Ibrahim 14:23
Abraham · Juz 13 · Page 258
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 14:22–23
قوله عزّ وجلّ:
﴿وَقالَ الشَيْطانُ لَمّا قُضِيَ الأمْرُ إنَّ اللهَ وعَدَكم وعْدَ الحَقِّ ووَعَدْتُكم فَأخْلَفْتُكم وما كانَ لِي عَلَيْكم مِن سُلْطانٍ إلا أنْ دَعَوْتُكم فاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي ولُومُوا أنْفُسَكم ما أنا بِمُصْرِخِكم وما أنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إنِّي كَفَرْتُ بِما أشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إنَّ الظالِمِينَ لَهم عَذابٌ ألِيمٌ﴾ ﴿وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وعَمِلُوا الصالِحاتِ جَنّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِها الأنْهارُ خالِدِينَ فِيها بِإذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهم فِيها سَلامٌ﴾
المُرادُ ها هُنا "بِالشَيْطانِ" إبْلِيسُ الأقْدَمُ نَفْسُهُ، ورُوِيَ في حَدِيثٍ عَنِ النَبِيِّ عَلَيْهِ الصَلاةُ والسَلامُ مِن طَرِيقِ عُقْبَةَ بْنِ عامِرٍ أنَّهُ قالَ: « "يَقُومُ يَوْمَ القِيامَةِ خَطِيبانِ: أحَدُهُما إبْلِيسُ، يَقُومُ في الكَفَرَةِ بِهَذِهِ الألْفاظِ، والثانِي عِيسى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَلامُ، يَقُومُ (p-٢٣٩)بِقَوْلِهِ: ﴿ما قُلْتُ لَهم إلا ما أمَرْتَنِي بِهِ﴾ [المائدة: ١١٧]» وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: يَقُومُ إبْلِيسُ خَطِيبُ السُوءِ، الصادِقُ بِهَذِهِ الآيَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى مَعْنى هَذِهِ الرِواياتِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾ أيْ: تَعَيَّنَ قَوْمٌ لِدُخُولٍ النارِ، وقَوْمٌ لِدُخُولِ الجَنَّةِ، وذَلِكَ كُلُّهُ في المَوْقِفِ.
ورُوِيَ في حَدِيثٍ أنَّ إبْلِيسَ إنَّما يَقُومُ بِهَذِهِ الألْفاظِ في النارِ عَلى أهْلِها عِنْدَ قَوْلِهِمْ: ﴿ما لَنا مِن مَحِيصٍ﴾ [إبراهيم: ٢١] في الآيَةِ المُتَقَدِّمَةِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحْمَهُ اللهُ:
فَعَلى هَذِهِ الرِوايَةِ يَكُونُ مَعْنى قَوْلِهِ تَعالى: ﴿قُضِيَ الأمْرُ﴾، أيْ: حَصَلَ أهْلُ النارِ في النارِ، وأهْلُ الجَنَّةِ، وهو تَأْوِيلُ الطَبَرِيُّ. و"قُضِيَ" قَدْ يُعَبَّرُ بِها في الأُمُورِ عن فِعْلٍ كَقَوْلِهِ تَعالى: ﴿وَقُضِيَ الأمْرُ واسْتَوَتْ عَلى الجُودِيِّ﴾ [هود: ٤٤]، وقَدْ يُعَبَّرُ بِها عن عَزْمٍ عَلى أنْ يَفْعَلَ كَقَوْلُهُ: ﴿قُضِيَ الأمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيانِ﴾ [يوسف: ٤١].
و"الوَعْدُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الخَيْرِ، أيْ إنَّ اللهَ وعَدَهُمُ النَعِيمَ إنْ آمَنُوا، ووَعَدَهم إبْلِيسُ الظَفَرَ والأمَلَ إنْ كَذَّبُوا، ومَعْلُومٌ اقْتِرانُ وعْدِ اللهِ بِوَعِيدِهِ، واتَّفَقَ أنْ لَمْ يَتَّبِعُوا طَلَبَ وعْدِ اللهِ فَوَقَعُوا في وعِيدِهِ، وجاءَ مِن ذَلِكَ كَأنَّ إبْلِيسَ أخْلَفَهم.
والسُلْطانُ: الحُجَّةُ البَيِّنَةُ، وقَوْلُهُ: ﴿إلا أنْ دَعَوْتُكُمْ﴾ اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ، و"أنْ" في مَوْضِعِ نَصْبٍ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ في مَوْضِعِ رَفْعٍ عَلى مَعْنى: إلّا أنَّ النائِبَ عَنِ السُلْطانِ (p-٢٤٠)أنْ دَعْوَتُكُمْ، فَيَكُونُ هَذا في المَعْنى كَقَوْلِ الشاعِرِ:
.....................
؎ تَحِيَّةُ بَيْنِهِمْ ضَرْبٌ وجِيعُ
ومَعْنى قَوْلِهِ: ﴿فاسْتَجَبْتُمْ لِي﴾ أيْ: رَأيْتُمْ ما دَعَوْتُكم إلَيْهِ بِبَصِيرَتِكُمْ، واعْتَقَدْتُمُوهُ الرَأْيَ، وأتى نَظَرُكم عَلَيْهِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذَكَرَ بَعْضُ الناسِ أنَّ هَذا المَكانَ يَبْطُلُ مِنهُ التَقْلِيدُ، وفي هَذِهِ المَقالَةِ ضَعْفٌ عَلى احْتِمالِها، والتَقْلِيدُ وإنَّ كانَ باطِلًا فَفَسادُهُ مِن غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ.
ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ بِالسُلْطانِ في هَذِهِ الآيَةِ الغَلَبَةَ والقُدْرَةَ والمُلْكَ، أيْ: ما اضْطَرَرْتُكم ولا خَوَّفْتُكم بِقُوَّةٍ مِنِّي، بَلْ عَرَضْتُ عَلَيْكم شَيْئًا فَأتى رَأْيُكم عَلَيْهِ.
وقَوْلُهُ: ﴿فَلا تَلُومُونِي﴾ يُرِيدُ بِزَعْمِهِ: إذْ لا ذَنْبَ لِي، ﴿وَلُومُوا أنْفُسَكُمْ﴾ في سُوءِ نَظَرِكم وقِلَّةِ تَثَبُّتِكُمْ، فَإنَّكم إنَّما أتَيْتُمُ اتِّباعِي عن بَصِيرَةٍ مِنكم وتَكَسُّبٍ. و"المُصْرِخُ": المُغِيثُ، والصارِخُ: المُسْتَغِيثُ. ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ كُنّا إذا ما أتانا صارِخٌ فَزِعٌ ∗∗∗ ∗∗∗ كانَ الصُراخُ لَهُ قَطْعُ الظَنابِيبِ
فَيُقالُ: "صَرَخَ الرَجُلُ وأصْرَخَ غَيْرَهُ"، وأمّا "الصَرِيخُ" فَهو مَصْدَرٌ بِمَنزِلَةِ البَرِيحِ، (p-٢٤١)وَيُوصَفُ بِهِ كَما يُقالُ: "رَجُلٌ عَدْلٌ" ونَحْوِهِ.
وقَرَأ حَمْزَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ وثّابٍ: "بِمُصْرِخِيِّ" بِكَسْرِ الياءِ تَشْبِيهًا بِياءِ الإضْمارِ في قَوْلِهِ: بِمُصْرِخِيِّهِ، ورَّدَ الزَجّاجُ هَذِهِ القِراءَةَ وقالَ: هي رَدِيئَةٌ مَرْذُولَةٌ، وقالَ فِيها القاسِمُ بْنُ مَعْنٍ: إنَّها صَوابٌ، ووَجَّهَها أبُو عَلِيٍّ، وحَكى أبُو حاتِمٍ أنَّ أبا عَمْرٍو حَسَّنَها، وأنْكَرَ أبُو حاتِمٍ عَلى أبِي عَمْرٍو.
وقَوْلُهُ: ﴿بِما أشْرَكْتُمُونِ﴾ أيْ: مَعَ اللهِ تَعالى في الطاعَةِ الَّتِي يَنْبَغِي أنْ يُفْرَدَ اللهُ بِها، فَـ "ما" مَصْدَرِيَّةٌ، وكَأنَّهُ يَقُولُ: إنِّي الآنَ كافِرٌ بِإشْراكِكم إيّايَ مَعَ اللهِ قَبْلَ هَذا الوَقْتِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَهَذا تَبِرٍّ مِنهُ، وقَدْ قالَ اللهُ تَعالى: ﴿وَيَوْمَ القِيامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ﴾ [فاطر: ١٤]، ويُحْتَمَلُ أنْ يَكُونَ اللَفْظُ إقْرارًا عَلى نَفْسِهِ بِكُفْرِهِ الأقْدَمِ، فَتَكُونُ "ما" بِمَعْنى الَّذِي، يُرِيدُ "اللهَ" (p-٢٤٢)تَعالى، أيْ: خَطِيئَتِي قَبْلَ خَطِيئَتِكم فَلا إصْراخَ عِنْدِي، وباقِي الآيَةِ بَيِّنٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "وَأُدْخِلَ" عَلى بِناءِ الفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ، وقَرَأ الحَسَنُ: "وَأُدْخِلُ" عَلى فِعْلِ المُتَكَلِّمِ، أيْ: يَقُولُها اللهُ تَعالى، وقَوْلُهُ: ﴿مِن تَحْتِها الأنْهارُ﴾ أيْ: مِن تَحْتِ ما عَلا مِنها كالغُرَفِ والمَبانِي والأشْجارِ وغَيْرِهِ، و"الخُلُودُ" في هَذِهِ الآيَةِ عَلى بابِهِ في الدَوامِ، و"الإذْنُ" هُنا عِبارَةٌ عَنِ القَضاءِ والإمْضاءِ. وقَوْلُهُ: "تَحِيَّتُهُمْ" مَصْدَرٌ مُضافٌ إلى الضَمِيرِ، فَجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْمَفْعُولِ، أيْ تُحَيِّيهِمُ المَلائِكَةُ، وجائِزٌ أنْ يَكُونَ الضَمِيرُ لِلْفاعِلِ، أيْ: يُحَيِّي بَعْضُهم بَعْضًا، و"تَحِيَّتُهُمْ" رُفِعَ بِالِابْتِداءِ، و"سَلامٌ" ابْتِداءٌ ثانٍ وخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: عَلَيْكُمْ، والجُمْلَةُ خَبَرُ الأوَّلِ، والجَمِيعُ في مَوْضِعِ الحالِ مِنَ الضَمِيرِ في "خالِدِينَ"، أو يَكُونُ صِفَةً لِـ "جَنّاتٍ".
Page 258
14:19
أَلَمۡ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضَ بِٱلۡحَقِّۚ إِن يَشَأۡ يُذۡهِبۡكُمۡ وَيَأۡتِ بِخَلۡقٖ جَدِيدٖ ١٩
Have you not seen [i.e., considered] that Allāh created the heavens and the earth in truth? If He wills, He can do away with you and produce a new creation.
14:20
وَمَا ذَٰلِكَ عَلَى ٱللَّهِ بِعَزِيزٖ ٢٠
And that is not difficult for Allāh.
14:21
وَبَرَزُواْ لِلَّهِ جَمِيعٗا فَقَالَ ٱلضُّعَفَٰٓؤُاْ لِلَّذِينَ ٱسۡتَكۡبَرُوٓاْ إِنَّا كُنَّا لَكُمۡ تَبَعٗا فَهَلۡ أَنتُم مُّغۡنُونَ عَنَّا مِنۡ عَذَابِ ٱللَّهِ مِن شَيۡءٖۚ قَالُواْ لَوۡ هَدَىٰنَا ٱللَّهُ لَهَدَيۡنَٰكُمۡۖ سَوَآءٌ عَلَيۡنَآ أَجَزِعۡنَآ أَمۡ صَبَرۡنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٖ ٢١
And they will come out [for judgement] before Allāh all together, and the weak will say to those who were arrogant, "Indeed, we were your followers, so can you avail us anything against the punishment of Allāh?" They will say, "If Allāh had guided us, we would have guided you. It is all the same for us whether we show intolerance or are patient: there is for us no place of escape."
14:22
وَقَالَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لَمَّا قُضِيَ ٱلۡأَمۡرُ إِنَّ ٱللَّهَ وَعَدَكُمۡ وَعۡدَ ٱلۡحَقِّ وَوَعَدتُّكُمۡ فَأَخۡلَفۡتُكُمۡۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيۡكُم مِّن سُلۡطَٰنٍ إِلَّآ أَن دَعَوۡتُكُمۡ فَٱسۡتَجَبۡتُمۡ لِيۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوٓاْ أَنفُسَكُمۖ مَّآ أَنَا۠ بِمُصۡرِخِكُمۡ وَمَآ أَنتُم بِمُصۡرِخِيَّ إِنِّي كَفَرۡتُ بِمَآ أَشۡرَكۡتُمُونِ مِن قَبۡلُۗ إِنَّ ٱلظَّٰلِمِينَ لَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ٢٢
And Satan will say when the matter has been concluded, "Indeed, Allāh had promised you the promise of truth. And I promised you, but I betrayed you. But I had no authority over you except that I invited you, and you responded to me. So do not blame me; but blame yourselves. I cannot be called to your aid, nor can you be called to my aid. Indeed, I deny your association of me [with Allāh] before.1 Indeed, for the wrongdoers is a painful punishment."
1 translator’s note
- By your obedience to me instead of Him during life on earth. ↩
14:23
وَأُدۡخِلَ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّٰلِحَٰتِ جَنَّٰتٖ تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُ خَٰلِدِينَ فِيهَا بِإِذۡنِ رَبِّهِمۡۖ تَحِيَّتُهُمۡ فِيهَا سَلَٰمٌ ٢٣
And those who believed and did righteous deeds will be admitted to gardens beneath which rivers flow, abiding eternally therein by permission of their Lord; and their greeting therein will be, "Peace!"
14:24
أَلَمۡ تَرَ كَيۡفَ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا كَلِمَةٗ طَيِّبَةٗ كَشَجَرَةٖ طَيِّبَةٍ أَصۡلُهَا ثَابِتٞ وَفَرۡعُهَا فِي ٱلسَّمَآءِ ٢٤
Have you not considered how Allāh presents an example, [making] a good word like a good tree, whose root is firmly fixed and its branches [high] in the sky?