Al-Kahf 18:6
The Cave · Juz 15 · Page 294
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
Tafsir · in Arabic
Ibn 'Ashur
Detailed
Change
Commentary on 18:6
﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ أسَفًا﴾ تَفْرِيعٌ عَلى جُمْلَةِ ﴿ويُنْذِرَ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا﴾ [الكهف: ٤] بِاعْتِبارِهِمْ مُكَذِّبِينَ كافِرِينَ بِقَرِينَةِ الَّذِينَ قالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ ولَدًا.
صفحة ٢٥٤
و(لَعَلَّ) حَقِيقَتُها إنْشاءُ الرَّجاءِ والتَّوَقُّعِ، وتُسْتَعْمَلُ في الإنْكارِ والتَّحْذِيرِ عَلى طَرِيقَةِ المَجازِ المُرْسَلِ؛ لِأنَّهُما لازِمانِ لِتَوَقُّعِ الأمْرِ المَكْرُوهِ.
وهِيَ هُنا مُسْتَعْمَلَةٌ في تَحْذِيرِ الرَّسُولِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ والسَّلامُ مِنَ الِاغْتِمامِ والحُزْنِ عَلى عَدَمِ إيمانِ مَن لَمْ يُؤْمِنُوا مِن قَوْمِهِ، وذَلِكَ في مَعْنى التَّسْلِيَةِ؛ لِقِلَّةِ الِاكْتِراثِ بِهِمْ.
والباخِعُ: قاتِلٌ نَفْسَهَ، كَذا فَسَّرَهُ ابْنُ عَبّاسٍ، ومُجاهِدٌ، والسُّدِّيُّ وابْنُ جُبَيْرٍ، وفَسَّرَهُ البُخارِيُّ بِمُهْلِكٍ، وتَفْسِيرُهُ يَرْجِعُ إلى أبِي عُبَيْدَةَ.
وفِي اشْتِقاقِهِ خِلافٌ، فَقِيلَ مُشْتَقُّ (البِخاعِ) بِالباءِ المُوَحَّدَةِ بِوَزْنِ كِتابٍ، وهو عِرْقٌ مُسْتَبْطَنٌ في القَفا فَإذا بَلَغَ الذّابِحُ البِخاعَ، فَذَلِكَ أعْمَقُ الذَّبْحِ، قالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ في قَوْلِهِ تَعالى ﴿لَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ [الشعراء: ٣] في سُورَةِ الشُّعَراءِ، وانْفَرَدَ الزَّمَخْشَرِيُّ بِذِكْرِ هَذا الِاشْتِقاقِ في الكَشّافِ والفائِقِ والأساسِ، قالَ ابْنُ الأثِيرِ في النِّهايَةِ: بَحَثْتُ في كُتُبِ اللُّغَةِ والطِّبِّ فَلَمْ أجِدِ البِخاعَ بِالمُوَحَّدَةِ يَعْنِي أنَّ الزَّمَخْشَرِيَّ انْفَرَدَ بِهَذا الِاشْتِقاقِ، وبِإثْباتِ البِخاعِ اسْمًا لِهَذا العِرْقِ، قُلْتُ: كَفى بِالزَّمَخْشَرِيِّ حُجَّةً فِيما أثْبَتَهُ، وقَدْ تَبِعَهُ عَلَيْهِ المُطَرِّزِيُّ في المُغْرِبِ وصاحِبُ القامُوسِ، فالبَخْعُ: أصْلُهُ أنْ يَبْلُغَ الذّابِحُ بِالذَّبْحِ إلى القَفا، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلى القَتْلِ المَشُوبِ بِغَيْظٍ.
والآثارُ: جَمْعُ أثَرٍ وهو ما يُؤْثِرُهُ، أيْ يُبْقِيهِ الماشِي أوِ الرّاكِبُ في الرَّمْلِ أوِ الأرْضِ مِن مَواطِئِ أقْدامِهِ، وأخْفافِ راحِلَتِهِ، والأثَرُ أيْضًا ما يُبْقِيهِ أهْلُ الدّارِ إذا تَرَحَّلُوا عَنْها مِن تافِهِ آلاتِهِمُ الَّتِي كانُوا يُعالِجُونَ بِها شُئُونَهم كالأوْتادِ والرَّمادِ.
وحَرْفُ (عَلى) لِلِاسْتِعْلاءِ المَجازِيِّ فَيَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى: لَعَلَّكَ مُهْلِكٌ نَفْسَكَ لِأجْلِ إعْراضِهِمْ عَنْكَ، كَما يُعْرِضُ السّائِرُ عَنِ المَكانِ الَّذِي كانَ فِيهِ؛ فَتَكُونُ (عَلى) لِلتَّعْلِيلِ.
صفحة ٢٥٥
ويَجُوزُ أنْ يَكُونَ المَعْنى تَمْثِيلَ حالِ الرَّسُولِ ﷺ في شِدَّةِ حِرْصِهِ عَلى اتِّباعِ قَوْمِهِ لَهُ، وفي غَمِّهِ مِن إعْراضِهِمْ - وتَمْثِيلَ حالِهِمْ في النُّفُورِ والإعْراضِ بِحالِ مَن فارَقَهُ أهْلُهُ وأحِبَّتُهُ، فَهو يَرى آثارَ دِيارِهِمْ، ويَحْزَنُ لِفِراقِهِمْ، ويَكُونُ حَرْفُ (عَلى) مُسْتَقِرًّا في مَوْضِعِ الحالِ مِن ضَمِيرِ الخِطابِ، ومَعْنى (عَلى) الِاسْتِعْلاءُ المَجازِيُّ، وهو شِدَّةُ الِاتِّصالِ بِالمَكانِ.
وكَأنَّ هَذا الكَلامَ سَبَقَ إلى الرَّسُولِ ﷺ في آخِرِ أوْقاتِ رَجائِهِ في إيمانِهِمْ إيماءً إلى أنَّهم غَيْرُ صائِرِينَ إلى الإيمانِ، وتَهْيِئَةً لِنَفْسِهِ أنْ تَتَحَمَّلَ ما سَيَلْقاهُ مِن عِنادِهِمْ رَأْفَةً مِن رَبِّهِ، ولِذَلِكَ قالَ ”إنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهَذا الحَدِيثِ“ بِصِيغَةِ الفِعْلِ المُضارِعِ المُقْتَضِيَةِ الحُصُولَ في المُسْتَقْبَلِ، أيْ إنِ اسْتَمَرَّ عَدَمُ إيمانِهِمْ.
واسْمُ الإشارَةِ وبَيانُهُ مُرادٌ بِهِ القُرْآنُ؛ لِأنَّهُ لِحُضُورِهِ في الأذْهانِ كَأنَّهُ حاضِرٌ في مَقامِ نُزُولِ الآيَةِ؛ فَأُشِيرَ إلَيْهِ بِذَلِكَ الِاعْتِبارِ، وبَيَّنَ بِأنَّهُ الحَدِيثُ.
والحَدِيثُ: الخَبَرُ، وإطْلاقُ اسْمِ (الحَدِيثِ) عَلى القُرْآنِ بِاعْتِبارِ أنَّهُ إخْبارٌ مِنَ اللَّهِ لِرَسُولِهِ، إذِ الحَدِيثُ هو الكَلامُ الطَّوِيلُ المُتَضَمِّنُ أخْبارًا وقِصَصًا، سُمِّي الحَدِيثُ حَدِيثًا بِاعْتِبارِ اشْتِمالِهِ عَلى الأمْرِ الحَدِيثِ، أيِ الَّذِي حَدَثَ وجَدَّ، أيِ الأخْبارِ المُسْتَجَدَّةِ الَّتِي لا يَعْلَمُها المُخاطَبُ، فالحَدِيثُ (فَعِيلٌ) بِمَعْنى (مَفْعُولٍ)، وانْظُرْ ما يَأْتِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعالى ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أحْسَنَ الحَدِيثِ﴾ [الزمر: ٢٣] في سُورَةِ الزُّمَرِ.
و”أسَفًا“ مَفْعُولٌ لَهُ مِن ﴿باخِعٌ نَفْسَكَ﴾ أيْ قاتِلُها لِأجْلِ شَدَّةِ الحُزْنِ، والشَّرْطُ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ المَفْعُولَيْنِ، ولا جَوابَ لَهُ لِلِاسْتِغْناءِ عَنِ الجَوابِ بِما قَبْلَ الشَّرْطِ.
Page 294
18:5
مَّا لَهُم بِهِۦ مِنۡ عِلۡمٖ وَلَا لِأٓبَآئِهِمۡۚ كَبُرَتۡ كَلِمَةٗ تَخۡرُجُ مِنۡ أَفۡوَٰهِهِمۡۚ إِن يَقُولُونَ إِلَّا كَذِبٗا ٥
They have no knowledge of it,1 nor had their fathers. Grave is the word that comes out of their mouths; they speak not except a lie.
1 translator’s note
- i.e., they could not have had knowledge of something which is not true. ↩
18:6
فَلَعَلَّكَ بَٰخِعٞ نَّفۡسَكَ عَلَىٰٓ ءَاثَٰرِهِمۡ إِن لَّمۡ يُؤۡمِنُواْ بِهَٰذَا ٱلۡحَدِيثِ أَسَفًا ٦
Then perhaps you would kill yourself through grief over them, [O Muḥammad], if they do not believe in this message, [and] out of sorrow.
18:7
إِنَّا جَعَلۡنَا مَا عَلَى ٱلۡأَرۡضِ زِينَةٗ لَّهَا لِنَبۡلُوَهُمۡ أَيُّهُمۡ أَحۡسَنُ عَمَلٗا ٧
Indeed, We have made that which is on the earth adornment for it that We may test them [as to] which of them is best in deed.
18:8
وَإِنَّا لَجَٰعِلُونَ مَا عَلَيۡهَا صَعِيدٗا جُرُزًا ٨
And indeed, We will make that which is upon it [into] a barren ground.
18:9
أَمۡ حَسِبۡتَ أَنَّ أَصۡحَٰبَ ٱلۡكَهۡفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنۡ ءَايَٰتِنَا عَجَبًا ٩
Or have you thought that the companions of the cave and the inscription were, among Our signs, a wonder?1
1 translator’s note
- Rather, it is only one of the many wonders of Allāh. ↩
18:10
إِذۡ أَوَى ٱلۡفِتۡيَةُ إِلَى ٱلۡكَهۡفِ فَقَالُواْ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحۡمَةٗ وَهَيِّئۡ لَنَا مِنۡ أَمۡرِنَا رَشَدٗا ١٠
[Mention] when the youths retreated to the cave and said, "Our Lord, grant us from Yourself mercy and prepare for us from our affair right guidance."
18:11
فَضَرَبۡنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمۡ فِي ٱلۡكَهۡفِ سِنِينَ عَدَدٗا ١١
So We cast [a cover of sleep] over their ears within the cave for a number of years.
18:12
ثُمَّ بَعَثۡنَٰهُمۡ لِنَعۡلَمَ أَيُّ ٱلۡحِزۡبَيۡنِ أَحۡصَىٰ لِمَا لَبِثُوٓاْ أَمَدٗا ١٢
Then We awakened them that We might show which of the two factions was most precise in calculating what [extent] they had remained in time.
18:13
نَّحۡنُ نَقُصُّ عَلَيۡكَ نَبَأَهُم بِٱلۡحَقِّۚ إِنَّهُمۡ فِتۡيَةٌ ءَامَنُواْ بِرَبِّهِمۡ وَزِدۡنَٰهُمۡ هُدٗى ١٣
It is We who relate to you, [O Muḥammad], their story in truth. Indeed, they were youths who believed in their Lord, and We increased them in guidance.
18:14
وَرَبَطۡنَا عَلَىٰ قُلُوبِهِمۡ إِذۡ قَامُواْ فَقَالُواْ رَبُّنَا رَبُّ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلۡأَرۡضِ لَن نَّدۡعُوَاْ مِن دُونِهِۦٓ إِلَٰهٗاۖ لَّقَدۡ قُلۡنَآ إِذٗا شَطَطًا ١٤
And We bound [i.e., made firm] their hearts when they stood up and said, "Our Lord is the Lord of the heavens and the earth. Never will we invoke besides Him any deity. We would have certainly spoken, then, an excessive transgression.
18:15
هَٰٓؤُلَآءِ قَوۡمُنَا ٱتَّخَذُواْ مِن دُونِهِۦٓ ءَالِهَةٗۖ لَّوۡلَا يَأۡتُونَ عَلَيۡهِم بِسُلۡطَٰنِۭ بَيِّنٖۖ فَمَنۡ أَظۡلَمُ مِمَّنِ ٱفۡتَرَىٰ عَلَى ٱللَّهِ كَذِبٗا ١٥
These, our people, have taken besides Him deities. Why do they not bring for [worship of] them a clear evidence? And who is more unjust than one who invents about Allāh a lie?"