Ar-Ra'd 13:17
The Thunder · Juz 13 · Page 251
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 13:17
﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَسالَتْ أوْدِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رابِيًا ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ فَأمّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفاءً وأمّا ما يَنْفَعُ النّاسَ فَيَمْكُثُ في الأرْضِ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الأمْثالَ﴾ جُمْلَةُ (﴿أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً﴾) اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ أفادَ تَسْجِيلَ حِرْمانِ المُشْرِكِينَ مِنَ الِانْتِفاعِ بِدَلائِلِ الِاهْتِداءِ الَّتِي مِن شَأْنِها أنْ تَهْدِيَ مَن لَمْ يَطْبَعِ اللَّهُ عَلى قَلْبِهِ فاهْتَدى بِها المُؤْمِنُونَ.
وجِيءَ في هَذا التَّسْجِيلِ بِطَرِيقَةِ ضَرْبِ المَثَلِ بِحالَيْ فَرِيقَيْنِ في تَلَقِّي شَيْءٍ واحِدٍ انْتَفَعَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَنافِعَ وتَعَلَّقَ فَرِيقٌ بِما فِيهِ مِن مَضارَّ. وجِيءَ في ذَلِكَ التَّمْثِيلِ بِحالَةٍ فِيها دَلالَةٌ عَلى بَدِيعِ تَصَرُّفِ اللَّهِ تَعالى لِيَحْصُلَ التَّخَلُّصُ مِن ذِكْرِ دَلائِلِ القُدْرَةِ إلى ذِكْرِ عِبَرِ المَوْعِظَةِ، فالمُرَكَّبُ مُسْتَعْمَلٌ في التَّشْبِيهِ التَّمْثِيلِيِّ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ﴾ إلَخْ.
صفحة ١١٧
شُبِّهَ إنْزالُ القُرْآنِ - الَّذِي بِهِ الهُدى - مِنَ السَّماءِ بِإنْزالِ الماءِ الَّذِي بِهِ النَّفْعُ والحَياةُ مِنَ السَّماءِ. وشُبِّهَ وُرُودُ القُرْآنِ عَلى أسْماعِ النّاسِ بِالسَّيْلِ يَمُرُّ عَلى مُخْتَلَفِ الجِهاتِ فَهو يَمُرُّ عَلى التِّلالِ والجِبالِ فَلا يَسْتَقِرُّ فِيها ولَكِنَّهُ يَمْضِي إلى الأوْدِيَةِ والوِهادِ فَيَأْخُذُ مِنهُ كُلٌّ بِقَدْرِ سَعَتِهِ. وتِلْكَ السُّيُولُ في حالِ نُزُولِها تَحْمِلُ في أعالِيها زَبَدًا، وهو رَغْوَةُ الماءِ الَّتِي تَرْبُو وتَطْفُو عَلى سَطْحِ الماءِ، فَيَذْهَبُ الزَّبَدُ غَيْرَ مُنْتَفَعٍ بِهِ ويَبْقى الماءُ الخالِصُ الصّافِي يَنْتَفِعُ بِهِ النّاسُ لِلشَّرابِ والسَّقْيِ.
ثُمَّ شُبِّهَتْ هَيْئَةُ نُزُولِ الآياتِ وما تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِن إيقاظِ النَّظَرِ فِيها فَيَنْتَفِعُ بِهِ مَن دَخَلَ الإيمانُ قُلُوبَهم عَلى مَقادِيرِ قُوَّةِ إيمانِهِمْ وعَمَلِهِمْ، ويَمُرُّ عَلى قُلُوبِ قَوْمٍ لا يَشْعُرُونَ بِهِ وهُمُ المُنْكِرُونَ المُعْرِضُونَ، ويُخالِطُ قُلُوبَ قَوْمٍ فَيَتَأمَّلُونَهُ فَيَأْخُذُونَ مِنهُ ما يُثِيرُ لَهم شُبُهاتٍ وإلْحادًا، كَقَوْلِهِمْ ﴿هَلْ نَدُلُّكم عَلى رَجُلٍ يُنَبِّئُكم إذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إنَّكم لَفي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [سبإ: ٧]، ومِنهُ الأخْذُ بِالمُتَشابِهِ قالَ تَعالى ﴿فَأمّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنهُ ابْتِغاءَ الفِتْنَةِ وابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: ٧] .
شُبِّهَ ذَلِكَ كُلُّهُ بِهَيْئَةِ نُزُولِ الماءِ فانْحِدارُهُ عَلى الجِبالِ والتِّلالِ وسَيَلانُهُ في الأوْدِيَةِ عَلى اخْتِلافِ مَقادِيرِها، ثُمَّ ما يَدْفَعُ مِن نَفْسِهِ زَبَدًا لا يُنْتَفَعُ بِهِ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثِ الزَّبَدُ أنْ ذَهَبَ وفَنِيَ والماءُ بَقِيَ في الأرْضِ لِلنَّفْعِ.
ولَمّا كانَ المَقْصُودُ التَّشْبِيهَ بِالهَيْئَةِ كُلِّها جِيءَ في حِكايَةِ ما تَرَتَّبَ عَلى إنْزالِ الماءِ بِالعَطْفِ بِفاءِ التَّفْرِيعِ في قَوْلِهِ (فَسالَتْ) وقَوْلِهِ (فاحْتَمَلَ) . فَهَذا تَمْثِيلٌ صالِحٌ لِتَجْزِئَةِ التَّشْبِيهاتِ الَّتِي تَرَكَّبَ مِنها وهو أبْلَغُ التَّمْثِيلِ.
وعَلى نَحْوِ هَذا التَّمْثِيلِ وتَفْسِيرِهِ جاءَ ما يُبَيِّنُهُ مِنَ التَّمْثِيلِ الَّذِي في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مَثَلُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدى والعِلْمِ كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أصابَ أرْضًا فَكانَ مِنها نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الماءَ فَأنْبَتَتِ الكَلَأ والعُشْبَ الكَثِيرَ، وكانَتْ مِنها أجادَبُ أمْسَكَتِ الماءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِها النّاسَ فَشَرِبُوا وسَقُوا
صفحة ١١٨
وزَرَعُوا، وأصابَ مِنها طائِفَةً أُخْرى إنَّما هي قِيعانٌ لا تُمْسِكُ ماءً ولا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَن فَقِهَ في دِينِ اللَّهِ ونَفَعَهُ ما بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وعَلَّمَ، ومَثَلُ مَن لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا ولَمْ يَقْبَلْ هُدى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» .
والأوْدِيَةُ: جَمْعُ الوادِي، وهو الحَفِيرُ المُتَّسِعُ المُمْتَدُّ مِنَ الأرْضِ الَّذِي يَجْرِي فِيهِ السَّيْلُ. وتَقَدَّمَ في سُورَةِ بَراءَةَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى (﴿ولا يَقْطَعُونَ وادِيًا إلّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ [التوبة: ١٢١]) .
والقَدَرُ بِفَتْحَتَيْنِ، فَقَوْلُهُ (بِقَدَرِها) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (أوْدِيَةِ)، وذَكَرَهُ لِأنَّهُ مِن مَواضِعِ العِبْرَةِ، وهو أنْ كانَتْ أخادِيدُ الأوْدِيَةِ عَلى قَدْرِ ما تَحْتَمِلُهُ مِنَ السُّيُولِ بِحَيْثُ لا تَفِيضُ عَلَيْها وهو غالِبُ أحْوالِ الأوْدِيَةِ. وهَذا الحالُ مَقْصُودٌ في التَّمْثِيلِ لِأنَّهُ حالُ انْصِرافِ الماءِ لِنَفْعٍ لا ضُرَّ مَعَهُ؛ لِأنَّ مِنَ السُّيُولِ جَواحِفَ تَجْرُفُ الزَّرْعَ والبُيُوتَ والأنْعامَ.
وأيْضًا هو دالٌّ عَلى تَفاوُتِ الأوْدِيَةِ في مَقادِيرِ المِياهِ. ولِذَلِكَ حَظٌّ مِنَ التَّشْبِيهِ وهو اخْتِلافُ النّاسِ في قابِلِيَّةِ الِانْتِفاعِ بِما نَزَلَ مِن عِنْدِ اللَّهِ كاخْتِلافِ الأوْدِيَةِ في قَبُولِ الماءِ عَلى حَسَبِ ما يَسِيلُ إلَيْها مِن مَصابِّ السُّيُولِ، وقَدْ تَمَّ التَّمْثِيلُ هُنا.
وجُمْلَةُ (﴿ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾) مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ جُمْلَةِ (فاحْتَمَلَ) إلَخْ وجُمْلَةِ (فَأمّا الزَّبَدُ) إلَخَّ.
وهَذا تَمْثِيلٌ آخَرُ ورَدَ اسْتِطْرادًا عَقِبَ ذِكْرِ نَظِيرِهِ يُفِيدُ تَقْرِيبَ التَّمْثِيلِ لِقَوْمٍ لَمْ يُشاهِدُوا سُيُولَ الأوْدِيَةِ مِن سُكّانِ القُرى مِثْلَ أهْلِ مَكَّةَ وهُمُ المَقْصُودُ، فَقَدْ كانَ لَهم في مَكَّةَ صَوّاغُونَ كَما دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الإذْخِرِ، فَقَرَّبَ إلَيْهِمْ تَمْثِيلَ عَدَمِ انْتِفاعِهِمْ بِما انْتَفَعَ بِهِ غَيْرُهم بِمَثَلِ ما يُصْهَرُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ في البَواتِقِ فَإنَّهُ يَقْذِفُ زَبَدًا يَنْتَفِي عَنْهُ وهو الخَبَثُ وهو غَيْرُ صالِحٍ لِشَيْءٍ في حِينِ صَلاحِ مَعْدِنِهِ لِاتِّخاذِهِ حِلْيَةً أوْ مَتاعًا. وفي الحَدِيثِ: كَما يَنْفِي الكِيرُ
صفحة ١١٩
خَبَثَ الحَدِيدِ. فالكَلامُ مِن قَبِيلِ تَعَدُّدِ التَّشْبِيهِ القَرِيبِ، كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿مَثَلُهم كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نارًا﴾ [البقرة: ١٧] ثُمَّ قَوْلِهِ ﴿أوْ كَصَيِّبٍ مِنَ السَّماءِ﴾ [البقرة: ١٩] .
وأقْرَبُ إلى ما هُنا قَوْلُ لَبِيدٍ:
فَتَنازَعا سَبِطًا يَطِيرُ ظِلالُهُ كَدُخانِ مُشْعَلَةٍ يَشِبُّ ضِرامُها
مَشْمُولَةٍ غُلِثَتْ بِنابِتِ عَرْفَجِ ∗∗∗ كَدُخانِ نارٍ ساطِعٍ أسْنامُها
وأفادَ ذَلِكَ في هَذِهِ الآيَةِ قَوْلُهُ (﴿زَبَدٌ مِثْلُهُ﴾) .
وتَقْدِيمُ المُسْنَدِ عَلى المَسْنَدِ إلَيْهِ في هَذِهِ الجُمْلَةِ لِلِاهْتِمامِ بِالمُسْنَدِ لِأنَّهُ مَوْضِعُ اعْتِبارٍ أيْضًا بِبَدِيعِ صُنْعِ اللَّهِ تَعالى إذْ جَعَلَ الزَّبَدَ يَطْفُو عَلى أرَقِّ الأجْسامِ وهو الماءُ وعَلى أغْلَظِها وهو المَعْدِنُ فَهو نامُوسٌ مِن نَوامِيسِ الخِلْقَةِ، فَبِالتَّقْدِيمِ يَقَعُ تَشْوِيقُ السّامِعِ إلى تَرَقُّبِ المُسْنَدِ إلَيْهِ.
وهَذا الِاهْتِمامُ بِالتَّشْبِيهِ يُشْبِهُ الِاهْتِمامَ بِالِاسْتِفْهامِ في قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ في وصْفِ جَهَنَّمَ: «فَإذا فِيها كَلالِيبُ مِثْلُ حَسَكِ السَّعْدانِ هَلْ رَأيْتُمْ حَسَكَ السَّعْدانِ» «.
وعَدَلَ عَنْ تَسْمِيَةِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إلى المَوْصُولِيَّةِ بِقَوْلِهِ تَعالى» ﴿ومِمّا تُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النّارِ﴾ لِأنَّها أخْصَرُ وأجْمَعُ، ولِأنَّ الغَرَضَ في ذِكْرِ الجُمْلَةِ المَجْعُولَةِ صِلَةً. فَلَوْ ذُكِرَتْ بِكَيْفِيَّةٍ غَيْرِ صِلَةٍ كالوَصْفِيَّةِ مَثَلًا لَكانَتْ بِمَنزِلَةِ الفَضْلَةِ في الكَلامِ ولَطالَ الكَلامُ بِذِكْرِ اسْمِ المَعْدِنَيْنِ مَعَ ذِكْرِ الصِّلَةِ إذْ لا مَحِيدَ عَنْ ذِكْرِ الوَقُودِ لِأنَّهُ سَبَبُ الزَّبَدِ، فَكانَ الإتْيانُ بِالمَوْصُولِ قَضاءً لِحَقِّ ذِكْرِ الجُمْلَةِ مَعَ الِاخْتِصارِ البَدِيعِ.
ولِأنَّ في العُدُولِ عَنْ ذِكْرِ اسْمِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ إعْراضًا يُؤْذِنُ بِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِما تَرَفُّعًا عَنْ ولَعِ النّاسِ بِهِما فَإنَّ اسْمَيْهِما قَدِ اقْتَرَنا بِالتَّعْظِيمِ في عُرْفِ النّاسِ.
و(مَن) في قَوْلِهِ (﴿ومِمّا تُوقِدُونَ﴾) ابْتِدائِيَّةٌ.
صفحة ١٢٠
و(ابْتِغاءَ حِلْيَةٍ أوْ مَتاعٍ) مَفْعُولٌ لِأجْلِهِ مُتَعَلِّقٌ بِـ (تُوقِدُونَ) . ذُكِرَ لِإيضاحِ المُرادِ مِنَ الصِّلَةِ ولِإدْماجِ ما فِيهِ مِن مِنَّةِ تَسْخِيرِ ذَلِكَ لِلنّاسِ. لِشِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِيهِما.
والحِلْيَةُ: ما يُتَحَلّى بِهِ، أيْ يُتَزَيَّنُ وهو المَصُوغُ. والمَتاعُ: ما يُتَمَتَّعُ بِهِ ويُنْتَفَعُ، وذَلِكَ المَسْكُوكُ الَّذِي يَتَعامَلُ بِهِ النّاسُ مِنَ الذَّهَبِ والفِضَّةِ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ (تُوقِدُونَ) بِفَوْقِيَّةٍ في أوَّلِهِ عَلى الخِطابِ. وقَرَأهُ حَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، وحَفْصٌ عَنْ عاصِمٍ، وخَلَفٌ بِتَحْتِيَّةٍ عَلى الغَيْبَةِ.
وجُمْلَةُ ﴿كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ والباطِلَ﴾ مُعْتَرِضَةٌ. هي فَذْلَكَةُ التَّمْثِيلِ بِبَيانِ الغَرَضِ مِنهُ، أيْ مِثْلَ هَذِهِ الحالَةِ يَكُونُ ضَرْبُ مَثَلٍ لِلْحَقِّ والباطِلِ. فَمَعْنى يَضْرِبُ يُبَيِّنُ ويُمَثِّلُ. وقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنًى يَضْرِبُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ [البقرة: ٢٦] في سُورَةِ البَقَرَةِ.
فَحُذِفَ مُضافٌ في قَوْلِهِ (﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الحَقَّ﴾)، والتَّقْدِيرُ: يَضْرِبُ اللَّهُ مَثَلَ الحَقِّ والباطِلِ، لِدَلالَةِ فِعْلِ يَضْرِبُ عَلى تَقْدِيرِ هَذا المُضافِ.
وحَذْفُ الجارِّ مِنَ الحَقِّ لِتَنْزِيلِ المُضافِ إلَيْهِ مَنزِلَةَ المُضافِ المَحْذُوفِ.
Page 251
13:14
لَهُۥ دَعۡوَةُ ٱلۡحَقِّۚ وَٱلَّذِينَ يَدۡعُونَ مِن دُونِهِۦ لَا يَسۡتَجِيبُونَ لَهُم بِشَيۡءٍ إِلَّا كَبَٰسِطِ كَفَّيۡهِ إِلَى ٱلۡمَآءِ لِيَبۡلُغَ فَاهُ وَمَا هُوَ بِبَٰلِغِهِۦۚ وَمَا دُعَآءُ ٱلۡكَٰفِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَٰلٖ ١٤
To Him [alone] is the supplication of truth. And those they call upon besides Him do not respond to them with a thing, except as one who stretches his hands toward water [from afar, calling it] to reach his mouth, but it will not reach it [thus].1 And the supplication of the disbelievers is not but in error [i.e., futility].
1 translator’s note
- The analogy indicates that false deities will never respond to them at all. ↩
13:15
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ طَوۡعٗا وَكَرۡهٗا وَظِلَٰلُهُم بِٱلۡغُدُوِّ وَٱلۡأٓصَالِ۩ ١٥
And to Allāh prostrates whoever is within the heavens and the earth, willingly or by compulsion, and their shadows [as well] in the mornings and the afternoons.
13:16
قُلۡ مَن رَّبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ قُلِ ٱللَّهُۚ قُلۡ أَفَٱتَّخَذۡتُم مِّن دُونِهِۦٓ أَوۡلِيَآءَ لَا يَمۡلِكُونَ لِأَنفُسِهِمۡ نَفۡعٗا وَلَا ضَرّٗاۚ قُلۡ هَلۡ يَسۡتَوِي ٱلۡأَعۡمَىٰ وَٱلۡبَصِيرُ أَمۡ هَلۡ تَسۡتَوِي ٱلظُّلُمَٰتُ وَٱلنُّورُۗ أَمۡ جَعَلُواْ لِلَّهِ شُرَكَآءَ خَلَقُواْ كَخَلۡقِهِۦ فَتَشَٰبَهَ ٱلۡخَلۡقُ عَلَيۡهِمۡۚ قُلِ ٱللَّهُ خَٰلِقُ كُلِّ شَيۡءٖ وَهُوَ ٱلۡوَٰحِدُ ٱلۡقَهَّٰرُ ١٦
Say, "Who is Lord of the heavens and earth?" Say, "Allāh." Say, "Have you then taken besides Him allies not possessing [even] for themselves any benefit or any harm?" Say, "Is the blind equivalent to the seeing? Or is darkness equivalent to light? Or have they attributed to Allāh partners who created like His creation so that the creation [of each] seemed similar to them?"1 Say, "Allāh is the Creator of all things, and He is the One, the Prevailing."2
13:17
أَنزَلَ مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءٗ فَسَالَتۡ أَوۡدِيَةُۢ بِقَدَرِهَا فَٱحۡتَمَلَ ٱلسَّيۡلُ زَبَدٗا رَّابِيٗاۖ وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيۡهِ فِي ٱلنَّارِ ٱبۡتِغَآءَ حِلۡيَةٍ أَوۡ مَتَٰعٖ زَبَدٞ مِّثۡلُهُۥۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡحَقَّ وَٱلۡبَٰطِلَۚ فَأَمَّا ٱلزَّبَدُ فَيَذۡهَبُ جُفَآءٗۖ وَأَمَّا مَا يَنفَعُ ٱلنَّاسَ فَيَمۡكُثُ فِي ٱلۡأَرۡضِۚ كَذَٰلِكَ يَضۡرِبُ ٱللَّهُ ٱلۡأَمۡثَالَ ١٧
He sends down from the sky, rain, and valleys flow according to their capacity, and the torrent carries a rising foam. And from that [ore] which they heat in the fire, desiring adornments and utensils, is a foam like it. Thus Allāh presents [the example of] truth and falsehood. As for the foam, it vanishes, [being] cast off; but as for that which benefits the people, it remains on the earth. Thus does Allāh present examples.
13:18
لِلَّذِينَ ٱسۡتَجَابُواْ لِرَبِّهِمُ ٱلۡحُسۡنَىٰۚ وَٱلَّذِينَ لَمۡ يَسۡتَجِيبُواْ لَهُۥ لَوۡ أَنَّ لَهُم مَّا فِي ٱلۡأَرۡضِ جَمِيعٗا وَمِثۡلَهُۥ مَعَهُۥ لَٱفۡتَدَوۡاْ بِهِۦٓۚ أُوْلَٰٓئِكَ لَهُمۡ سُوٓءُ ٱلۡحِسَابِ وَمَأۡوَىٰهُمۡ جَهَنَّمُۖ وَبِئۡسَ ٱلۡمِهَادُ ١٨
For those who have responded to their Lord is the best [reward], but those who did not respond to Him - if they had all that is in the earth entirely and the like of it with it, they would [attempt to] ransom themselves thereby. Those will have the worst account, and their refuge is Hell, and wretched is the resting place.