An-Nahl 16:43
The Bee · Juz 14 · Page 272
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 16:41–44
قوله عزّ وجلّ:
﴿والَّذِينَ هاجَرُوا في اللهِ مِن بَعْدِ ما ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهم في الدُنْيا حَسَنَةً ولأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ لَوْ كانُوا يَعْلَمُونَ﴾ ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا وعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾ ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ إلا رِجالا نُوحِي إلَيْهِمْ فاسْألُوا أهْلَ الذِكْرِ إنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ﴾ ﴿بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ وأنْزَلْنا إلَيْكَ الذِكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنّاسِ ما نُزِّلَ إلَيْهِمْ ولَعَلَّهم يَتَفَكَّرُونَ﴾
لِمّا ذَكَرَ اللهُ تَعالى كُفّارَ مَكَّةَ الَّذِينَ أقْسَمُوا أنَّ اللهَ لا يَبْعَثُ مَن يَمُوتُ ورَدَ عَلَيْهِمْ قَوْلَهم ذَكَرَ مُؤْمِنِي مَكَّةَ المُعاصِرِينَ لَهُمْ، وهُمُ الَّذِينَ هاجَرُوا إلى أرْضِ الحَبَشَةِ، هَذا قَوْلُ الجُمْهُورِ، وهو الصَحِيحُ في سَبَبِ هَذِهِ الآيَةِ، لِأنَّ هِجْرَةَ المَدِينَةِ لَمْ تَكُنْ وقْتَ نُزُولِ الآيَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: سَبَبُ الآيَةِ أبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرُو، وهَذا ضَعِيفٌ، لِأنَّ أمْرَ أبِي جَنْدَلٍ إنَّما كانَ والنَبِيِّ ﷺ بِالمَدِينَةِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: نَزَلَتْ في عَمّارٍ وصُهَيْبٍ وخَبّابٍ وأصْحابِهِمُ الَّذِينَ أُوذُوا بِمَكَّةَ وخَرَجُوا عنها، وعَلى كُلِّ قَوْلٍ فالآيَةُ تَتَناوَلُ بِالمَعْنى كُلَّ مَن هاجَرَ أوَّلًا وآخِرًا.
وقَرَأ الجُمْهُورُ "لِنُبَوِّئَنَّهُمْ"، وقَرَأ ابْنُ مَسْعُودٍ، ونَعِيمُ بْنُ مَيْسَرَةَ، والرَبِيعُ بْنُ خَثْيَمٍ، (p-٣٥٧)وَأمِيرُ المُؤْمِنِينَ عَلِيُّ بْنُ أبِي طالِبٍ رَضِيَ اللهُ عنهُ: "لَنُثْوِيَنَّهُمْ"، وهاتانِ اللَفْظَتانِ مَعْناهُما التَقْرِيرُ في مَوْضِعٍ، فَقالَتْ فِرْقَةٌ: "الحَسَنَةُ" عِدَةٌ بِبُقْعَةٍ شَرِيفَةٍ كَشَفَ الغَيْبَ أنَّها كانَتِ المَدِينَةَ، وإلَيْها كانَتِ الإشارَةُ بِقَوْلِهِ: "حَسَنَةً"، وقالَتْ فِرْقَةٌ: الحَسَنَةُ لِسانُ الصِدْقِ الباقِي عَلَيْهِمْ في غابِرِ الدَهْرِ، وفي قَوْلِهِ: "لَنُبَوِّئَنَّهُمْ" أو "لَنُثْوِيَنَّهُمْ" عَلى هَذا التَأْوِيلِ في لِسانِ الصِدْقِ تَجَوُّزٌ كَثِيرٌ واسْتِعارَةٌ بَعِيدَةٌ، وهَذا عَلى أنَّ "الحَسَنَةَ" هي الحَياةُ والمَثْوى، وأنَّ الفِعْلَ الظاهِرَ عامَلٌ فِيها، وقالَأبُو الفَتْحِ: نَصَبَها عَلى مَعْنى: "نُحْسِنُ إلَيْهِمْ في ذَلِكَ إحْسانًا"، وجُعِلَتْ "حَسَنَةٌ" مَوْضِعَ "إحْسانًا"، وذَهَبَتْ فِرْقَةٌ إلى أنَّ الحَسَنَةَ عامَّةٌ في كُلِّ أمْرٍ مُسْتَحْسَنٍ يَنالُهُ ابْنُ آدَمَ، وتُخْفى الِاسْتِعارَةُ المَذْكُورَةُ عَلى هَذا التَأْوِيلِ، وفي هَذا القَوْلِ يَدْخُلُ ما رُوِيَ عن عُمَرَ بْنِ الخَطّابِ رَضِيَ اللهُ عنهُ أنَّهُ كانَ يُعْطِي المالَ وقْتَ القِسْمَةِ لِلرَّجُلِ مِنَ المُهاجِرِينَ ويَقُولُ لَهُ: خُذْ ما وعَدَكَ اللهُ في الدُنْيا ولَأجْرُ الآخِرَةِ أكْبَرُ، ثُمَّ يَتْلُو هَذِهِ الآيَةَ، ويَدْخُلُ في هَذا القَوْلِ النَصْرُ عَلى العَدْوِ وفَتْحُ البِلادِ وكُلُّ أمَلٍ بَلَغَهُ المُهاجِرُونَ، و"أجْرُ الآخِرَةِ" هُنا إشارَةٌ إلى الجَنَّةِ، والضَمِيرُ في "يَعْلَمُونَ" عائِدٌ إلى كُفّارِ قُرَيْشٍ، وجَوابُ "لَوْ" مُقَدَّرٌ مَحْذُوفٌ، ومَفْعُولُ "يَعْلَمُونَ" كَذَلِكَ، وفي هَذا نَظَرٌ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿الَّذِينَ صَبَرُوا﴾ مِن صِفَةِ المُهاجِرِينَ الَّذِينَ وعَدَهُمُ اللهُ، والصَبْرُ يَجْمَعُ: عَنِ الشَهَواتِ، وعَلى المَكارِهِ في اللهِ تَعالى، والتَوَكُّلِ بِتَفاصِيلِ مَراتِبِهِ، فَمُطِيلٌ فِيهِ وذَلِكَ مُباحٌ حَسَنٌ، ما لَمْ يَغُلْ حَتّى يُسَبِّبَ الهَلاكَ، ومُتَوَسِّطُ يَسْعى جَمِيلًا ويَتَوَكَّلُ، وهَذا مَعَ قَوْلِ النَبِيِّ ﷺ: « "قَيِّدْها وتَوَكَّلَ"،» ومُقَصِّرٌ لا نَفْعَ في تَقْصِيرِهِ، وإنَّما لَهُ ما قُدِّرَ لَهُ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ﴾ الآيَةُ، هَذِهِ رَدٌّ عَلى كُفّارِ قُرَيْشٍ الَّذِينَ (p-٣٥٨)اسْتَبْعَدُوا أنْ يَكُونَ البَشَرُ رَسُولًا مِنَ اللهِ تَعالى، فَأعْلَمَهُمُ اللهُ مُخاطِبًا لِمُحَمَّدٍ ﷺ أنَّهُ لَمْ يُرْسِلْ إلى الأُمَمِ إلّا رِجالًا، ولَمْ يُرْسِلْ مَلِكًا ولا غَيْرَ ذَلِكَ، و"رِجالًا" مَنصُوبٌ بِـ "أرْسَلْنا"، و"إلّا" إيجابٌ، وقَرَأ الجُمْهُورُ: "يُوحى" بِضَمِّ الياءِ وفَتْحِ الحاءِ، وقَرَأتْ فِرْقَةٌ بِضَمِّ الياءِ وكَسْرِ الحاءِ، وقَرَأ عاصِمٌ مِن طَرِيقٍ حَفَصٍ وحْدَهُ "نُوحِي" بِالنُونِ وكَسْرِ الحاءِ، وهي قِراءَةُ ابْنُ مَسْعُودٍ، وطَلْحَةُ بْنُ مَصْرِفٍ، وأبِي عَبْدِ الرَحْمَنِ. ثُمَّ قالَ تَعالى: "فَسْألُوا؛ أيْ: قُلْ لَهم فاسْألُوا، و"أهْلُ الذِكْرِ" هُنا اليَهُودُ والنَصارى، قالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٍ، والحَسَنُ. وقالَ الأعْمَشُ، وسُفْيانُ بْنُ عُيَيِنَةَ: المُرادُ مِن أسْلَمِ مِنهُمْ، وقالَ أبُو جَعْفَرٍ، وابْنُ زَيْدٍ: "أهْلُ الذِكْرِ": أهَّلُ القُرْآنِ، وهَذانَ القَوْلانِ فِيهِما ضَعْفٌ؛ لِأنَّهُ لا حُجَّةَ عَلى الكُفّارِ في إخْبارِ المُؤْمِنِينَ بِما ذَكَرَ، لِأنَّهم يَكْذِبُونَ هَذِهِ الصَنائِفَ، وقالَ الزَجاجُ: "أهْلُ الذِكْرِ" عامٌ في كُلِّ مَن يُعَزّى إلى عِلْمٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
والأظْهَرُ في هَذا كُلِّهِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللهُ عنهُما أنْ يَكُونَ أهْلُ الذِكْرِ هُنا أحْبارَ اليَهُودِ والنَصارى الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا، وهم في هَذِهِ النازِلَةِ خاصَّةٌ إنَّما يُخْبِرُونَ بِأنَّ الرُسُلَ مِنَ البَشَرِ، وأخْبارُهم حُجَّةٌ عَلى هَؤُلاءِ، فَإنَّهم لَمْ يَزالُوا مُصَدِّقِينَ لَهُمْ، ولا يَتَّهِمُونَ بِشَهادَةِ لَنا لِأنَّهم مُدافِعُونَ في صَدْرِ مِلَّةِ مُحَمَّدٍ ﷺ قاتَلَهُمُ اللهُ، وهَذا هو كَسْرُ حُجَّتِهِمْ مِن مَذْهَبِهِمْ، لا أنّا افْتَقَرْنا إلى شَهادَةِ هَؤُلاءِ، بَلِ الحَقُّ واضِحٌ في نَفْسِهِ، وقَدْ أرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلى يَهُودِ يَثْرِبِ يَسْألُونَهم ويَسْتَنِدُونَ إلَيْهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "بِالبَيِّناتِ" مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ تَقْدِيرُهُ: أرْسَلْناهم بِالبَيِّناتِ، وقالَتْ فِرْقَةٌ: إنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بِـ "أرْسَلْنا" في أوَّلِ الآيَةِ، والتَقْدِيرُ -عَلى هَذا-: وما أرْسَلْنا مِن قَبْلِكَ بِالبَيِّناتِ والزُبُرِ إلّا رِجالًا، فَفي الآيَةِ تَقْدِيمٌ وتَأْخِيرٌ، و"الزُبُرُ": الكُتُبُ المَزْبُورَةُ، (p-٣٥٩)تَقُولُ: "زَبَرْتَ ودَبَّرْتَ" إذا كَتَبَتْ، و"الذِكْرَ" في هَذِهِ الآيَةِ القُرْآنُ. وقَوْلُهُ: "لِتُبَيِّنَ" يُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِسَرْدِكَ نَصَّ القُرْآنِ ما نَزَلَ، ويُحْتَمَلُ أنْ يُرِيدَ: لِتُبَيِّنَ بِتَفْسِيرِكَ المُجْمَلَ وبِشَرْحِكَ ما أُشْكِلَ مِمّا نَزَلَ، فَيَدْخُلُ في هَذا ما بَيَّنَتْهُ السُنَّةُ مِن أمْرِ الشَرِيعَةِ، وهَذا قَوْلُ مُجاهِدٍ.
Page 272
16:43
وَمَآ أَرۡسَلۡنَا مِن قَبۡلِكَ إِلَّا رِجَالٗا نُّوحِيٓ إِلَيۡهِمۡۖ فَسۡـَٔلُوٓاْ أَهۡلَ ٱلذِّكۡرِ إِن كُنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٤٣
And We sent not before you except men to whom We revealed [Our message]. So ask the people of the message [i.e., former scriptures] if you do not know.
16:44
بِٱلۡبَيِّنَٰتِ وَٱلزُّبُرِۗ وَأَنزَلۡنَآ إِلَيۡكَ ٱلذِّكۡرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيۡهِمۡ وَلَعَلَّهُمۡ يَتَفَكَّرُونَ ٤٤
[We sent them] with clear proofs and written ordinances. And We revealed to you the message [i.e., the Qur’ān] that you may make clear to the people what was sent down to them and that they might give thought.
16:45
أَفَأَمِنَ ٱلَّذِينَ مَكَرُواْ ٱلسَّيِّـَٔاتِ أَن يَخۡسِفَ ٱللَّهُ بِهِمُ ٱلۡأَرۡضَ أَوۡ يَأۡتِيَهُمُ ٱلۡعَذَابُ مِنۡ حَيۡثُ لَا يَشۡعُرُونَ ٤٥
Then, do those who have planned evil deeds feel secure that Allāh will not cause the earth to swallow them or that the punishment will not come upon them from where they do not perceive?
16:46
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ فِي تَقَلُّبِهِمۡ فَمَا هُم بِمُعۡجِزِينَ ٤٦
Or that He would not seize them during their [usual] activity, and they could not cause failure [i.e., escape from Him]?
16:47
أَوۡ يَأۡخُذَهُمۡ عَلَىٰ تَخَوُّفٖ فَإِنَّ رَبَّكُمۡ لَرَءُوفٞ رَّحِيمٌ ٤٧
Or that He would not seize them gradually [in a state of dread]?1 But indeed, your Lord is Kind and Merciful.2
16:48
أَوَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَىٰ مَا خَلَقَ ٱللَّهُ مِن شَيۡءٖ يَتَفَيَّؤُاْ ظِلَٰلُهُۥ عَنِ ٱلۡيَمِينِ وَٱلشَّمَآئِلِ سُجَّدٗا لِّلَّهِ وَهُمۡ دَٰخِرُونَ ٤٨
Have they not considered what things Allāh has created? Their shadows incline to the right and to the left, prostrating to Allāh, while they [i.e., those creations] are humble.
16:49
وَلِلَّهِۤ يَسۡجُدُۤ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَا فِي ٱلۡأَرۡضِ مِن دَآبَّةٖ وَٱلۡمَلَٰٓئِكَةُ وَهُمۡ لَا يَسۡتَكۡبِرُونَ ٤٩
And to Allāh prostrates whatever is in the heavens and whatever is on the earth of creatures, and the angels [as well], and they are not arrogant.
16:50
يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوۡقِهِمۡ وَيَفۡعَلُونَ مَا يُؤۡمَرُونَ۩ ٥٠
They fear their Lord above them, and they do what they are commanded.
16:51
۞ وَقَالَ ٱللَّهُ لَا تَتَّخِذُوٓاْ إِلَٰهَيۡنِ ٱثۡنَيۡنِۖ إِنَّمَا هُوَ إِلَٰهٞ وَٰحِدٞ فَإِيَّٰيَ فَٱرۡهَبُونِ ٥١
And Allāh has said, "Do not take for yourselves two1 deities. He [i.e., Allāh] is but one God, so fear only Me."
1 translator’s note
- Meaning more than one. ↩
16:52
وَلَهُۥ مَا فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ وَلَهُ ٱلدِّينُ وَاصِبًاۚ أَفَغَيۡرَ ٱللَّهِ تَتَّقُونَ ٥٢
And to Him belongs whatever is in the heavens and the earth, and to Him is [due] worship constantly. Then is it other than Allāh that you fear?
16:53
وَمَا بِكُم مِّن نِّعۡمَةٖ فَمِنَ ٱللَّهِۖ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ ٱلضُّرُّ فَإِلَيۡهِ تَجۡـَٔرُونَ ٥٣
And whatever you have of favor - it is from Allāh. Then when adversity touches you, to Him you cry for help.
16:54
ثُمَّ إِذَا كَشَفَ ٱلضُّرَّ عَنكُمۡ إِذَا فَرِيقٞ مِّنكُم بِرَبِّهِمۡ يُشۡرِكُونَ ٥٤
Then when He removes the adversity from you, at once a party of you associates others with their Lord