An-Nahl 16:42
The Bee · Juz 14 · Page 271
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 16:41–42
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾
اعْلَمْ أنَّهُ تَعالى لَمّا حَكى عَنِ الكُفّارِ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أيْمانِهِمْ عَلى إنْكارِ البَعْثِ والقِيامَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلى أنَّهم تَمادَوْا في الغَيِّ والجَهْلِ والضَّلالِ، وفي مِثْلِ هَذِهِ الحالَةِ لا يَبْعُدُ إقْدامُهم عَلى إيذاءِ المُسْلِمِينَ وضَرِّهِمْ، وإنْزالِ العُقُوباتِ بِهِمْ، وحِينَئِذٍ يَلْزَمُ عَلى المُؤْمِنِينَ أنْ يُهاجِرُوا عَنْ تِلْكَ الدِّيارِ والمَساكِنِ، فَذَكَرَ تَعالى في هَذِهِ الآيَةِ حُكْمَ تِلْكَ الهِجْرَةِ، وبَيَّنَ ما لِهَؤُلاءِ المُهاجِرِينَ مِنَ الحَسَناتِ في الدُّنْيا، والأجْرِ في الآخِرَةِ مِن حَيْثُ هاجَرُوا وصَبَرُوا وتَوَكَّلُوا عَلى اللَّهِ، وذَلِكَ تَرْغِيبٌ لِغَيْرِهِمْ في طاعَةِ اللَّهِ تَعالى. قالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما: نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ في سِتَّةٍ مِنَ الصَّحابَةِ صُهَيْبٍ وبِلالٍ وعَمّارٍ وخَبّابٍ وعابِسٍ وجُبَيْرٍ مَوْلَيَيْنِ لِقُرَيْشٍ، فَجَعَلُوا يُعَذِّبُونَهم لِيَرُدُّوهم عَنِ الإسْلامِ، أمّا صُهَيْبٌ فَقالَ لَهم: أنا رَجُلٌ كَبِيرٌ إنْ كُنْتُ لَكم لَمْ أنْفَعْكم، وإنْ كُنْتُ عَلَيْكم لَمْ أضُرَّكم، فافْتَدى مِنهم بِمالِهِ، فَلَمّا رَآهُ أبُو بَكْرٍ قالَ: رَبِحَ البَيْعُ يا صُهَيْبُ، وقالَ عُمَرُ: نِعْمَ الرَّجُلُ صُهَيْبٌ لَوْ لَمْ يَخَفِ اللَّهَ لَمْ يَعْصِهِ، وهو ثَناءٌ عَظِيمٌ يُرِيدُ: لَوْ لَمْ يَخْلُقِ اللَّهُ النّارَ لَأطاعَهُ، فَكَيْفَ ظَنُّكَ بِهِ وقَدْ خَلَقَها ؟ وأمّا سائِرُهم فَقَدْ قالُوا بَعْضَ ما أرادَ أهْلُ مَكَّةَ مِن كَلِمَةِ الكُفْرِ والرُّجُوعِ عَنِ الإسْلامِ، فَتَرَكُوا عَذابَهم، ثُمَّ هاجَرُوا فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ، وبَيَّنَ اللَّهُ تَعالى بِهَذِهِ الآيَةِ عِظَمَ مَحَلِّ الهِجْرَةِ ومَحَلِّ المُهاجِرِينَ، فالوجه فِيهِ ظاهِرٌ؛ لِأنَّ بِسَبَبِ هِجْرَتِهِمْ ظَهَرَتْ قُوَّةُ الإسْلامِ، كَما أنَّ بِنُصْرَةِ الأنْصارِ قَوِيَتْ شَوْكَتُهم، ودَلَّ تَعالى بِقَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللَّهِ﴾ أنَّ الهِجْرَةَ إذا لَمْ تَكُنْ لِلَّهِ لَمْ يَكُنْ لَها مَوْقِعٌ، وكانَتْ بِمَنزِلَةِ الِانْتِقالِ مِن بَلَدٍ إلى
صفحة ٢٩
بَلَدٍ، وقَوْلُهُ: ﴿مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا﴾ مَعْناهُ أنَّهم كانُوا مَظْلُومِينَ في أيْدِي الكُفّارِ، لِأنَّهم كانُوا يُعَذِّبُونَهم.
ثم قال: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا حَسَنَةً﴾ وفِيهِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّ قَوْلَهُ: ﴿حَسَنَةً﴾ صِفَةٌ لِلْمَصْدَرِ مِن قَوْلِهِ: ﴿لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا﴾ والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم تَبْوِئَةً حَسَنَةً، وفي قِراءَةِ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلامُ: (لَنُبَوِّئَنَّهم إبْواءَةً حَسَنَةً ) .
الثّانِي: لَنُنْزِلَنَّهم في الدُّنْيا مَنزِلَةً حَسَنَةً، وهي الغَلَبَةُ عَلى أهْلِ مَكَّةَ الَّذِينَ ظَلَمُوهم، وعَلى العَرَبِ قاطِبَةً، وعَلى أهْلِ المَشْرِقِ والمَغْرِبِ، وعَنْ عُمَرَ أنَّهُ كانَ إذا أعْطى رَجُلًا مِنَ المُهاجِرِينَ عَطاءً قالَ: خُذْ بارَكَ اللَّهُ لَكَ فِيهِ، هَذا ما وعَدَكَ اللَّهُ في الدُّنْيا، وما ذَخَرَ لَكَ في الآخِرَةِ أكْبَرُ.
والقَوْلُ الثّالِثُ: لَنُبَوِّئَنَّهم مَباءَةً حَسَنَةً وهي المَدِينَةُ حَيْثُ آواهم أهْلُها ونَصَرُوهم، وهَذا قَوْلُ الحَسَنِ والشَّعْبِيِّ وقَتادَةَ، والتَّقْدِيرُ: لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُّنْيا دارًا حَسَنَةً أوْ بَلْدَةً حَسَنَةً يَعْنِي: المَدِينَةَ.
ثم قال تَعالى: ﴿ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ﴾ وأعْظَمُ وأشْرَفُ؛ ﴿لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ والضَّمِيرُ إلى مَن يَعُودُ ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
الأوَّلُ: أنَّهُ عائِدٌ إلى الكُفّارِ، أيْ: لَوْ عَلِمُوا أنَّ اللَّهَ تَعالى يَجْمَعُ لِهَؤُلاءِ المُسْتَضْعَفِينَ في أيْدِيهِمُ الدُّنْيا والآخِرَةَ لَرَغِبُوا في دِينِهِمْ.
والثّانِي: أنَّهُ راجِعٌ إلى المُهاجِرِينَ، أيْ: لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ لَزادُوا في اجْتِهادِهِمْ وصَبْرِهِمْ.
ثم قال: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ وفي مَحَلِّ: ﴿الَّذِينَ﴾ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: أنَّهُ بَدَلٌ مِن قَوْلِهِ: ﴿والَّذِينَ هاجَرُوا﴾ .
والثّانِي: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: هُمُ الَّذِينَ صَبَرُوا.
والثّالِثُ: أنْ يَكُونَ التَّقْدِيرُ: أعْنِي: الَّذِينَ صَبَرُوا، وكِلا الوجه يْنِ مَدْحٌ، والمَعْنى: أنَّهم صَبَرُوا عَلى العَذابِ وعَلى مُفارَقَةِ الوَطَنِ الَّذِي هو حَرَمُ اللَّهِ، وعَلى المُجاهَدَةِ وبَذْلِ الأمْوالِ والأنْفُسِ في سَبِيلِ اللَّهِ، وبِالجُمْلَةِ فَقَدْ ذَكَرَ فِيهِ الصَّبْرَ والتَّوَكُّلَ. أمّا الصَّبْرُ فَلِلسَّعْيِ في قَهْرِ النَّفْسِ، وأمّا التَّوَكُّلُ فَلِلِانْقِطاعِ بِالكُلِّيَّةِ مِنَ الخَلْقِ والتَّوَجُّهِ بِالكُلِّيَّةِ إلى الحَقِّ، فالأوَّلُ: هو مَبْدَأُ السُّلُوكِ إلى اللَّهِ تَعالى.
والثّانِي: آخِرُ هَذا الطَّرِيقِ ونِهايَتُهُ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Page 271
16:35
وَقَالَ ٱلَّذِينَ أَشۡرَكُواْ لَوۡ شَآءَ ٱللَّهُ مَا عَبَدۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖ نَّحۡنُ وَلَآ ءَابَآؤُنَا وَلَا حَرَّمۡنَا مِن دُونِهِۦ مِن شَيۡءٖۚ كَذَٰلِكَ فَعَلَ ٱلَّذِينَ مِن قَبۡلِهِمۡۚ فَهَلۡ عَلَى ٱلرُّسُلِ إِلَّا ٱلۡبَلَٰغُ ٱلۡمُبِينُ ٣٥
And those who associate others with Allāh say, "If Allāh had willed, we would not have worshipped anything other than Him, neither we nor our fathers, nor would we have forbidden anything through other than Him." Thus did those do before them. So is there upon the messengers except [the duty of] clear notification?
16:36
وَلَقَدۡ بَعَثۡنَا فِي كُلِّ أُمَّةٖ رَّسُولًا أَنِ ٱعۡبُدُواْ ٱللَّهَ وَٱجۡتَنِبُواْ ٱلطَّٰغُوتَۖ فَمِنۡهُم مَّنۡ هَدَى ٱللَّهُ وَمِنۡهُم مَّنۡ حَقَّتۡ عَلَيۡهِ ٱلضَّلَٰلَةُۚ فَسِيرُواْ فِي ٱلۡأَرۡضِ فَٱنظُرُواْ كَيۡفَ كَانَ عَٰقِبَةُ ٱلۡمُكَذِّبِينَ ٣٦
And We certainly sent into every nation a messenger, [saying], "Worship Allāh and avoid ṭāghūt."1 And among them were those whom Allāh guided, and among them were those upon whom error was [deservedly] decreed. So proceed [i.e., travel] through the earth and observe how was the end of the deniers.
1 translator’s note
- False objects of worship. ↩
16:37
إِن تَحۡرِصۡ عَلَىٰ هُدَىٰهُمۡ فَإِنَّ ٱللَّهَ لَا يَهۡدِي مَن يُضِلُّۖ وَمَا لَهُم مِّن نَّٰصِرِينَ ٣٧
[Even] if you should strive for their guidance, [O Muḥammad], indeed, Allāh does not guide those He sends astray,1 and they will have no helpers.
1 translator’s note
- As a result of their choice to reject guidance. ↩
16:38
وَأَقۡسَمُواْ بِٱللَّهِ جَهۡدَ أَيۡمَٰنِهِمۡ لَا يَبۡعَثُ ٱللَّهُ مَن يَمُوتُۚ بَلَىٰ وَعۡدًا عَلَيۡهِ حَقّٗا وَلَٰكِنَّ أَكۡثَرَ ٱلنَّاسِ لَا يَعۡلَمُونَ ٣٨
And they swear by Allāh their strongest oaths [that] Allāh will not resurrect one who dies. But yes - [it is] a true promise [binding] upon Him, but most of the people do not know.
16:39
لِيُبَيِّنَ لَهُمُ ٱلَّذِي يَخۡتَلِفُونَ فِيهِ وَلِيَعۡلَمَ ٱلَّذِينَ كَفَرُوٓاْ أَنَّهُمۡ كَانُواْ كَٰذِبِينَ ٣٩
[It is] so He will make clear to them [the truth of] that wherein they differ and so those who have disbelieved may know that they were liars.
16:40
إِنَّمَا قَوۡلُنَا لِشَيۡءٍ إِذَآ أَرَدۡنَٰهُ أَن نَّقُولَ لَهُۥ كُن فَيَكُونُ ٤٠
Indeed, Our word to a thing when We intend it is but that We say to it, "Be," and it is.
16:41
وَٱلَّذِينَ هَاجَرُواْ فِي ٱللَّهِ مِنۢ بَعۡدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوِّئَنَّهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا حَسَنَةٗۖ وَلَأَجۡرُ ٱلۡأٓخِرَةِ أَكۡبَرُۚ لَوۡ كَانُواْ يَعۡلَمُونَ ٤١
And those who emigrated for [the cause of] Allāh after they had been wronged - We will surely settle them in this world in a good place; but the reward of the Hereafter is greater, if only they could know.
16:42
ٱلَّذِينَ صَبَرُواْ وَعَلَىٰ رَبِّهِمۡ يَتَوَكَّلُونَ ٤٢
[They are] those who endured patiently and upon their Lord relied.