An-Nahl 16:77
The Bee · Juz 14 · Page 275
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 16:77
صفحة ٢٢٩
﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ وما أمْرُ السّاعَةِ إلّا كَلَمْحِ البَصَرِ أوْ هو أقْرَبُ إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ كانَ مِمّا حُكِيَ مِن مَقالاتِ كُفْرِهِمْ أنَّهم أقْسَمُوا بِاللَّهِ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَن يَمُوتُ؛ لِأنَّهم تَوَهَّمُوا أنَّ إفْناءَ هَذا العالَمِ العَظِيمِ، وإحْياءَ العِظامِ وهي رَمِيمٌ أمْرٌ مُسْتَحِيلٌ، وأبْطَلَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلى الفَوْرِ بِأنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى كُلِّ ما يُرِيدُهُ.
ثُمَّ انْتَقَلَ الكَلامُ عَقِبَ ذَلِكَ إلى بَسْطِ الدَّلائِلِ عَلى الوَحْدانِيَّةِ والقُدْرَةِ، وتَسَلْسَلَ البَيانُ، وتَفَنَّنَتِ الأغْراضُ بِالمُناسَباتِ، فَكانَ مِن ذَلِكَ تَهْدِيدُهم بِأنَّ اللَّهَ لَوْ يُؤاخِذُ النّاسَ بِظُلْمِهِمْ ما تَرَكَ عَلى الأرْضِ مِن دابَّةٍ، ولَكِنَّهُ يُمْهِلُهم ويُؤَخِّرُهم إلى أجَلٍ عَيَّنَهُ في عِلْمِهِ لِحِكْمَتِهِ وحَذَّرَهم مِن مُفاجَأتِهِ، فَثَنى عِنانَ الكَلامِ إلى الِاعْتِراضِ بِالتَّذْكِيرِ بِأنَّ اللَّهَ لا يُخْرِجُ مِن قُدْرَتِهِ أعْظَمَ فِعْلٍ مِمّا غابَ عَنْ إدْراكِهِمْ، وأنَّ أمْرَ السّاعَةِ الَّتِي أنْكَرُوا إمْكانَها، وغَرَّهم تَأْخِيرُ حُلُولِها هي مِمّا لا يَخْرُجُ عَنْ تَصَرُّفِ اللَّهِ ومَشِيئَتِهِ مَتى شاءَهُ، فَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ بِحَيْثُ لَمْ يُغادِرْ شَيْئًا مِمّا حُكِيَ عَنْهم مِن كُفْرِهِمْ وجِدالِهِمْ إلّا وقَدْ بَيَّنَهُ لَهُمُ اسْتِقْصاءً لِلْأعْذارِ لَهم.
ومِن مُقْتَضَياتِ تَأْخِيرِ هَذا أنَّهُ يَشْتَمِلُ بِصَرِيحِهِ عَلى تَعْلِيمٍ، وبِإيمائِهِ إلى تَهْدِيدٍ وتَحْذِيرٍ.
فاللّامُ في قَوْلِهِ ﴿ولِلَّهِ غَيْبُ السَّماواتِ والأرْضِ﴾ لامُ المِلْكِ. والغَيْبُ: مَصْدَرٌ بِمَعْنى اسْمِ الفاعِلِ، أيِ الأشْياءُ الغائِبَةُ، وتَقَدَّمَ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالغَيْبِ﴾ [البقرة: ٣]، وهو الغائِبُ عَنْ أعْيُنِ النّاسِ مِنَ الأشْياءِ الخَفِيَّةِ والعَوالِمِ الَّتِي لا تَصِلُ إلى مُشاهَدَتِها حَواسُّ المَخْلُوقاتِ الأرْضِيَّةِ.
والإخْبارُ بِأنَّها مِلْكٌ لِلَّهِ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الكِنايَةِ أيْضًا أنَّهُ عالِمٌ بِها.
صفحة ٢٣٠
وتَقْدِيمُ المَجْرُورِ أفادَ الحَصْرَ، أيْ لَهُ لا لِغَيْرِهِ، ولامُ المِلْكِ أفادَتِ الحَصْرَ، فَيَكُونُ التَّقْدِيمُ مُفِيدًا تَأْكِيدَ الحَصْرِ أوْ هو لِلِاهْتِمامِ.
وأمْرُ السّاعَةِ: شَأْنُها العَظِيمُ، فالأمْرُ: الشَّأْنُ المُهِمُّ، كَما في قَوْلِهِ تَعالى ﴿أتى أمْرُ اللَّهِ﴾ [النحل: ١]، وقَوْلُ أبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ: ما جاءَ بِهِ في هَذِهِ السّاعَةِ إلّا أمْرٌ، أيْ شَأْنٌ وخَطْبٌ.
والسّاعَةُ: عِلْمٌ بِالغَلَبَةِ عَلى وقْتِ فَناءِ العالَمِ، وهي مِن جُمْلَةِ غَيْبِ الأرْضِ.
ولَمْحُ البَصَرِ: تَوَجُّهُهُ إلى المَرْئِيِّ؛ لِأنَّ اللَّمْحَ هو النَّظَرُ، ووَجْهُ الشَّبَهِ هو كَوْنُهُ مَقْدُورًا بِدُونِ كُلْفَةٍ؛ لِأنَّ لَمْحَ البَصَرِ هو أمْكَنُ وأسْرَعُ حَرَكاتِ الجَوارِحِ، فَهو أيْسَرُ وأسْرَعُ مِن نَقْلِ الأرْجُلِ في المَشْيِ، ومِنَ الإشارَةِ بِاليَدِ.
وهَذا التَّشْبِيهُ أفْصَحُ مِنَ الَّذِي في قَوْلِ زُهَيْرٍ
فَهُنَّ ووادِيِ الرَّسِّ كاليَدِ لِلْفَمِ
ووَجْهُ الشَّبَهِ يَجُوزُ أنْ يَكُونَ تَحَقُّقُ الوُقُوعِ بِدُونِ مَشَقَّةٍ، ولا إنْظارٍ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ تَعالى ووُقُوعِهِ، وبِذَلِكَ يَكُونُ الكَلامُ إثْباتًا لِإمْكانِ الوُقُوعِ وتَحْذِيرًا مِنَ الِاغْتِرارِ بِتَأْخِيرِهِ.
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ وجْهُ الشَّبَهِ السُّرْعَةَ، أيْ سُرْعَةُ الحُصُولِ عِنْدَ إرادَةِ اللَّهِ أيْ يَحْصُلُ فَجْأةً بِدُونِ أماراتٍ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿لا تَأْتِيكم إلّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: ١٨٧] .
والمَقْصُودُ: إنْذارُهم وتَحْذِيرُهم مِن أنْ تَبْغَتَهُمُ السّاعَةُ؛ لِيُقْلِعُوا عَمّا هم فِيهِ مِن وقْتِ الإنْذارِ، ولا يُتَوَهَّمُ أنْ يَكُونَ البَصَرُ تَشْبِيهًا في سُرْعَةِ الحُصُولِ؛ إذِ احْتِمالٌ مُعَطَّلٌ؛ لِأنَّ الواقِعَ حارِسٌ مِنهُ.
و(أوْ) في ﴿أوْ هو أقْرَبُ﴾ لِلْإضْرابِ الِانْتِقالِيِّ، إضْرابًا عَنِ التَّشْبِيهِ الأوَّلِ بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ مِنَ المُشَبَّهِ بِهِ، فالمُتَكَلِّمُ يُخَيِّلُ لِلسّامِعِ أنَّهُ يُرِيدُ تَقْرِيبَ المَعْنى إلَيْهِ بِطَرِيقِ التَّشْبِيهِ ثُمَّ يُعْرِضُ عَنِ التَّشْبِيهِ
صفحة ٢٣١
بِأنَّ المُشَبَّهَ أقْوى في وجْهِ الشَّبَهِ وأنَّهُ لا يَجِدُ لَهُ شَبِيهًا فَيُصَرِّحُ بِذَلِكَ فَيَحْصُلُ التَّقْرِيبُ ابْتِداءً، ثُمَّ الإعْرابُ عَنِ الحَقِيقَةِ ثانِيًا.
ثُمَّ المُرادُ بِالقُرْبِ في قَوْلِهِ تَعالى أقْرَبُ عَلى الوَجْهِ الأوَّلِ في تَفْسِيرِ لَمْحِ البَصَرِ هو القُرْبُ المَكانِيُّ كِنايَةً عَنْ كَوْنِهِ في المَقْدُورِيَّةِ بِمَنزِلَةِ الشَّيْءِ القَرِيبِ التَّناوُلِ كَقَوْلِهِ تَعالى ﴿ونَحْنُ أقْرَبُ إلَيْهِ مِن حَبْلِ الوَرِيدِ﴾ [ق: ١٦] .
وعَلى الوَجْهِ الثّانِي في تَفْسِيرِهِ يَكُونُ القُرْبُ قُرْبَ الزَّمانِ، أيْ أقْرَبِ مِن لَمْحِ البَصَرِ حِصَّةً، أيْ أسْرَعِ حُصُولًا.
والتَّذْيِيلُ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ صالِحٌ لِكِلا التَّفْسِيرَيْنِ.
Page 275
16:73
وَيَعۡبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لَا يَمۡلِكُ لَهُمۡ رِزۡقٗا مِّنَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ شَيۡـٔٗا وَلَا يَسۡتَطِيعُونَ ٧٣
And they worship besides Allāh that which does not possess for them [the power of] provision from the heavens and the earth at all, and [in fact], they are unable.
16:74
فَلَا تَضۡرِبُواْ لِلَّهِ ٱلۡأَمۡثَالَۚ إِنَّ ٱللَّهَ يَعۡلَمُ وَأَنتُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ ٧٤
So do not assert similarities to Allāh.1 Indeed, Allāh knows and you do not know.
1 translator’s note
- As there is nothing comparable to Him. ↩
16:75
۞ ضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلًا عَبۡدٗا مَّمۡلُوكٗا لَّا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَمَن رَّزَقۡنَٰهُ مِنَّا رِزۡقًا حَسَنٗا فَهُوَ يُنفِقُ مِنۡهُ سِرّٗا وَجَهۡرًاۖ هَلۡ يَسۡتَوُۥنَۚ ٱلۡحَمۡدُ لِلَّهِۚ بَلۡ أَكۡثَرُهُمۡ لَا يَعۡلَمُونَ ٧٥
Allāh presents an example: a slave [who is] owned and unable to do a thing and he to whom We have provided from Us good provision, so he spends from it secretly and publicly. Can they be equal? Praise to Allāh! But most of them do not know.
16:76
وَضَرَبَ ٱللَّهُ مَثَلٗا رَّجُلَيۡنِ أَحَدُهُمَآ أَبۡكَمُ لَا يَقۡدِرُ عَلَىٰ شَيۡءٖ وَهُوَ كَلٌّ عَلَىٰ مَوۡلَىٰهُ أَيۡنَمَا يُوَجِّههُّ لَا يَأۡتِ بِخَيۡرٍ هَلۡ يَسۡتَوِي هُوَ وَمَن يَأۡمُرُ بِٱلۡعَدۡلِ وَهُوَ عَلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٖ ٧٦
And Allāh presents an example of two men, one of them dumb and unable to do a thing, while he is a burden to his guardian. Wherever he directs him, he brings no good. Is he equal to one who commands justice, while he is on a straight path?
16:77
وَلِلَّهِ غَيۡبُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِۚ وَمَآ أَمۡرُ ٱلسَّاعَةِ إِلَّا كَلَمۡحِ ٱلۡبَصَرِ أَوۡ هُوَ أَقۡرَبُۚ إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيۡءٖ قَدِيرٞ ٧٧
And to Allāh belongs the unseen [aspects] of the heavens and the earth. And the command for the Hour is not but as a glance of the eye or even nearer. Indeed, Allāh is over all things competent.
16:78
وَٱللَّهُ أَخۡرَجَكُم مِّنۢ بُطُونِ أُمَّهَٰتِكُمۡ لَا تَعۡلَمُونَ شَيۡـٔٗا وَجَعَلَ لَكُمُ ٱلسَّمۡعَ وَٱلۡأَبۡصَٰرَ وَٱلۡأَفۡـِٔدَةَ لَعَلَّكُمۡ تَشۡكُرُونَ ٧٨
And Allāh has extracted you from the wombs of your mothers not knowing a thing, and He made for you hearing and vision and hearts [i.e., intellect] that perhaps you would be grateful.
16:79
أَلَمۡ يَرَوۡاْ إِلَى ٱلطَّيۡرِ مُسَخَّرَٰتٖ فِي جَوِّ ٱلسَّمَآءِ مَا يُمۡسِكُهُنَّ إِلَّا ٱللَّهُۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَأٓيَٰتٖ لِّقَوۡمٖ يُؤۡمِنُونَ ٧٩
Do they not see the birds controlled in the atmosphere of the sky? None holds them up except Allāh. Indeed in that are signs for a people who believe.