Ar-Ra'd 13:9
The Thunder · Juz 13 · Page 250
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 13:8–9
﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ الكَبِيرُ المُتَعالِ﴾
انْتِقالٌ إلى الِاسْتِدْلالِ عَلى تَفَرُّدِ اللَّهِ تَعالى بِالإلَهِيَّةِ، فَهو مُتَّصِلٌ بِجُمْلَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخَّ.
وهَذِهِ الجُمْلَةُ اسْتِئْنافٌ ابْتِدائِيٌّ. فَلَمّا قامَتِ البَراهِينُ العَدِيدَةُ بِالآياتِ السّابِقَةِ عَلى وحْدانِيَّةِ اللَّهِ تَعالى بِالخَلْقِ والتَّدْبِيرِ وعَلى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ الَّتِي أوْدَعَ بِها في المَخْلُوقاتِ دَقائِقَ الخِلْقَةِ، انْتَقَلَ الكَلامُ إلى إثْباتِ العِلْمِ لَهُ تَعالى عِلْمًا عامًّا بِدَقائِقِ الأشْياءِ وعَظائِمِها، ولِذَلِكَ جاءَ افْتِتاحُهُ عَلى الأُسْلُوبِ الَّذِي افْتَتَحَ بِهِ الغَرَضَ السّابِقَ بِأنِ ابْتُدِئَ بِاسْمِ الجَلالَةِ كَما ابْتُدِئَ بِهِ هُنالِكَ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَها﴾ [الرعد: ٢] .
وجُعِلَتْ هَذِهِ الجُمْلَةُ في هَذا المَوْقِعِ؛ لِأنَّ لَها مُناسَبَةً بِقَوْلِهِمْ ﴿لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِن رَبِّهِ﴾ [الرعد: ٧]، فَإنَّ ما ذُكِرَ فِيها مِن عِلْمِ اللَّهِ وعَظِيمِ صُنْعِهِ صالِحٌ لِأنْ يَكُونَ دَلِيلًا عَلى أنَّهُ لا يُعْجِزُهُ الإتْيانُ بِما اقْتَرَحُوا مِنَ الآياتِ؛ ولَكِنَّ بِعْثَةَ الرَّسُولِ لَيْسَ المَقْصِدُ مِنها المُنازَعاتِ بَلْ هي دَعْوَةٌ لِلنَّظَرِ في الأدِلَّةِ.
صفحة ٩٧
وإذْ قَدْ كانَ خَلْقُ اللَّهِ العَوالِمَ وغَيْرَها مَعْلُومًا لَدى المُشْرِكِينَ ولَكِنَّ الإقْبالَ عَلى عِبادَةِ الأصْنامِ يُذْهِلُهم عَنْ تَذَكُّرِهِ، كانُوا غَيْرَ مُحْتاجِينَ لِأكْثَرَ مِنَ التَّذْكِيرِ بِذَلِكَ وبِالتَّنْبِيهِ إلى ما قَدْ يَخْفى مِن دَقائِقِ التَّكْوِينِ كَقَوْلِهِ آنِفًا (بِغَيْرِ عَمَدٍ) وقَوْلِهِ ﴿وفِي الأرْضِ قِطَعٌ مُتَجاوِراتٌ﴾ [الرعد: ٤] إلَخْ؛ صِيغَ الإخْبارُ عَنِ الخَلْقِ في آيَةِ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] إلَخْ بِطَرِيقَةِ المَوْصُولِ لِلْعِلْمِ بِثُبُوتِ مَضْمُونِ الصِّلَةِ لِلْمُخْبَرِ عَنْهُ.
وجِيءَ في تِلْكَ الصِّلَةِ بِفِعْلِ المُضِيِّ فَقالَ ﴿اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّماواتِ﴾ [الرعد: ٢] كَما أشَرْنا إلَيْهِ آنِفًا. فَأمّا هُنا فَصِيغَ الخَبَرُ بِصِيغَةِ المُضارِعِ المُفِيدِ لِلتَّجَدُّدِ والتَّكْرِيرِ لِإفادَةِ أنَّ ذَلِكَ العِلْمَ مُتَكَرِّرٌ مُتَجَدِّدُ التَّعَلُّقِ بِمُقْتَضى أحْوالِ المَعْلُوماتِ المُتَنَوِّعَةِ والمُتَكاثِرَةِ عَلى نَحْوِ ما قُرِّرَ في قَوْلِهِ ﴿يُدَبِّرُ الأمْرَ يُفَصِّلُ الآياتِ﴾ [الرعد: ٢] .
وذُكِرَ مِن مَعْلُوماتِ اللَّهِ ما لا نِزاعَ في أنَّهُ لا يَعْلَمُهُ أحَدٌ مِنَ الخَلْقِ يَوْمَئِذٍ ولا تُسْتَشارُ فِيهِ آلِهَتُهم عَلى وجْهِ المِثالِ بِإثْباتِ الجُزْئِيِّ لِإثْباتِ الكُلِّيِّ، فَما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى هي أجِنَّةُ الإنْسانِ والحَيَوانِ. ولِذَلِكَ جِيءَ بِفِعْلِ الحَمْلِ دُونَ الحَبَلِ لِاخْتِصاصِ الحَبَلِ بِحَمْلِ المَرْأةِ.
و(ما) مَوْصُولَةٌ، وعُمُومُها يَقْتَضِي عِلْمَ اللَّهِ بِحالِ الحَمْلِ المَوْجُودِ مِن ذُكُورَةٍ وأُنُوثَةٍ، وتَمامٍ ونَقْصٍ، وحُسْنٍ وقُبْحٍ، وطُولٍ وقِصَرٍ، ولَوْنٍ. وتَغِيضُ: تَنْقُصُ. والظّاهِرُ أنَّهُ كِنايَةٌ عَنِ العُلُوقِ؛ لِأنَّ غَيْضَ الرَّحِمِ انْحِباسُ دَمِ الحَيْضِ عَنْها، وازْدِيادُها: فَيَضانُ الحَيْضِ مِنها. ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ الغَيْضُ مُسْتَعارًا لِعَدَمِ التَّعَدُّدِ.
والِازْدِيادُ: التَّعَدُّدُ أيْ ما يَكُونُ في الأرْحامِ مِن جَنِينٍ واحِدٍ أوْ عِدَّةِ أجِنَّةٍ وذَلِكَ في الإنْسانِ والحَيَوانِ.
وجُمْلَةُ ﴿وكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ﴾ مَعْطُوفَةٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى﴾ . فالمُرادُ بِالشَّيْءِ الشَّيْءُ مِنَ المَعْلُوماتِ، و(عِنْدَهُ) يَجُوزُ أنْ يَكُونَ
صفحة ٩٨
خَبَرًا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ و(بِمِقْدارٍ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (كُلُّ شَيْءٍ)، ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ (عِنْدَهُ) في مَوْضِعِ الحالِ مِن (مِقْدارٍ) ويَكُونُ (بِمِقْدارٍ) خَبَرًا عَنْ (كُلُّ شَيْءٍ) .
والمِقْدارُ: مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِقَرِينَةِ الباءِ، أيْ بِتَقْدِيرٍ، ومَعْناهُ: التَّحْدِيدُ والضَّبْطُ. والمَعْنى أنَّهُ يَعْلَمُ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا مُفَصَّلًا لا شُيُوعَ فِيهِ ولا إبْهامَ. وفي هَذا رَدٌّ عَلى الفَلاسِفَةِ غَيْرِ المُسْلِمِينَ القائِلِينَ أنَّ واجِبَ الوُجُودِ يَعْلَمُ الكُلِّيّاتِ ولا يَعْلَمُ الجُزْئِيّاتِ فِرارًا مِن تَعَلُّقِ العِلْمِ بِالحَوادِثِ. وقَدْ أبْطَلَ مَذْهَبَهم عُلَماءُ الكَلامِ بِما لَيْسَ فَوْقَهُ مَرامٌ. وهَذِهِ قَضِيَّةٌ كُلِّيَّةٌ أثْبَتَتْ عُمُومَ عِلْمِهِ تَعالى بَعْدَ أنْ وقَعَ إثْباتُ العُمُومِ بِطَرِيقَةِ التَّمْثِيلِ بِعِلْمِهِ بِالجُزْئِيّاتِ الخَفِيَّةِ في قَوْلِهِ ﴿اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وما تَغِيضُ الأرْحامُ وما تَزْدادُ﴾ .
وجُمْلَةُ ﴿عالِمُ الغَيْبِ والشَّهادَةِ﴾ تَذْيِيلٌ وفَذْلَكَةٌ لِتَعْمِيمِ العِلْمِ بِالخَفِيّاتِ والظَّواهِرِ وهُما قِسْما المَوْجُوداتِ. وقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الغَيْبِ في صَدْرِ سُورَةِ البَقَرَةِ.
وأمّا الشَّهادَةُ فَهي هُنا مَصْدَرٌ بِمَعْنى المَفْعُولِ، أيِ الأشْياءُ المَشْهُودَةُ، وهي الظّاهِرَةُ المَحْسُوسَةُ، المَرْئِيّاتُ وغَيْرُها مِنَ المَحْسُوساتِ، فالمَقْصُودُ مِنَ الغَيْبِ والشَّهادَةِ تَعْمِيمُ المَوْجُوداتِ كَقَوْلِهِ ﴿فَلا أُقْسِمُ بِما تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٨] ﴿وما لا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: ٣٩] .
والكَبِيرُ: مَجازٌ في العَظَمَةِ، إذْ قَدْ شاعَ اسْتِعْمالُ أسْماءِ الكَثْرَةِ وألْفاظِ الكِبَرِ في العَظَمَةِ تَشْبِيهًا لِلْمَعْقُولِ بِالمَحْسُوسِ وشاعَ ذَلِكَ حَتّى صارَ كالحَقِيقَةِ. والمُتَعالِي: المُتَرَفِّعُ. وصِيغَتِ الصِّفَةُ بِصِيغَةِ التَّفاعُلِ لِلدَّلالَةِ عَلى أنَّ العُلُوَّ صِفَةٌ ذاتِيَّةٌ لَهُ لا مِن غَيْرِهِ، أيِ الرَّفِيعُ رِفْعَةً واجِبَةً لَهُ عَقْلًا. والمُرادُ بِالرِّفْعَةِ هَنا المَجازُ عَنِ العِزَّةِ التّامَّةِ بِحَيْثُ لا يَسْتَطِيعُ مَوْجُودٌ أنْ يَغْلِبَهُ أوْ يُكْرِهَهُ، أوِ المُنَزَّهُ عَنِ النَّقائِصِ كَقَوْلِهِ عَزَّ وجَلَّ ﴿تَعالى عَمّا يُشْرِكُونَ﴾ [النحل: ٣] .
وحَذْفُ الياءِ مِنَ المُتَعالِ لِمُراعاةِ الفَواصِلِ السّاكِنَةِ؛ لِأنَّ الأفْصَحَ في
صفحة ٩٩
المَنقُوصِ غَيْرِ المُنَوَّنِ إثْباتُ الياءِ في الوَقْفِ إلّا إذا وقَعَتْ في القافِيَةِ أوْ في الفَواصِلِ كَما في هَذِهِ الآيَةِ لِمُراعاةِ (مِن والٍ) . (والآصالِ) .
وقَدْ ذَكَرَ سِيبَوَيْهِ أنَّ ما يُخْتارُ إثْباتُهُ مِنَ الياءاتِ والواواتِ يُحْذَفُ في الفَواصِلِ والقَوافِي، والإثْباتُ أقْيَسُ، والحَذْفُ عَرَبِيٌّ كَثِيرٌ.
Page 250
13:6
وَيَسۡتَعۡجِلُونَكَ بِٱلسَّيِّئَةِ قَبۡلَ ٱلۡحَسَنَةِ وَقَدۡ خَلَتۡ مِن قَبۡلِهِمُ ٱلۡمَثُلَٰتُۗ وَإِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغۡفِرَةٖ لِّلنَّاسِ عَلَىٰ ظُلۡمِهِمۡۖ وَإِنَّ رَبَّكَ لَشَدِيدُ ٱلۡعِقَابِ ٦
They impatiently urge you to bring about evil before good,1 while there has already occurred before them similar punishments [to what they demand]. And indeed, your Lord is the possessor of forgiveness for the people despite their wrongdoing, and indeed, your Lord is severe in penalty.
1 translator’s note
- They said, challenging the Prophet (ﷺ) in ridicule, "Bring on the punishment, if you are truthful," rather than asking for mercy and forgiveness from Allāh. ↩
13:7
وَيَقُولُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ لَوۡلَآ أُنزِلَ عَلَيۡهِ ءَايَةٞ مِّن رَّبِّهِۦٓۗ إِنَّمَآ أَنتَ مُنذِرٞۖ وَلِكُلِّ قَوۡمٍ هَادٍ ٧
And those who disbelieved say, "Why has a sign not been sent down to him from his Lord?" You are only a warner, and for every people is a guide.
13:8
ٱللَّهُ يَعۡلَمُ مَا تَحۡمِلُ كُلُّ أُنثَىٰ وَمَا تَغِيضُ ٱلۡأَرۡحَامُ وَمَا تَزۡدَادُۚ وَكُلُّ شَيۡءٍ عِندَهُۥ بِمِقۡدَارٍ ٨
Allāh knows what every female carries1 and what the wombs lose [prematurely] or exceed.2 And everything with Him is by due measure.
13:9
عَٰلِمُ ٱلۡغَيۡبِ وَٱلشَّهَٰدَةِ ٱلۡكَبِيرُ ٱلۡمُتَعَالِ ٩
[He is] Knower of the unseen and the witnessed, the Grand, the Exalted.
13:10
سَوَآءٞ مِّنكُم مَّنۡ أَسَرَّ ٱلۡقَوۡلَ وَمَن جَهَرَ بِهِۦ وَمَنۡ هُوَ مُسۡتَخۡفِۭ بِٱلَّيۡلِ وَسَارِبُۢ بِٱلنَّهَارِ ١٠
It is the same [to Him] concerning you whether one conceals [his] speech or publicizes it and whether one is hidden by night or conspicuous [among others] by day.
13:11
لَهُۥ مُعَقِّبَٰتٞ مِّنۢ بَيۡنِ يَدَيۡهِ وَمِنۡ خَلۡفِهِۦ يَحۡفَظُونَهُۥ مِنۡ أَمۡرِ ٱللَّهِۗ إِنَّ ٱللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوۡمٍ حَتَّىٰ يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنفُسِهِمۡۗ وَإِذَآ أَرَادَ ٱللَّهُ بِقَوۡمٖ سُوٓءٗا فَلَا مَرَدَّ لَهُۥۚ وَمَا لَهُم مِّن دُونِهِۦ مِن وَالٍ ١١
For him [i.e., each one] are successive [angels]1 before and behind him who protect him by the decree of Allāh.2 Indeed, Allāh will not change the condition of a people until they change what is in themselves. And when Allāh intends for a people ill,3 there is no repelling it. And there is not for them besides Him any patron.
13:12
هُوَ ٱلَّذِي يُرِيكُمُ ٱلۡبَرۡقَ خَوۡفٗا وَطَمَعٗا وَيُنشِئُ ٱلسَّحَابَ ٱلثِّقَالَ ١٢
It is He who shows you lightning, [causing] fear and aspiration, and generates the heavy clouds.
13:13
وَيُسَبِّحُ ٱلرَّعۡدُ بِحَمۡدِهِۦ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ مِنۡ خِيفَتِهِۦ وَيُرۡسِلُ ٱلصَّوَٰعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَن يَشَآءُ وَهُمۡ يُجَٰدِلُونَ فِي ٱللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ ٱلۡمِحَالِ ١٣
And the thunder exalts [Allāh] with praise of Him - and the angels [as well] from fear of Him - and He sends thunderbolts and strikes therewith whom He wills while they dispute about Allāh; and He is severe in assault.