Al-Kahf 18:12
The Cave · Juz 15 · Page 294
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 18:11–12
صفحة ٢٦٨
﴿فَضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ في الكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًا﴾ ﴿ثُمَّ بَعَثْناهم لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ تَفْرِيعُ هَذِهِ الجُمْلَةِ بِالفاءِ إمّا عَلى جُمْلَةِ دُعائِهِمْ، فَيُؤْذِنُ بِأنَّ مَضْمُونَها اسْتِجابَةُ دَعْوَتِهِمْ، فَجَعَلَ اللَّهُ إنامَتَهم كَرامَةً لَهم، بِأنْ سَلَّمَهم مِنَ التَّعْذِيبِ بِأيْدِي أعْدائِهِمْ. وأيَّدَ بِذَلِكَ أنَّهم عَلى الحَقِّ، وأرى النّاسَ ذَلِكَ بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ.
وإمّا عَلى جُمْلَةِ ﴿إذْ أوى الفِتْيَةُ﴾ [الكهف: ١٠] إلَخْ فَيُؤْذِنُ بِأنَّ اللَّهَ عَجَّلَ لَهم حُصُولَ ما قَصَدُوهُ مِمّا لَمْ يَكُنْ في حُسْبانِهِمْ.
والضَّرْبُ هُنا بِمَعْنى الوَضْعِ، كَما يُقالُ: ضَرَبَ عَلَيْهِ حِجابًا، ومِنهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿ضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾ [آل عمران: ١١٢]، وقَدْ تَقَدَّمَ تَفْصِيلُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿إنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما﴾ [البقرة: ٢٦] .
وحُذِفَ مَفْعُولُ ”ضَرَبْنا“ لِظُهُورِهِ، أيْ ضَرَبْنا عَلى آذانِهِمْ غِشاوَةً أوْ حائِلًا عَنِ السَّمْعِ، كَما يُقالُ: بَنى عَلى امْرَأتِهِ، تَقْدِيرُهُ: بَنى بَيْتًا، والضَّرْبُ عَلى الآذانِ كِنايَةٌ عَنِ الإنامَةِ؛ لِأنَّ النَّوْمَ الثَّقِيلَ يَسْتَلْزِمُ عَدَمَ السَّمْعِ؛ لِأنَّ السَّمْعَ السَّلِيمَ لا يَحْجُبُهُ إلّا النَّوْمُ، بِخِلافِ البَصَرِ الصَّحِيحِ، فَقَدْ يُحْجَبُ بِتَغْمِيضِ الأجْفانِ.
وهَذِهِ الكِنايَةُ مِن خَصائِصِ القُرْآنِ، لَمْ تَكُنْ مَعْرُوفَةً قَبْلَ هَذِهِ الآيَةِ، وهي مِنَ الإعْجازِ.
و”عَدَدًا“ نَعْتُ ”سِنِينَ“، والعَدَدُ: مُسْتَعْمَلٌ في الكَثْرَةِ، أيْ: سِنِينَ ذاتَ عَدَدٍ كَثِيرٍ، ونَظِيرُهُ ما في حَدِيثِ بَدْءِ الوَحْيِ مِن «قَوْلِ عائِشَةَ: فَكانَ يَخْرُجُ إلى غارِ حِراءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيالِيَ ذَواتِ العَدَدِ» . تُرِيدُ الكَثِيرَةَ، وقَدْ أُجْمِلَ العَدَدُ هُنا تَبَعًا لِإجْمالِ القِصَّةِ.
صفحة ٢٦٩
والبَعْثُ هُنا الإيقاظُ، أيْ أيْقَظْناهم مِن نَوْمَتِهِمْ يَقَظَةَ مَفْزُوعٍ، كَما يُبْعَثُ البَعِيرُ مِن مَبْرَكِهِ. وحَسَّنَ هَذِهِ الِاسْتِعارَةَ هُنا أنَّ المَقْصُودَ مِن هَذِهِ القِصَّةِ إثْباتُ البَعْثِ بَعْدَ المَوْتِ، فَكانَ في ذِكْرِ لِفْظِ البَعْثِ تَنْبِيهٌ عَلى أنَّ في هَذِهِ الإفاقَةِ دَلِيلًا عَلى إمْكانِ البَعْثِ وكَيْفِيَّتِهِ.
والحِزْبُ: الجَماعَةُ الَّذِينَ تَوافَقُوا عَلى شَيْءٍ واحِدٍ، فالحِزْبانِ فَرِيقانِ: أحَدُهُما مُصِيبٌ، والآخِرُ مُخْطِئٌ في عَدِّ الأمَدِ الَّذِي مَضى عَلَيْهِمْ، فَقِيلَ: هُما فَرِيقانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ أنْفُسِهِمْ عَلى أنَّهُ المُشارُ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعالى ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ﴾ [الكهف: ١٩]، وفي هَذا بُعْدٌ مِن لَفْظِ (حِزْبٍ)، إذْ كانَ القائِلُ واحِدًا والآخِرُونَ شاكِّينَ، وبَعِيدٌ أيْضًا مِن فِعْلِ ”أحْصى“؛ لِأنَّ أهْلَ الكَهْفِ ما قَصَدُوا الإحْصاءَ لِمُدَّةِ لُبْثِهِمْ عِنْدَ إفاقَتِهِمْ، بَلْ خالُوها زَمَنًا قَلِيلًا، فالوَجْهُ: أنَّ المُرادَ بِالحِزْبَيْنِ حِزْبانِ مِنَ النّاسِ أهْلِ بَلَدِهِمُ، اخْتَلَفَتْ أقْوالُهم في مُدَّةِ لُبْثِهِمْ بَعْدَ أنْ عَلِمُوا انْبِعاثَهم مِن نَوْمَتِهِمْ: أحَدُ الفَرِيقَيْنِ مُصِيبٌ، والآخَرُ مُخْطِئٌ، واللَّهُ يَعْلَمُ المُصِيبَ مِنهم والمُخْطِئَ، فَهُما فَرِيقانِ في جانِبَيْ صَوابٍ وخَطَأٍ كَما دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ أحْصى.
ولا يَنْبَغِي تَفْسِيرُ الحِزْبَيْنِ بِأنَّهُما حِزْبانِ مِن أهْلِ الكَهْفِ الَّذِينَ قالَ اللَّهُ فِيهِمْ ﴿قالَ قائِلٌ مِنهم كَمْ لَبِثْتُمْ قالُوا لَبِثْنا يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ [الكهف: ١٩] الآيَةَ.
وجَعْلُ حُصُولِ عِلْمِ اللَّهِ بِحالِ الحِزْبَيْنِ عِلَّةً لِبَعْثِهِ إيّاهم - كِنايَةٌ عَنْ حُصُولِ الِاخْتِلافِ في تَقْدِيرِ مُدَّتِهِمْ، فَإنَّهم إذا اخْتَلَفُوا عَلِمَ اللَّهُ اخْتِلافَهم عِلْمَ الواقِعاتِ، وهو تَعَلُّقٌ لِلْعِلْمِ يَصِحُّ أنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ: تَنْجِيزِيٌّ، وإنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ عِنْدَ عُلَماءِ الكَلامِ.
وقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿لِنَبْلُوَهم أيُّهم أحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الكهف: ٧] في أوَّلِ السُّورَةِ.
و”أحْصى“ يَحْتَمِلُ أنْ يَكُونَ فِعْلًا ماضِيًا، وأنْ يَكُونَ اسْمَ تَفْضِيلٍ مَصُوغًا مِنَ الرُّباعِيِّ عَلى خِلافِ القِياسِ، واخْتارَ الزَّمَخْشَرِيُّ في الكَشّافِ تَبَعًا لِأبِي عَلِيٍّ الفارِسِيِّ الأوَّلَ؛ تَجَنُّبًا لِصَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ عَلى غَيْرِ قِياسٍ لِقِلَّتِهِ، واخْتارَ الزَّجّاجُ
صفحة ٢٧٠
الثّانِيَ، ومَعَ كَوْنِ صَوْغِ اسْمِ التَّفْضِيلِ مِن غَيْرِ الثُّلاثِيِّ لَيْسَ قِياسًا فَهو كَثِيرٌ في الكَلامِ الفَصِيحِ، وفي القُرْآنِ.
فالوَجْهُ، أنَّ ”أحْصى“ اسْمُ تَفْضِيلٍ، والتَّفْضِيلُ مُنْصَرِفٌ إلى ما في مَعْنى الإحْصاءِ مِنَ الضَّبْطِ والإصابَةِ، والمَعْنى: لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أتْقَنُ إحْصاءً؛ أيْ عَدًّا، بِأنْ يَكُونَ هو المُوافِقَ لِلْواقِعِ ونَفْسِ الأمْرِ، ويَكُونَ ما عَداهُ تَقْرِيبًا ورَجْمًا بِالغَيْبِ، وذَلِكَ هو ما فَصَّلَهُ قَوْلُهُ تَعالى ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ﴾ [الكهف: ٢٢] الآيَةَ.
فَـ (أيُّ) اسْمُ اسْتِفْهامٍ مُبْتَدَأٌ، وهو مُعَلِّقٌ لِفِعْلِ ”لِنَعْلَمَ“ عَنِ العَمَلِ، و”أحْصى“ خَبَرٌ عَنْ ”أيُّ“ و”أمَدًا“ تَمْيِيزٌ لِاسْمِ التَّفْضِيلِ تَمْيِيزَ نِسْبَةٍ، أيْ نِسْبَةِ التَّفْضِيلِ إلى مَوْصُوفِهِ كَما في قَوْلِهِ ﴿أنا أكْثَرُ مِنكَ مالًا﴾ [الكهف: ٣٤]، ولا يَرِيبُكَ أنَّهُ لا يَتَّضِحُ أنْ يَكُونَ هَذا التَّمْيِيزُ مُحَوَّلًا عَنِ الفاعِلِ؛ لِأنَّهُ لا يَسْتَقِيمُ أنْ تَقُولَ: أفْضَلُ أمَدِهِ، إذِ التَّحْوِيلُ أمْرٌ تَقْدِيرِيٌّ يُقْصَدُ مِنهُ التَّقْرِيبُ.
والمَعْنى: لِيَظْهَرَ اضْطِرابُ النّاسِ في ضَبْطِ تَوارِيخِ الحَوادِثِ واخْتِلالِ حِرْصِهِمْ، وتَخْمِينِهِمْ إذا تَصَدَّوْا لَها، ويُعْلَمُ تَفْرِيطُ كَثِيرٍ مِنَ النّاسِ في تَحْدِيدِ الحَوادِثِ، وتارِيخِها، وكِلا الحالَيْنِ يَمُتُّ إلى الآخَرِ بِصِلَةٍ.
Page 294
18:5
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
1 translator’s note
- i.e., they could not have had knowledge of something which is not true. ↩
18:6
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
18:7
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
18:8
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
18:9
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
1 translator’s note
- Rather, it is only one of the many wonders of Allāh. ↩
18:10
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
18:11
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
18:12
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
18:13
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
18:14
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
18:15
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"