Al-Kahf 18:16
The Cave · Juz 15 · Page 295
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Atiyya
Detailed
Change
Commentary on 18:13–16
قوله عزّ وجلّ:
﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأهم بِالحَقِّ إنَّهم فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وزِدْناهم هُدًى﴾ ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ إذْ قامُوا فَقالُوا رَبُّنا رَبُّ السَماواتِ والأرْضِ لَنْ نَدْعُوَ مِن دُونِهِ إلَهًا لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾ ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ آلِهَةً لَوْلا يَأْتُونَ عَلَيْهِمْ بِسُلْطانٍ بَيِّنٍ فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾ ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهم وما يَعْبُدُونَ إلا اللهَ فَأْوُوا إلى الكَهْفِ يَنْشُرْ لَكم رَبُّكم مِن رَحْمَتِهِ ويُهَيِّئْ لَكم مِن أمْرِكم مِرْفَقًا﴾
لَمّا اقْتَضى قَوْلُهُ تَعالى: ﴿لِنَعْلَمَ أيُّ الحِزْبَيْنِ أحْصى لِما لَبِثُوا أمَدًا﴾ [الكهف: ١٢] اخْتِلافًا وقَعَ في أمْرِ الفِتْيَةِ عَقَّبَ بِالخَبَرِ عن أنَّهُ عَزَّ وجَلَّ يَعْلَمُ مَن أمْرِهِمْ بِالحَقِّ الَّذِي وقَعَ. وفي مَجْمُوعِ هَذِهِ الآياتِ جَوابُ قُرَيْشٍ عن سُؤالِهِمُ الَّذِي أمَرَتْهم بِهِ بَنُو إسْرائِيلَ و"القَصُّ": الإخْبارُ بِأمْرٍ (p-٥٧٥)يُسْرَدُ، لا بِكَلامٍ يُرْوى شَيْئًا شَيْئًا، لِأنَّ تِلْكَ المُخاطَبَةَ لَيْسَتْ بِقِصَصٍ. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَزِدْناهم هُدًى﴾ أيْ: يَسَّرْناهم لِلْعَمَلِ الصالِحِ، والِانْقِطاعِ إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، ومُباعَدَةِ الناسِ، والزُهْدِ في الدُنْيا، وهَذِهِ زِياداتٌ عَلى الإيمانِ.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَرَبَطْنا عَلى قُلُوبِهِمْ﴾ عِبارَةٌ عن شِدَّةِ عَزْمٍ وقُوَّةِ صَبْرٍ أعْطاها اللهُ لَهُمْ، ولَمّا كانَ الفَزَعُ وخَوْرُ النَفْسِ يُشْبِهُ بِالتَناسُبِ الِانْحِلالَ، حَسُنَ في شِدَّةِ النَفْسِ وقُوَّةِ التَصْمِيمِ أنْ يُشْبِهَ الرَبْطَ، ومِنهُ يُقالُ: "فُلانٌ رابِطُ الجَأْشِ" إذا كانَ لا تَفْتَرِقُ نَفْسُهُ عِنْدَ الجَزَعِ والحَرْبِ وغَيْرِها، ومِنهُ الرَبْطُ عَلى قَلْبِ أُمِّ مُوسى. وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ: أحَدُهُما أنْ يَكُونَ هَذا وصْفُ مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ الكافِرِ؛ فَإنَّهُ مَقامٌ يَحْتاجُ إلى الرَبْطِ عَلى القَلْبِ، حَيْثُ طُلِبُوا عَلَيْهِ، وخالَفُوا دِينَهُ، ورَفَضُوا في ذاتِ اللهِ هَيْبَتَهُ. والمَعْنى الثانِي أنْ يُعَبِّرَ بِالقِيامِ عَنِ انْبِعاثِهِمْ بِالعَزْمِ إلى الهُرُوبِ إلى اللهِ تَعالى ومُنابَذَةِ الناسِ، كَما تَقُولُ: "قامَ فَلانٌ إلى أمْرِ كَذا" إذا عَزَمَ عَلَيْهِ بِغايَةِ الجِدِّ، وبِهَذِهِ الألْفاظِ الَّتِي هِيَ: ﴿قامُوا فَقالُوا﴾ تَعَلَّقَتِ الصُوفِيَّةُ في القِيامِ والقَوْلِ، وقَرَأ الأعْمَشُ: "إذْ قامُوا قِيامًا فَقالُوا".
وقَوْلُهُمْ: ﴿لَقَدْ قُلْنا إذًا شَطَطًا﴾، أيْ: لَوْ دَعَوْنا مِن دُونِ رَبِّنا إلَهًا، و"الشَطَطُ": الجَوْرُ وتَعِدِي الحَدِّ والغُلُوُّ بِحَسْبِ أمْرٍ أمْرٍ، ومِنهُ: "اشْتَطَّ الرَجُلُ في السَوْمِ" إذا طَلَبَ في سِلْعَتِهِ فَوْقَ قِيمَتِها، ومِنهُ: شُطُوطُ النَوى والبُعْدُ، ومِنهُ قَوْلُ الشاعِرِ:
؎ ألّا يا لِقَوْمِي قَدِ اشْتَطَّ عَوازِلِي ∗∗∗ ويَزْعُمْنَ أنْ أودى بِحَقِّيَ باطِلِي
(p-٥٧٦)وَقَوْلُهُ تَعالى: ﴿هَؤُلاءِ قَوْمُنا﴾ مَقالَةٌ يُصْلِحُ أنْ تَكُونَ مِمّا قالُوا في مَقامِهِمْ بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، ويَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ عِنْدِ قِيامِهِمْ لِلْأمْرِ الَّذِي عَزَمُوا عَلَيْهِ. وقَوْلُهُمْ: ﴿لَوْلا يَأْتُونَ﴾ تَحْضِيضٌ بِمَعْنى التَعْجِيزِ؛ لِأنَّهُ تَحْضِيضٌ عَلى ما لا يُمْكِنُ؛ وإذا لَمْ يُمْكِنْهم ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ أنْ يُلْتَفَتْ إلى دَعْواهم. و"السُلْطانُ": الحُجَّةُ، وقالَ قَتادَةُ: المَعْنى: بِعُذْرٍ بَيِّنٍ.
قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
وهَذِهِ عِبارَةٌ مُحَلِّقَةٌ.
ثُمَّ عَظَّمُوا جُرْمَ الداعِينَ مَعَ اللهِ آلِهَةً وظُلْمَهم بِقَوْلِهِ -عَلى جِهَةِ التَقْرِيرِ-: ﴿فَمَن أظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلى اللهِ كَذِبًا﴾.
وقَوْلُهُ تَعالى: ﴿وَإذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ﴾ الآيَةَ. إنْ كانَ "القِيامُ" في قَوْلِهِ سُبْحانَهُ: ﴿إذْ قامُوا﴾ عَزْمًا -كَما تَضْمَنُ التَأْوِيلَ الواحِدَ، وكانَ "القَوْلُ" مِنهم فِيما بَيْنَهم -فَهَذِهِ المَقالَةُ يَصِحُّ أنْ تَكُونَ مِن قَوْلِهِمُ الَّذِي قالُوهُ عِنْدَ قِيامِهِمْ؛ وإنْ كانَ "القِيامُ" المَذْكُورُ مَقامَهم بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ فَهَذِهِ المَقالَةُ لا يَتَرَتَّبُ أنْ تَكُونَ مِن "مَقالِهِمْ" بَيْنَ يَدَيِ المَلِكِ، بَلْ يَكُونُ في الكَلامِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ: وقالَ بَعْضُهم لِبَعْضٍ.
وبِهَذا يَتَرَجَّحُ أنَّ قَوْلَهُ تَعالى: ﴿إذْ قامُوا فَقالُوا﴾ إنَّما المُرادُ بِهِ: إذْ عَزَمُوا ونَفَّذُوا لِأمْرِهِمْ.
وقَوْلُهُ تَعالى: "إلّا اللهَ"، إنْ فَرْضَنا الكَفّارَ الَّذِينَ فَرَّ أهْلُ الكَهْفِ مِنهم لا يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى، ولا عِلْمَ لَهم بِهِ، إنَّما يَعْتَقِدُونَ الأُلُوهِيَّةَ في أصْنامِهِمْ فَقَطْ، فَهو اسْتِثْناءٌ مُنْقَطِعٌ لَيْسَ مِنَ الأوَّلِ، وإنْ فَرَضْناهم يَعْرِفُونَ اللهَ تَعالى ويُعَظِّمُونَهُ كَما كانَتْ تَفْعَلُ العَرَبُ، لَكِنَّهم يُشْرِكُونَ أصْنامَهم مَعَهُ في العِبادَةِ، فالِاسْتِثْناءُ مُتَّصِلٌ؛ لِأنَّ الِاعْتِزالَ وقَعَ في كُلِّ ما يَعْبُدُ الكُفّارُ إلّا في جِهَةِ اللهِ تَعالى وفي مُصْحَفِ ابْنِ مَسْعُودٍ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ"، قالَ قَتادَةُ: هَذا تَفْسِيرُها، قالَ هارُونُ: وفي بَعْضِ مَصاحِفِهِ: "وَما يَعْبُدُونَ مِن دُونِنا".
(p-٥٧٧)قالَ القاضِي أبُو مُحَمَّدٍ رَحِمَهُ اللهُ:
فَعَلى ما قالَ قَتادَةُ تَكُونُ "إلّا" بِمَنزِلَةِ "غَيْرِ"، و"ما" مِن قَوْلِهِ: ﴿وَما يَعْبُدُونَ﴾ في مَوْضِعِ نَصْبٍ عَطْفًا عَلى الضَمِيرِ في "اعْتَزَلْتُمُوهُمْ" ومُضَمَّنُ هَذِهِ الآيَةِ أنَّ بَعْضَهم قالَ لِبَعْضٍ: إذْ فارَقْنا الكَفّارَ وانْفَرَدْنا بِاللهِ تَعالى فَلْنَجْعَلِ الكَهْفَ مَأْوًى، ونَتَّكِلْ عَلى اللهِ تَعالى، فَإنَّهُ يَبْسُطُ لَنا رَحْمَتَهُ، ويَنْشُرُها عَلَيْنا، ويُهَيِّئُ لَنا مِن أمْرِنا مِرْفَقًا، وهَذا كُلُّهُ دُعاءٌ بِحَسْبِ الدُنْيا، وعَلى ثِقَةٍ كانُوا مِنَ اللهِ تَعالى في أمْرِ آخِرَتِهِمْ.
وقَرَأ نافِعٌ، وابْنُ عامِرٍ: "مَرْفِقًا" بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وهو مَصْدَرٌ كالرِفْقِ فِيما حَكى أبُو زَيْدٍ، وهي قِراءَةُ أبِي جَعْفَرٍ، والأعْرَجِ، وشَيْبَةَ. وقَرَأ ابْنُ كَثِيرٍ، وأبُو عَمْرٍو، وعاصِمٌ، وحَمْزَةُ، والكِسائِيُّ، والحَسَنُ، وطَلْحَةُ، والأعْمَشُ، وابْنُ أبِي إسْحاقَ: "مِرْفَقًا" بِكَسْرِ المِيمِ وفَتْحِ الفاءِ، ويُقالانِ جَمِيعًا في الأمْرِ وفي الجارِحَةِ، حَكاهُ الزَجّاجُ، وذَكَرَ مَكِّيٌّ عَنِ الفَرّاءِ أنَّهُ قالَ: لا أعْرِفُ في الأمْرِ وفي اليَدِ وفي كُلِّ شَيْءٍ إلّا كَسْرَ المِيمِ، وأنْكَرَ الكِسائِيُّ أنْ يَكُونَ "المُرْفَقُ" مِنَ الجارِحَةِ إلّا بِفَتْحِ المِيمِ وكَسْرِ الفاءِ، وخالَفَهُ أبُو حاتِمٍ وقالَ: "المَرْفَقُ" بِفَتْحِ المِيمِ المَوْضِعُ كالمَسْجِدِ، وهُما بَعْدُ لُغَتانِ.
Page 295
18:16
وَإِذِ ٱعۡتَزَلۡتُمُوهُمۡ وَمَا يَعۡبُدُونَ إِلَّا ٱللَّهَ فَأۡوُۥٓاْ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ يَنشُرۡ لَكُمۡ رَبُّكُم مِّن رَّحۡمَتِهِۦ وَيُهَيِّئۡ لَكُم مِّنۡ أَمۡرِكُم مِّرۡفَقٗا ١٦
[The youths said to one another], "And when you have withdrawn from them and that which they worship other than Allāh, retreat to the cave. Your Lord will spread out for you of His mercy and will prepare for you from your affair facility."
18:17
۞ وَتَرَى ٱلشَّمۡسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهۡفِهِمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقۡرِضُهُمۡ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ وَهُمۡ فِي فَجۡوَةٖ مِّنۡهُۚ ذَٰلِكَ مِنۡ ءَايَٰتِ ٱللَّهِۗ مَن يَهۡدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلۡمُهۡتَدِۖ وَمَن يُضۡلِلۡ فَلَن تَجِدَ لَهُۥ وَلِيّٗا مُّرۡشِدٗا ١٧
And [had you been present], you would see the sun when it rose, inclining away from their cave on the right, and when it set, passing away from them on the left, while they were [lying] within an open space thereof. That was from the signs of Allāh. He whom Allāh guides is the [rightly] guided, but he whom He sends astray - never will you find for him a protecting guide.
18:18
وَتَحۡسَبُهُمۡ أَيۡقَاظٗا وَهُمۡ رُقُودٞۚ وَنُقَلِّبُهُمۡ ذَاتَ ٱلۡيَمِينِ وَذَاتَ ٱلشِّمَالِۖ وَكَلۡبُهُم بَٰسِطٞ ذِرَاعَيۡهِ بِٱلۡوَصِيدِۚ لَوِ ٱطَّلَعۡتَ عَلَيۡهِمۡ لَوَلَّيۡتَ مِنۡهُمۡ فِرَارٗا وَلَمُلِئۡتَ مِنۡهُمۡ رُعۡبٗا ١٨
And you would think them awake, while they were asleep. And We turned them to the right and to the left, while their dog stretched his forelegs at the entrance. If you had looked at them, you would have turned from them in flight and been filled by them with terror.
18:19
وَكَذَٰلِكَ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِيَتَسَآءَلُواْ بَيۡنَهُمۡۚ قَالَ قَآئِلٞ مِّنۡهُمۡ كَمۡ لَبِثۡتُمۡۖ قَالُواْ لَبِثۡنَا يَوۡمًا أَوۡ بَعۡضَ يَوۡمٖۚ قَالُواْ رَبُّكُمۡ أَعۡلَمُ بِمَا لَبِثۡتُمۡ فَٱبۡعَثُوٓاْ أَحَدَكُم بِوَرِقِكُمۡ هَٰذِهِۦٓ إِلَى ٱلۡمَدِينَةِ فَلۡيَنظُرۡ أَيُّهَآ أَزۡكَىٰ طَعَامٗا فَلۡيَأۡتِكُم بِرِزۡقٖ مِّنۡهُ وَلۡيَتَلَطَّفۡ وَلَا يُشۡعِرَنَّ بِكُمۡ أَحَدًا ١٩
And similarly,1 We awakened them that they might question one another. Said a speaker from among them, "How long have you remained [here]?" They said, "We have remained a day or part of a day." They said, "Your Lord is most knowing of how long you remained. So send one of you with this silver coin of yours to the city and let him look to which is the best of food and bring you provision from it and let him be cautious. And let no one be aware of you.
1 translator’s note
- By the will of Allāh. ↩
18:20
إِنَّهُمۡ إِن يَظۡهَرُواْ عَلَيۡكُمۡ يَرۡجُمُوكُمۡ أَوۡ يُعِيدُوكُمۡ فِي مِلَّتِهِمۡ وَلَن تُفۡلِحُوٓاْ إِذًا أَبَدٗا ٢٠
Indeed, if they come to know of you, they will stone you or return you to their religion. And never would you succeed, then - ever."