An-Nahl 16:111
The Bee · Juz 14 · Page 280
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 16:107–111
قوله عزّ وجلّ:
﴿ذَلِكَ بِأنَّهُمُ اسْتَحَبُّوا الحَياةَ الدُنْيا عَلى الآخِرَةِ وأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ وسَمْعِهِمْ وأبْصارِهِمْ وأُولَئِكَ هُمُ الغافِلُونَ﴾ ﴿لا جَرَمَ أنَّهم في الآخِرَةِ هُمُ الخاسِرُونَ﴾ ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا ثُمَّ جاهَدُوا وصَبَرُوا إنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِها لَغَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ عن نَفْسِها وتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ ما عَمِلَتْ وهم لا يُظْلَمُونَ﴾
"ذَلِكَ" إشارَةٌ إلى الغَضَبِ والعَذابِ الَّذِي تَوَعَّدَ بِهِ قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، والضَمِيرُ في "أنَّهُمْ" لِمَن شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، ولَمّا فَعَلُوا فِعْلَ مَنِ اسْتَحَبَّ أُلْزِمُوا ذَلِكَ وإنْ كانُوا غَيْرَ (p-٤١٥)مُصَدِّقِينَ بِالآخِرَةِ، لَكِنَّ الأمْرَ في نَفْسِهِ بَيِّنٌ، فَمِن حَيْثُ أعْرَضُوا عَنِ النَظَرِ فِيهِ كانُوا كَمَنِ اسْتَحَبَّ غَيْرَهُ، وهَذِهِ الآيَةُ عَلَّقَ فِيها العِقابَ بِتَكَسُّبِهِمْ وذَلِكَ أنَّ اسْتِحْبابَهم زِينَةَ الدُنْيا ولَذّاتِ الكُفْرِ هو التَكَسُّبُ.
وقَوْلُهُ: ﴿وَأنَّ اللهَ لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ إشارَةٌ إلى اخْتِراعِ اللهِ تَعالى الكُفْرَ في قُلُوبِهِمْ، ولا شَكَّ أنَّ كُفْرَ الكافِرِ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِهِ العِقابُ إنَّما هو بِاخْتِراعٍ مِنَ اللهِ تَعالى وتَكَسُّبٍ مِنَ الكافِرِ، فَجَمَعَتِ الآيَةُ بَيْنَ الأمْرَيْنِ، وعَلى هَذا مَرَّتْ عَقِيدَةُ أهْلِ السُنَّةِ. وقَوْلُهُ: ﴿لا يَهْدِي القَوْمَ الكافِرِينَ﴾ عُمُومٌ عَلى أنَّهُ لا يَهْدِيهِمْ مِن حَيْثُ هم كُفّارٌ في نَفْسِ كُفْرِهِمْ، أو عُمُومٌ يُرادُ بِهِ الخُصُوصُ فِيمَن يُوافِي.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللهُ عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ الآيَةُ، عِبارَةٌ عن صَرْفِ اللهِ لَهم عن طَرِيقِ الهُدى، واخْتِراعِ الكَفْرِ المُظْلِمِ في قُلُوبِهِمْ، وتَغْلِيبِ الإعْراضِ عَلى نَظَرِهِمْ، فَكَأنَّهُ سَدَّ بِذَلِكَ طُرُقَ هَذِهِ الحَواسِّ حَتّى لا يُنْتَفَعَ بِها في اعْتِبارٍ وتَأمُّلٍ، وقَدْ تَقَدَّمَ القَوْلُ وذِكْرُ الِاخْتِلافِ في الطَبْعِ والخَتْمِ في سُورَةِ البَقَرَةِ، وهَلْ هو حَقِيقَةٌ أو مَجازٌ. و"السَمْعُ": اسْمُ جِنْسٍ، وهو مَصْدَرٌ في الأصْلِ، فَلِذَلِكَ وحَّدَ، ونَبَّهَ عَلى تَكَسُّبِهِمُ الإعْراضَ عَنِ النَظَرِ فَوَصَفَهم بِالغَفْلَةِ، وقَدْ سَبَقَ شَرْحُ "لا جَرَمَ" في هَذِهِ السُورَةِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ الآيَةُ. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما: كانَ قَوْمٌ مِن أهْلِ مَكَّةَ أسْلَمُوا، وكانُوا يَسْتَخِفُّونَ بِالإسْلامِ، فَأخْرَجَهُمُ المُشْرِكُونَ يَوْمَ بَدْرٍ مَعَهُمْ، فَأُصِيبَ بَعْضُهُمْ، فَقالَ المُسْلِمُونَ: كانَ أصْحابُنا هَؤُلاءِ مُسْلِمِينَ وأُكْرِهُوا فاسْتَغْفِرُوا لَهُمْ، فَنَزَلَتْ: ﴿إنَّ الَّذِينَ تَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ﴾ [النساء: ٩٧] إلى آخِرِ الآيَةِ، قالَ: وكُتِبَ بِها إلى مَن بَقِيَ مِنَ المُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ، وأنْ لا عُذْرَ لَهُمْ، فَخَرَجُوا فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَأعْطَوْهُمُ الفِتْنَةَ، فَنَزَلَتْ فِيهِمْ ﴿وَمِنَ الناسِ مَن يَقُولُ آمَنّا بِاللهِ﴾ [البقرة: ٨] إلى آخَرَ الآيَةِ، فَكَتَبَ المُسْلِمُونَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ، فَخَرَجُوا ويَئِسُوا مِن (p-٤١٦)كُلِّ خَيْرٍ، ثُمَّ نَزَلَتْ فِيهِمْ: ﴿ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ هاجَرُوا مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا﴾ فَكَتَبُوا إلَيْهِمْ بِذَلِكَ أنَّ اللهَ قَدْ جَعَلَ لَكم مَخْرَجًا، فَلَحِقَهُمُ المُشْرِكُونَ فَقاتَلُوهم حَتّى نَجا مَن نَجا، وقُتِلَ مَن قُتِلَ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
جاءَتِ الرِوايَةُ هَكَذا أنَّهم بَعْدَ نُزُولِ الآيَةِ خَرَجُوا، فَيَجِيءُ الجِهادُ الَّذِي ذُكِرَ في الآيَةِ جِهادُهم مَعَ رَسُولِ اللهِ ﷺ عَلى الإسْلامِ، ورَوَتْ طائِفَةٌ أنَّهم خَرَجُوا واتَّبَعُوا وجاهَدُوا مُتَّبِعِيهِمْ، فَقُتِلَ مَن قُتِلَ، ونَجا مَن نَجا، فَنَزَلَتِ الآيَةُ حِينَئِذٍ، فَمَعْنى بِالجِهادِ المَذْكُورِ جِهادُهم لِمُتَّبِعِيهِمْ.
وقالَ ابْنُ إسْحاقَ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في عَمّارِ بْنِ ياسِرٍ، وعِياشِ بْنِ أبِي رَبِيعَةَ، والوَلِيدِ بْنِ الوَلِيدِ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وذِكْرُ عَمّارٍ في هَذا عِنْدِي غَيْرُ قَوِيمٍ، فَإنَّهُ أرْفَعُ مِن طَبَقَةِ هَؤُلاءِ، وإنَّما هَؤُلاءِ مَن تابَ مِمَّنْ شَرَحَ بِالكُفْرِ صَدْرًا، فَتَحَ اللهُ لَهم بابَ التَوْبَةِ في آخِرِ الآيَةِ.
وقالَ عِكْرِمَةُ، والحُسْنُ: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في شَأْنِ عَبْدِ اللهِ بْنِ أبِي سَرْحٍ وأشْباهِهِ، فَكَأنَّهُ قالَ: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. وهَذِهِ الآيَةُ مَدَنِيَّةٌ، ولا أعْلَمُ في ذَلِكَ خِلافًا، وإنْ وُجِدَ فَهو ضَعِيفٌ.
وقَرَأ الجُمْهُورُ: "مِن بَعْدِ ما فُتِنُوا" بِضَمِّ الفاءِ وكَسْرِ التاءِ، وقَرَأ ابْنُ عامِرٍ وحْدَهُ بِفَتْحِها، فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَيَجِيءُ بِمَعْنى: فَتَنُوا أنْفُسَهم بِما أعْطَوْا لِلْمُشْرِكِينَ مِنَ القَوْلِ، كَما فَعَلَ عَمّارُ بْنُ ياسِرٍ، وأمّا عَلى قِراءَةِ الجُمْهُورِ فَإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُعَذَّبِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ المُشْرِكُونَ، وإنْ كانَ الضَمِيرُ لِلْمُشْرِكِينَ فَهو بِمَعْنى: مِن بَعْدِ ما فَتَنَهُمُ الشَيْطانُ. والضَمِيرُ في "بَعْدِها" عائِدٌ عَلى الفِتْنَةِ، أو عَلى الفَعْلَةِ، أوِ الهِجْرَةِ، أوِ التَوْبَةِ، والكَلامُ يُعْطِيها، وإنْ لَمْ يَجُرْ لَها ذَكْرٌ صَرِيحٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجادِلُ﴾، المَعْنى: لَغَفُورٌ رَحِيمٌ يَوْمَ، وقَوْلُهُ: ﴿كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: "كُلُّ ذِي نَفْسٍ". ثُمَّ أجْرِي الفِعْلَ عَلى المُضافِ إلَيْهِ المَذْكُورِ فَأنَّثَ (p-٤١٧)العَلامَةَ، و"نَفْسٍ" الأولى هي النَفْسُ المَعْرُوفَةُ، والثانِيَةُ هي بِمَعْنى الذاتِ، كَما تَقُولُ: نَفْسُ الشَيْءِ وعَيْنُهُ، أيْ ذاتُهُ. ﴿وَتُوَفّى كُلُّ نَفْسٍ﴾ أيْ: تُجازى، كُلُّ مَن أحْسَنَ بِإحْسانِهِ، وكُلُّ مَن أساءَ بِإساءَتِهِ.
وظاهِرُ الآيَةِ أنَّ كُلَّ نَفْسٍ تُجادِلُ، مُؤْمِنَةً كانَتْ أو كافِرَةً، فَإذا جادَلَ الكَفّارُ بِكَذِبِهِمْ وجَحْدِهِمْ لِلْكُفْرِ شَهِدَتْ عَلَيْهِمُ الجَوارِحُ والرُسُلُ وغَيْرَ ذَلِكَ بِحَسْبِ الطَوائِفِ، فَحِينَئِذٍ لا يَنْطِقُونَ، ﴿وَلا يُؤْذَنُ لَهم فَيَعْتَذِرُونَ﴾ [المرسلات: ٣٦]، فَتَجْتَمِعُ آياتُ القُرْآنِ بِاخْتِلافِ المُواطِنِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُ كُلِّ أحَدٍ مِنَ الأنْبِياءِ وغَيْرِهِمْ: نَفْسِي نَفْسِي، وهَذا لَيْسَ بِجِدالٍ ولا احْتِجاجٍ، إنَّما هو مُجَرَّدُ رَغْبَةٍ.
Page 280
16:111
۞ يَوۡمَ تَأۡتِي كُلُّ نَفۡسٖ تُجَٰدِلُ عَن نَّفۡسِهَا وَتُوَفَّىٰ كُلُّ نَفۡسٖ مَّا عَمِلَتۡ وَهُمۡ لَا يُظۡلَمُونَ ١١١
On the Day when every soul will come disputing [i.e., pleading] for itself, and every soul will be fully compensated for what it did, and they will not be wronged [i.e., treated unjustly].
16:112
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا قَرۡيَةٗ كَانَتۡ ءَامِنَةٗ مُّطۡمَئِنَّةٗ يَأۡتِيهَا رِزۡقُهَا رَغَدٗا مِّن كُلِّ مَكَانٖ فَكَفَرَتۡ بِأَنۡعُمِ ٱللَّهِ فَأَذَٰقَهَا ٱللَّهُ لِبَاسَ ٱلۡجُوعِ وَٱلۡخَوۡفِ بِمَا كَانُواْ يَصۡنَعُونَ ١١٢
And Allāh presents an example: a city [i.e., Makkah] which was safe and secure, its provision coming to it in abundance from every location, but it denied the favors of Allāh. So Allāh made it taste the envelopment of hunger and fear for what they had been doing.
16:113
وَلَقَدۡ جَآءَهُمۡ رَسُولٞ مِّنۡهُمۡ فَكَذَّبُوهُ فَأَخَذَهُمُ ٱلۡعَذَابُ وَهُمۡ ظَٰلِمُونَ ١١٣
And there had certainly come to them a Messenger from among themselves, but they denied him; so punishment overtook them while they were wrongdoers.
16:114
فَكُلُواْ مِمَّا رَزَقَكُمُ ٱللَّهُ حَلَٰلٗا طَيِّبٗا وَٱشۡكُرُواْ نِعۡمَتَ ٱللَّهِ إِن كُنتُمۡ إِيَّاهُ تَعۡبُدُونَ ١١٤
Then eat of what Allāh has provided for you [which is] lawful and good. And be grateful for the favor of Allāh, if it is [indeed] Him that you worship.
16:115
إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيۡكُمُ ٱلۡمَيۡتَةَ وَٱلدَّمَ وَلَحۡمَ ٱلۡخِنزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيۡرِ ٱللَّهِ بِهِۦۖ فَمَنِ ٱضۡطُرَّ غَيۡرَ بَاغٖ وَلَا عَادٖ فَإِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٞ رَّحِيمٞ ١١٥
He has only forbidden to you dead animals,1 blood, the flesh of swine, and that which has been dedicated to other than Allāh. But whoever is forced [by necessity], neither desiring [it] nor transgressing [its limit] - then indeed, Allāh is Forgiving and Merciful.
1 translator’s note
- Those not slaughtered or hunted expressly for food. ↩
16:116
وَلَا تَقُولُواْ لِمَا تَصِفُ أَلۡسِنَتُكُمُ ٱلۡكَذِبَ هَٰذَا حَلَٰلٞ وَهَٰذَا حَرَامٞ لِّتَفۡتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَۚ إِنَّ ٱلَّذِينَ يَفۡتَرُونَ عَلَى ٱللَّهِ ٱلۡكَذِبَ لَا يُفۡلِحُونَ ١١٦
And do not say about what your tongues assert of untruth, "This is lawful and this is unlawful," to invent falsehood about Allāh. Indeed, those who invent falsehood about Allāh will not succeed.
16:117
مَتَٰعٞ قَلِيلٞ وَلَهُمۡ عَذَابٌ أَلِيمٞ ١١٧
[It is but] a brief enjoyment, and they will have a painful punishment.
16:118
وَعَلَى ٱلَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمۡنَا مَا قَصَصۡنَا عَلَيۡكَ مِن قَبۡلُۖ وَمَا ظَلَمۡنَٰهُمۡ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ١١٨
And to those who are Jews We have prohibited that which We related to you before.1 And We did not wrong them [thereby], but they were wronging themselves.
1 translator’s note
- See 6:146. ↩