An-NahlJuz 14 · Page 279

An-Nahl 16:110

The Bee · Juz 14 · Page 279

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

Tafsir · in Arabic

Ibn 'Ashur

Detailed

Whole surah

Change

Commentary on 16:110

﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾

عَطْفٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إيمانِهِ﴾ [النحل: ١٠٦] إلى قَوْلِهِ هُمُ الخاسِرُونَ.

صفحة ٢٩٩

و(ثُمَّ) لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ، كَما هو شَأْنُها في عَطْفِها الجُمَلَ؛ وذَلِكَ أنَّ مَضْمُونَ هَذِهِ الجُمْلَةِ المَعْطُوفَةِ أعْظَمُ رُتْبَةً مِنَ المَعْطُوفِ عَلَيْها؛ إذْ لا أعْظَمَ مِن رِضى اللَّهِ تَعالى كَما قالَ تَعالى ﴿ورِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أكْبَرُ﴾ [التوبة: ٧٢] .

والمُرادُ بِـ الَّذِينَ هاجَرُوا المُهاجِرُونَ إلى الحَبَشَةِ الَّذِينَ أذِنَ لَهُمُ النَّبِيءُ ﷺ بِالهِجْرَةِ لِلتَّخَلُّصِ مِن أذى المُشْرِكِينَ، ولا يَسْتَقِيمُ مَعْنى الهِجْرَةِ إلّا لِهَذِهِ الهِجْرَةِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ.

قالَ ابْنُ إسْحاقَ فَلَمّا رَأى رَسُولُ اللَّهِ ﷺ ما يُصِيبُ أصْحابَهُ مِنَ البَلاءِ وما هو فِيهِ مِنَ العافِيَةِ بِمَكانِهِ مِنَ اللَّهِ، ومِن عَمِّهِ أبِي طالِبٍ، وأنَّهُ لا يَقْدِرُ عَلى أنْ يَمْنَعَهم مِمّا هم فِيهِ مِنَ البَلاءِ، قالَ لَهم: «لَوْ خَرَجْتُمْ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ فَإنَّ بِها مَلِكًا لا يُظْلَمُ عِنْدَهُ أحَدٌ، وهي أرْضُ صِدْقٍ حَتّى يَجْعَلَ اللَّهُ لَكم فَرَجًا مِمّا أنْتُمْ فِيهِ»؛ فَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ المُسْلِمُونَ مِن أصْحابِ رَسُولِ اللَّهِ إلى أرْضِ الحَبَشَةِ مَخافَةَ الفِتْنَةِ وفِرارًا بِدِينِهِمُ اهـ.

فَإنَّ اللَّهَ لَمّا ذَكَرَ الَّذِينَ آمَنُوا، وصَبَرُوا عَلى الأذى وعَذَرَ الَّذِينَ اتَّقَوْا عَذابَ الفِتْنَةِ بِأنْ قالُوا كَلامَ الكُفْرِ بِأفْواهِهِمْ، ولَكِنَّ قُلُوبَهم مُطَمْئِنَّةٌ بِالإيمانِ ذَكَرَ فَرِيقًا آخَرَ فازُوا بِفِرارٍ مِنَ الفِتْنَةِ؛ لِئَلّا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ أنَّ بُعْدَهم عَنِ النَّبِيءِ ﷺ في تِلْكَ الشِّدَّةِ يُوهِنُ جَماعَةَ المُسْلِمِينَ فاسْتَوْفى ذِكْرَ فِرَقِ المُسْلِمِينَ كُلِّها، وقَدْ أوْمَأ إلى حَظِّهِمْ مِنَ الفَضْلِ بِقَوْلِهِ: (هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا) فَسَمّى عَمَلَهم هِجْرَةً.

وهَذا الِاسْمُ في مُصْطَلَحِ القُرْآنِ يَدُلُّ عَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ لِأجْلِ المُحافَظَةِ عَلى الدِّينِ، كَما حُكِيَ عَنْ إبْراهِيمَ عَلَيْهِ السَّلامُ وقالَ: إنِّي مُهاجِرٌ إلى رَبِّي، وقالَ في الأنْصارِ ﴿يُحِبُّونَ مَن هاجَرَ إلَيْهِمْ﴾ [الحشر: ٩]، أيِ المُؤْمِنِينَ الَّذِينَ فارَقُوا مَكَّةَ.

وسَمّى ما لَقَوْهُ مِنَ المُشْرِكِينَ فِتْنَةً، والفِتْنَةُ: العَذابُ والأذى الشَّدِيدُ المُتَكَرِّرُ الَّذِي لا يَتْرُكُ لِمَن يَقَعُ بِهِ صَبْرًا ولا رَأْيًا، قالَ تَعالى ﴿يَوْمَ هم عَلى

صفحة ٣٠٠

النّارِ يُفْتَنُونَ﴾ [الذاريات: ١٣] ﴿ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ﴾ [الذاريات: ١٤]، وقالَ ﴿إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا المُؤْمِنِينَ والمُؤْمِناتِ﴾ [البروج: ١٠]، وتَقَدَّمَ بَيانُها عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿والفِتْنَةُ أشَدُّ مِنَ القَتْلِ﴾ [البقرة: ١٩١] في سُورَةِ البَقَرَةِ، أيْ فَقَدْ نالَهُمُ الأذى في اللَّهِ.

والمُجاهَدَةُ: المُقاوَمَةُ بِالجُهْدِ، أيِ الطّاقَةِ.

والمُرادُ بِالمُجاهَدَةِ هُنا دِفاعُهُمُ المُشْرِكِينَ عَنْ أنْ يَرُدُّوهم إلى الكُفْرِ.

وهاتانِ الآيَتانِ مَكِّيَّتانِ نازِلَتانِ قَبْلَ شَرْعِ الجِهادِ الَّذِي هو بِمَعْنى قِتالِ الكُفّارِ لِنَصْرِ الدِّينِ.

والصَّبْرُ: الثَّباتُ عَلى تَحَمُّلِ المَكْرُوهِ والمَشاقِّ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿واسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ والصَّلاةِ﴾ [البقرة: ٤٥] في سُورَةِ البَقَرَةِ.

وأكَّدَ الخَبَرَ بِحَرْفِ التَّوْكِيدِ اللَّفْظِيِّ؛ لِتَحْقِيقِ الوَعْدِ، والِاهْتِمامُ يَدْفَعُ النَّقِيصَةَ عَنْهم في الفَضْلِ.

ويَدُلُّ عَلى ذَلِكَ ما في صَحِيحِ البُخارِيِّ: «أنَّ أسْماءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ، وهي مِمَّنْ قَدِمَ مِن أرْضِ الحَبَشَةِ، دَخَلَتْ عَلى حَفْصَةَ فَدَخَلَ عُمَرُ عَلَيْها فَقالَ لَها: سَبَقْناكم بِالهِجْرَةِ فَنَحْنُ أحَقُّ بِرَسُولِ اللَّهِ مِنكم، فَغَضِبَتْ أسْماءُ وقالَتْ: كَلّا واللَّهِ، كُنْتُمْ مَعَ النَّبِيءِ يُطْعِمُ جائِعَكم ويَعِظُ جاهِلَكم، وكُنّا في أرْضِ البَعْداءِ البَغْضاءِ بِالحَبَشَةِ، ونَحْنُ كُنّا نَؤْذى ونَخافُ، وذَلِكَ في اللَّهِ ورَسُولِهِ، وايْمُ اللَّهِ لا أطْعَمُ طَعامًا ولا أشْرَبُ شَرابًا حَتّى أذْكُرَ ما قُلْتَ لِرَسُولِ اللَّهِ، فَلَمّا جاءَ النَّبِيءُ ﷺ بَيْتَ حَفْصَةَ قالَتْ: أسْماءُ: يا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ عُمَرَ قالَ كَذا وكَذا، قالَ: فَما قُلْتِ لَهُ ؟ قالَتْ: قُلْتُ لَهُ كَذا وكَذا، قالَ لَيْسَ بِأحَقَّ بِي مِنكم، ولَهُ ولِأصْحابِهِ هِجْرَةٌ واحِدَةٌ ولَكم أنْتُمْ أهْلَ السَّفِينَةِ هِجْرَتانِ» .

واللّامُ في قَوْلِهِ ﴿لِلَّذِينَ هاجَرُوا﴾ مُتَعَلِّقٌ بِـ غَفُورٌ مُقَدَّمٌ عَلَيْهِ لِلِاهْتِمامِ، وأُعِيدَ إنَّ رَبَّكَ ثانِيًا لِطُولِ الفَصْلِ بَيْنَ اسْمِ (إنَّ) وخَبَرِها المُقْتَرِنِ بِلامِ الِابْتِداءِ مَعَ إفادَةِ التَّأْكِيدِ اللَّفْظِيِّ.

صفحة ٣٠١

وتَعْرِيفُ المُسْنَدِ إلَيْهِ الَّذِي هو اسْمُ (إنَّ) بِطَرِيقِ الإضافَةِ دُونَ العَلَمِيَّةِ لِما يُومِئُ إلَيْهِ إضافَةُ لَفْظِ (رَبَّ) إلى ضَمِيرِ النَّبِيءِ مِن كَوْنِ المَغْفِرَةِ والرَّحْمَةِ لِأصْحابِهِ كانَتْ؛ لِأنَّهم أُوذُوا لِأجْلِ اللَّهِ، ولِأجْلِ النَّبِيءِ ﷺ فَكانَ إسْنادُ المَغْفِرَةِ إلى اللَّهِ بِعُنْوانِ كَوْنِهِ رَبَّ مُحَمَّدٍ ﷺ حاصِلًا أُسْلُوبٌ يَدُلُّ عَلى الذّاتِ العَلِيَّةِ، وعَلى الذّاتِ المُحَمَّدِيَّةِ.

وهَذا مِن أدَقِّ لَطائِفِ القُرْآنِ في قَرْنِ اسْمِ النَّبِيءِ بِاسْمِ اللَّهِ بِمُناسَبَةِ هَذا الإسْنادِ بِخُصُوصِهِ.

وضَمِيرُ (مِن بَعْدِها) عائِدٌ إلى الهِجْرَةِ المُسْتَفادَةِ مِن هاجَرُوا، أوْ إلى المَذْكُوراتِ: مِن هِجْرَةٍ، وفِتْنَةٍ، وجِهادٍ، وصَبْرٍ، أوْ إلى الفِتْنَةِ المَأْخُوذَةِ مَن (فَتَنُوا)، وكُلِّ تِلْكَ الِاحْتِمالاتِ تُشِيرُ إلى أنَّ المَغْفِرَةَ والرَّحْمَةَ لَهم جَزاءٌ عَلى بَعْضِ تِلْكَ الأفْعالِ، أوْ كُلِّها.

وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ فَتَنُوا بِفَتْحِ الفاءِ والتّاءِ عَلى البِناءِ لِلْفاعِلِ، وهي لُغَةٌ في افْتَتَنَ، بِمَعْنى (وقَعَ) في الفِتْنَةِ.

Saheeh International · Ibn 'Ashur · Quranic Universal Library (Tarteel), via spa5k/tafsir_api · Quran Foundation

Page 279

An-NahlJuz 14 · Page 279

16:103

وَلَقَدۡ نَعۡلَمُ أَنَّهُمۡ يَقُولُونَ إِنَّمَا يُعَلِّمُهُۥ بَشَرٞۗ لِّسَانُ ٱلَّذِي يُلۡحِدُونَ إِلَيۡهِ أَعۡجَمِيّٞ وَهَٰذَا لِسَانٌ عَرَبِيّٞ مُّبِينٌ ١٠٣

And We certainly know that they say, "It is only a human being who teaches him [i.e., the Prophet (ﷺ)]." The tongue of the one they refer to is foreign,1 and this [recitation, i.e., Qur’ān] is [in] a clear Arabic language.

1 translator’s note
  1. Having seen the Prophet (ﷺ) speaking with a foreign man on occasion, the Quraysh accused him of repeating the man's words. ↩

16:104

إِنَّ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ لَا يَهۡدِيهِمُ ٱللَّهُ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٌ ١٠٤

Indeed, those who do not believe in the verses of Allāh - Allāh will not guide them, and for them is a painful punishment.

16:105

إِنَّمَا يَفۡتَرِي ٱلۡكَذِبَ ٱلَّذِينَ لَا يُؤۡمِنُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡكَٰذِبُونَ ١٠٥

They only invent falsehood who do not believe in the verses of Allāh, and it is those who are the liars.

16:106

مَن كَفَرَ بِٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ إِيمَٰنِهِۦٓ إِلَّا مَنۡ أُكۡرِهَ وَقَلۡبُهُۥ مُطۡمَئِنُّۢ بِٱلۡإِيمَٰنِ وَلَٰكِن مَّن شَرَحَ بِٱلۡكُفۡرِ صَدۡرٗا فَعَلَيۡهِمۡ غَضَبٞ مِّنَ ٱللَّهِ وَلَهُمۡ عَذَابٌ عَظِيمٞ ١٠٦

Whoever disbelieves in [i.e., denies] Allāh after his belief...1 except for one who is forced [to renounce his religion] while his heart is secure in faith. But those who [willingly] open their breasts to disbelief, upon them is wrath from Allāh, and for them is a great punishment;

1 translator’s note
  1. Based upon the conclusion of this verse, the omitted phrase concerning the apostate is understood to be "...has earned the wrath of Allāh..." ↩

16:107

ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمُ ٱسۡتَحَبُّواْ ٱلۡحَيَوٰةَ ٱلدُّنۡيَا عَلَى ٱلۡأٓخِرَةِ وَأَنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي ٱلۡقَوۡمَ ٱلۡكَٰفِرِينَ ١٠٧

That is because they preferred the worldly life over the Hereafter and that Allāh does not guide the disbelieving people.

16:108

أُوْلَٰٓئِكَ ٱلَّذِينَ طَبَعَ ٱللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ وَسَمۡعِهِمۡ وَأَبۡصَٰرِهِمۡۖ وَأُوْلَٰٓئِكَ هُمُ ٱلۡغَٰفِلُونَ ١٠٨

Those are the ones over whose hearts and hearing and vision Allāh has sealed, and it is those who are the heedless.

16:109

لَا جَرَمَ أَنَّهُمۡ فِي ٱلۡأٓخِرَةِ هُمُ ٱلۡخَٰسِرُونَ ١٠٩

Assuredly, it is they, in the Hereafter, who will be the losers.

16:110

ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هَاجَرُواْ مِنۢ بَعۡدِ مَا فُتِنُواْ ثُمَّ جَٰهَدُواْ وَصَبَرُوٓاْ إِنَّ رَبَّكَ مِنۢ بَعۡدِهَا لَغَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٠

Then, indeed your Lord, to those who emigrated after they had been compelled [to say words of disbelief] and thereafter fought [for the cause of Allāh] and were patient - indeed, your Lord, after that, is Forgiving and Merciful

Ibn 'AshurTafsir · 16:110

Contents

Ayat al-Kursi36Al-Kahfpage 42juz 15Bukhari 1Muslim 2999

Style

Theme
Text size
View

Читать на русском