُوطٍ، فَرَماها جِبْرِيلُ بِحَجَرٍ فَقَتَلَها، ثُمَّ صَعِدَ حَتّى أشْرَفَ عَلى الأرْضِ، فَجَعَلَ يُتْبِعُهم مُسافِرَهم ورُعاتَهم ومَن تَحَوَّلَ عَنِ القَرْيَةِ، فَرَماهم بِالحِجارَةِ حَتّى قَتَلَهم. وقالَ السُّدِّيُّ: اقْتَلَعَ جِبْرِيلُ الأرْضَ مِن سَبْعِ أرَضِينَ، فاحْتَمَلَها حَتّى بَلَغَ بِها إلى أهْلِ السَّماءِ الدُّنْيا، حَتّى سَمِعَ أهْلُ السَّماءِ نُباحَ كِلابِهِمْ، ثُمَّ قَلَبَها. وقالَ غَيْرُهُ: كانَتْ خَمْسَ قُرًى، أعْظَمُها سَدُومُ، وكانَ القَوْمُ أرْبَعَةَ آلافِ ألْفٍ. وقِيلَ: كانَ في كُلِّ قَرْيَةِ مِائَةُ ألْفِ مُقاتِلٍ، فَلَمّا رَفَعَها إلى السَّماءِ، لَمْ يَنْكَسِرْ لَهم إناءٌ ولَمْ (p-١٤٤)يَسْقُطْ حَتّى قَلَبَها عَلَيْهِمْ. وقِيلَ: نَجا مِنَ الخَمْسِ واحِدَةٌ لَمْ تَكُنْ تَعْمَلُ مِثْلَ عَمَلِهِمْ. وانْفَرَدَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ، فَقالَ: إنَّ جِبْرِيلَ ومِيكائِيلَ تَوَلَّيا قَلْبَها.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَأمْطَرْنا عَلَيْها﴾ في هاءِ الكِنايَةِ قَوْلانِ:
أحَدُهُما: أنَّها تَرْجِعُ إلى القُرى. والثّانِي إلى الأُمَّةِ.
وَفِي السِّجِلِّ سَبْعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّها بِالفارِسِيَّةِ سَنْكُ وكِلْ، السِّنْكُ: الحَجَرُ، والكِلُّ: الطِّينُ، هَذا قَوْل ابْنِ عَبّاسٍ، وعِكْرِمَةُ، وسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ. وقالَ مُجاهِدٌ: أوَّلُها حَجَرٌ، وآخِرُها طِينٌ. وقالَ الضَّحّاكُ: يَعْنِي الآجُرَّ. قالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ: مَن ذَهَبَ إلى هَذا القَوْلِ، اعْتَبَرَهُ بِقَوْلِهِ: ﴿حِجارَةً مِن طِينٍ﴾ [الذّارِياتِ:٣٣] يَعْنِي الآجُرَّ. وحَكى الفَرّاءُ أنَّهُ طِينٌ قَدْ طُبِخَ حَتّى صارَ بِمَنزِلَةِ الأرْحاءِ.
والثّانِي: أنَّهُ بَحْرٌ مُعَلَّقٌ في الهَواءِ بَيْنَ السَّماءِ والأرْضِ، ومِنهُ نَزَلَتِ الحِجارَةُ، قالَهُ عِكْرِمَةُ.
والثّالِثُ: أنَّ السِّجِّيلَ: اسْمُ السَّماءِ الدُّنْيا، فالمَعْنى: حِجارَةٌ مِنَ السَّماءِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ زَيْدٍ.
والرّابِعُ: أنَّهُ الشَّدِيدُ مِنَ الحِجارَةِ الصُّلْبُ، قالَهُ أبُو عُبَيْدَةَ، وأنْشَدَ لِابْنِ مُقْبِلٍ:
؎ [وَرَجْلَةٌ يَضْرِبُونَ البَيْضَ عَنْ عُرُضٍ] ضَرْبًا تَواصَتْ بِهِ الأبْطالُ سِجِّينا
(p-١٤٥)وَرَدَّ هَذا القَوْلَ ابْنُ قُتَيْبَةَ، فَقالَ: هَذا بِالنُّونِ، وذاكَ بِاللّامِ، وإنَّما هو في هَذا البَيْتِ فِعِّيلٌ مِن سَجَنْتُ، أيْ: حَبَسْتُ، كَأنَّهُ يُثْبِتُ صاحِبَهُ.
والخامِسُ: أنَّ قَوْلَهُ: " مِن سِجِّيلٍ " كَقَوْلِكَ: مِن سِجِلٍّ، أيْ: مِمّا كُتِبَ لَهم أنْ يُعَذَّبُوا بِهِ، وهَذا اخْتِيارُ الزَّجّاجِ.
والسّادِسُ: أنَّهُ مِن أسْجَلْتُهُ، أيْ: أرْسَلْتُهُ، فَكَأنَّها مُرْسَلَةٌ عَلَيْهِمْ.
والسّابِعُ: أنَّهُ مِن أسْجَلْتُ: إذا أعْطَيْتَ، حَكى القَوْلَيْنِ الزَّجّاجُ.
وَفِي قَوْلِهِ: ﴿مَنضُودٍ﴾ ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: يَتْبَعُ بَعْضُهُ بَعْضًا، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ. والثّانِي: مَصْفُوفٌ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. والثّالِثُ: نُضِدَ بَعْضُهُ عَلى بَعْضٍ، لِأنَّهُ طِينٌ جُمِعَ فَجُعِلَ حِجارَةً، قالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ أنَسٍ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿مُسَوَّمَةً﴾ قالَ الزَّجّاجُ: أيْ:مُعَلَّمَةٌ، أُخِذَ مِنَ السُّومَةِ، وهي العَلامَةُ.
وَفِي عَلامَتِها سِتَّةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: بَياضٌ في حُمْرَةٍ، رَواهُ الضَّحّاكُ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ، وبِهِ قالَ الحَسَنُ.
والثّانِي: أنَّها كانَتْ مَخْتُومَةً، فالحَجَرُ أبْيَضُ وفِيهِ نُقْطَةٌ سَوْداءُ، أوْ أسْوَدُ وفِيهِ نُقْطَةٌ بَيْضاءُ، رَواهُ العَوْفِيُّ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والثّالِثُ: أنَّها المُخَطَّطَةُ بِالسَّوادِ والحُمْرَةِ، رَواهُ أبُو صالِحٍ عَنِ ابْنِ عَبّاسٍ.
والرّابِعُ: عَلَيْها نَضْحٌ مِن حُمْرَةٍ فِيها خُطُوطٌ حُمْرٌ عَلى هَيْئَةِ الجِزْعِ، قالَهُ عِكْرِمَةُ، وقَتادَةُ. (p-١٤٦)والخامِسُ: أنَّها كانَتْ مُعَلَّمَةً بِعَلامَةٍ يُعْرَفُ بِها أنَّها لَيْسَتْ مِن حِجارَةِ الدُّنْيا، قالَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ.
والسّادِسُ: أنَّهُ كانَ عَلى كُلِّ حَجَرٍ مِنها اسْمُ صاحِبِهِ، قالَهُ الرَّبِيعُ. وحُكِيَ عَنْ بَعْضِ مَن رَأى تِلْكَ الحِجارَة أنَّهُ قالَ: كانَتْ مِثْلَ رَأْسِ الإبِلِ، ومِثْلَ مَبارِكِ الإبِلِ، ومِثْلَ قَبْضَةِ الرَّجُلِ.
وَفِي قَوْلِهِ تَعالى: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾ أرْبَعَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ المَعْنى: جاءَتْ مِن عِنْدِ رَبِّكَ، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُقاتِلٌ.
والثّانِي: عِنْدَ رَبِّكَ مُعَدَّةً، قالَهُ أبُو بَكْرٍ الهُزَلِيُّ.
والثّالِثُ: أنَّ المَعْنى: هَذا التَّسْوِيمُ لَزِمَ هَذِهِ الحِجارَةَ عِنْدَ اللَّهِ إيذانًا بِنَفاذِ قُدْرَتِهِ وشِدَّةِ عَذابِهِ، قالَهُ ابْنُ الأنْبارِيِّ.
والرّابِعُ: أنَّ مَعْنى قَوْلِهِ: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ﴾: في خَزائِنِهِ الَّتِي لا يُتَصَرَّفُ في شَيْءٍ مِنها إلّا بِإذْنِهِ.
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما هي مِنَ الظّالِمِينَ بِبَعِيدٍ﴾ في المُرادِ بِالظّالِمِينَ هاهُنا ثَلاثَةُ أقْوالٍ:
أحَدُها: أنَّ المُرادَ بِالظّالِمِينَ هاهُنا: كَفّارُ قُرَيْشٍ، خَوَّفَهُمُ اللَّهُ بِها، قالَهُ الأكْثَرُونَ.
والثّانِي: أنَّهُ عامٌّ في كُلِّ ظالِمٍ؛ قالَ قَتادَةُ: واللَّهِ ما أجارَ اللَّهُ مِنها ظالِمًا بَعْدَ قَوْمِ لُوطٍ، فاتَّقُوا اللَّهَ وكُونُوا مِنهُ عَلى حَذَرٍ.
والثّالِثُ: أنَّهم قَوْمُ لُوطٍ، فالمَعْنى: وما هي مِنَ الظّالِمِينَ، أيْ: مِن قَوْمِ لُوطٍ بِبَعِيدٍ، والمَعْنى: لَمْ تَكُنْ لِتُخْطِئَهم، قالَهُ الفَرّاءُ.
Page 231
11:82
فَلَمَّا جَآءَ أَمۡرُنَا جَعَلۡنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمۡطَرۡنَا عَلَيۡهَا حِجَارَةٗ مِّن سِجِّيلٖ مَّنضُودٖ ٨٢
So when Our command came, We made the highest part [of the city] its lowest and rained upon them stones of layered hard clay, [which were]
11:83
مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَۖ وَمَا هِيَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٖ ٨٣
Marked from your Lord. And it [i.e., Allāh's punishment] is not from the wrongdoers [very] far.
11:84
۞ وَإِلَىٰ مَدۡيَنَ أَخَاهُمۡ شُعَيۡبٗاۚ قَالَ يَٰقَوۡمِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ مَا لَكُم مِّنۡ إِلَٰهٍ غَيۡرُهُۥۖ وَلَا تَنقُصُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَۖ إِنِّيٓ أَرَىٰكُم بِخَيۡرٖ وَإِنِّيٓ أَخَافُ عَلَيۡكُمۡ عَذَابَ يَوۡمٖ مُّحِيطٖ ٨٤
And to Madyan [We sent] their brother Shuʿayb. He said, "O my people, worship Allāh; you have no deity other than Him. And do not decrease from the measure and the scale. Indeed, I see you in prosperity, but indeed, I fear for you the punishment of an all-encompassing Day.
11:85
وَيَٰقَوۡمِ أَوۡفُواْ ٱلۡمِكۡيَالَ وَٱلۡمِيزَانَ بِٱلۡقِسۡطِۖ وَلَا تَبۡخَسُواْ ٱلنَّاسَ أَشۡيَآءَهُمۡ وَلَا تَعۡثَوۡاْ فِي ٱلۡأَرۡضِ مُفۡسِدِينَ ٨٥
And O my people, give full measure and weight in justice and do not deprive the people of their due and do not commit abuse on the earth, spreading corruption.
11:86
بَقِيَّتُ ٱللَّهِ خَيۡرٞ لَّكُمۡ إِن كُنتُم مُّؤۡمِنِينَۚ وَمَآ أَنَا۠ عَلَيۡكُم بِحَفِيظٖ ٨٦
What remains [lawful] from Allāh is best for you, if you would be believers. But I am not a guardian over you."
11:87
قَالُواْ يَٰشُعَيۡبُ أَصَلَوٰتُكَ تَأۡمُرُكَ أَن نَّتۡرُكَ مَا يَعۡبُدُ ءَابَآؤُنَآ أَوۡ أَن نَّفۡعَلَ فِيٓ أَمۡوَٰلِنَا مَا نَشَٰٓؤُاْۖ إِنَّكَ لَأَنتَ ٱلۡحَلِيمُ ٱلرَّشِيدُ ٨٧
They said, "O Shuʿayb, does your prayer [i.e., religion] command you that we should leave what our fathers worship or not do with our wealth what we please? Indeed, you are the forbearing, the discerning!"1
1 translator’s note
- This is a sarcastic description implying the opposite. ↩
11:88
قَالَ يَٰقَوۡمِ أَرَءَيۡتُمۡ إِن كُنتُ عَلَىٰ بَيِّنَةٖ مِّن رَّبِّي وَرَزَقَنِي مِنۡهُ رِزۡقًا حَسَنٗاۚ وَمَآ أُرِيدُ أَنۡ أُخَالِفَكُمۡ إِلَىٰ مَآ أَنۡهَىٰكُمۡ عَنۡهُۚ إِنۡ أُرِيدُ إِلَّا ٱلۡإِصۡلَٰحَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُۚ وَمَا تَوۡفِيقِيٓ إِلَّا بِٱللَّهِۚ عَلَيۡهِ تَوَكَّلۡتُ وَإِلَيۡهِ أُنِيبُ ٨٨
He said, "O my people, have you considered: if I am upon clear evidence from my Lord and He has provided me with a good provision from Him...?1 And I do not intend to differ from you in that which I have forbidden you; I only intend reform as much as I am able. And my success is not but through Allāh. Upon Him I have relied, and to Him I return.2