An-Nahl 16:28
The Bee · Juz 14 · Page 270
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
1 translator’s note
- i.e., having made punishment due to them for their numerous sins and crimes. ↩
Tafsir · in Arabic
Ash-Shinqiti
Detailed
Change
Commentary on 16:28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿فَألْقَوُا السَّلَمَ﴾، أيْ: الِاسْتِسْلامَ والخُضُوعَ. والمَعْنى: أظْهَرُوا كَمالَ الطّاعَةِ والِانْقِيادِ، وتَرَكُوا ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الشِّقاقِ. وذَلِكَ عِنْدَما يُعايِنُونَ المَوْتَ، أوْ يَوْمَ القِيامَةِ. يَعْنِي: أنَّهم في الدُّنْيا يُشاقُّونَ الرُّسُلَ، أيْ: يُخالِفُونَهم ويُعادُونَهم، فَإذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، أيْ: خَضَعُوا واسْتَسْلَمُوا وانْقادُوا حَيْثُ لا يَنْفَعُهم ذَلِكَ.
وَمِمّا يَدُلُّ مِنَ القُرْآنِ عَلى أنَّ المُرادَ بِإلْقاءِ السَّلَمِ: الخُضُوعُ والِاسْتِسَلامُ، قَوْلُهُ: ﴿وَلا تَقُولُوا لِمَن ألْقى إلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾ [النساء: ٩٤]، عَلى قِراءَةِ نافِعٍ وابْنِ عامِرٍ وحَمْزَةَ بِلا ألِفٍ بَعْدَ اللّامِ. بِمَعْنى الِانْقِيادِ والإذْعانِ. وقَوْلُهُ: ﴿فَإنِ اعْتَزَلُوكم فَلَمْ يُقاتِلُوكم وألْقَوْا إلَيْكُمُ السَّلَمَ﴾ الآيَةَ [النساء: ٩١] .
والقَوْلُ بِأنَّ السَّلَمَ في الآيَتَيْنِ الأخِيرَتَيْنِ: الصُّلْحُ والمُهادَنَةُ لا يُنافِي ما ذَكَرْنا؛ لِأنَّ المُصالِحَ مُنْقادٌ مُذْعِنٌ لِما وافَقَ عَلَيْهِ مِن تَرْكِ السُّوءِ. وقَوْلُهُ: ﴿وَألْقَوْا إلى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ السَّلَمَ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [النحل: ٧٨]، فَكُلُّهُ بِمَعْنى الِاسْتِسْلامِ والخُضُوعِ والِانْقِيادِ. والِانْقِيادُ عِنْدَ مُعايَنَةِ المَوْتِ لا يَنْفَعُ، كَما قَدَّمْنا، وكَما دَلَّتْ عَلَيْهِ آياتٌ كَثِيرَةٌ؛ كَقَوْلِهِ: ﴿وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئاتِ حَتّى إذا حَضَرَ أحَدَهُمُ المَوْتُ قالَ إنِّي تُبْتُ الآنَ﴾ الآيَةَ [النساء: ١٨]، وقَوْلِهِ: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهم إيمانُهم لَمّا رَأوْا بَأْسَنا﴾ الآيَةَ [غافر: ٨٥] (p-٣٦٨)وَقَوْلِهِ: ﴿آلْآنَ وقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وكُنْتَ مِنَ المُفْسِدِينَ﴾ [يونس: ٩١]، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
* *
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، يَعْنِي أنَّ الَّذِينَ تَتَوَفّاهُمُ المَلائِكَةُ في حالِ كَوْنِهِمْ ظالِمِي أنْفُسِهِمْ إذا عايَنُوا الحَقِيقَةَ ألْقَوُا السَّلَمَ، وقالُوا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَقَوْلُهُ ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾، مَعْمُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ بِلا خِلافٍ.
والمَعْنى: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ مِنَ السُّوءِ، وهو الكُفْرُ وتَكْذِيبُ الرُّسُلِ والمَعاصِي. وقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ كَذِبَهم بِقَوْلِهِ: ﴿بَلى إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النحل: ٢٨] .
وَبَيَّنَ في مَواضِعَ أُخَرَ: أنَّهم يُنْكِرُونَ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي كَما ذَكَرَ هُنا. وبَيَّنَ كَذِبَهم في ذَلِكَ أيْضًا؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهم إلّا أنْ قالُوا واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلى أنْفُسِهِمْ وضَلَّ عَنْهم ما كانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأنعام: ٢٣ - ٢٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿قالُوا ضَلُّوا عَنّا بَلْ لَمْ نَكُنْ نَدْعُو مِن قَبْلُ شَيْئًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ﴾ [غافر: ٧٤]،
• وقَوْلِهِ: ﴿يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعًا فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَما يَحْلِفُونَ لَكم ويَحْسَبُونَ أنَّهم عَلى شَيْءٍ ألا إنَّهم هُمُ الكاذِبُونَ﴾ [المجادلة: ١٨]،
• وقَوْلِهِ: ﴿وَيَقُولُونَ حِجْرًا مَحْجُورًا﴾ [الفرقان: ٢٢]،
أيْ: حَرامًا مُحَرَّمًا أنْ تَمَسُّونا بِسُوءٍ؛ لِأنّا لَمْ نَفْعَلْ ما نَسْتَحِقُّ بِهِ ذَلِكَ، إلى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الآياتِ.
وَقَوْلُهُ هُنا: ”بَلى“ [النحل: ٢٨]، تَكْذِيبٌ لَهم في قَوْلِهِمْ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ .
تَنْبِيهٌ.
لَفْظَةُ: ”بَلى“ لا تَأْتِي في اللُّغَةِ العَرَبِيَّةِ إلّا لِأحَدِ مَعْنَيَيْنِ، لا ثالِثَ لَهُما:
الأوَّلُ: أنْ تَأْتِيَ لِإبْطالِ نَفْيٍ سابِقٍ في الكَلامِ، فَهي نَقِيضَةُ ”لا“؛ لِأنَّ ”لا“ لِنَفْيِ الإثْباتِ، و ”بَلى“، لِنَفْيِ النَّفْيِ؛ كَقَوْلِهِ هُنا: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، فَهَذا النَّفْيُ نَفَتْهُ لَفْظَةُ ”بَلى“، أيْ: كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ السُّوءَ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، وكَقَوْلِهِ: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلى ورَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: ٧]، وكَقَوْلِهِ: ﴿وَقالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينا السّاعَةُ قُلْ بَلى ورَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ﴾ [سبإ: ٣]، وقَوْلِهِ: ﴿وَقالُوا لَنْ يَدْخُلَ الجَنَّةَ (p-٣٦٩)إلّا مَن كانَ هُودًا أوْ نَصارى﴾ [البقرة: ١١١]، فَإنَّهُ نَفى هَذا النَّفْيَ بِقَوْلِهِ - جَلَّ وعَلا -: ﴿بَلى مَن أسْلَمَ وجْهَهُ لِلَّهِ﴾ الآيَةَ [البقرة: ١١٢]، ومِثْلُ هَذا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ.
الثّانِي: أنْ تَكُونَ جَوابًا لِاسْتِفْهامٍ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ خاصَّةً؛
• كَقَوْلِهِ: ﴿ألَسْتُ بِرَبِّكم قالُوا بَلى﴾ [الأعراف: ١٧٢]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ والأرْضَ بِقادِرٍ عَلى أنْ يَخْلُقَ مِثْلَهم بَلى﴾ [يس: ٨١]،
• وقَوْلِهِ: ﴿أوَ لَمْ تَكُ تَأْتِيكم رُسُلُكم بِالبَيِّناتِ قالُوا بَلى﴾ [غافر: ٥٠]،
وهَذا أيْضًا كَثِيرٌ في القُرْآنِ وفي كَلامِ العَرَبِ. أمّا إذا كانَ الِاسْتِفْهامُ غَيْرَ مُقْتَرِنٍ بِنَفْيٍ فَجَوابُهُ بِ ”، نَعَمْ“ لا بِـ ”، بَلى“، وجَوابُ الِاسْتِفْهامِ المُقْتَرِنِ بِنَفْيٍ و ”نَعَمْ“ مَسْمُوعٌ غَيْرُ قِياسِيٍّ؛ كَقَوْلِهِ:
؎ألَيْسَ اللَّيْلُ يَجْمَعُ أُمَّ عَمْرٍو وإيّانا فَذاكَ لَنا تَدانِي نَعَمْ
؎وَتَرى الهِلالَ كَما أراهُ ∗∗∗ ويَعْلُوها النَّهارُ كَما عَلانِي
فالمَحَلُّ لِـ ”بَلى“ لا لِـ ”نَعَمْ“ في هَذا البَيْتِ.
فَإنْ قِيلَ: هَذِهِ الآياتُ تَدُلُّ عَلى أنَّ الكُفّارَ يَكْتُمُونَ يَوْمَ القِيامَةِ ما كانُوا عَلَيْهِ مِنَ الكُفْرِ والمَعاصِي، كَقَوْلِهِ عَنْهم: ﴿واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣]، وقَوْلِهِ: ﴿ما كُنّا نَعْمَلُ مِن سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨]، ونَحْوِ ذَلِكَ. مَعَ أنَّ اللَّهَ صَرَّحَ بِأنَّهم لا يَكْتُمُونَ حَدِيثًا في قَوْلِهِ: ﴿وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ [النساء: ٤٢] .
فالجَوابُ: هو ما قَدَّمْنا مِن أنَّهم يَقُولُونَ بِألْسِنَتِهِمْ: ”واللَّهِ رَبِّنا ما كُنّا مُشْرِكِينَ“؛ فَيَخْتِمُ اللَّهُ عَلى أفْواهِهِمْ، وتَتَكَلَّمُ أيْدِيهِمْ وأرْجُلُهم بِما كانُوا يَكْسِبُونَ، فالكَتْمُ بِاعْتِبارِ النُّطْقِ بِالجُحُودِ وبِالألْسِنَةِ، وعَدَمُ الكَتْمِ بِاعْتِبارِ شَهادَةِ أعْضائِهِمْ عَلَيْهِمْ. والعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعالى.
Page 270
16:27
ثُمَّ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ يُخۡزِيهِمۡ وَيَقُولُ أَيۡنَ شُرَكَآءِيَ ٱلَّذِينَ كُنتُمۡ تُشَٰٓقُّونَ فِيهِمۡۚ قَالَ ٱلَّذِينَ أُوتُواْ ٱلۡعِلۡمَ إِنَّ ٱلۡخِزۡيَ ٱلۡيَوۡمَ وَٱلسُّوٓءَ عَلَى ٱلۡكَٰفِرِينَ ٢٧
Then on the Day of Resurrection He will disgrace them and say, "Where are My 'partners' for whom you used to oppose [the believers]?" Those who were given knowledge will say, "Indeed disgrace, this Day, and evil are upon the disbelievers" -
16:28
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ ظَالِمِيٓ أَنفُسِهِمۡۖ فَأَلۡقَوُاْ ٱلسَّلَمَ مَا كُنَّا نَعۡمَلُ مِن سُوٓءِۭۚ بَلَىٰٓۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلِيمُۢ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٢٨
The ones whom the angels take in death [while] wronging themselves,1 and [who] then offer submission, [saying], "We were not doing any evil." But, yes! Indeed, Allāh is Knowing of what you used to do.
1 translator’s note
- i.e., having made punishment due to them for their numerous sins and crimes. ↩
16:29
فَٱدۡخُلُوٓاْ أَبۡوَٰبَ جَهَنَّمَ خَٰلِدِينَ فِيهَاۖ فَلَبِئۡسَ مَثۡوَى ٱلۡمُتَكَبِّرِينَ ٢٩
So enter the gates of Hell to abide eternally therein, and how wretched is the residence of the arrogant.
16:30
۞ وَقِيلَ لِلَّذِينَ ٱتَّقَوۡاْ مَاذَآ أَنزَلَ رَبُّكُمۡۚ قَالُواْ خَيۡرٗاۗ لِّلَّذِينَ أَحۡسَنُواْ فِي هَٰذِهِ ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٞۚ وَلَدَارُ ٱلۡأٓخِرَةِ خَيۡرٞۚ وَلَنِعۡمَ دَارُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣٠
And it will be said to those who feared Allāh, "What did your Lord send down?" They will say, "[That which is] good." For those who do good in this world is good; and the home of the Hereafter is better. And how excellent is the home of the righteous -
16:31
جَنَّٰتُ عَدۡنٖ يَدۡخُلُونَهَا تَجۡرِي مِن تَحۡتِهَا ٱلۡأَنۡهَٰرُۖ لَهُمۡ فِيهَا مَا يَشَآءُونَۚ كَذَٰلِكَ يَجۡزِي ٱللَّهُ ٱلۡمُتَّقِينَ ٣١
Gardens of perpetual residence, which they will enter, beneath which rivers flow. They will have therein whatever they wish. Thus does Allāh reward the righteous -
16:32
ٱلَّذِينَ تَتَوَفَّىٰهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ طَيِّبِينَ يَقُولُونَ سَلَٰمٌ عَلَيۡكُمُ ٱدۡخُلُواْ ٱلۡجَنَّةَ بِمَا كُنتُمۡ تَعۡمَلُونَ ٣٢
The ones whom the angels take in death, [being] good and pure; [the angels] will say, "Peace be upon you. Enter Paradise for what you used to do."
16:33
هَلۡ يَنظُرُونَ إِلَّآ أَن تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ أَوۡ يَأۡتِيَ أَمۡرُ رَبِّكَۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ وَمَا ظَلَمَهُمُ ٱللَّهُ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمۡ يَظۡلِمُونَ ٣٣
Do they [i.e., the disbelievers] await except that the angels should come to them or there comes the command of your Lord? Thus did those do before them. And Allāh wronged them not, but they had been wronging themselves.
16:34
فَأَصَابَهُمۡ سَيِّـَٔاتُ مَا عَمِلُواْ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسۡتَهۡزِءُونَ ٣٤
So they were struck by the evil consequences of what they did and were enveloped by what they used to ridicule.