Al-Isra 17:27
The Night Journey · Juz 15 · Page 284
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧
Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.
Tafsir · in Arabic
Ar-Razi
Detailed
Change
Commentary on 17:26–28
قَوْلُهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ والمِسْكِينَ وابْنَ السَّبِيلِ ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ .
اعْلَمْ أنَّ هَذا هو النَّوْعُ الرّابِعُ مِن أعْمالِ الخَيْرِ والطّاعَةِ المَذْكُورَةِ في هَذِهِ الآياتِ وفِيهِ مَسائِلُ:
المَسْألَةُ الأُولى: قَوْلُهُ: ﴿وآتِ﴾ خِطابٌ مَعَ مَن ؟ فِيهِ قَوْلانِ:
القَوْلُ الأوَّلُ: أنَّهُ خِطابٌ لِلرَّسُولِ ﷺ فَأمَرَهُ اللَّهُ أنْ يُؤْتِيَ أقارِبَهُ الحُقُوقَ الَّتِي وجَبَتْ لَهم في الفَيْءِ والغَنِيمَةِ، وأوْجَبَ عَلَيْهِ أيْضًا إخْراجَ حَقِّ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ أيْضًا مِن هَذَيْنِ المِثالَيْنِ.
والقَوْلُ الثّانِي: أنَّهُ خِطابٌ لِلْكُلِّ، والدَّلِيلُ عَلَيْهِ أنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلى قَوْلِهِ: ﴿وقَضى رَبُّكَ ألّا تَعْبُدُوا إلّا إيّاهُ﴾ [الإسراء: ٢٣] والمَعْنى: أنَّكَ بَعْدَ فَراغِكَ مِن بِرِّ الوالِدَيْنِ، يَجِبُ أنْ تَشْتَغِلَ بِبِرِّ سائِرِ الأقارِبِ الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثُمَّ بِإصْلاحِ أحْوالِ المَساكِينِ وأبْناءِ السَّبِيلِ.
واعْلَمْ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿وآتِ ذا القُرْبى حَقَّهُ﴾ مُجْمَلٌ ولَيْسَ فِيهِ بَيانُ أنَّ ذَلِكَ الحَقَّ ما هو ؟ وعِنْدَ الشّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أنَّهُ لا يَجِبُ الإنْفاقُ إلّا عَلى الوَلَدِ والوالِدَيْنِ، وقالَ قَوْمٌ: يَجِبُ الإنْفاقُ عَلى المَحارِمِ بِقَدْرِ
صفحة ١٥٥
الحاجَةِ، واتَّفَقُوا عَلى أنَّ مَن لَمْ يَكُنْ مِنَ المَحارِمِ كَأبْناءِ العَمِّ فَلا حَقَّ لَهم إلّا المُوادَّةُ والزِّيارَةُ وحُسْنُ المُعاشَرَةِ والمُؤالَفَةُ في السَّرّاءِ والضَّرّاءِ. أمّا المِسْكِينُ وابْنُ السَّبِيلِ فَقَدْ تَقَدَّمَ وصْفُهُما في سُورَةِ التَّوْبَةِ في تَفْسِيرِ آيَةِ الزَّكاةِ. ويَجِبُ أنْ يُدْفَعَ إلى المِسْكِينِ ما يَفِي بِقُوتِهِ وقُوتِ عِيالِهِ، وأنْ يُدْفَعَ إلى ابْنِ السَّبِيلِ ما يَكْفِيهِ مِن زادِهِ وراحِلَتِهِ إلى أنْ يَبْلُغَ مَقْصِدَهُ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾ والتَّبْذِيرُ في اللُّغَةِ إفْسادُ المالِ وإنْفاقُهُ في السَّرَفِ. قالَ عُثْمانُ بْنُ الأسْوَدِ: كُنْتُ أطُوفُ في المَساجِدِ مَعَ مُجاهِدٍ حَوْلَ الكَعْبَةِ فَرَفَعَ رَأسَهُ إلى أبِي قُبَيْسٍ وقالَ: لَوْ أنَّ رَجُلًا أنْفَقَ مِثْلَ هَذا في طاعَةِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ مِنَ المُسْرِفِينَ، ولَوْ أنْفَقَ دِرْهَمًا واحِدًا في مَعْصِيَةِ اللَّهِ كانَ مِنَ المُسْرِفِينَ. وأنْفَقَ بَعْضُهم نَفَقَةً في خَيْرٍ فَأكْثَرَ فَقِيلَ لَهُ لا خَيْرَ في السَّرَفِ فَقالَ: لا سَرَفَ في الخَيْرِ، وعَنْعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قالَ: «مَرَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِسَعْدٍ وهو يَتَوَضَّأُ فَقالَ: ما هَذا السَّرَفُ يا سَعْدُ ؟ فَقالَ: أوَفِي الوُضُوءِ سَرَفٌ ؟ قالَ: نَعَمْ: وإنْ كُنْتَ عَلى نَهْرٍ جارٍ»، ثُمَّ نَبَّهَ تَعالى عَلى قُبْحِ التَّبْذِيرِ بِإضافَتِهِ إيّاهُ إلى أفْعالِ الشَّياطِينِ فَقالَ: ﴿إنَّ المُبَذِّرِينَ كانُوا إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ والمُرادُ مِن هَذِهِ الأُخُوَّةِ التَّشَبُّهُ بِهِمْ في هَذا الفِعْلِ القَبِيحِ، وذَلِكَ لِأنَّ العَرَبَ يُسَمُّونَ المُلازِمَ لِلشَّيْءِ أخًا لَهُ، فَيَقُولُونَ: فُلانٌ أخُو الكَرَمِ والجُودِ، وأخُو السَّفَرِ إذا كانَ مُواظِبًا عَلى هَذِهِ الأعْمالِ، وقِيلَ قَوْلُهُ: ﴿إخْوانَ الشَّياطِينِ﴾ أيْ: قُرَناءَهم في الدُّنْيا والآخِرَةِ كَما قالَ: ﴿ومَن يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطانًا فَهو لَهُ قَرِينٌ﴾ [الزخرف: ٣٦] وقالَ تَعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وأزْواجَهُمْ﴾ [الصافات: ٢٢] أيْ: قُرَناءَهم مِنَ الشَّياطِينِ، ثُمَّ إنَّهُ تَعالى بَيَّنَ صِفَةَ الشَّيْطانِ فَقالَ: ﴿وكانَ الشَّيْطانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٧] ومَعْنى كَوْنِ الشَّيْطانِ كَفُورًا لِرَبِّهِ، هو أنَّهُ يَسْتَعْمِلُ بَدَنَهُ في المَعاصِي والإفْسادِ في الأرْضِ، والإضْلالِ لِلنّاسِ. وكَذَلِكَ كُلُّ مَن رَزَقَهُ اللَّهَ تَعالى مالًا أوْ جاهًا فَصَرَفَهُ إلى غَيْرِ مَرْضاةِ اللَّهِ تَعالى كانَ كَفُورًا لِنِعْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَقْصُودُ: أنَّ المُبَذِّرِينَ إخْوانُ الشَّياطِينِ، بِمَعْنى كَوْنِهِمْ مُوافِقِينَ لِلشَّياطِينِ في الصِّفَةِ والفِعْلِ، ثُمَّ الشَّيْطانُ كَفُورٌ لِرَبِّهِ فَيَلْزَمُ كَوْنُ المُبَذِّرِ أيْضًا كَفُورًا لِرَبِّهِ، وقالَ بَعْضُ العُلَماءِ: خَرَجَتْ هَذِهِ الآيَةُ عَلى وفْقِ عادَةِ العَرَبِ وذَلِكَ لِأنَّهم كانُوا يَجْمَعُونَ الأمْوالَ بِالنَّهْبِ والغارَةِ ثُمَّ كانُوا يُنْفِقُونَها في طَلَبِ الخُيَلاءِ والتَّفاخُرِ، وكانَ المُشْرِكُونَ مِن قُرَيْشٍ وغَيْرِهِمْ يُنْفِقُونَ أمْوالَهم لِيَصُدُّوا النّاسَ عَنِ الإسْلامِ وتَوْهِينِ أهْلِهِ وإعانَةِ أعْدائِهِ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ تَنْبِيهًا عَلى قُبْحِ أعْمالِهِمْ في هَذا البابِ.
* * *
ثُمَّ قالَ تَعالى: ﴿وإمّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ والمَعْنى: أنَّكَ إنْ أعْرَضْتَ عَنْ ذِي القُرْبى والمِسْكِينِ وابْنِ السَّبِيلِ حَياءً مِنَ التَّصْرِيحِ بِالرَّدِّ بِسَبَبِ الفَقْرِ والقِلَّةِ: ﴿فَقُلْ لَهم قَوْلًا مَيْسُورًا﴾ أيْ: سَهْلًا لَيِّنًا، وقَوْلُهُ: ﴿ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِن رَبِّكَ تَرْجُوها﴾ كِنايَةٌ عَنِ الفَقْرِ، لِأنَّ فاقِدَ المالِ يَطْلُبُ رَحْمَةَ اللَّهِ وإحْسانَهُ. فَلَمّا كانَ فَقْدُ المالِ سَبَبًا لِهَذا الطَّلَبِ ولِهَذا الِابْتِغاءِ أطْلَقَ اسْمَ السَّبَبِ عَلى المُسَبِّبِ فَسَمّى الفَقْرَ بِابْتِغاءِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعالى، والمَعْنى: أنَّ عِنْدَ حُصُولِ الفَقْرِ والقِلَّةِ لا تَتْرُكْ تَعَهُّدَهم بِالقَوْلِ الجَمِيلِ والكَلامِ الحَسَنِ، بَلْ تَعِدُهم بِالوَعْدِ الجَمِيلِ وتَذْكُرُ لَهُمُ العُذْرَ وهو حُصُولُ القِلَّةِ وعَدَمِ المالِ، أوْ تَقُولُ لَهم: اللَّهُ يُسَهِّلُ، وفي تَفْسِيرِ القَوْلِ المَيْسُورِ وُجُوهٌ:
الأوَّلُ: القَوْلُ المَيْسُورُ هو الرَّدُّ بِالطَّرِيقِ الأحْسَنِ.
والثّانِي: القَوْلُ المَيْسُورُ اللَّيِّنُ السَّهْلُ قالَ الكِسائِيُّ: يَسَّرْتُ أُيَسِّرُ لَهُ القَوْلَ أيْ: لَيَّنْتُهُ لَهُ.
الثّالِثُ: قالَ بَعْضُهم: القَوْلُ المَيْسُورُ مِثْلُ قَوْلِهِ: ﴿قَوْلٌ مَعْرُوفٌ ومَغْفِرَةٌ خَيْرٌ مِن صَدَقَةٍ يَتْبَعُها أذًى﴾ [البقرة: ٢٦٣] قالُوا: والمَيْسُورُ هو المَعْرُوفُ، لِأنَّ القَوْلَ المُتَعارَفَ لا يُحْوِجُ إلى تَكَلُّفٍ، واللَّهُ أعْلَمُ.
Page 284
17:18
مَّن كَانَ يُرِيدُ ٱلۡعَاجِلَةَ عَجَّلۡنَا لَهُۥ فِيهَا مَا نَشَآءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلۡنَا لَهُۥ جَهَنَّمَ يَصۡلَىٰهَا مَذۡمُومٗا مَّدۡحُورٗا ١٨
Whoever should desire the immediate1 - We hasten for him from it what We will to whom We intend. Then We have made for him Hell, which he will [enter to] burn, censured and banished.
1 translator’s note
- i.e., worldly gratifications. ↩
17:19
وَمَنۡ أَرَادَ ٱلۡأٓخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعۡيَهَا وَهُوَ مُؤۡمِنٞ فَأُوْلَٰٓئِكَ كَانَ سَعۡيُهُم مَّشۡكُورٗا ١٩
But whoever desires the Hereafter and exerts the effort due to it while he is a believer - it is those whose effort is ever appreciated [by Allāh].
17:20
كُلّٗا نُّمِدُّ هَٰٓؤُلَآءِ وَهَٰٓؤُلَآءِ مِنۡ عَطَآءِ رَبِّكَۚ وَمَا كَانَ عَطَآءُ رَبِّكَ مَحۡظُورًا ٢٠
To each [category] We extend - to these and to those - from the gift of your Lord. And never has the gift of your Lord been restricted.
17:21
ٱنظُرۡ كَيۡفَ فَضَّلۡنَا بَعۡضَهُمۡ عَلَىٰ بَعۡضٖۚ وَلَلۡأٓخِرَةُ أَكۡبَرُ دَرَجَٰتٖ وَأَكۡبَرُ تَفۡضِيلٗا ٢١
Look how We have favored [in provision] some of them over others. But the Hereafter is greater in degrees [of difference] and greater in distinction.
17:22
لَّا تَجۡعَلۡ مَعَ ٱللَّهِ إِلَٰهًا ءَاخَرَ فَتَقۡعُدَ مَذۡمُومٗا مَّخۡذُولٗا ٢٢
Do not make [as equal] with Allāh another deity and [thereby] become censured and forsaken.
17:23
۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعۡبُدُوٓاْ إِلَّآ إِيَّاهُ وَبِٱلۡوَٰلِدَيۡنِ إِحۡسَٰنًاۚ إِمَّا يَبۡلُغَنَّ عِندَكَ ٱلۡكِبَرَ أَحَدُهُمَآ أَوۡ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَآ أُفّٖ وَلَا تَنۡهَرۡهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوۡلٗا كَرِيمٗا ٢٣
And your Lord has decreed that you worship not except Him, and to parents, good treatment. Whether one or both of them reach old age [while] with you, say not to them [so much as], "uff,"1 and do not repel them but speak to them a noble word.
1 translator’s note
- An expression of disapproval or irritation. ↩
17:24
وَٱخۡفِضۡ لَهُمَا جَنَاحَ ٱلذُّلِّ مِنَ ٱلرَّحۡمَةِ وَقُل رَّبِّ ٱرۡحَمۡهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرٗا ٢٤
And lower to them the wing of humility out of mercy and say, "My Lord, have mercy upon them as they brought me up [when I was] small."
17:25
رَّبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا فِي نُفُوسِكُمۡۚ إِن تَكُونُواْ صَٰلِحِينَ فَإِنَّهُۥ كَانَ لِلۡأَوَّٰبِينَ غَفُورٗا ٢٥
Your Lord is most knowing of what is within yourselves. If you should be righteous [in intention] - then indeed He is ever, to the often returning [to Him], Forgiving.1
1 translator’s note
- For those who intend righteousness, hastening to repent from sins and errors committed through human weakness, Allāh (subḥānahu wa taʿālā) promises forgiveness. ↩
17:26
وَءَاتِ ذَا ٱلۡقُرۡبَىٰ حَقَّهُۥ وَٱلۡمِسۡكِينَ وَٱبۡنَ ٱلسَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرۡ تَبۡذِيرًا ٢٦
And give the relative his right, and [also] the poor and the traveler, and do not spend wastefully.1
1 translator’s note
- i.e., on that which is unlawful or in disobedience to Allāh. ↩
17:27
إِنَّ ٱلۡمُبَذِّرِينَ كَانُوٓاْ إِخۡوَٰنَ ٱلشَّيَٰطِينِۖ وَكَانَ ٱلشَّيۡطَٰنُ لِرَبِّهِۦ كَفُورٗا ٢٧
Indeed, the wasteful are brothers of the devils, and ever has Satan been to his Lord ungrateful.